Top
Image Alt

أسباب زيادة الإيمان

  /  أسباب زيادة الإيمان

أسباب زيادة الإيمان

المسلم يبحث عما يزيد إيمانه ويقويه، فما هي هذه العوامل والأسباب التي تؤدي إلى زيادة الإيمان؟

أولًا: تعلم العلم النافع:

من أعظم ما يزيد الإيمان تعلم العلم النافع المستمد من كتاب الله تعالى، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم لأن هذا العلم هو الذي يوصل القلوب ببارئها، ويصفي العلاقة بينها وبين خالقها، وليس العلم المبني على الفلسفة والمنطق، والمعتمد على التصورات الخاطئة وزبالات عقول البشر؛ فإن هذا العلم حري بقطع صاحبه عن الله تعالى، وسيورثه الكآبة والتشرد والحيرة ونقصان الدين، ولذلك حذر السلف -رحمهم الله تعالى- من هذه العلوم والفلسفات التي دخلت في علوم المسلمين عن طريق الترجمة من ديانات وحضارات ما قبل الإسلام؛ فأعظم العلمِ العلمُ بالله وبأسمائه وصفاته وشرعه، فهذا الذي يورث العبد زيادة في إيمانه، فقال الله تعالى: {إِنّمَا يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنّ اللّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} [فاطر: 28].

يقول ابن كثير -رحمه الله- في تفسير هذه الآية: أي: إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به؛ لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير أتم والعلم به أكمل كانت الخشية له أعظم وأكثر. قال ابن عباس في قوله تعالى: {إِنّمَا يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} قال: الذين يعلمون إن الله على كل شيء قدير. وعنه قال: العالم بالرحمن من عباده من لم يشرك به شيئًا، وأحل حلاله، وحرم حرامه، وحفظ وصيته، وأيقن أنه ملاقيه، ومحاسبه، ومحاسب بعمله.

وقال سعيد بن جبير: الخشية هي التي تَحُولُ بينكَ وبينَ معصية الله عز وجل. وقال الحسن البصري: العالِمُ مَن خشي الرحمنَ بالغيب، ورغب فيما رغب الله فيه، وزهد فيما سخط الله منه، ثم تلا الحسن: {إِنّمَا يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: “ليس عن كثرة الحديث ولكن العلم عن كثرة الخشية”، وقال مالك: “إن العلم ليس بكثرة الرواية، وإنما العلم نورٌ يجعله الله في القلب”. انتهى الكلام.

وقال الشوكاني -رحمه الله-: “هذه الآية من تتمة قوله تعالى: {إِنّمَا تُنذِرُ الّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبّهُمْ بِالْغَيْبِ} [فاطر: 18] على معنى إنما يخشاه سبحانه بالغيب العالمون به وبما يليق به من صفاته الجليلة وأفعاله الجميلة، وعلى كل تقدير فهو سبحانه قد عيَّنَ في هذه الآية أهل خشيته، وهم العلماء به، وبعظيم قدرته.

قال مجاهد: إنما العالم من خشي الله عز وجل، وقال مسروق: كفى بخشية اللهِ علمًا، وكفى بالاغترار جهلًا، فمن كان أعلم بالله كان أخشاهم له.

قال الربيع بن أنس: من لم يخش الله فليس بعالم. وقال الشعبي: العالم من خاف الله. انتهى كلامه.

وقال تعالى: {شَهِدَ اللّهُ أَنّهُ لاَ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: 18]. وقال تعالى{قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوَاْ إِنّ الّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىَ عَلَيْهِمْ يَخِرّونَ لِلأذْقَانِ سُجّداً}(107) {وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبّنَا لَمَفْعُولاً}(108) {وَيَخِرّونَ لِلأذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً} [الإسراء: 107 – 109].

وفي الصحيحين من حديث معاوية رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين)) رواه البخاري ومسلم، وعن أبي أُمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم؛إن الله عز وجل وملائكته وأهل السموات وأهل الأرض حتى النملة في جحرها يصلون على معلم الناس الخير)).

والأدلة على فضل العلم، وفضل أهله كثيرة، وهي تدل دلالة واضحة أن من سلك طريق العلم فإنه قد ورث ميراث النبوة؛ فإنهم لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم. يقول الدكتور عبد الله الطيار: وزيادة الإيمان الحاصلة بالعلم تكون من وجوهٍ متعددةٍ:

الوجه الأول: خروجه وخروج أهله في تحصيله.

الوجه الثاني: جلوسهم في حِلق الذكر.

الوجه الثالث: مذاكرة بعضهم البعض في مسائل العلم.

الوجه الرابع: زيادة معرفتهم بالله وشرعه.

الوجه الخامس: تطبيقهم لما تعلموه من العلم الشرعي.

فهذه بعض الجوانب ووجوه تعلم العلم الذي يزداد به الإيمان.

أما عن أبواب العلم التي يحصل بها زيادة الإيمان من خلال العلم الشرعي، فمن هذه الأبواب:

الباب الأول: قراءة القرآن بتدبر، فهي من أعظم أبواب العلم المؤدية إلى زيادةِ الإيمانِ وثباته وقوته.

قال ابن القيم -رحمه الله-: وبالجملة فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر، فإنه جامع لجميع منازل السائلين، وأحوال العالمين، ومقامات العارفين وهو الذي يورث المحبة، والشوق، والخوف، والرجاء، والإنابة، والتوكل، والرضا، والتفويض، والشكر، والصبر، وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله. انتهى كلام ابن القيم.

الباب الثاني: معرفةُ أسماءِ الله وصفاته العلا، من أعظم الأمور التي يزداد بها القلب إيمانًا معرفة الرب سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاتهالتي جاءت بها نصوص الكتاب والسنة، والتي تدل على كمال الله المطلق من كافةِ الوجوه؛ فمن الفوائد المترتبة على معرفة أسماء الله وصفاته:

أولًا: أن علم توحيد الأسماء والصفات من أشرف العلوم، وأجلها على الإطلاق، فالاشتغالُ بفَهمه والبحث عنه اشتغال بأعلى المطالب.

الثاني: أن معرفة الله تدعو إلى محبته، وخشيته، وخوفه، ورجائه، وإخلاص العلم له، وهذا عليه سعادة العبد.

الثالث: أن أحد أركان الإيمان بل وأفضلها الإيمان بالله،وليس الإيمان قول “آمنت بالله” من غير معرفته لربه، بل حقيقة الإيمان أن يعرف المؤمن أن يعبده ويؤمن به؛فيبذل جهده بمعرفة أسمائه وصفاته، فكلما ازداد العبد معرفةَ بربه ازداد إيمانه به.

الرابع: أن العلم به تعالى هو أصل الأشياء كلها حتى إن العارف به حقيقة المعرفة يستدل بما عرف من صفاته وأفعاله على ما يفعله،وعلى ما يشرعه من الأحكام؛ لأنه لا يفعل إلا ما هو مقتضى أسمائه وصفاته.

انتهى كلام الدكتور الطيار -حفظه الله.

الباب الثالث: تأمل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وهذا من أسباب زيادة الإيمان فالنظر إلى سيرته صلى الله عليه وسلم ودراستها وتأمل ما ذكر فيها من نعوته الطيبة، وخصاله الكريمة، وشمائله الحميدة، وغير ذلك من الخصال الحميدة، فإن العبد يزداد إيمانه بذلك، وتحصل هذه الزيادة من جهة أنه متى عرف خصال النبي صلى الله عليه وسلم ازدادت محبته له، وأورثت هذه المحبة متابعة لنبيه صلى الله عليه وسلم في القول والعمل وبالتالي يزداد إيمان العبد من جهة هذه المتابعة.

الباب الرابع: تأمل محاسن الدين؛ فالدين الإسلامي كله محاسن عقائده أصلح العقائد وأصدقها وأنفعها، وأخلاقه أجمل الأخلاق وأحمدها، وأحكامه أنسب الأحكام وأعدلها؛فبالتأمل والنظر في محاسن هذا الدين يزيد الله الإيمان في قلبه ويحببه إليه، قال تعالى: {وَلَـَكِنّ اللّهَ حَبّبَ إِلَيْكُمُ الأِيمَانَ وَزَيّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 7].

الباب الخامس: قراءة سيرة السلف الصالح؛ لأن سيرة السلف رضي الله عنهم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان تُعَدُّ من أعظم ما يزيد القلب إيمانًا، ومحبة لله وإجلالًا له؛ فهم أبرُّ الناس قلوبًا، وأزكاهم نفوسًا.

ثانيًا: من أسباب زيادة الإيمان: التأمل في آيات الله الكونية:

لا شك أن التأمل في بديع صنع هذا المليك لهذا الخالق، وما فيه من عجائبتحار فيها العقول، قال تعالى: {إِنّ فِي خَلْقِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللّيْلِ وَالنّهَارِ وَالْفُلْكِ الّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النّاسَ وَمَآ أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السّمَآءِ مِن مّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثّ فِيهَا مِن كُلّ دَآبّةٍ وَتَصْرِيفِ الرّيَاحِ وَالسّحَابِ الْمُسَخّرِ بَيْنَ السّمَآءِ وَالأرْضِ لاَيَاتٍ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164].

وقال تعالى: {أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ}(17) {وَإِلَى السّمَآءِ كَيْفَ رُفِعَتْ}(18) {وَإِلَىَ الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ}(19) {وَإِلَى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} [الغاشية: 16- 20].

وسئل شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله: هل لزيادة الإيمان أسباب؟

فأجاب بقوله: وأما قوله: هل يكون لأول حصوله سبب؛ فلا ريب أنه يحصل بسببه، مثل استماع القرآن، ومثل رؤية أهل الإيمان والنظر في أحوالهم، ومثل معرفة أحوال النبي صلى الله عليه وسلم ومعجزاته والنظر في ذلك، ومثل النظر في آيات الله تعالى، ومثل التفكر في أحوال الإنسان نفسه، ومثل الضروريات التي يحدثها الله للعبد التي تضطره إلى الذل لله والاستسلام له، واللجوء إليه، وقد يكون هذا سببًا كشيء من الإيمان وهذا سببًا لشيءٍ آخر، بل كل ما يكون في العالم من الأمور فلا بد له من سبب، وسبب الإيمان وشعبه يكون تارةً من العبد وتارةً من غيره مثل من يقيض له من يدعوه لإيمان، ومن يأمره بالخير وينهاه عن الشر، ويبين له علامات الدين وحججه وبراهينه، وما يعتبره وينزل به ويتعظ به، وغير ذلك من الأسباب. انتهى كلامه

فهنا ينبغي أن نتفكر في هذه الأمور والأسباب التي يحصل بها زيادة الإيمان وقوته وتأكيده وتفاعله في قلب المؤمن حتى نقترب من أولئك الكمل، أولئك الذين كانوا جبالًا في الأمة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي رضي الله عنهم فإنه كما ورد في الحديث: ((لو وزن إيمانُ أبي بكر وإيمانُ الأمة لرجح إيمان أبي بكر)) فهذا يدل على أنه رضي الله عنه قد جاهد نفسه لكمال الإيمان. ولا شك أن من الأسباب المؤدية إلى ذلك هو أنه رضي الله عنه ضرب في كثيرٍ من سهام الخير التي اشتهر بها رضي الله عنه.

error: النص محمي !!