Top
Image Alt

أسباب تساهل الحاكم في (مستدركه)، حديث الطير

  /  أسباب تساهل الحاكم في (مستدركه)، حديث الطير

أسباب تساهل الحاكم في (مستدركه)، حديث الطير

تكلَّمنا عن طبيعة الأحاديث التي في (الحاكم)، والَّتي سلم منها له الكثير فيما قصده من الزِّيادة على الصَّحيح، والزِّيادات المستدركة على (صحيح البخاري).

ونتعرَّض هنا لبعض الأحاديث الَّتي أُخِذت على الحاكم، كتطبيقٍ عمليٍّ لما سبق أن ذكرناه عن تلك الأحاديث.

وقبل أن نذكر هذه الأحاديث نذكر أنَّ بعض الذين تكلَّموا عن الحاكم ودافعوا عنه، ومنهم المُعلِّميُّ -رحمه الله- في (التَّنكيل)، مبيِّنًا:

الأسباب التي جعلت الحُفَّاظ يرمون الحاكم بالتَّساهل في (مستدركه):

الأول: حرص الحاكم على الإكثار، ردًّا على جماعة من المبتدعة، القائلين بأنَّ جميع ما يصحُّ عندكم لا يبلغ عشرة آلاف حديث؛ وهذه الفكرة قد أطلَّت برأسها الآن، فاستكثروا الأحاديث الصَّحيحة التي وردت عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم. قال المُعلِّميُّ:

الثَّاني: أنَّه قد يقع له الحديثُ بسند عالٍ، أو يكون غريبًا مما يتنافس فيه المحدِّثون، فيحرص على إثباته.

الثالث: أنه لأجل السببيْن الأوَّليْن، ولكي يخفِّف عن نفسه من التَّعب في البحث والنظر لم يلتزم ألا يُخرج ما له علة، وأشار إلى ذلك في خطبة (المستدرك). وظاهرُ كلامه أنَّه لم يلتفت إلى العلل البتة، وأنه يخرج ما كان رجاله مثل رجالهما، وإن لم يغلب على ظنِّه أنَّه ليس له علة قادحة.

الرابع: أنَّه لأجل السَّببيْن الأوَّليْن أيضًا توسَّع في معنى قوله: “بأسانيد يُحتجُّ بمثلها”؛ فبنى على أنَّ في رجال الصَّحيحيْن من فيه كلام، فأخرج عن جماعة يعلم أنَّ فيهم كلامًا.

الخامس: أنه شرع في تأليف (المستدرك) بعد أن بلغ عمره اثنتين وسبعين سنة، وقد ضعفت ذاكرته.

انتهى باختصار وتصرّف.

كما ذكر المُعلِّمي -رحمه الله- في (التَّنكيل): أنَّ غمز الحافظ للحاكم بكونه متساهلًا في التَّصحيح إنَّما هو في (مستدركه) فقط، لا في بقيَّة كتبه.

حديثُ الطير:

وننتقل بعد ذلك إلى الأحاديث التي أُخذت على الحاكم، إمَّا لأنها ضعيفة، أو يمكن أن يُقال فيها: إنَّها موضوعة، وكذلك الأحاديث التي أتى بها الحاكم كاستدراك على الصَّحيحيْن، وهي موجودة في الصَّحيحيْن أو في أحدهما.

قال الخطيب: أنكر الناس على الحاكم أحاديثَ جمعها وزعم أنها صحاح على شرط الشَّيخيْن، منها “حديث الطَّير”. وحديث الطير هو حديث أنس, قال: “كنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقُدِّم لرسول الله صلى الله عليه وسلم فرخٌ مشويٌّ، فقال: اللهم ائتني بأحبِّ خلْقك إليك، يأكل معي من هذا الطَّير. قال فقلت: اللهمَّ اجعله رجلًا من الأنصار؛ -لأنَّ أنَسًا من الأنصار-، فجاء عليٌّ…” الحديث.

والحديث مرويٌّ من طريق ابن عباس وأنس.

– فأمَّا حديث ابن عباس، فرواه ابن الجوزي في (العلل المتناهية)، وأورده الذَّهبي في (ميزانه)، وقال: هذا حديثٌ لا يصِحٌّ، ومحمد بن شعيب مجهول. وأما سليمان فقال يحيى: ليس بشيء، وقال ابن حبان: كان رافضيًّا غاليًا يقلب الأخبار.

– وأما حديث أنس، فرواه الحاكم في (مستدركه)، وأبو نعيم في (الحِلية)، وقال عقبه الحاكم: هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشيخيْن ولم يخرجاه، وقد رواه عن أنس جماعةٌ من أصحابه، زيادة على ثلاثين نفسًا، ثم صحت الرواية عن عليٍّ وأبي سعيد الخدري وسفينة. وفي حديث ثابت عن أنس زيادةُ ألفاظ.

وقال الذَّهبيُّ في (تلخيصه): “ابن عياض رجلٌ في سند الحديث لا أعرفه. ولقد كنت زمانًا طويلًا أظنُّ أنَّ “حديث الطير” لم يجسر الحاكم أن يودعَه في (مستدركه)؛ فلمَّا علَّقتُ هذا الكتاب، رأيت الهول من الموضوعات الَّتي فيه؛ فإذا “حديث الطير” بالنسبة إليها سماء”. يعني: ما هو أقلُّ من “حديث الطير” موجودٌ في هذا الكتاب.

قال ابن الجوزي في (العلل المتناهية): حديث أنس له ستة عشر طريقًا. ثم سرد الطُّرق، وبيَّن علَّة كلِّ طريق. ثمَّ قال: وقد ذكره ابن مردويه من نحو عشرين طريقًا، كلُّها مظلم وفيها مطعن، فلم أرَ الإطالة بذلك.

وقال ابن طاهر: “حديثُ الطائر” حديث موضوع، وإنَّما يجيء من سقّاط أهل الكوفة من المشاهير والمجاهيل، عن أنس.

وقال الذهبي -رحمه الله-: وأمَّا “حديث الطير” فله طرقٌ كثيرةٌ جدًّا، وقد أفردتُها بمُصنَّف، ومجموعها يوجب أن يكون الحديثُ له أصلٌ. وإنصافًا للحاكم نقول هذه العبارة مرَّةً أخرى: ومجموعُها يوجب أن يكون الحديثُ له أصلٌ.

وقال ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: إنَّ “حديث الطائر” من المكذوبات الموضوعات عند أهل العلم والمعرفة بحقائق النَّقل.

قال أبو موسى المديني: قد جمع غيرُ واحدٍ من الحفاظ طُرقَ “أحاديث الطير”، للاعتبار والمعرفة، كالحاكم النَّيسابوري وأبي نُعيم وابن مردويه. وسُئل الحاكم عن “حديث الطير” فقال: “لا يصِحُّ، هذا”، مع أنَّ الحاكم منسوبٌ إلى التَّشيُّع.

وقال أبو نعيم الحداد: سمعت الحسن السمرقندي الحافظ يقول: سمعت أبا عبد الرحمن السَّادَباجي يقول: سئل الحاكم عن “حديث الطير”، فقال: “لم يصِحَّ، ولو صحَّ لما كان أحدٌ أفضل من عليٍّ بعدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم”.

قال الذَّهبيُّ: وهذه الحكاية سندُها صحيح، فما له أخرج حديثه في (المستدرك)؟! قال: فلعلَّه تغيَّر رأيه.

وقال ابن طاهر: سمعت أبا محمَّد السَّمرقندي يقولُ: بلغني أنَّ (مستدرك) الحاكم ذُكِر بين يدي الدَّارقطنيِّ، فقال: يُستدرَك عليه “حديثُ الطَّير”.

فبلغ ذلك الحاكمَ، فأخرج الحديثَ من الكتاب. وهذه الحكايةُ ذكرها الحافظ عبد القادر الرُّهاوي في كتاب (المادح والممدوح).

قال الذهبي: إنَّها باطلة؛ فإنَّ الحاكم إنَّما ألَّف (المستدرك) في أواخر عمره، وقد ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في (لسان الميزان)، فقال: عند تصنيفه (المستدرك) كان في أواخر عمره. ويدلُّ على ذلك: أنَّه ذكر جماعةً في كتاب الضُّعفاء له، وقطع بترك الرِّواية عنهم، ومنع من الاحتجاج بهم، ثم أخرج أحاديث بعضهم في (مستدركه)، وصحَّحها .

على كلِّ حال، قال الذَّهبيُّ: إنَّها باطلة؛ فإنَّ الحاكم إنَّما ألف (المستدرك) في أواخر عمره بعد موت الدارقطني بمدَّة، و”حديثُ الطير” فيه لم يُحَوَّل منه.

وذكر ابن طاهر أنَّه رأى “حديث الطَّير”، جمع الحاكم بخطِّه في جزءٍ ضخم، فكتبه للتَّعجُّب.

والخلاصة:

أن الحديث ضعيفٌ، ولكن لا يصل إلى درجة المكذوبات. هذا، و”حديث الطير” في (مستدرك الحاكم) في(3/130).

وننتقل إلى حديثٍ آخرَ أُخِذ على الحاكم، وهو حديث: “من كنتُ مولاهُ فعليٌّ مولاه”.

وقد أخرجه أحمد، من حديث عليٍّ والبراء وبُرَيدة الأسلمي، والتِّرمذي في كتاب: المناقب، في باب: مناقب عليٍّ، من حديث أبي سُريحة أو زيد بن أرقم، وقال: حديثٌ حسن صحيح.

كما رواه الحاكم في (المستدرك) (3/109) من حديث زيد بن أرقم، وبُريدةَ الأسلمي.

والحديث صحيح.

قال ابن حجر: حديثٌ كثيرُ الطُّرق جدًّا، استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد، منها صحاح ومنها حسان.

وقال الهيثميُّ في حديث أحمد: رجال أحمد ثقات. وقال في موضع آخَر: رجالُه رجال الصَّحيح، وصحَّحه السُّيوطي.

أصحاب الحديث أنكروا على الحاكم ذلك الحديث، ولم يميلوا إلى قوله. وقد كان عند الحاكم ميلٌ إلى عليٍّ -هكذا يقول السُّيوطي في (البحر الَّذي زَخَرَ)- ونُعيذه بالله من أن يُبغض أبا بكر أو عمر أو عثمان.

غلوُّ البعض، وإنكارهم أن يكون حديثٌ في (الحاكم) على شرط الشيخيْن أو أحدهما:

ورُوي أيضًا عن المظفر بن حمزة الجُرجانيِّ قال: سمعت أبا سعدٍ المالينيَّ يقولُ: طالعتُ (المستدرك على الشَّيخيْن) -الَّذي صنَّفه الحاكم- من أوّله إلى آخره، فلم أرَ فيه حديثًا على شرطهما.

قال الذهبيُّ: وهذا إسرافٌ وغلوٌ من المالينيِّ.

ومن الغلوِّ أيضا: ما ذكره ابن دحية في كتاب: العلم، قال: يجب على طلبة العلم أن يتحفَّظوا من قول أبي عبد الله الحاكم، فإنَّه كثيرُ الغلط، بَيِّنُ السَّقط.

error: النص محمي !!