Top
Image Alt

أسباب توجه المسلمين نحو الشام منذ عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، والجيوش التي وجهها أبو بكر لفتح الشام

  /  أسباب توجه المسلمين نحو الشام منذ عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، والجيوش التي وجهها أبو بكر لفتح الشام

أسباب توجه المسلمين نحو الشام منذ عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، والجيوش التي وجهها أبو بكر لفتح الشام

. توجه المسلمين نحو الشام منذ عصر الرسول صلى الله عليه  وسلم:

كان رسول الله صلى الله عليه  وسلم هو القائد الأعلى لجيوش المسلمين، وهو الذي استطاع أن يضع الخطط الرئيسة لحركة الفتوح الإسلامية؛ فهو الذي رسم بنفسه الخطة التمهيدية، التي حملت الجيوش العربية الإسلامية على فتح أرض الشام، وتأسيس أول ركن لدولة الإسلام خارج شبه الجزيرة العربية.

الحقيقة أن الرسول صلى الله عليه  وسلم إلى جانب تبليغه للدعوة الإسلامية إلى قادة العالم في وقته كان قائدًا ماهرًا، فمن المعروف هذه المرحلة شهدت إرسال الرسل والرسائل لكل هؤلاء الأكاسرة والقياصرة والملوك، الذين كانوا معروفين في عصره يدعوهم فيها إلى الإسلام.

ولكن الذي حدث أن رسولَ رسولِ الله صلى الله عليه  وسلم، قتل في أثناء حمله لرسالة من رسول الله إلى أمير الغساسنة في بصرى، فأرسل في السنة الثامنة للهجرة أحد قادته المقربين إليه وهو زيد بن حارثة الكلبي رضي الله  عنه على رأس حملة عدد أفرادها ثلاثة آلاف رجل إلى الحدود الشمالية الغربية من بلاد العرب، وعند مؤتة وقعت الواقعة على حدود البلقاء إلى الشرق من الطرف الجنوبي للبحر الميت. مهما تكن الخاتمة التي انتهت بها غزوة مؤتة؛ فإن نتائج هذه الغزوة وآثار هذه الغزوة حقيقية كانت بعيدة المدى.

الواقع أن الروم نظروا إلى هذه الغزوة نظرة عابرة، واعتبروها غارة من إحدى الغارات التي اعتاد البدو على شنها للسلب والنهب؛ لكن الواقع أن هذه الغزوة -غزوة زيد بن حارثة هذه- في الحقيقة هي غزوة من نوع جديد، لم تقدر دولة الروم أهمية هذه الغزوة؛ فهي حرب منظمة كانت لها مهمة خاصة جعلت المسلمين يتطلعون -ولأول مرة في تاريخ العرب- لفتح أرض الشام، وهذه بدايات مهمة جدًّا لتقعيد فكر الفتوحات الإسلامية.

في العام التالي -أي: في السنة التاسعة للهجرة- قاد النبي صلى الله عليه  وسلم بنفسه غزوة تبوك، وأظهر قوة المسلمين وعقد بعض الاتفاقيات في تلك المرحلة، ثم عاد ظافرًا إلى المدينة. في السنة الحادية عشرة للهجرة أعد النبي صلى الله عليه  وسلم جيشًا بقيادة أسامة بن زيد لمهاجمة الروم؛ ولكن الذي حدث أن النبي صلى الله عليه  وسلم توفِّي في ربيع الأول من تلك السنة قبل أن يتحرك ذلك الجيش، هنا نستطيع أن نقول: إن الرسول ترك لخلفائه خطة واضحة المعالم، ووجه وجوههم شطر قبلة معينة وضحها لهم، وهي بلاد الشام؛ لنشر الإسلام فيها والدعوة إلى دين الله فيها.

وهكذا نستطيع أن نقول: إن الرسول صلى الله عليه  وسلم وقف بثاقب نظره على أن أشد الأخطار التي يمكن أن تحل ببلاد العرب، وتناوئ الدعوة الإسلامية إنما موطنها أرض الشام، حيث الروم وعمالهم الغساسنة، وقد أثبتت حوادث الفتح الإسلامي في أراضي الروم صدق هذه الإشارة. هذه الأمور كلها ساعدت على حركة الفتوحات، وتكوين فكر حركة الفتوحات في بلاد الروم، ووضع الأسس الرئيسة لعملية الفتح في بلاد الروم.

نظام الحكم في الدولة الرومانية:

كان نظامًا ملكيًّا وراثيًّا، كان يُلقب ملك هذه البلاد بالإمبراطور، والدولة كانت تدين بالمسيحية؛ لكن الذي حدث أن الإمبراطورية أو الدولة البيزنطية الشرقية كانت تمارس نوعًا من أنواع الضغط الشديد والتعذيب والتنكيل بالوثنيين الموجودين في أراضيها؛ كما كان الوثنيون قديمًا ينكلون بالمسيحيين في هذه الأراضي، فانقلب الأمر عليهم مرة أخرى.

كذلك وُجِد اضطهاد من نوع آخر، ألا وهو: الاضطهاد المذهبي، بمعنى: أن بلاد الدولة البيزنطية الشرقية، وإن كانت قد دانت بالمسيحية منذ أن آمن قسطنطين بالمسيحية ودخل المسيحية لأول مرة؛ لكن الذي حدث أن الأباطرة اتخذوا مواقف غريبة ومواقف متعددة لاتجاه إيمانهم بالمسيحية؛ لأن المسيحية كانت قد تعددت المذاهب فيها، ووجد فيها أكثر من رأي وأكثر من توجه.

فوجدنا مثلًا هناك مذاهب تدعو بأن المسيح إله وروح الإله، وقالوا بفكر الثالوث المقدس: الأب، والابن، والروح القدس، وهناك من أنكر هذا الفكر تمامًا، وذهب للقول بأن المسيح بشر، ولا يمكن أن نطلق عليه أنه إله أو ابن للإله، وتعددت المذاهب: ظهرت الآريوسية، وظهرت الأثناسيوية، والمذهب المالكاني، والمذهب اليعقوبي… إلى آخر هذه المذاهب.

الغريب في الأمر: أن حركات الاضطهاد التي تمت: كان كل إمبراطور يلي الحكم ويتولى مذهبًا معينًا يصب جام غضبه وعذابه على من لا يتبعون هذا المذهب؛ ولذلك كثرت الاضطهادات الدينية بين أبناء المسيحية أنفسهم، وكلنا لا ينسى في مصر عصر الشهداء، والذي حدث نتيجة التنكيل والتعذيب، الذي مارسه الأباطرة ضد مَن يدينون بمذاهب مسيحية تختلف عن مذاهب الحكام وولاة الأمر.

هذا النوع من الاضطهاد الذي حدث كان له أثره في أن يتوجه المسلمون نحو فتح هذه البلاد، وأن يكره أهالي هذه البلاد هذه العصبيات وهذا الاضطهاد في المذاهب المسيحية، وأن يرحبوا بقبول المسلمين وبقبول الدين الإسلامي.

كذلك كان هناك نوع من الاضطراب الاقتصادي في بلاد الروم، وأعقب هذا الاضطراب قيام الكثير من حركات التمرد، وكلنا لا ينسى حركات فوكاس، وهي تعد صورة من صور التمرد، ثم ظهور هرقل بعد ذلك والذي استطاع أن يستولي على الإمبراطورية، وتمكن من قتل فوكاس، كان هذا عام 10 بعد القرن السادس بعد مرور ستمائة عام من ميلاد السيد المسيح.

هذه الأحداث عاصرت ظهور الإسلام وبدايات حركة الفتوحات، التي قام المسلمون بها في تلك المرحلة.

كل هذه الأفكار تصب في إطار الأسباب التي وجهت عيون المسلمين وأفكار المسلمين نحو الفتوحات في بلاد الروم، و كل هذه الأمور مع بعضها البعض، تمثل أسباب رئيسة لبداية حركة الفتوحات والدخول في موضوع حركة الفتوحات.

هنا نود أن نلفت الأنظار إلى نقطة أخرى: وهي أمر العلاقة بين الروم والعرب في حركة الفتوحات:

فحقيقة، من الأمور التي سهلت على العرب فتح ولايات الدولة الرومانية الشرقية: ما كان بينها وبين العرب من صلة في الجنس، وتقارب في اللغة، وصلات في التجارة. فهذه النقاط مهمة.

أذكر القارئ بأن أبا سفيان بن حرب كان يقابل هرقل إمبراطور الروم، وكان يلتقي به، وتقول الروايات أن هرقل سأل أبا سفيان عن رسول الله صلى الله عليه  وسلم، وأخذ منه بعض المعلومات التي تتعلق بالنبي وبدعوة النبي، وحقيقة هذه الدعوة، والأفكار التي تدعو إليها هذه الدعوة؛ بل إن بعض المصادر ذهبت للقول: بأن الإمبراطور كان على وشك أن يدخل في الدين بعد ما سمع مثل هذه الأفكار.

هنا أذكر في موضوع العلاقات والصلات، التي كانت بين الروم والعرب بأن جِد من جدود بني أمية توفِّي ودفن في بلاد الروم، وأن العلاقات التجارية كانت ضخمة بين العرب -وقريش بالأخص- وبين بلاد الروم؛ بل وبين بني أمية بالأخص، وبين الشام وبلاد الروم.

وأريد أن أذكر بأن علاقات الشام ببني أمية علاقات قديمة؛ ومن ثم قد يفسر لنا هذا الأمر تلك الرابطة التي تمت، وكانت بين بني أمية وبين الشام، هذه الرابطة وهذه العلاقة كانت قديمة قبل الإسلام.

وعندما جاء الإسلام ودخلت بلاد الشام في الإسلام ، فصار جند الشام هم أقرب الجند لبني أمية، وصار جند الشام حماة بني أمية، واستطاع الأمويون أن يحققوا بجند الشام انتصارات عظيمة بعد ذلك عندما دخلت الشام في الإسلام؛ وكل هذا يؤكد على ذلك الترابط الضخم الذي ربط الشام بالعرب وبقريش وببني أمية بالأخص، كما سيثبت بعد ذلك من أحداث التاريخ.

كذلك نريد أن نضيف لما سبق: أن الإمبراطورية -الدولة البيزنطية الشرقية- هي في الأصل الجزء الشرقي المتبقي من الإمبراطورية الرومانية المقدسة، هذه الإمبراطورية الرومانية التي كانت تستولي على حوض البحر الأبيض المتوسط كله؛ فعندما اجتاحت القبائل الجرمانية الإمبراطورية الرومانية.

واستطاعت أن تستولي على الجزء الغربي منها؛ بقي الجزء الشرقي وصارت القسطنطينية هي عاصمة الجزء الشرقي، وسقط الجزء الغربي في يد القبائل الجرمانية أو التيتون الذين اجتاحوا الإمبراطورية الرومانية؛ فحملت الدولة البيزنطية لواء المسيحية، وصارت هي التي تمثل فكر الإمبراطورية الرومانية وفكر المسيحية.

ولكن باقي هذه الدول التي كانت تتبع الدولة البيزنطية الشرقية مثل: فلسطين، و مصر، وبرقة، وطرابلس، والشمال الإفريقي، والمغرب الأقصى والأوسط والأدنى، كل هذه الدول كانت تقع تحت سيطرة الدولة البيزنطية الشرقية وهي لا تمثل جزءًا حقيقيًّا من ممالك هذه الدولة؛ ولكن السكان في هذه المناطق هم رعايا للدولة فقط وليسوا أصلًا من سكان الدولة البيزنطية الشرقية؛ ومن ثم نظروا إلى حكام الدولة البيزنطية الشرقية على أنهم مستبدين وظلمة؛ خاصة وأنهم مارسوا ضدهم كل أنواع العذاب والتنكيل كما ذكرت في موضوع المذاهب الدينية المسيحية: إذا اتبع الشعوب مذهب والأباطرة على مذهب سام الأباطرة لهؤلاء الشعوب سوء العذاب.

كذلك طبقت الدولة البيزنطية على أبناء هذه الشعوب أنواع فظيعة وشديدة جدًّا، من الضرائب والمكوس والإتاوات أثقلت كاهل السكان والشعوب في هذه المناطق؛ مما جعل الشعوب والسكان يكرهون حكم الدولة البيزنطية الشرقية، ويتمنون الخلاص من الدولة البيزنطية الشرقية، ومن حكم الدولة البيزنطية الشرقية؛ ومن ثم كانوا عونًا كبيرًا للفاتحين المسلمين، وكانوا مددًا كبيرًا للقوات الإسلامية عندما جاءت لفتح هذه البلاد.

نضيف لما سبق: أن توجيه الصديق رضي الله  عنه لغزو دولتي الفرس والروم في وقتٍ واحدٍ مع ما كان لهاتين الدولتين من الملك والنفوذ، ووفرة الثروة ليدل على حسن سياسته وقوة عزيمته؛ لكن يجب أن نعرف أن كلتا الدولتين كانتا مضرب الأمثال في الأبهة والعظمة؛ ولكن هذا الأمر كان ظاهريًّا فقط؛ لأن الاستبداد والبذخ والخلافات الدينية والتنافس على الملك… كل هذه الأشياء أضعفت الملك وأضعفت الحكومات، سواء في الإمبراطورية الفارسية أو في الدولة البيزنطية الشرقية. في الصورة المقابلة نستطيع أن نستشعر بوضع الإسلام ووضع الدولة الإسلامية؛ لأن الواقع أن الإسلام ألَّف بين قلوب العرب جميعًا، وصهر هذه القلوب في بوتقة واحدة، ووجه هذه الجموع نحو وجهة واحدة، إلا وهي: وجهة الذود عن دين الله، ونشر دين الله، وتبليغ الإسلام إلى العالمين، ودعوة من في الأرض جميعًا إلى دين الله؛ إيمانًا منهم بأن رسالة الإسلام رسالة عالمية، ودين الإسلام دين عالمي، وأن التكليف بهذا الدين يشمل الإنس والجن، وما ورد في كتاب الله يؤكد على هذه المعاني العظيمة؛ يقول تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين} [الأنبياء: 107]، وكثيرٌ من الآيات تؤكد على أن هذا الدين هو تكليف لعالمي الإنس والجن، لا أقول: عالم الإنس فقط.

ولذلك وجد العرب أنه لا بد من أن يحملوا رايات هذا الدين، وأن يأخذوا أسس هذا الدين إلى العالمين، وأن يدعوا به الناس أجمعين، وأن لا يغلقوه على أنفسهم، ومن ثم استطاعوا أن يحققوا هذا الأمر.

كذلك نلفت الأنظار إلى: أن هذه الأمة العربية الفتية كانت متقشفة في طعامها وفي لباسها وتمتلئ بالشدة؛ ومن ثم كان يسهل على هؤلاء الرجال الأشداء أن يتخففوا من مطالب الدنيا، وأن يخوضوا غمار هذه الحروب، وهم يتركون أمور الدنيا خلف ظهورهم ولا تشغلهم أمور الدنيا على الإطلاق؛ ولكن كان كل الذي يشغلهم هو شدة الإيمان والحرص على الاستشهاد في سبيل نصرة الدين، واعتبروا أن هذه الأشياء خير معين للقضاء على هاتين الدولتين.

2. الجيوش التي وجَّهها الصديق رضي الله  عنه لفتح الشام:

تمثلت الجيوش التي وجهها أبو بكر الصديق؛ لفتح الشام في أربعة جيوش رئيسية: جيش منهم كان بقيادة عمرو بن العاص وكانت وجهته إلى فلسطين، جيش آخر كان بقيادة يزيد بن أبي سفيان وكانت وجهته دمشقًا، وجيش آخر بقيادة أبي عبيدة بن الجراح وكانت قيادته حمص، والروايات تقول أن القيادة كانت بيد أبي عبيدة بن الجراح، له القيادة العامة في هذه التوجهات في أرض الروم، كذلك من بين هذه الجيوش جيش بقيادة شرحبيل بن حسنة، وهذا الجيش كانت وجهته الأردن.

وحقيقة: هذا التوجه من الصديق رضي الله  عنه كان في السنة الثالثة عشرة من الهجرة النبوية، وشهدت هذه السنة عزم الصديق على جمع الجنود؛ ليبعثهم إلى بلاد الشام، وحقيقة: فقد كان مرجع الصديق في هذا الأمر هو العمل بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِين} [التوبة: 123]، وقول الله تعالى: {قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ} [التوبة: 29]؛ كذلك اقتداءً برسول الله صلى الله عليه  وسلم، فأول من وجه الجيوش وجمع المسلمين لغزو الشام كان رسول الله صلى الله عليه  وسلم، ولا ننسى في هذا الإطار غزوة تبوك، والتي جمع لها رسول الله صلى الله عليه  وسلم جموع المسلمين حتى وصلها في حر شديد وجهد جهيد…

في هذه الغزوة نذكر بما حدث من تخلف بعض المسلمين، والآيات التي نزلت في ذلك، وموقف المسلمين مع من تخلفوا، وقصة أُبي بن كعب إلى آخر هذه الآيات، فحقيقة كانت هذه الأحداث أحداث عظيمة، ومن يتمعن فيها يستطيع أن يستشعر مدى حرص رسول الله صلى الله عليه  وسلم في موضوع غرس موضوع الجهاد، وتوصيل الدين وتبليغه للعالمين في هذه المناطق، بالرغم من الحر الشديد، الذي كان ينتاب هذه المناطق لتلك المرحلة إلا أن رسول الله صلى الله عليه  وسلم أصر على الغزو، ودعا الجميع إلى المشاركة في هذا الجيش الذي تحرك إلى تبوك.

على أية حال: رجع الرسول صلى الله عليه  وسلم عامه ذلك، وكان قد عقد بعض الاتفاقيات مع بعض القبائل المنتشرة في تلك المناطق وأظهر قوة الإسلام، وأظهر رباطة جأش المسلمين، واستعدادهم للبذل والتضحية في سبيل نشر هذا الدين، وفي سبيل تبليغه للعالمين.

لكن حدث تطور آخر قبل موت النبي صلى الله عليه  وسلم، حيث أعد جيش أسامة بن زيد مولاه ليغزو تخوم الشام؛ ولذلك نرى الصديق لما فرغ من أمر جزيرة العرب واستطاع أن يقضي على حركات التمرد؛ بسط يمينه إلى العراق، حيث بعث إليها خالد بن الوليد، وفي هذه الأثناء أراد أن يبعث إلى الشام كما بعث إلى العراق.

فشرع في جمع الأمراء في أماكن متفرقة من جزيرة العرب، وأراد أن يكلفهم بهذه المهمة، ألا وهي: مهمة الغزوة في سبيل الله، وتبليغ الدين للعالمين، والوصول إلى بلاد الشام، ودعوة الروم إلى الإسلام؛ فكان قد استعمل عمرو بن العاص على صدقات قضاعة ومعه الوليد بن عقبة، وكتب إليه يستنفره إلى الشام.

وإذا عدنا إلى هذا الخطاب الذي أرسله الصديق إلى عمرو بن العاص نجده يقول له: وقد أحببت -أبا عبد الله- أن أفرغك لما هو خير لك في حياتك ومعادك، إلا أن يكون الذي أنت فيه -الصدقات- أحب إليك”. الصديق يقصد بـ”ما هو خير لك في حياتك ومعادك”: الجهاد على جبهة الروم وفي بلاد الشام.

فكتب إليه عمرو بن العاص رسالة عظيمة جدًّا، مليئة بالمعاني القيمة والمعاني الجهادية الضخمة، قال عمرو بن العاص للصديق رضي الله  عنه:

إني سهم من سهام الإسلام وأنت بعد الله الرامي بها، والجامع لها؛ فانظر أشدها -يعني: أشد هذه الأماكن- فارمِ بي فيها. يعني: انظر إلى أصعب هذه البقاع وإلى أشد هذه الأماكن التي تريد أن تذهب الإسلام فيها، وتريد أن توصل الإسلام فيها ودعوة الإسلام للعالمين فابعثني إلى هذه المناطق، فما أنا إلا سهم من سهام الإسلام، وجهني كيف تشاء وكيف تحب وكيف تريد.

وتقول المصادر التاريخية: إن الصديق بعث رسالة مشابهة إلى الوليد بن عقبة، وكذلك رد عليه الوليد بمثل هذا الرد، ومن ثم أقبلا -يعني عمرو بن العاص، والوليد بن عقبة- بعدما استخلفا في عملهما -جمع الصدقات- وعادا مرة أخرى إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه  وسلم وسلما أنفسهما لأبي بكر الصديق؛ ليوجههما حيث يشاء في هذه المعارك، التي سوف تقوم في بلاد الروم، وللدعوة لدين الله في بلاد الروم.

تذكر المصادر شخصية أخرى، هي: شخصية خالد بن سعيد بن العاص، وأنه أتى للدخول في أمر هذه القوات والذهاب إلى بلاد الروم؛ ولكن كان لخالد بن سعيد موقف؛ حيث أثار علي بن أبي طالب، وقال له: يا أبا الحسن، أغُلِبتم يا بني عبد مناف عن الإمارة؟ فقال له علي رضي الله  عنه: أمغالبة تراها أم خلافة؟! يعني: الأصل الخلافة وليست المغالبة، ولكن البيعة التي تمت للصديق.

عمر بن الخطاب وصله هذا الكلام، فتضايق من خالد بن سعيد بن العاص، وأثر في نفسه هذا الكلام، وبلغ الصديق بهذا الكلام، وطلب منه عدم تولية خالد بن سعيد بن العاص لأي جيش من هذه الجيوش، وتقول المصادر: أن الصديق بالفعل لم يحاول أن يبعث بخالد بن سعيد بن العاص في أحد هذه الجيوش، وتأثر بما نقله عمر بن الخطاب عنه فنحاه عن هذه الوجهة، وهي قيادة هذه الجيوش، وعزله عن الشام وولاه أرض تيماء، وأمر المسلمين بأن يكونوا معه في أرض تيماء في تلك المرحلة، وبدأ الصديق في عقد تلك الألوية التي يريد أن يبعث بها إلى بلاد الروم:

عقد لواء يزيد بن أبي سفيان ومعه جمهور الناس، ومعه سهيل بن عمرو وأشباهه من أهل مكة، وخرج معه ماشيًا يوصيه بما اعتمده في حربه ومن معه من المسلمين، وجعل له دمشق. معنى ذلك أن يزيد بن أبي سفيان سوف تكون له القيادة على مجموعة من الجنود، وسوف تكون وجهته هي دمشق ومدينة دمشق.

وكذلك بعث أبا عبيدة بن الجراح على جند آخر وخرج معه ماشيًا، وأخذ يوصيه وجعل له نيابة حمص، وتقول المصادر التاريخية: أن الصديق جعل القيادة العامة في تلك المرحلة لأبي عبيدة بن الجراح؛ وكذلك أرسل عمرو بن العاص وجعل معه جندًا آخر وجعله على فلسطين، وأمر كل أمير أن يسلك طريقًا غير طريق الآخر، ووضع في حسبانه مجموعة من المصالح في عملية اختلاف الطرق بين هؤلاء الأمراء، وتقول المصادر: إن الصديق رضي الله  عنه كان يقتدي في هذا التصرف بنبي الله يعقوب حين قال لبنيه: {وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُون} [يوسف: 67]، وبدأت تتحرك هذه الجيوش.

تقول المصادر: إنه خرج عمرو بن العاص حتى نزل العرمات من أرض الشام، وتقول الروايات: أن يزيد بن أبي سفيان نزل في البلقاء أولًا، ونزل شرحبيل بالأردن، وبعض الروايات تقول: إنه نزل ببصرى، بينما نزل أبو عبيدة بالجابية، وجعل أبو بكر الصديق يمدهم بالجيوش…

يعني: هذه مقدمات جيوش أو رءوس جسور -إن صح التعبير- وتتبعهم بعد ذلك كلما تجمعت مع الصديق قوات من القوات العربية والجنود المسلمين الذين يأتون من القبائل العربية المجاورة للمدينة، فيجعلهم في مجموعات، ويبعث بهم إلى هؤلاء القواد وهذه الجيوش الأربعة التي خرجت للغزو في بلاد الروم.

نقول: إنَّه أمر كل واحد منهم أن ينضم إلى مع من أحب من الأمراء، يعني: كلما بعث بمجموعة خيرهم… وهكذا؛ حتى تذهب القوات مع القائد الذي يرغبون فيه، ويرغبون في الجهاد معه.

تذكر الروايات أن أبا عبيدة بن الجراح لما مر بأرض البلقاء قاتلهم حتى صالحوه، وهذا كان أول صلح وقع بالشام، وهناك روايات أخرى تقول: إنَّ أول حرب وقعت بالشام كان لما الروم اجتمعوا بمكان كان يقال له العرية من أرض فلسطين، هنا وجه إليهم أبا أمامة في سرية فقتلهم وغنم منهم، وتقول الروايات: إنه قتل منهم بطريقًا عظيمًا، أي: من القيادات المسيحية لهم.

ثم كانت بعد هذه الوقعة وقعة أخرى عرفت بمرج الصُّف، وفي هذه الوقعة استشهد خالد بن سعيد بن العاص وجماعة من المسلمين، وتقول بعض الروايات: إن الذي استشهد في مرج الصف ابن لخالد بن سعيد، وأما هو ففر حتى انحاز إلى أرض الحجاز؛ و الله أعلم أي ذلك كان.

وتقول الروايات: إن خالدَ بن سعيد هذا انتهى إلى تيماء، واجتمعت له جنود من الروم في جمع كثير من نصارى العرب، يعني: القبائل العربية متواجدة على أطراف الجزيرة العربية كانت تؤثر الانضمام إلى قوات الفرس أكثر من أن تنضم إلى قوات العرب…

وحقيقة هذا الملمح لفت نظر خالد بن الوليد: كان دائمًا ما يجد القوات العربية على أطراف الجزيرة تنضم إلى الفرس؛ فاستعجب من ذلك وقال لهم: من أي العرب أنتم؟ حتى قالوا له: نحن عرب مستعربة… لا يقصدون “مستعربة” المعنى الاصطلاحي الذي نطلقه؛ ولكنهم يريدون أن يقولوا: إنهم بمجاورتهم لبلاد الفرس والروم وعلاقاتهم ببلاد الفرس والروم لم يصبحوا عربًا خُلَّصًا.

ولذلك كان ضيق خالد بن الوليد من أمثال هؤلاء كان شديدًا، وكان يقاتلهم بشدة؛ لأنه يرى أن الأصل في العرب الانضمام إلى بني جلدتهم على الأقل، بغض النظر عن موضوع الديانة؛ ولكن هؤلاء إن كانوا قريبين من الفرس ينضموا للفرس وإن كانوا قريبين من الروم ينضموا إلى قوات الروم… وهكذا.

اقترب منهم خالد بن سعيد ولما اقترب منهم تفرقوا عنه، وتقول المصادر: إن كثيرًا من هؤلاء دخلوا في الإسلام، ومن ثم بعث خالد بن سعيد إلى أبي بكر الصديق بما وقع من الفتح، فأمره الصديق أن يتقدم ولا يحجم وأمده بالوليد وبعكرمة بن أبي جهل وجماعة من المسلمين؛ فسار إلى قريب من إيلياء والتقى هو وأمير من أمراء الروم يقال له: “ماهان” فانتصر عليه خالد، ولجأ ماهان إلى دمشق؛ فلحقه خالد بن سعيد، وبادر الجيوش إلى اللحوق بدمشق وطلب الحظوة، يعني: أن يدخلوا دمشق وأن يحققوا نصرًا فيها.

ولكن كانت الروم أعدت خطة عسكرية للانتصار على المسلمين، وبالفعل استطاع الروم أن يحاصروا خالد بن سعيد، وبادرت الجيوش إلى اللحوق بدمشق ووصلوا إلى مرج الصف، وانطوت عليهم مسالح ماهان، وأخذوا عليهم الطريق. وزحفوا عليهم؛ ففر خالد بن سعيد واستحوذ الروم على الجيش الإسلامي إلا من فر على الخيل؛ ولكن عكرمة بن أبي جهل استطاع أن يثبت، وإن كان تقهقر عن الشام قريبًا، وبقي ردءًا لمن يقترب منه.

في هذه الأثناء ظهرت جيوش المسلمين التي أرسلها الصديق؛ فأقبل شرحبيل بن حسنة من العراق من عند خالد بن الوليد، وكان الصديق قد أمره على الجيش وبعث به إلى الشام، فلما مر بخالد بن سعيد؛ أخذ أكثر القوات الذين هربوا معه إلى ذي المروة، وكذلك حدث إنه اجتمع عند الصديق مجموعة أخرى من الناس؛ فأمَّر عليهم معاوية بن أبي سفيان، وأرسلهم وراء أخيه يزيد بن أبي سفيان، وكلنا نذكر: إنه من بين هذه الجيوش جيش بقيادة يزيد بن أبي سفيان، ومن ثم جمع أيضًا مجموعة من الجند وجعل معاوية بن أبي سفيان قائدًا لها، وأرسل هذه المجموعة إلى يزيد بن أبي سفيان.

وتقول الروايات: إنه لما مر بخالد بن سعيد؛ أخذ من كان بقي معه بذي المروة وذهب بكل هؤلاء إلى الشام، وبعد ذلك أذن الصديق لخالد بن سعيد في الدخول إلى المدينة.

error: النص محمي !!