Top
Image Alt

أسباب ظهور الرأسمالية

  /  أسباب ظهور الرأسمالية

أسباب ظهور الرأسمالية

عرفت مما سبق مدى الإحباط والبؤس الذي عانته أوربا في عصورها الوسطى، وسيادة نظام الطبقات البغيض، الذي جعل الناس سادة وعبيدًا وأغنياء وفقراء. قسم يعيش فيالثريا وآخر في الثرى بمباركة الكنيسة، وطغاتها الجبارين المتواطئين مع الحكام، والأباطرة وغيرهم في تحذير الشعوب الأوروبية النصرانية على الرضا بكل تلك الأحوال المخزية؛ كي يحصلوا على النعيم الأبدي، أو دخول ملكوت الله -كما هو تعبيرهم- لأتباعهم المغلوبين على أمرهم.

واستمر الحال فترة من الزمن كانوا يشعرون فيها بهذا الغبن الغليظ، وكما هو الحال فإن سنة الله تعالى ألا يدوم الشر أو الخير دائمًا، فبدأت تباشير الخروج تلوح في الأفق إثر ظهور هذه الدعوات المختلفة على طريقة: بعض الشر أهون من بعض. فحينما بلغ السيل الزبى، وجاوز الحزام الطبيين، بدأت تظهر هنا وهناك وبين آونة وأخرى حركة تمرد ناشئة تطمح إلى إزالة ذلك الكابوس البغيض، فقام الكتاب والمفكرون والفلاسفة بشحذ أذهان الناس، وإنهم في وضع يجب الخروج منه بأي ثمن كان لنيل الحريات، وأهمها الحرية الفردية في التملك، وإبداء الرأي والكلمة.

وتضافرت تلك الجهود يقوي بعضها بعضًا إلى أن خرج الكتكوت من البيضة، فإذا هم في نظام جديد أو معبود جديد يسمى المال الذي نقلهم نقلة قوية، وحولهم من النظام الإقطاعي والرقيق في تدرج حثيث إلى النظام الرأسمالي. وقد ذكر الأستاذ الخطيب أن الذي ساعد النظام الرأسمالي على الظهور عدة عوامل، كانت الرياح التي تجري فيها بما تشتهي السفن، أذكرها هنا بإيضاح وتصرف وهي:

أولًا: ظهور الدعوات القومية في غرب أوربا التي كانت دافعًا قويا في البداية للتجمع والاتحاد، ثم تجاوزها الأوروبيون بعد أن عاشوا مفاسدها فترة من الزمن، إذ أصبح التنافس على المال والتكالب عليه بين كل قومية وأخرى على أشده. فتركوها وسموها رجعية، فتلقفها المتطفلون من المسلمين ونصارى العرب؛ ليدخلوا بها ذلك النفق الضيق الذي خرج منه أهل أوربا.

ثانيًا: زيادة عدد السكان ولا سيما سكان المدن بسبب هجرة الناس من الأرياف، والقرى إلى المدن طلبًا للرزق، والتنعم بحياة العيش في المدن، فكثرت الأيدي العاملة وبالتالي البطالة. فتطلع الناس إلى أي نظام ينقذهم، وقد أصبحت هذه الهجرة الجماعية مصدرًا لأهل المدن، وسببًا لانتشار البطالة فيما بعد.

ثالثًا: هروب رقيق الأرض إلى المدن: وكان هؤلاء يباعون من الأثرياء تبعًا للأرض التي هم عليها حيث تباع الأرض بما عليها من تراب، ونباتات ومزارع وعمال. وقد مكنهم هروبهم إلى المدن الكبيرة من الاختفاء بها، والتكسب مظلة الحرية الفردية في جمع المال وتوفيره، والتنافس عليه فنشطت الرأسمالية.

رابعًا: مطالبة أهل المدن باستقلالهم عن نفوذ سادة الإقطاع، بعد أن اعتمدوا على ما أظهرته الحركة الصناعية من آلات، وأدوات أفادتهم في تطور الاقتصاد، عن طريق البر الزراعي، والبحر بثروته السمكية الهائلة الممنوحة من الله تعالى للجميع، فاشتد التنافس بين الجميع.

خامسًا: ظهور النهضة العلمية والفكرية، وحركة الإصلاح للدين النصراني المنهار، تحت وطأة العلم التجريبي وعلماء الاكتشاف، حيث جعلت الناس كلهم يتسابقون ويتنافسون في جمع المال.

سادسًا: انضمام الملوك القوميين إلى مساندة التجار، وإعطائهم الحرية التامة في التملك الفردي أو الجماعي حسب قاعدتهم: “دعه يعمل.. دعه يمر”.

ويمكن أن يضاف إلى ذلك استشراف الناس للخروج عما هم فيه من الغبن الفاحش، والتطلع إلى الجديد، لعله يساعدهم على الحياة التي يتطلعون إليها. ولا تنس دور اليهود في قيام الرأسمالية، فإن اليهود وراء كل جريمة ووراء كل مصيبة، بل ووراء كل البنوك الربوية، هم الذين يتحكمون فيها هبوطًا وارتفاعًا، وهم الذين رتبوا لسيادة أصحاب رؤوس الأموال لبناء النظام الاقتصادي الربوي الجشع.

وإذا أردت مصداق هذا الكلام، فاقرأ ما سجلوه على أنفسهم في قراراتهم الجهنمية (بروتوكولات حكماء صهيون). حيث أكدوا على التزامهم بدعم أي نظام فيه مضرة للجوييم، واشتغالهم بأوضاعهم التي عزم اليهود على زعزعتها على مر الزمن انتقامًا واحتقارًا للجوييم لعدم ظهورهم لشعب الله المختار، وقد عرف عن اليهود تفوقهم في استغلال الأحداث على أتم الوجوه.

وقد أكد الأستاذ محمد قطب أن اليهود لم يكونوا هم مصدر كل الأحداث، كما يتصور البعض، ولكنهم يعرفون كيف يستفيدون منها، وكيف يوجهونها لمصالحهم وتحقيق أهدافهم، لا أنهم هم أصحاب الاختراعات الفكرية كلها. وهناك عامل آخر أسهم أيضًا في ظهور الرأسمالية لا يقل -في نظري- عن أهمية العوامل السابقة، وهو دور السادة زعماء الإقطاع، وكبار الملاك الذين أرادوا الالتفات مرة أخرى للسيطرة على الطبقات الفقيرة، من حيث يشعر هؤلاء أو لا يشعرون.

فكان دورهم الجديد هو تمويل مشروعات النظام الجديد، مقابل أرباح محددة يقطفون ثمارها دون عناء أو تعب بتشغيلهم الفقراء، ويظهر أن هؤلاء هم الذين كانوا وراء قيام البنوك الربوية، والتي حلت أخيرًا محل سادة الإقطاع في الزمن القديم، حيث لم يختلف الأمر في التسميات فقط. لأنه لم يظهر أي مبدأ نبيل يسمو بأخلاق الإقطاعيين، ويوجد في قلوبهم العطف الحقيقي، والقناعة النفسية، أو مراقبة الله تعالى والرغبة في ثوابه والخوف من عقابه؛ لأن التغييرات السياسية، والثورات الحاقدة لا تعطي شيئًا من تلك الأخلاق الحميدة. بل هي أوضاع تزيد في القلب السقيم سقمًا، وهكذا فقد كان لأصحاب رؤوس الأموال الصولات والجولات في الميدان، حيث أصبحوا فيما بعد هم الطبقة العليا، والمسيطرون الحقيقيون على الطبقات الدنيا.

وانتقل أهل أوربا من حكم الإقطاعيات القديم، وطبقة النبلاء إلى حكم الإقطاعيات الجديدة، وطبقة النبلاء الجدد، فكان الخلاف لفظيًّا بين الحالين، إذ لم يستطع الفقراء أن يدخلوا المنافسة في الرأسمالية، لعدم تمكنهم من وجود رؤوس الأموال لإقامة المشاريع الضخمة، التي تتطلب أموالًا كثيرة. فازداد الأغنياء غنًى وثروة، وازداد الفقراء فقرًا وحاجة، وتضاعف البلاء على الفقراء لعدم وجود أي وازع من الدين، أو الفضيلة لدى الرأسماليين، الذين لا حد لجشعهم ورغبتهم في امتلاك أكبر قدر من المال بأي طريق كان من الربا والاحتكار والغش والحيل، واستبعاد المحتاجين؛ فنشأت العداوات الشديدة بين الفريقين، إذ كان الفقراء ينظرون إلى أصحاب رؤوس الأموال بأنهم ظالمين جائرين لا رحمة لديهم، بينما كان الأغنياء ينظرون إلى الفقراء على أنهم حاسدون لهم، ومنازعون لهم ما في أيديهم. شأن كل الأنظمة الجاهلية، والأخلاق التي لا تقوم على هدى كتاب الله تعالى، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم  التي تجعل الشخص يؤثر على نفسه غيره، ولو كان به حاجة وفاقة، كما قال الله تعالى في ثنائه على الأنصار في إيثارهم المهاجرين إليهم: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىَ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9].

وبكل الأحوال، فسواء أكان هذا النظام الجاهلي المقصود به استغلال، أو كان المقصود به التوصل إلى حلول اقتصادية عادلة تضمن السعادة لكل الأطراف، التي تشمل الأغنياء والفقراء. سواء هذا أو ذاك، فإنه لا يمكن لأي نظام جاهلي أن يسعد أتباعه؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وأول شيء افتقدته الرأسمالية وجود الرحمة والعطف على المحتاجين الفقراء، فقد حملتهم تبعة فقرهم تحت مبرر خادع. وهو أنهم لم يعملوا ولم يعرفوا طرق الوصول إلى المال لبلادتهم وجهلهم، فهم كما حكى الله عن قارون أنه قال: {قَالَ إِنّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىَ عِلْمٍ عِندِيَ} [القصص: 78].

ولم ينظروا إلى أنفسهم وإلى عمالهم، حيث إن أصحاب رؤوس الأموال لا يعملون نصف ما يعمله، ويكده عمالهم لسد حاجاتهم الضرورية، بينما أصحاب رؤوس الأموال الذين لا يبالون بجمع المال تحت أي سبب، سواء أكان مشروعًا أو غير مشروع. عن طريق الربا أو عن طريق المخدرات، أو عن طريق بيع الأعراض أو الاحتيالات، وما إلى ذلك، نجد هؤلاء يعيشون في منتهى البذخ والإسراف، كما قيل في المثل: الكلب يشبع والنمور جياع.

لقد وقعت الرأسمالية في مساوئ كثيرة -كأي كل نظام جاهلي- فالحرية الاقتصادية التي تمنحها لأتباعها، وتتبجح بها لم تكن صافية، فالعامل تحت وطأة الحاجة يجب أن يعمل الذي يريده صاحب رأس المال، إذ لا خيار أمامه إلا القبول. وأيضًا لا خيار في مقدار الأجرة التي يفرضها صاحب رأس المال؛ لأنه إذا أبى ذلك، فإن ما وصلت إليه البطالة والعاطلين عن العمل كفيلان بأن يوجد له من يقبل تلك الأجرة في الوقت، الذي يشتد فيه جشع المحتكرين، وسيطرتهم على الأسواق والموارد الوافدة إليه.

وكنتيجة طبيعية إزاء هذه الأوضاع، تفاقمت الهوة بين الأثرياء والفقراء، واختل التوازن السليم في الاستفادة من الثروات.

error: النص محمي !!