Top
Image Alt

أركان الحسبة في الإسلام:المحتسَب عليه، والمحتسَب فيه

  /  أركان الحسبة في الإسلام:المحتسَب عليه، والمحتسَب فيه

أركان الحسبة في الإسلام:المحتسَب عليه، والمحتسَب فيه

للحسبة أربعة أركان, تتضمّن كلّ ما يتعلّق بعملية الحسبة:

“المحتسِب”, وهو: مَن يقوم بعمليّة الاحتساب، أو بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بولاية -أي: بوظيفة- أو بتطوّع.

و”المحتسَب عليه”, وهو: مَن يصدر منه ترْك المعروف, أو فعْل المنكَر.

و”المحتسَب فيه”, وهو: ما تجري فيه الحسبة، وله شروط.

و”الاحتساب” هو: عمليّة الحسبة ذاتها، أو نفس الاحتساب، أي: ما يقوم به المحتسِب تجاه المعروف المتروك, أو المنكر الموجود. وله أيضًا مراتب بحسب الفاعل، وفعْله، والظروف المحيطة به.

الرّكن الأوّل: المحتسَب عليه:

والمقصود بـ”المحتسَب عليه”: الإنسان الذي استحقّ الأمر بالمعروف لِتَرْكه له، والنّهي عن المنكَر لارتكابه له.

وقولنا: “إنسان” لإخراج غيره؛ لأنّ الحسبة عبارة عن المنْع عن المنكَر لحق الله؛ صيانة للممنوع من مقارفة المنكر. والفعل لا يكون منكَرًا إلا إذا صدر ممّن يوصَف فعْلُه بذلك، وهذا لا يكون إلا في الإنسان فقط -كما قرّر الغزالي في (الإحياء).

هذا، ويُشترط في المحتسَب عليه أن يكون قد ارتكب مفسدة واجبة الدّفع، أو ترَك مصلحة واجبة الحصول.

وعلى ذلك، لا يُشترط فيه أن يكون عاقلًا بالغًا. صحيح أنّ البلوغ شرْط والعقل شرْط من شروط التكليف بالأحكام الشرعية، لكن لو شرِب الصّبيّ الخمر مثلًا؛ وجب الاحتساب عليه لِمنْعه منه، وإن لم يكن مميِّزًا، تأديبًا وزجْرًا؛ وهذا حتى لا يعتاد هذا الفعل، أو ينشأ معتقِدًا عدَم حرْمته، بدليل أنّنا وجدْنا النبي صلى الله عليه وسلم يُعلِّمنا أن نُعلِّم أبناءنا وصِبيانَنا الصلاة, وأن نضربهم عليها.

فالنبي صلى الله عليه وسلم يأمُر بالصلاة ويضرب عليها؛ حتى يتنبّه الصّبيّ إلى أهمِّيّتها، ويكون سهلًا عليه القيام بأدائها إذا بلغ. قال صلى الله عليه وسلم: ((مُروا أولادَكم بالصلاة وهم أبناء سبْع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناءُ عشْر, وفرِّقوا بينهم في المضاجع)).

كما لا يُشترط في المحتسَب عليه العلْم بكون المعروف معروفًا، أو بكون المنكَر منكَرًا؛ فيؤمر الجاهل بالمعروف وإن كان لا يعرفه، ويُنهى عن المنكَر وإن لم يكن عالمًا بتحريمه. وهكذا، فإن المحتسَب عليه يظهر منه فعْل المنكَر أو ترْك المعروف، ويكون هذا حاله في وجوب الاحتساب له، ومنْعه من ارتكاب ما نهَى الله عز وجل.

الرّكن الثاني: المحتسَب فيه، وشروطه:

أي: ما يجري فيه الحسبة, من الأمر بالمعروف إذا ظهر ترْكه، ومن النهي عن المنكَر إذا ظهر فعْله.

والكلام عن المحتسَب فيه, يتضمّن فرعيْن:

الأول: ما يجب فيه الأمر بالمعروف.

الثاني: ما يجب فيه النهي عن المنكر.

لكن قبل الشروع في تفصيل هذيْن الفرعيْن، حبّذا لو أشرنا إلى أهمّ الشروط التي يجب أن تتوافر في المحتسَب فيه عمومًا, وهي على النحو الآتي:

الشرط الأول: أن يكون منكَرًا؛ ومعنى كونه منكَرًا: أن يكون محظور الوقوع في الشرع، سواء كان تركًا لمعروف أو ارتكابًا لمحظور، وسواء كان صغيرًا أو كبيرًا.

ولا يُشترط في كونه منكرًا, أن يكون مُلابِسُه أو مُقترفُه أو مُرتكبُه عاصيًا؛ إنما يُشترط فيه أن يكون مُلابِسًا لِمفسدة واجبة الدّفع، أو تاركًا لمصلحة واجبة الحصول.

فإنّ من رأى صبيًّا أو مجنونًا يشرب الخمر، فعليه أن يُريقَه، ويمنعه من شربه. وكذا إذا رأى مجنونًا يزني بمجنونة أو بهيمة، فيجب عليه أن يمنعه من ذلك. وهذا الفعل وما يُشبهه يجب دفعُه بكلّ السّبُل المتاحة، وإن كان لا يُسمَّى في حقّ الصغير أو المجنون معصيةً؛ ولذلك عُدل عن لفظ “المعصية” إلى لفظ “المنكَر”؛ لأنه أعمّ منها.

الشرط الثاني: أن يكون المنكَر موجودًا في الحال, فإذا كان قد وقع وانتهى؛ لم يملك المتطوِّع بالحسبة من مراتب الاحتساب في هذه الحالة إلا الوعظ والنّصح، أو رفع الدّعوى حسبة أمام القاضي إذا ترتّب على ارتكاب ذلك المنكَر عقوبة، أو إذا كان عليه عقوبة تقديرية أو تعزيرية. فإذا كان لهذا الفعل عقوبة مقرّرة أو تعزيرية, في هذه الحالة يكون للمتطوِّع أن يرفع الدعوى حسبةً؛ حتى لا تشيع الفاحشة وينتشر الفساد، مع الأخذ بالاحتياط في ارتكاب المنكَر أو المعصية؛ فيكون هناك ردع وزجر بما يتلاءم مع كِبر الذنب وصِغَره، ومع كثرته أو قِلّته.

فالمحتسِب المتطوِّع إذا وقَع المنكَر وانتهى، لم يَملك في هذه الحالة إلا الوعظ والنصح، أو رفع الدعوى حسبة، أو ابتغاء وجْه الله رب العالمين؛ حتى لا تشيع الفاحشة في الذين آمنوا.

أمّا والي الحسبة، أو المحتسِب الرسمي، أو الموظّف في هذه الولاية، فله أن يؤدِّب وأن يعاقب المحتسَب عليه، وإن انتهى مِن عمَل المنكَر، بحسب ما يملكه من صلاحيات؛ كمعاقبة آكل الرِّبا، والمطفِّف في الكيل والميزان، والذي يتعرّض للنساء، ونحو ذلك. فيعاقِب المحتسِب كلّ واحد من هؤلاء بقَدْر ما ارتكبه؛ بقَدْر عظم الذنب أو المنكَر وصِغَره، وبحسب اجتهاده، بما يكفل تأديبهم، ويزجرهم عن معاودة الفعل المنكَر، ويردع غيرَهم.

وإذا علِم المحتسِب أنّ أحدَهم قد همّ بارتكاب المنكَر، ودلّت القرائن على تهيئته لذلك؛ كمن يستعدّ بكنس المجلس وترتيبه لشُرب الخمر ولم يحضره بعد، فللمحتسب -واليًا كان أو متطوِّعًا- الإنكار عليه بطريق الوعظ والنصح، وبطريق التذكير بعظم عقوبة الله عز وجل. فإذا لم تكن هناك قرائن تدلّ على الإقدام على ارتكاب المنكر، وإنما هو احتمال وقع في ظنِّه، فلا يجوز له -واليًا كان أو متطوِّعًا- الإنكار على ذلك الشخص؛ لأنّ فيه إساءةَ ظنٍّ بالمسلم.

الشرط الثالث: أن يكون المنكَر ظاهرًا للمحتسِب من غير تجسّس, أو من غير تحسّس. و”التّجسّس” هو: طلب الأمارات المعرِّفة، أو البحث عنها وتتبّعها, وهو منهيّ عنه لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا}، [الحجرات: 12], وقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تَحاسدوا، ولا تَباغَضوا، ولا تَجسَّسوا، ولا تَناجَشوا، ولا تَدابروا؛ وكونوا عباد الله إخوانًا)).

ولأن في هذا التجسّس أو التحسّس انتهاكًا لحرمة الأشخاص والبيوت، واطّلاعًا على عورات الناس، وكشفًا لأسرارهم، ومن ثمّ كانت هذه النصوص المتواترة في القرآن الكريم, وفي سُنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم في النهي عن التّجسّس أو عن التّحسّس، سواء بتتبّع عورات الناس أو الاطّلاع على أسرارهم.

هذا، وقد روي: “أنّ عبد الرحمن بن عوف حرس ليلة مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه في المدينة، فبينما هما يمشيان شبّ لهما سراج في بيت، فانطلقا يؤمّانه. حتى إذا دنوَا منه، إذا باب مجافٍ على قوم لهم فيه أصوات مرتفعة. فقال عمر رضي الله عنه وقد أخذ بيد عبد الرحمن: أتدري بيت مَن هذا؟ قال: لا. قال: هذا بيت ربيعة بن أميّة بن خلَف, وهم الآن شَرْب -أي: يجتمعون على الشراب. يقول عمر لعبد الرحمن: فما ترى؟ فقال عبد الرحمن: أرى قد أتيْنا ما نهى الله عنه؛ نهانا الله عز وجل عن التجسس فقال: {وَلاَ تَجَسَّسُوا}، وقد تجسّسْنا, فانصرف عمر عنهم وترَكَهم” أخرجه الحاكم.

وعلى ذلك، لا يجوز للمحتسِب أن يبحث ويُنقِّب عمّا لم يظهر من المحرّمات؛ فليس له أن يسترق السمع على الأبواب، ولا أن يتعرّض للناس بالسؤال والتفتيش, إلا إذا وُجدت القرائن والأمارات الظاهرة والتي لا احتمال معها على ارتكاب المنكر؛ كسماع أصوات آلات اللهو من خارج الدار، وارتفاع أصوات السّكارى بالكلمات المألوفة بينهم, بحيث يسمعها أهل الشارع.

لكن من قبيل تتمّة الفائدة, فإنه يُستثنى من شرط الظهور: ما إذا كان يترتّب على ترك التّجسس انتهاك المحارم, وارتكاب المحظورات التي يفوت استدراكها, إذا لم يُقدِم المحتسِب على الكشف والبحث عنها، كما إذا غلب على ظنِّه، أو دلّت الأمارات، أو أخبره مَن يثِق بصدْقه أنّ رجلًا خلا بامرأة ليزني بها، أو برجل ليقتله، ففي هذه الحالة للمحتسِب أن يتجسّس على ذلك، ويهجم على المحتسَب عليه قبل أن يقع المنكر ويفوت الأمر فيه.

الشرط الرابع: أن يكون المنكَر معلومًا من غير خلاف يُعتدّ به، أي: ليس محلّ خلاف حتى يُعتدّ بهذا الخلاف.

وقد قلنا في هذا الشرط: “من غير خلاف يُعتدّ به” احترازًا عن الخلاف الذي لا يُعتدّ به ولا اعتبار له؛ لظهور مخالفته للكتاب أو السُّنّة أو الإجماع، كإنكار بعث الأجسام مثلًا، وإنكار حدوث العالَم، والقول بجواز رِبَا الفضل؛ فإن هذه الأمور ونحوها لا تمنع المحتسِب من القيام بواجب إنكارها، وإن انطوت على خلاف؛ لكنه خلاف لا يُعتدّ به.

error: النص محمي !!