Top
Image Alt

أسباب انتشار المذاهب الفكرية في العالم الإسلامي

  /  أسباب انتشار المذاهب الفكرية في العالم الإسلامي

أسباب انتشار المذاهب الفكرية في العالم الإسلامي

إذا كان للغرب من وجهة نظرهم ما يبرر قيامهم بالثورات على الدين -والمقصود به الدين النصراني، الوثني الخرافي بطبيعة الحال- ولهم ما يبرر قيامهم بالثورات على رجال ذلك الدين، ولهم كذلك ما يُبرر نشوء مُختلف المذاهب الفكرية بينهم. إذا كان لأولئك مُبررات في كل ذلك، سواء أكانت مبررات مقبولة أو غير مقبولة؛ فما هو المُبرر لِقيامِ تِلك الأفكار والمذاهب في بلدان من أغناهم الله بالإسلام، وأعزهم به في الدنيا والآخرة، وشَهِد له إعلام الغرب من الموافقين ومن الحاقدين بأنه خير دين ينظم الحياة كلها، وأن تعاليمه ونُظمه فيها السعادة وحل كل المشكلات بطرق لن يهتدي إلى مثل عدالتها أحد من البشر؟!!.

إنه لأمر غريب أن يتطفل أحد من المسلمين على موائد الغرب الآسنة؛ ليبحث فيها عن النجاة والسعادة، في الوقت الذي يرى بأم عينيه ما يعانيه الغرب من الشقاء والحرمان، والحياة اليائسة. {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50] {الّذِينَ يَتّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزّةَ فَإِنّ العِزّةَ للّهِ جَمِيعاً} [النساء: 139]. نعم؛ إنّه لا مُبرر لقيام تلك المذاهب في ديار المسلمين، ولكن قد حصل ذلك شئنا أم أبينا، فما هي أسباب ذلك؟ إنّ أعظم أسباب تأثر بعض المسلمين بما عند أعداء الإسلام إنما يعود إلى:

أولاً: جهل هؤلاء بدينهم، وما يحويه من مفاخر، وما يحويه من شمولية كاملة، حيث شهد الله تعالى له بهذا في كتابه الكريم بقوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلاَمَ دِيناً} [المائدة: 3] فمن ردّ هذه الشهادة؛ فلا شك في جهله وكفره، وخروجه عن ربقة الإسلام، وجماعة المسلمين، وأنت تعلم أن هذا الجهل من هؤلاء يعود إلى أسباب كثيرة؛ إما لتفريطهم وإهمالهم، وإما لتربيتهم، وإما لاختلاطهم، وإما لغير ذلك من الأسباب الكثيرة.

ثانيًا: جَهلُهم بحقيقة ما تحمله تلك المذاهب الضالة من بؤس وشقاء، وأنهم تأثروا بها دون معرفة لحقيقتها المخزية، وما تحمله من دمار أخلاقي، واقتصادي، واجتماعي، وديني. وكل شيء يمت إلى الطريق الحق والصراط المستقيم؛ فأصبح حالهم تنطبق عليه هذه المقالة: “حُبّك الشيء يعمي ويُصم” ولا يمنع أن هؤلاء عملاء مأجورون أيضًا، ما أكثر أولئك الذين باعوا دينهم وضمائرهم.

ثالثًا: رغبة هؤلاء في الانفلات، والتحلل من كل القيم والأخلاق والعادات الحسنة، والفضائل. ورغبتهم في العيش على الطريقة الغربية؛ يعيشُونَ كما تعيشُ البهائم، ويأكلون كما تأكل الأنعام، دون أن يقف في طريقهم أي مانع شرعي أو عرفي.

رابعًا: نَشاطُ أعداء الإسلام، وقوة عزمهم على إفساد عقائد المسلمين، وإخراجهم من دينهم بأنواع الدعايات والمغريات.

خامسًا: بذل المساعدات المالية، وتحبيب الحياة الغربية إلى قلوب المسلمين، وتنفيرهم من حياتهم الإسلامية، وبَثُّ الدّعايات ضد الإسلام، وحُكّام المُسلمين، وعلماء الإسلام قاطبة؛ فقد صوروا لهم الإسلام أنه هو الواقف حجر عثرة في طريق تقدم المسلمين، ونهوضهم ووصولهم إلى صنع الطائرات والصواريخ و… إلخ. وصوروا لهم علماء الإسلام أنهم متخلفون وجامدون، إلى غير ذلك من أنواع الدعايات الخبيثة، التي سرت في عقول كثير من جهال المسلمين.

سادسًا: تأخّر بعض بلدان المسلمين في مناهجهم التعليمية، حيث أقصيت كل الدراسات إلا القليل، التي تُبَصّر المسلم بما يبيته له الغرب على أيدي عملائه من المنصرين والمستشرقين، ومن وافقهم ممن يدعي العروبة أو الإسلام.

سابعًا: الضعف النفسي الذي أصاب المسلمين، وانبهارهم ببريق الحضارة الغربية ورغبة المغلوب في تقليد الغالب ومحاكاته؛ لجبر ما يحس به من ضعف الشخصية أمامه.

ثامنًا: الضغوط الشديدة التي يتعرض لها ضعفة المسلمين؛ باستمرار في أكثر من بلد إسلامي، وإملاء الكفار لأفكارهم على تلك الشعوب؛ لتقبلها راغبة أو راهبة، وغير ذلك من الأسباب الكثيرة التي تضافرت؛ لتهز من كان في قلبه مرض هزا عنيفًا. ولكننا على يقين أن الحق سيبقى، وأتباعه سيبقون إلى نهاية هذا الكون بإخبار الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم  بذلك.

لقد كان أساس دخول الحضارة الغربية إلى البلاد الإسلامية، وانتشار أفكارها المختلفة، هو شعور حكام المسلمين بتفوق الغرب عليهم في شتى المجالات التنظيمية والاقتصادية، وخصوصًا ما يتعلق بالنواحي العسكرية، والنظم التي تسير بها الجيوش، والحاجة إلى السلاح الذي كان بيد الغرب؛ حينما صنعه الغرب النصراني والمسلمون في سبات عميق. ومن هنا بَرَز الشُّعور القوي لدى هؤلاء الحكام، بضرورة مد اليد إلى الغرب؛ لشراء الأسلحة التي تزخر بها المصانع الغربية، وتم ذلك فنشأت حاجة أخرى: وهي طلب من يقوم بالتدريب عليها، وكذلك طلب من يقوم بصيانتها، ولا بديل عن الغرب الأوربي في ذلك بطبيعة الحال؛ فاستقدموا المدربين والمهندسين والمستشارين، من شتى دول الغرب، ثم برزت حاجة أخرى وهي: توفير الكتب والمدرسين والمدارس للنشء الجديد في الدول الإسلامية، الذين أريد منهم أن يكونوا دائمًا عدة للجهاد، وتم ذلك.

ولكن لا يخفى عليك من هم الذين سيقومون بتلك المهام كلها للنشء الجديد؟! فالدول الإسلامية في بداية الصحوة من نومها، ولا تملك شيئًا من ذلك؛ فكان آخر الأمر أن ارتموا أمام خبراء الغرب الذين أتوا بكل ما أمكنهم لتغريب العالم الإسلامي، وفي أولهم الجيوش. ومن هنا بدأت عجلة التغريب تعمل في العالم الإسلامي، وبدأ الكثير من حكام المسلمين يتبعون سَنَن الغربيين في كل شيء؛ بدءوا ينظرون إلى التعاليم الإسلامية، وإلى القيم الإسلامية نظرة ضعيفة، فيها نوع من تفضيل الحياة الغربية عليها.

وكانت تركيا هي المثال القوي المُخزي على هذا السلوك، في آخر الدولة العثمانية، إلى أن تسلمها العِلماني المُلحد مصطفى كمال أتاتورك، الذي سلخها من كل شيء يمتُّ إلى الإسلام بصلة -كما هو معروف من تاريخه الشنيع- ثم ابتعث كثير من المسلمين أبناءهم للدراسة في الدول الغربية؛ ليتعلموا شتى الفنون التي كانت تنقصهم، كضرورة ملحة جديدة، ولكن بعد أن رجع هؤلاء إلى بلدانهم، لم يَقف في وجوههم أي حاجز؛ لرفع علم الحضارة الغربية في بلدانهم، والمناداة ليلًا ونهارًا وسرًّا وإعلانًا، بالانضمام التّام إلى الحياة الغربية، وللحَاقِ بركبها الذي كانوا يرونه سفينة النجاة، ومصدر فخرهم وإعجابهم.

وبدأ هؤلاء ينفخون في أذهان المسلمين المبادئ الغربية، والعادات الاجتماعية عندهم؛ متخذين من بعض القضايا ذريعة لتوصيل الحضارة الغربية إلى الأذهان، مثل: زعمهم أن حِجَاب المَرأة ظُلم لها، وأنّ المُسلمين ينقصهم الدعوة إلى الحريات: حرية الكلمة، وحرية العقيدة، والدعوة إلى منع الطلاق، وتعدد الزوجات، ووجوب تعليم المرأة ومشاركتها الرجل جنبًا إلى جنب في ميادين العمل، وكذلك الدعوة إلى العودة إلى الحضارات القديمة، التي كانت قائمة قبل الإسلام، وإلى السلوك الإسلامي، وغير ذلك من الأمور التي نفذوا من خلالها إلى إنقاذ التعاليم الإسلامية في مكر وخديعة {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30].

ولقد افتتن بعض المسلمين بالحضارة الغربية وبريقها اللامع؛ لأسباب حملتهم على ذلك، تمنوها في مجتمعاتهم؛ فلم يجدوها كحال الحرية التي رأوها في العالم الغربي في الظاهر؛ فتمنوها دون رؤية ولا نظرة ثاقبة في حقيقتها، ومآل أمرها. ولعل الأوضاع التي يعيشها المسلمون في بعض الأماكن، تحت بعض الأنظمة التي تتظاهر بالإسلام؛ من عدم الاهتمام بحرية الفرد، ولا المجتمع، وسوقهم إلى ما يراد بهم طوعًا أو كرهًا دون مراعاة كرامة أحد، والتعسف المقيت في معاملتهم؛ لعل هذه الأوضاع أيضًا كانت من الأمور التي شجعت أولئك الذين فتنوا بالحضارة الغربية بكل ما فيها من حسن وقبيح، إلى المناداة بها، ومعلوم أن هذا الوضع ليس مبررًا لترك الدين، وما يأمر به أو ينهى عنه؛ لا من قريبٍ ولا من بعيد.

فإنه يمكن معالجة هذه الأوضاع السيئة، حين تُوجد بطُرق كثيرة غير الحضارة الغربية، والحرية الشخصية؛ التي أصبَحتْ يُراد بها العري والخناء، وعدم الحياء. في ظل تلك الحضارة المادية الزائفة. فإن الإسلام لم يهمل حلول أي مشكلة تتعلق بحياة الناس دينية؛ حكامًا أو محكومين، وتاريخه يتحدث بذلك في صوره المشرقات؛ ففي الإسلام ليس للحاكم إلا تنفيذ الشرع الإلهي على الجميع، وإذا خرج عن الدين ونادى بالكُفر البواح فلا طاعة له أيضًا، وإذا ظلم رعيته، فإن الله تعالى له بالمرصاد. ويحاسب كذلك عن تصرفاته في أموال المسلمين، ولا يستبد برأيه، ولا يكتم حريات الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا، ولا يحكم لنفسه بحكم ينتفع به بظلمِ الناس، إلى غير ذلك من الأمور المعروفة في الإسلام.

أي أن الحَاكم ليس له مطلق الاستبداد، كما يتصور الجاهلون بالإسلام قياسًا منهم على ما اخترعه رجال الكنيسة، باسم الدين النصراني؛ فإن الإسلام يُوجِدُ في قلب الحاكم المُلتزم به الشفقة والرحمة والتواضع، ويؤكد على أنه يسأله الله يوم القيامة عن كل تصرفاته، وبذلك يكبح جماحه ويهذبه. ويتضح مما تَقَدّم أن الغرب النصراني لم يعد يهتم بمقارعة المسلمين وجهًا لوجه؛ مناظرات ومجادلات حول الأسس الإسلامية، التي قام عليها بناء الإسلام في قلوب أتباعه، لم يعد الغرب يهتم بذلك:

أولا: لأنهم يئسوا من زحزحة المُسلمين عنها بالكلية عن طريق النضال الفعلي أو الفكري.

ثانيًا: لأنهم اكتشفوا طرقًا جديدة تختصر لهم المسافة الفارقة بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية، وكان لهذا الاكتشاف وزنه وفائدته بالنسبة للغرب، ومن هذه الطرق: متابعة الأفكار الغربية التي قبلها المسلمون، وتنميتها في صدورهم، وإطراؤها بالمديح، وزينوا لهم أن البداية والنهاية تكمن في تقبل المسلمين للتطور والتجديد في جميع النواحي السياسية، والثقافية، والاجتماعية، والاقتصادية. وأصبح مثل الغربيين ودعائهم، بالنسبة لبث تلك الأفكار في العالم الإسلامي: أصبح مثلهم أشبه ما يكون بالمُزارع الذي يتعاهد ما بذره كل يوم، في الوقت الذي فتحوا فيه شهية المسلمين للوصول إلى كل المغريات، التي تزخر بها الحضارة الغربية الجديدة، ولم يقف الغربُ عِندَ حَدِّ الوصول إلى تحقيق هذا الهدف بطريقة منفصلة لدى المسلمين؛ بل عملوا جهودهم على أن يصبح هذا الهدف هو الاتجاه العام لدى كل المسلمين.

وبالتالي تكون النتيجة من وراء تحقيقه هو: إقامة علاقات مشتركة على قدم المساواة بين الغرب وبين العالم الإسلامي، بعد توحد الأفكار والأهداف، ومن ثَمّ تذويب العالم الإسلامي في بوتقة الحضارة الغربية إلى الأبد؛ فإن المغلوب ينظر دائمًا إلى الغالب بعين الإجلال والهيبة، ويُحِبّ محاكاته في كل تصرفاته سيئة كانت أو حسنة، وطبيعة صاحب الهزيمة النفسية أنه لا يفرق بين الغث والسمين في تعامله مع المنتصر.

قصور خطير: ظهرت النتيجة لدى العالم الإسلامي، في صورة شنيعة، يمثلها قصور المفكرين والعلماء المسلمين، في الإحجام عن دراسة العالم الغربي بجد، وبيان أفكاره والأخطار التي ستحل بالأمة الإسلامية، إن لم يضعوا حدًّا لذلك الغزو. لم يحصل هذا مع شدة حاجة أبناء المسلمين إلى تفهمه والحذر منه. بل إن الذي حصل هو ضِدُّ هذا، وهو اشتغال بعض المُفكرين دارسي الإنجليزية من المُسلمين بترجمة كتب أولئك في ميادين القصص الغرامية العابثة، والأخبار التافهة، وفي مغامرات بعض أقطاب الغرب وسيرهم، التي تمجد أقطابهم وتوحي للقارئ بعظمة أولئك في شتى الميادين، أو ما كان منها يُوحي بحياة العصبية والوطنية والقومية، والتعالي على الآخرين، والعودة إلى الافتخار بما عفى عليه من حضارات قديمة، بزعمهم. وأنه يجب العودة لها تحت أشكال متعددة، وسَاعَدَهم أصحابُ الأموال الغربية بكل ما يحتاجونه لتحقيق ذلك.

و لعلنا نسمع ما حصل من الاحتفال المهيب في بعض السنوات بترميم تمثال “أبي الهول” وأنه بلغت تكلفة ترميمه عشرة ملايين دولار، وأن العمل استمر في ذلك قرابة عشر سنوات. وكان الاحتفال بالانتهاء منه يومًا مشهودًا؛ حضره رئيس الدولة وعدد غفير من الوجهاء، والأعيان، وسفراء بعض الدول العربية، وسفراء الدول الغربية، وتبرع “روكفيلر” المليونير اليهوديبمبالغ هائلة -غير مشكور عليها- للبحث عن الآثار الفرعونية، وبنى معهدًا لأجل ذلك على نفقته؛ لسد الحاجة إلى الفنيين؛ لنبش الآثار الفرعونية، في الوقت الذي كان الشعب المصري في أمس الحاجة إلى المساعدة المالية؛ لسد ما دمرته البراكين التي ثارت فيه، وأصبح كثيرٌ من السّكان بدون مأوى ولا غذاء، إلا من بعض المساعدات التي كانت تذكر إذاعة القاهرة أنها لا تكفي لإعادة الأمور إلى حالتها الطبيعية.

وليس هذا فقط فقد أَتخموا العالم الإسلامي بالدعوة إلى إحياء ما يسمونه بالفن، بجميع أشكاله، وإيجاد كل ما يتطلبه الأمر من بناء مساكن، ومدارس، وإيجاد مدربين.. إلخ. وقد تحقق الكثير من إحياء هذا الفن، الذي كان أكثره موجهًا لتدمير الأخلاق الإسلامية، والعفة، ونزع الحياء من وجوه الفتيان، والفتيات الناشئين. وانتعشت حركة الفن هذه حتى أصبحت ذات رسالة؛ كما يعبرون عنها، وأصبح تحقيقها يعتبر -على حد زعمهم- رسالة ومفخرة وطنية، يجبُ تمجيدها وتقديسها، وحينما تتم المقابلة بين أحد الفنانين في الإذاعة، يقول له المذيع: ماذا تتمنى؟ فيقول: أتمنى على الله أن يوفقني لإكمال الرسالة؟!.

ونحن ندرك السبب من وراء هذا الاهتمام، من قبل الغرب بجوانب الفن المزعوم، والإنفاق السخي على نبش الآثار؛ لأنهم عرفوا أن هذه الأمور هي مقصد الكثير من الناس للتسلية، وأنها ذات أثر جذاب على كل الناس، مهما كان التفاوت بينهم في المعرفة والأعمار، أيضًا ومن الغريب أن تسمع كثيرًا من وسائل الإعلام عند المسلمين، يأتي مصدر البرامج فيها إما تمثيلية غربية، أو ترجمة لكتاب غربي، أو خدمة لكتاب غربي، كذلك حتى ليُخيل للسامع العادي أنّ الحضارة الإسلامية لا شأن لها إلا بالمساجد وإقامة الصلاة فيها فقط، وأنها لا بديل فيها عن تلك البرامج الغربية وهذا الظلم للحضارة الإسلامية سببه جهل أبناء الإسلام وكيد أعدائه فأصبح الإسلام بين أمرين أحلاهما مر بين جهل أبنائه وكيد أعدائه.

الدعوة إلى خلط الفكر الإسلامي، بالفكر الغربي بدعوى تقارب الحضارتين؛ والسير معا لخدمة الإنسانية: قال الله تعالى: {وَإِنّ كَثِيراً مّنَ الْخُلَطَآءِ لَيَبْغِيَ بَعْضُهُمْ عَلَىَ بَعْضٍ} [ص: 24] وإذا كان الخُلطاء يبغي بعضهم على بعض، وينتج عن ذلك شر وظلم؛ في الأمور الدنيوية فما بالك إذا كان في الأمور الدينية، حين يُراد خلط الحق بالباطل فما الذي يحصل من ذلك؟ إنه يحصل نتاج مشوه ومشئوم لا خير فيه، وظلم صارخ لا عدل فيه. وتقارب الحضارتين هو وجه آخر لدعوى الأديان؛ فكيف يتجاهل هؤلاء الدعاة الغربيون، ومن سار على طريقتهم من أتباعهم في العالم الإسلامي، من دعاة التغريب؛ كيف يتجاهل هؤلاء الفرق الهائل بين الدين الحق والدين الوضعي، وهو فرق يمثل الفرق بين الحق والباطل والعلم والجهل فأنى يجتمعان؟.

إنّ التقارب الذي يدعو إليه أصحاب الفكر الغربي: إنما يراد به جر المسلمين إلى الغرب، وذوبان الشخصية العزيزة للمسلم، في خضم التيار الغربي؛ بما يملكه الغرب من وسائل الإغراء التي لا حد لها، ولعَلّ هذه الدعوة نبعت من جراء تراخي قبضة المسلمين على دينهم، والإسفين الذي دقته الحضارة الغربية الحديثة، وقوة التغريب المتنامي في العالم الإسلامي على أيدي المنصّرين والمستشرقين، وأتباعهم من المحسوبين على العالم العربي أو الإسلامي.

ثم إحساس هؤلاء بهذه الفجوات في المسلمين، ومن هنا وقر في أذهان أولئك الكتاب، وجميع القائمين على حركة التغريب: أنه يجب توجيه كافة الإمكانيات والجهود وتجييش الكل لخدمة تلك البذور النامية في أذهان المسلمين نحو حب الحضارة الغربية وأنها السبيل الوحيد للمسلمين إذا أرادوا التقدم والعيش الكريم بزعمهم، وأقطاب الغرب والتغريب كلهم، يشترطون -بالقول أحيانًا وبالفعل أحيانا أخرى- لهذا التواصل والاندماج أن يتم بعيدًا عن حقيقية الإسلام الذي سار عليها في عهوده السابقة، وأن يتم على فلسفة عصرية جديدة بزعمهم، وهي خدمة ظاهرة يراد من ورائها عدم الاهتداء بتعاليم الإسلام الثابتة.

ومن المعلوم مسبقًا: أنّه لو صار تقارب الحضارتين على هذا الأساس؛ لكان الخاسر فيها هم المسلمون بدون شك، حتى ولو كان التقارب أيضًا على دعوى النعرات الجاهلية، من قومية ووطنية، أو تسامح ديني وما إلى ذلك؛ فالنتيجة واحدة على حد قول الشاعر:

من لم يمت بالسيفِ مات بغيرهِ

*تعدَّدت الأسبابُ والموتُ واحدُ

فإن الهدف الأخير للغرب: هو استعمار بلدان المسلمين، وعودة جنودهم إلى ثكناتهم السابقة، ومحو الشخصية الإسلامية من القلوب، ولقد تفوق الغرب على غيره بحسب الترتيب، وإحكام الخطط بمكر ودهاء، وهو أمرٌ واقع وظاهر، وما حصل الآن من استعمار الغرب للعراق العربي المسلم، مما يندى له الجبين ويثير في النفوس الأسى والحزن والإحباط الشديد.

نتيجة خطيرة: الذي يبدو -والله أعلم- أن الحضارة الغربية ستلتف على العالم الإسلامي نهائيًا، ما دامت أوضاع المسلمين بهذا الحال، من الفقر والتقهقر، وعدم الاستفادة من العقول، ومما أودعه الله في داخل الأرض من الخيرات العظيمة. وما داموا بهذا التفرق الشنيع، وما دام اسمها “الدول النامية” فلن يمكنها الوقوف أمام الحضارة الغربية العاتية، التي استحوذت على كل ما يتطلع إليه البشر من التفوق في سائر الفنون؛ من اقتصاد وصناعة وتجارة، وطب وغير ذلك من الأمور التي سترضخ المسلمين لهم طوعًا أو كرهًا للحصول على أجزاء منها؛ وليس كلها.

فإن من احتاج إلى شيء خضع له، والإنسان أسير من أحسن إليه، وأعتقد أن ما يتبجح به بعض الناس، من أنّ العَالَم الإسلامي بخير، ولا ينقصهم أي شيء، أعتقد أن قائله إما أن يكون جاهلًا يريد تثبيط المسلمين وإلهاءهم عن النظر إلى واقعهم الضحل، كما أعتقد أن ثالثة الأثافي على المسلمين هي هذه الثغرة الهائلة، التي فتحها نظام العراق البعثي الصليبي الذي أعطى الغرب المتربص الضوء الأخضر، والفرصة السانحة؛ لتغلغل أفكارهم وانتشار حضارتهم ونصرانيتهم بكل صلف وكبرياء.وقد أصبح العراق في عهد طواغيته اليوم المثل الثاني -بعد فلسطين- على إذلال المسلمين وانكسار شوكتهم.

ومما يُلاحظ أنّ الدعوة إلى تقارُب الحضارة الإسلامية مع الحضارة الغربية، أحيانًا تأتي هذه الدعوة في شكل طلب صداقة؛ صداقة الذئب والحمل، أو علاقات حميمة بين الإسلام، والمسيحية في مقابل وقفة الجميع ضد التيار الشيوعي، وأنه يجب أن توجه كل الجهود ضده؛ فهو العدو المشترك، وقد انكشفت هذه الخدعة بسقوط الشيوعية.

وأحيانًا تأتي بدافع حُبّ تطوير الشعوب إلى التقارب، ومدارسة الجوانب والأمور التي يجب أن يقفها الجميع ضد الإلحاد، ما لم يكن ذلك التقارب على حساب الإسلام، أو هضم حقوق المسلمين؛ إلا أنه يتبين أن العالم الغربي، وضمن نفوذه السياسي، والاقتصادي ليس إلا عدو مبين، والأدلة على هذا كثيرة من أقواها: وقوف الغرب إلى جانب الشيوعية عندما يُحاط بها، وعداؤهم السافر للإسلام والمسلمين وخصوصًا في هذه الأيام.حيثُ أخرجت دول الكفر أضغانها على الإسلام والمسلمين؛ فصرحوا بكل وقاحة، بأنّ عدو حضارة الغرب هم المسلمون، والإسلام المتخلف بزعمهم، ولأن الكفر ملة واحدة؛ فإنك تجد أن أعداء الإسلام دائمًا، يقفون إلى جانب بعضهم بعضًا في محاربة لانتشار الإسلام، وحصاره ورميهم له بأنه غير متطور، ويجبُ تطويره كشرط أساس، لمُسايرته الحضارة الغربية.

ولا تسأل بعد ذلك عن هذا التطور الذي يدعون إليه، ولا عن نتائجه الوخيمة وعن الشر الكامن في مبادئه، ولا عن قيمة المجتمعات الإسلامية، في ظل هذا التطور المزعوم؛ فأين إذًا الدعوة إلى تلاحم النصرانية والمسيحية ضد الإلحاد، ما داموا لا ينظرون إلى الإسلام إلا بهذه النظرة الظالمة. ومن هنا وقع الكثير من الكتاب المسلمين -بحسن نية- في بعضهم، وبمكر ودهاء في أكثرهم، من دعوى مسايرة أحكام الشريعة الإسلامية للأحكام الوضعية الغربية؛ لكي يتم بناء هذا التمثال الهزيل، ثم ركبوا كل صعب وذلول لتحقيق هذا الادعاء الباطل المستحيل؛ فما من قضية غربية إلا ووجد لها من بعض كتاب المسلمين من يقول: إن الإسلام أيضًا قد اشتمل على بيانها؛ فلا ينبغي أن يعاب.

وأصبح الإسلام كأنه مذنب يحتاج إلى المحامين عنه؛ لامتصاص أخطائه وذنوبه أمام الحضارة الغربية؛ حسب دفاع هؤلاء، ولا شك أن دعوى مثل هذا التطور هو قتل للإسلام على تؤدة، وأنه لن يتم إلا إذا تخلى المسلمون عن دينهم نهائيا. وهذا الصنف من المحامين خُدِعُوا في أنفسهم، وخَدَعوا غيرهم؛ فقد أوقفوا أنفسهم للاعتذار عن الإسلام أمام كل قضية يخالف فيها الإسلام ما نادت به الحضارة الغربية العصرية فحينما ظهرت الاشتراكية قالوا: والإسلام أيضًا فيه اشتراكية، بل وافتروا أن مؤسس الاشتراكية في الإسلام هو الصحابي الجليل أبو ذر رضي الله عنه   وحاشاه من إفكهم. وحينما ظهرت الديمقراطية، قالوا: والإسلام أيضًا ديمقراطي، وحينما وجد تعدد الأحزاب، قالوا: والإسلام لا يمنع هذا، وحينما ظهر دعاة تحرير المرأة، وأن لها حق الانتخاب والوصول إلى الحكم، قالوا: والإسلام أيضًا قرر لها هذا، وتكلم هؤلاء عن الإسلام بما لم يحيطوا بعلمه؛ منهم الماكر المخادع، ومنهم من كان عن حسن قصد كي يدفع عن الإسلام تهمة عدم التطور، وصفة الرَّجْعِيّة التي وصفوا بها الإسلام كذبًا وزورًا، وهو دفاع المتقهقر غير الواثق بدينه ونصاعته لا دفاع المتيقن الثابت.

error: النص محمي !!