Top
Image Alt

أسباب الخروج في هذه الغزوة، عدد الخارجين فيها، وعوامل الصعوبة، وموقف المنافقين

  /  أسباب الخروج في هذه الغزوة، عدد الخارجين فيها، وعوامل الصعوبة، وموقف المنافقين

أسباب الخروج في هذه الغزوة، عدد الخارجين فيها، وعوامل الصعوبة، وموقف المنافقين

ولقد كان من أسباب الخروج في هذه الغزوة ما ذكر من أنه صلى الله عليه  وسلم أراد أن يثأر لأهل مؤتة الذين قتلوا بيد الروم وأعوانهم وهم شهداء المسلمين فيها.

كذلك فإنه صلى الله عليه  وسلم إنما خرج؛ لأن الأمر كان لا بد من مواصلة الجهاد، ومتابعة أمر نشر هذا الدين العظيم إلى خارج الجزيرة، وكان لا بد من الخروج إلى الروم بعد أن مهد النبي صلى الله عليه  وسلم إلى دعوتهم بإرسال الكتب كما رأينا.

وكان خروجه صلى الله عليه  وسلم لهذا الغرض، وهو قتال أمثال هؤلاء، وهذا ما يذكره ابن كثير، ويجعل الآية التي تقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِين} [التوبة:123]، وكان الذين يلونهم من الكفار بعد ذلك إنما هم الذين بدلوا دين الله من النصارى في الشام ونواحيها.

ولقد أمر النبي صلى الله عليه  وسلم المسلمين وحضهم على الإنفاق من أجل إعداد هذه الغزوة التي كثر المسلمون فيها، حتى إن بعض الروايات لتذكر أنهم كانوا ثلاثين ألفًا من المسلمين معهم عشرة آلاف فرس.

وكان هذا الحض من رسول الله صلى الله عليه  وسلم على الإنفاق باعثًا للمؤمنين الصادقين؛ سواء في ذلك الموسرون من الأغنياء، وبسطاء الناس، بل حتى الفقراء، كل ساهم بما أعانه الله عليه، وكان أكثر الناس عطاء في هذا وإسهامًا فيه عثمان بن عفان  رضي الله  عنه الذي جاء بألف دينار، وضعها في حجر النبي صلى الله عليه  وسلم الذي أخذ يقلبها ويتعجب من إيمان عثمان، حتى إنه صلى الله عليه  وسلم بشره بأنه ما ضره ما فعل بعد ذلك، كذلك جاء عبد الرحمن بن عوف  رضي الله  عنه بمال كثير للنبي صلى الله عليه  وسلم وكما أشرنا بأن الفقراء الذين لم يكن عندهم ما يكفي جاءوا بما ساهموا به، حتى إن الرجل ليأتي بصاع من التمر أو بنصف الصاع.

ومع هذا؛ فإن كل هؤلاء لم يسلموا من ألسنة المنافقين، الذين كان لهم شأن خبيث يليق بهم، حتى في آخر غزواته صلى الله عليه  وسلم، فحينما يرون غنيًّا يعطي العطاء الكثير ويساهم، يقولون: ما جاء بذلك إلا رياء؟ ومن يأتي بالقليل؟ يقولون: إن الله لغني عن صاع هذا؛ ولذلك نزل فيهم قول الله عز وجل: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم} [التوبة:79].

كما أنه كان للمنافقين سعي في تثبيط المؤمنين، فقد كان أناس منهم يجتمعون في بيت سويلم اليهودي يثبطون الناس عن رسول الله صلى الله عليه  وسلم حتى لا يخرجوا معه؛ ولذلك فإنه صلى الله عليه  وسلم بعث إليهم طلحة بن عبيد الله في نفر من أصحابه وأمره أن يحرق عليهم البيت ففعل ذلك طلحة.

وكان من قولهم للمسلمين يثبطونهم: أتحسبون جلاد بني الأصفر -يقصدون الروم كقتال العرب بعضهم بعضًا. والله لكأنا بكم غدًا مقرنين في الحبال، ولكن هذا لم يفت في أعضاد المسلمين، فاجتمعوا للخروج مع النبي صلى الله عليه  وسلم.

هذا في حين خرج عبد الله بن أبي بن سلول فيمن تبعه من رجاله المنافقين، وكان عسكره نحو ناحية ذباب -وهو جبل بالمدينة- وكانوا كثيرين، من هؤلاء المنافقين، ولكن رسول الله صلى الله عليه  وسلم لما صار تخلف عنه عبد الله بن أبي فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب.

ولقد جاء الجد بن قيس يعتذر لرسول الله صلى الله عليه  وسلم عن الخروج؛ لأنه يخشى الفتنة من بنات بني الأصفر، الروم.

ولذلك فإنه صلى الله عليه  وسلم كان لا يرغب في صحبة أمثال هؤلاء له في هذه الغزوة، ونزلت آيات سورة براءة الفاضحة التي فضحت المنافقين في مثل هذا الموقف تقول آياتها: {لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِين إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُون وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَـكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِين لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِين} [التوبة:44 – 47]… إلى آخر الآيات التي ذكرت مواقفهم في سورة التوبة.

حتى إنه صلى الله عليه  وسلم لما أمر علي أن يخلفه في أهله وأن يبقى بالمدينة أشاعوا: أنه ما تركه إلا استثقالًا له وتخففًا منه، حتى إن عليًّا  رضي الله  عنه لبس عدة وتبع النبي صلى الله عليه  وسلم ولحقه، وهو نازل بالجرف على نحو ثلاثة أميال من المدينة، فقال: يا نبي الله زعم المنافقون أنك إنما خلفتني أنك استثقلتني وتخففت مني، فقال: “كذبوا، ولكني خلفتك لما تركت ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي، أفلا ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي” فطمأن النبي صلى الله عليه  وسلم خاطر علي، ثم مضى الرسول صلى الله عليه  وسلم على سفره.

هذا، وإذا كان أمر المنافقين كما رأينا وعلمنا من القعود والتثبيط للناس، وكره الله لهم أن يخرجوا، فإنه كان هناك أناس ممن كان إسلامهم وإيمانهم قويًّا، تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه  وسلم في هذه الغزوة، كانوا أربعة:

منهم أبو خيثمة  رضي الله  عنه الذي دخل حائطه بعد أن مضى رسول الله صلى الله عليه  وسلم وكان في يوم حار، أعدت امرأتاه كل ما يطيّب المقام من عريش مظلل وماء بارد، فلما دخل أبو خيثمة على امرأتيه، وهما على تلك الحال، قال: رسول الله صلى الله عليه  وسلم في الضح -أي: الشمس والحر والريح- وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيأ، وامرأة حسناء في ماله مقيم، ما هذا بالنصف.

ثم قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه  وسلم فتهيأ له الزاد والراحلة، وخرج  رضي الله  عنه يتبع رسول الله صلى الله عليه  وسلم حينما دنا من تبوك فلما رأى الناس راكبًا قادمًا قال النبي صلى الله عليه  وسلم: “كن أبا خيثمة” فكان أبا خيثمة الذي جاء لرسول الله صلى الله عليه  وسلم يعتذر إليه عن هذا التأخير، وهذا التخلف فقبل النبي صلى الله عليه  وسلم ودعا له بخير.

ولقد كان النبي صلى الله عليه  وسلم في مسيره إلى تبوك أمر الناس إذا نزلوا بالحجر، وهي في طريقهم ألا يشربوا من مائها، وألا يتوضئوا منه للصلاة، ولكن بعضهم خالف في ذلك، فأمر النبي صلى الله عليه  وسلم بما عجنوا من عجين أن يعلفوه للإبل، وألا يأكلوا منه شيئًا، كما أنه صلى الله عليه  وسلم استحث راحلته لما مر بالحجر، وسجى ثوبه على وجهه، وقال: “لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلا وأنتم باكون، خوفًا أن يصيبكم مثل ما أصابهم”.

وهذا من التعليم والأدب النبوي الذي علم به صلى الله عليه  وسلم أمته.

ولما أصبح الناس ولا ماء معهم شكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه  وسلم فدعا الله عز وجل فأرسل الله سحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس، واحتملوا حاجتهم من الماء.

وهنا نرى بعض المنافقين ممن لم تؤثر فيهم أمثال هذه المعجزات، فيحكى محمود بن لبيد أن رجلًا من المنافقين لما قيل له: ويحك هل بعد هذا شيء: قال: إنما هي سحابة مارة.

كذلك فإن بعض المنافقين حينما ضلت ناقة النبي صلى الله عليه  وسلم وخرج أصحابه يطلبونها، قال رجل منهم: هذا محمد يخبركم أنه نبي، ويزعم أنه يخبركم بأمر السماء، وهو لا يدري أين ناقته؟ فلما أخبر النبي صلى الله عليه  وسلم بذلك قال: “وإني والله ما أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلني الله عليها، وهي في هذا الوادي في شعب كذا، وكذا، قد حبستها شجرة بذمامها، فانطلقوا حتى تأتوني بها، فذهبوا فجاءوا بها”.

وإن مواقف المنافقين -في هذه الغزوة من أولها، وفي خلالها، وبعد أن تمت، وفي الرجوع كذلك- لمواقف مخزية لأمثال هؤلاء، ولكن هكذا -دائمًا. نرى أمثال هؤلاء الذين كانوا على صلة وثيقة بالنبي صلى الله عليه  وسلم يغشون المسجد، ويخالطون المسلمين، ويرون أمر النبي صلى الله عليه  وسلم ومع ذلك لا يؤثر هذا في قلوبهم، ولا يأتي بهم طائعين إلى الإيمان.

error: النص محمي !!