Top
Image Alt

أركان الإجارة، وشروط صحتها

  /  أركان الإجارة، وشروط صحتها

أركان الإجارة، وشروط صحتها

الإجارة شأنها شأن كل العقود، خصوصًا عقود المعاوضات لها أركان محددة:

  1. العاقدان -المؤجر والمستأجر.
  2. العين المؤجرة، أو الإنسان الأجير سواء أكان أجيرًا مشتركًا يعمل للناس جميعًا، كالحائك، والنجار، والحداد، وما إلى ذلك، أو كان أجيرًا خاصًّا، كالخادم الذي يخدمك، فهذا يسمى بالأجير الخاص.
  3. سواء كانت العين المؤجرة، منفعة يحصل عليها الإنسان من شيء، كمنفعة الركوب للسيارة، أو السكنى بالنسبة للدار، أو كانت إنسانًا يُنتفع بخدماته، أجيرًا عامًّا أو خاصًّا.
  4. المنفعة التي يحصل عليها المستأجر، ويملكها المؤجر.
  5. الأجرة أو العوض، أو المقابل الذي يدفعه المستأجر للمؤجر.

كل ركن من هذه الأركان توقف عنده الفقهاء، واشترطوا فيه شروطًا حتى يكون صحيحًا.

إذا بدأنا بالمؤجر، والمستأجر فهما المتعاقدان، يشترطُ في المؤجر والمستأجر ما يشترط في أيِّ عاقِدَين في البيع، أو القرض، أو الرهن، أو أيِّ معاملة مالية أخرى، ويشترط في كُلٍّ منهما أن يكون أهلًا للتعاقد بأن يكون بالغًا عاقلًا؛ لأن غيرَ البالغ -الصبي- إذا كان مميزًا ومأذونًا له، فلا بأس عند بعض الفقهاء، لكن إذا كان صبيًّا دون التمييز، فلا يجوز التعاقد معه، وكذلك أن يكون عاقلًا؛ لأن المجنون ساقطة تصرفاته، وكذلك المعتوه، سواء أكان -يعني: جنونه- متقطعًا، أو كان جنونه مستمرًّا، لا يجوز التعاقد معه؛ لأنه فاقد العقل.

والمتعاقد يجب أن يكون أهلًا للتعاقد، بأن يكون بالغًا عاقلًا، حُرَّ التصرَفِ، يعني: غير محجور عليه لسفه، أو محجورًا عليه؛  لمرض الموت، وأن يكون مختارًا، يعني: غير مكره ؛ لأن المكره لا إرادة له؛ وبالتالي فلا تصح إجارته، لا بأن يكون مؤجرًا، ولا بأن يكون مستأجِرًا.

وأحيانًا يكون المؤجَّر أو الأجير إنسانًا، لينتفع به أيضًا، فإن كان الأجير أو الشيء المؤجَر حيوانًا أو إنسانًا يجب تحديده، وبيان الوقت الذي ننتفع به فيه، والمكان والعمل الذي يطلب منه.

وإن كان شيئًا من الأشياء؛ كالدور والعقارات والسيارات ونحوها؛ وجب تحديد المنفعة المبتغاة منه، فمثلًا: ينبغي تحديد الغرض من هذه المنفعة، وأن تكون تلك المنفعة حلالًا لا حرامًا، فلا يجوز تأجير أيِّ شيء لتحصيل منفعة بالنسبة له، وهي منفعة حرمها الشارع، كالزنا، فالنبي صلى الله عليه  وسلم حرَّم الأجر فيه، وسماه: ((مهر البغي))؛ فورد في الصحيح: أن النبي صلى الله عليه  وسلم: ((نهى عن ثمن الكلم، وحلوان الكاهن))، أي: ما يعطاه مقابل البشارة، أو الكلام الذي يتنبأ به، حرام أيضًا، ((ومهر البغي))، أي: أجر الزنا، فالله سبحانه وتعالى يقول: {وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصّناً لّتَبْتَغُواْ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَمَن يُكْرِههُنّ فِإِنّ اللّهِ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنّ غَفُورٌ رّحِيمٌ} [النور: 33].

فالمنفعة المحرمة لا يجوز الإيجار عليها، ومثال ذلك: القتل: كأن يستأجر شخص شخصًا آخر ليقتل له شخصًا ثالثًا، مقابل مبلغ معين؛ فهذا لا يجوز، أو أجْرُ النائحة التي تنوح على الميت، فهذا أيضًا لا يجوز.

بالإجمال كل المنافع المحرمة لا يجوز دفع الأجرة في مقابلها، ولا يجوز الاتفاق والتعاقد عليها، إنما الإجارة تكون على منفعة، وتكون المنفعة حلالًا، أحلها الشرع، كالسكنى في الدار، أو الانتقال من مكان إلى مكان، أو إجارة الشخص لخياطة الثوب أو لبناء دار، أو زراعة أرض، أو حيوان يؤجر، فكل هذا جائز؛ لأن المنفعة هنا حلال.

يشترط أيضًا ألا تكون هذه المنفعة واجبة على المستأجر، يعني: لا يجوز مثلًا أن الإنسان يطلب أجرة على صلاة العصر أو صلاة الظهر، كأن يصلي الظهر، ويطلب الأجرة على هذا؛ فلا يجوز، كما لا يجوز أن يؤجر شخصًا ليصلي عنه، فيقول له: صلِّ عني، أو صم عنيِّ مقابل أجر معين؛ فلا يجوز هذا، وكل الأمور التي لا تجوز فيها النيابة خصوصًا في العبادات، لا تجوز الإجارة عليها، يعني: الصلاة مثلًا، معلوم ومتفق على أنه لا تجوز الإجارة عليها، أي: أخذ الأجرة على الصلاة.

ومجمع كذلك على الصيام، فلا يجوز أن يقول: صم عني وخذ كذا، أو أصوم عنك رمضان وآخذ منك كذا، فهذا لا يجوز؛ إنما في الحج خلاف؛ فيجوز في الحج على خلاف بين الفقهاء أن يقوم شخص بالحج عن شخص آخر، ويأخذ مقابل ذلك أجرًا.

واختلف العلماء في أخذ الأجرة على القُرَب -وهي الأمور التي يتقرب بها العبد إلى الله- كالأذان مثلًا، أو الإقامة، أو الإمامة، أو قراءة القرآن، يقرأ القرآن، ويأخذ على ذلك أجرًا، أو يعلِّم الناس القرآن، أو يعلمهم العلم النافع، كالتفسير والفقه، وما إلى ذلك، ويأخذ على ذلك أجرًا.

فلنأخذ مثلًا قراءة القرآن كنموذج لموقف العلماء من الإجارة على القرب، فقد اختلف الفقهاء في جواز أخذ الأجرة على قراءة القرآن، وعلى تعليم القرآن على رأيين:

الرأي الأول: وهو رأي الإمام أحمد بن حنبل، والإمام أبي حنيفة، ومن وافقهما، حيث ذهبوا إلى عدم جواز أخذ الأجر على قراءة القرآن، ولا على إقرائه، ولا على تعليمه للصغير، أو الكبير، ويجب أن يكون هذا دون أجر ابتغاء وجه الله. واستدلوا بحديث عمران بن حصين رضي الله  عنه عن النبي صلى الله عليه  وسلم قال: ((اقرءوا القرآن، واسألوا الله به، فإن مِن بعدكم أقوامًا يقرءون القرآن، يسألون به الناس))، رواه الإمام أحمد، والترمذي، وقال الترمذي: حديث إسناده ليس ذلك.

كما استدلوا بحديث عبد الرحمن بن شبل رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه  وسلم قال: ((اقرءوا القرآن، ولا تغلوا عنه، ولا تجفوا عنه))، يعني: لا تغالوا فيه، ولا تبتعدوا عنه كثيرًا، وهو حديث رواه أحمد، وقال الهيثمي في: (الزوائد): رجال أحمد ثقات.

ووجه الاستدلال من الحديث الأول: أن النبي صلى الله عليه  وسلم أمر بقراءة القرآن وسؤال الله به، ونهى عن أن يقرأه الإنسان، ويسأل به غيره، وتنبأ بأنه سيأتي أقوام -وهذه الصيغة تدل على عدم رضاه عن هؤلاء- يسألون الناس بقراءة القرآن.

ووجه الاستدلال بالحديث الثاني: أن النبي صلى الله عليه  وسلم عندما أمر بقراءة القرآن نهى عن المغالاة فيه، ومن المغالاة في طلب الأجر عليه، ((ولا تجفوا عنه))، نهى عن مجافاة القرآن، يعني: عن عدم العمل بما ورد به.

الرأي الثاني: ذهب الجمهور إلى أن أخذ الأجرة على تعليم القرآن بل وعلى قراءته جائزة، واستدلوا على ذلك ببعض الأحاديث الصحيحة، وأولوا الحديثين السابقين، يعني: فهموا من كل منهما فهمًا مغايرًا لما فهمه ما استدلوا به، فقالوا: حديث عمران ليس فيه النهي عن الأجرة، إنما النهي فيه عن السؤال، يعني: الاستجداء بالقرآن، أما الأجر فهو أمر آخر غير الاستجداء.

والحديث الثاني ليس فيه نهي عن الأجر، إنما فيه نهي عن المغالاة، ونهي عن المجافاة للقرآن، وأما ما استدلوا به، فقد ورد في: (الصحيحين): ((أن النبي صلى الله عليه  وسلم زوج رجلًا ليس معه ما يدفعه مهرًا، ولو خاتمًا من حديد، زوجه على ما معه من القرآن))، ومعني ذلك: أن تعليمه لزوجته القرآن الكريم، يقابل الأجر أو يقابل المهر.

والأصل في المهر أنه مال؛ فمقابله يجب أن يكون مالًا أيضًا.

وورد في بعض روايات هذا الحديث، أن النبي صلى الله عليه  وسلم قال لهذا الرجل: ((ملكتكها بما معك من القرآن))، يعني: زوجتكها، أو جعلتها مِلْكًا لك، مقابل ما معك من القرآن، تقرأه لها، أو تُقرئها إياه.

كما استدلوا أيضًا بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله  عنه وهو في (الصحيح) أيضًا عندما مَرَّ هو،ومن معه على أهل منطقة ما من القبائل، وطلبوا منهم أن يضيفوهم فرفضوا، وبعد قليل لدغ سيد الحي، فجاءوا يطلبون منهم راقيًا، قالوا: “هل فيكم من راقٍِ؟ قال أبو سعيد: نعم، أنا أرقي، ولكن لا أرقي لكم حتى تجعلوا لنا جُعْلًا”؛ فجعلوا لهم جعلًا من الغنم، فقام أبو سعيد، فقرأ الفاتحة على الرجل اللديغ، فقام كأنما نشط من عقال.

ولما أعطوهم الجُعْلَ؛ جعل أصحاب النبي صلى الله عليه  وسلم يختلفون، هل يصح أن نأخذه أم لا؟ فقالوا: نسأل النبي صلى الله عليه  وسلم فلما سألوه قال: ((إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا، كتاب الله))، وقد فهم بعض الناس أن الأجر هنا هو الأجر الأخروي، لكن يأباه أن سياق الحديث يدل على الأجر الدنيوي، بل إن النبي صلى الله عليه  وسلم قال لهم على سبيل المبالغة: ((اضربوا لي معكم بسهم))، مما يدل على مشروعية أخذ الأجر في هذه الحالة.

والراجح، هو القول الثاني، الذي يجوِّز أخذ الأجر على تعليم القرآن، وعلى إقرائه وعلى قراءته أيضًا، ولكن على ألا يشترط من يأخذ هذا الأجر، ولا يبالغ، ولا يغالي على أنه إذا أخذ الأجر، واشترطه؛ فإن أغلب الظن أنه لا أجر له عند الله، ولا شك أن الأفضل هو ألا يأخذ على ذلك أجرًا، بل يبتغي به وجه الله.

وقد ذهب المتأخرون حتى من الحنفية -الذين كانوا في البداية يرفضون أخذ الأجر على تعليم العلم، وعلى الآذان، والإمامة، وإقامة الشعائر الدينية- إلى الجواز؛ وعللوا ذلك بأن الناس كانوا في الماضي عندما يقرئون القرآن أو يقرءونه، أو يعلمون الناس الخير يأخذون مقابل ذلك من بيت المال، ومن الأوقاف الخيرية التي يقفها الصالحون.

لكن اختلف الزمان، واستولت بعض الحكومات على الأوقاف، وأصبح القيام بهذه الوظائف لا يجد من يقوم به إلا إذا كان له على ذلك أجر، فأفتى المتأخرون من الفقهاء -الذين كانوا يخالفون في البداية- بجواز أخذ الأجر على ذلك بسبب انقطاع رواتب هؤلاء، فأصبحوا لا يأخذون أجرًا من الحكام، بل إن الحكام أنفسهم استولوا على الأوقاف الخيرية التي كان ينفق منها على هؤلاء، ولو تُرِكَ الأمر دون إعطاء هؤلاء أجورهم لانقرض تعليمُ القرآن.

واشترطوا في الأجرة، أو في الأجر، أو الإجارة أن تكون مالًا متقومًا معلومًا.

ومعنى كلمة مال تختلف عن النقود، فالمال أعم من النقود، المال كل ما ينتفع به هو أو أصله منفعةً في غير وقتِ الضرورة.

ويشترط في الأجرة أن تكون مالًا، ويشمل ذلك النقود، ويشمل غيرها مما فيه فائدة، كالثمار أو الخضروات أو أيّ شيء له قيمة، ويسميه الناس “مالًا”.

وأن يكون هذا المال متقومًا، يعني: محترمًا شرعًا، فمن أتلفه وجب عليه الضمان، بخلاف الخنزير، أو الخمر، أو الأشياء التي لا منفعة فيها، فهذه ليست مالًا.

وأن يكون هذا المال المتقوم معلومًا، لكل من المتعاقدين؛ منعًا للنزاع، والعلم بها يأتي من تحديدها حسب الاتفاق عليها، أو حسب تحديد العرف لها، وإذا لم تحدد؛ وجبت أجرة المثل، أو أن شخصًا عمل عملًا لشخص آخر، كأن بنى له دارًا، ولم يتفقا على الأجر، فيأخذ الأجير أجرة المثل، والذي يحدد ذلك هم أهل الخبرة؛ منعًا للنزاع أو الخلاف.

ويجوز اشتراط تعجيل الأجرة، ويجوز اشتراط تأجيلها، ويجوز أخذ بعضها في البداية، وبعضها عند الانتهاء، أو يجوز أن تكون على مراحل متعددة حسب الاتفاق؛ لكن تستحق، وتثبت، وتستقر بعد الفراغ من العمل، أو استيفاء المنفعة، أو التمكن من هذا الاستيفاء، أو عند اشتراط التعجيل فتقبض في مجلس العقد، بمجرد انتهاء العقد.

error: النص محمي !!