Top
Image Alt

أركان اللقطة

  /  أركان اللقطة

أركان اللقطة

العنصر الثاني في أركان اللقطة، والعنصر الثالث سوف يكون في أحكامها، والعنصران مرتبطان ببعضهما، فإذا تحدثنا عن العنصر الثاني أركان اللقطة، فهي أركان ثلاثة: الالتقاط، والملتقط، واللقطة نفسها. فهذه أركان اللقطة ولا تخرج عن هذا.

في العنصر الثالث نتكلم عن أحكام اللقطة، لكن قبل الكلام في أحكام اللقطة في العنصر الثالث, نبين حكم كلٍّ من الركنين الأولين من أركانها الثلاثة: الالتقاط، والملتقط واللقطة.

نسأل قبل الكلام في أحكام اللقطة التي سوف تأتي في العنصر الثالث: ما هو حكم الالتقاط في حد ذاته؟ وما حكم الملتقط؟

اختلف الفقهاء في حكم الالتقاط، وحكم اللقطة بمعنى التقاطها مشروع في الجملة، لكن هنا في التفصيل نقول: حكم الالتقاط, هل هو أفضل أم الترك؟

خلاف الفقهاء على النحو الآتي:

الرأي الأول وذهب إليه الحنفية والشافعية: قالوا: الالتقاط أفضل وهو مستحب, إذا كان الملتقط أمينًا وسيقوم بتعريفها, وإذا لم يكن كذلك -أي: لم يعرفها- فالترك أولى من الالتقاط.

وإذا وصل الأمر إلى أنه أخذها بنية امتلاكها حرم عليه ذلك؛ لأنه صار كالغاصب في هذه الحالة.

ويصير الالتقاط فرضًا إذا خاف عليها من الضياع؛ لأن من الواجب على المسلم أن يحفظ مال أخيه المسلم؛ لأن الله تعالى يقول: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} [التوبة: 71]، وإذا كان المؤمن وليًّا للمؤمن فيجب عليه حفظ ماله, فلا يتركه عُرْضة للضياع.

إذًا: الشافعية والحنفية يقولون: الالتقاط أفضل أو مستحب, هذا إذا كان أمينًا وسيقوم بتعريفها، وإلا فإذا لم يكن كذلك فقد عرفنا الحكم, قد يأخذها بنية امتلاكها، وهذا حرام، وقد يكون الالتقاط فرضًا؛ أي: يرتفع من درجة الاستحباب والأفضلية إلى أن يصير في حقه فرضًا, وذلك إذا خاف عليها من الضياع بدليل أن الواجب على المسلم حفظ مال أخيه؛ لنص القرآن الكريم.

والمالكية قالوا: إذا كان الملتقط أو الشخص قبل أن يلتقط يعلم من نفسه الخيانة, أي: إنه إذا وجد لقطة يأخذها ليتملكها، ولا ينوي تعريفها -كان الالتقاط حرامًا، وهذا ما قال به الحنفية والشافعية قبل ذلك، وإن كان يخاف -لا يتحقق- فنقول قبل ذلك: إذا كان يعلم متحققًا من نفسه أنها طبعت على الخيانة، فإذا وجد أية لقطة يأخذها ليتملكها، وليس عنده نية التعريف، فهذا الالتقاط في حقه حرام.

وإن كان يخاف؛ أي: ليس متحققًا من خيانة نفسه, فهو بين بين؛ أي: نفسه تريد أن تأخذها للتملك ويصحو ضميره فيقول: لا، فهذه أموال الغير، وهكذا -كان مكروهًا؛ لأن الكراهة أخف درجة من الحرمة؛ لأنه هنا متردد فيخاف؛ أي: لا يتحقق من خيانة نفسه.

أما إذا كان يثق من نفسه بأمانتها، فإما أن يكون بين قوم يغلب عليهم الأمانة أو يخاف منهم الخيانة, فهو في بلد ما، وهذه البلد يغلب على أهلها الأمانة أو يخاف الخيانة, فنقول له: إن خاف منهم الخيانة بمعنى أنه إذا ترك هذه اللقطة، وهي المال الملقى على الأرض، وهو يلتمس من نفسه الأمانة، أو يثق من نفسه -وجب عليه أن يلتقط اللقطة؛ ليسير في طريق تعريفها إلى آخر الطريق.

وإن لم يخف من هؤلاء الناس, فالمالكية لهم ثلاثة أقوال في هذا:

الأول: إن لم يخف منهم الخيانة، أي: هو لا يعلم إن كانوا، ولا يخاف بمعنى أنه يغلب جانب الأمانة وليس الخيانة، فقال المالكية: إن لم يخف منهم الخيانة؛ يستحب مطلقًا التقاطها.

الثاني: لا يستحب الالتقاط إلا في اللقطة التي لها بال؛ أي: لها قيمة مالية كبيرة.

الثالث: الكراهة، والتعبير بالكراهة يتوافق مع خوفه الخيانة منهم، لكن إذا علم منهم الخيانة وجب عليه الالتقاط.

إذًا: المالكية يقولون ثلاثة آراء؛ الاستحباب مطلقًا، والاستحباب للالتقاط في اللقطة التي لها قيمة، والرأي الثالث الكراهة.

وممن قال بالكراهة أيضًا موافقة لهذا الرأي عند المالكية الإمام أحمد، وروي عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما.

واستدل هؤلاء جميعا, ومعهم رأي المالكية في القول بالكراهة بقوله صلى الله عليه وسلم ((ضالة المسلم حرق النار)) فكأنهم يقولون: إذا كان للمسلم ضالة فلا تقبل عليها ولا تأخذها؛ فإن في ذلك سببًا لحرق النار, ولأنه -أي الملتقط- قد يخاف من التقصير في القيام بما يجب عليه من التعريف بها، ويخاف من نفسه أن يترك التعدي عليها، فكان الترك له أولى وأسلم.

من هنا قالوا: يكره له أن يلتقطها استنادًا لهذا الحديث، وللأمر المعنوي هذا؛ أنه قد يمكن أن يقصر في القيام بحقها في التعريف, أو قد يتعدى عليها… إلى آخره.

وعن حكم الملتقط, فالحنفية والشافعية يقولون: الالتقاط أفضل أو مستحب إذا كان الملتقط أمينًا يقوم بتعريفها، وإن أخذها بنية امتلاكها حرُم، وإذا خاف عليها من الضياع وجب عليه؛ لقوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} [التوبة: 71].

أما المالكية فقالوا: الملتقط إذا كان يعلم من نفسه الخيانة -كما قال الشافعية- ولا ينوي تعريف اللقطة؛ كان الالتقاط حرامًا كما قال الجمهور قبل ذلك, وإن كان يخاف -أي: لا يتحقق من خيانة نفسه- فهذا يعتبر مكروهًا، وإن كان يثق بأمانة نفسه فإما أن يكون بين قوم يغلب عليهم الأمانة أو يخاف منهم الخيانة، فإن خاف منهم الخيانة وجب عليه الالتقاط, وإن لم يخف منهم الخيانة، وجدت أقوال ثلاثة عند المالكية، كان منها قول بالكراهة، وقال بهذه الكراهة أيضًا الإمام أحمد، وابن عباس، وابن عمر, واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: ((ضالة المسلم حرق النار)).

وقد اختلف الفقهاء في الشخص الذي يصح منه الالتقاط, كما يلي:

الرأي الأول: ذهب إليه الحنفية والشافعية في الراجح عندهم, والحنابلة إلى أنه يجوز الالتقاط من أي إنسان، سواء كان مكلفًا أم غير مكلف، رشيدًا أم غير رشيد؛ فيصح الالتقاط من الصبي والمجنون والمعتوه والسفيه، ومن المسلم والذمي، واستدلوا على رأيهم هذا بأمرين:

الأمر الأول قالوا: عموم الأخبار الواردة في اللقطة لم تفرق بين ملتقط وآخر؛ أي: إن عموم الأخبار الواردة بمشروعية اللقطة، وهي من وجد لقطة فليعرفها، وما كان من أمر زيد بن خالد الجهني, وغيره، تدل على أن الملتقط أيًّا كان, مسلمًا غير مسلم، صبيًّا مجنونًا معتوهًا سفيهًا, فكله يلتقط.

الأمر الثاني: استدلوا أيضًا بأن الالتقاط نوع تكسب، فصح من هؤلاء كالاصطياد ونحوه، والاصطياد هو اصطياد الحيوانات المباحة، فتصح من الصبي والمجنون وهكذا، والالتقاط أيضًا فيه نوع تكسب مع أنه قد يكون له مالك؛ لأن الالتقاط أمانة في الابتداء، وقد يكون اكتسابًا في الانتهاء، أي: إن الالتقاط أمانة في الابتداء بحفظها لصاحبها ابتداء في بداية أمرها، وإذا لم يظهر لها صاحب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((فإن لم يأت بعد سنة, فشأنك بها)) أي: يتم اكتساب ملكيتها بعد سنة، فيكون هذا اكتسابًا.

فالراجح عند الشافعية والحنابلة، أن الالتقاط يجوز من أي إنسان، واستدلوا بدليلين.

الرأي الثاني: قال به المالكية وبعض الشافعية، وهو أن الالتقاط لا يصح إلا من حر مسلم بالغ، فلا يصح الالتقاط من العبد، ولا من غير المسلم، ولا من الصبي.

واستدلوا على ذلك بأدلة عقلية حيث قالوا: اللقطة ولاية، ولا ولاية لأحد من هؤلاء، فالعبد ليس له ولاية، وكذلك الذمي ليس له ولاية، والصبي ليس له ولاية، والعبد تابع لسيده، والذمي لا تكون له ولاية على غيره؛ لأن الأدلة الشرعية دلت أنه لا ولاية له على غيره والصبي, فوجب المنع من الالتقاط؛ لأن هؤلاء لا ضمان عليهم، فيبقى إذا التقطوا، ونحن نريد أن نضمن من التقط مال غيره، بدليل أنه يجب عليه أن يحفظها لصاحبها إلى سنة، كما سيأتي في الأدلة.

وهذا الرأي -رأي المالكية وبعض الشافعية- لا يصح إلا من هؤلاء.

error: النص محمي !!