Top
Image Alt

أسس دين الإسلام في حفظ حقوق الإنسان.. 13.2

  /  أسس دين الإسلام في حفظ حقوق الإنسان.. 13.2

أسس دين الإسلام في حفظ حقوق الإنسان.. 13.2

الإسلام دين الرحمة للناس جميعًا، فيه الخير للعالمين لمن آمن به ولمن لم يؤمن به، فإن نبينا -صلى الله عليه وآله- أرسله الله تعالى رحمة للعالمين، وهو -صلى الله عليه وآله- أمان للبشرية حين يكون فيها، قال جل من قائل عليمًا: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال: 33]، فالله -تبارك وتعالى- جعل نبينا -صلى الله عليه وآله- أمنة ورحمة للناس جميعًا، فهو -صلى الله عليه وآله وسلم- جاء بالرحمة المهداة وبالنعمة المسداة، فلا يجحد فضله إلا من جهل حقيقته أو كان من المستكبرين؛ لأن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- سطر بدعوته أروع صفحات النقاء والصفاء والرحمة والوفاء؛ لتتعلم منها البشرية بأسرها، حتى قال بعض رهبانهم وقساوستهم والفضل ما نطقت به الأعداء، قال البطريرك غيثوا بابا: “إن العرب الذين مكنهم الرب من السيطرة على العالم، يعاملوننا كما تعرفون، إنهم ليسوا بأعداء للنصرانية، بل يمتدحون ملتنا ويوقرون قسيسينا وقديسينا، ويمدون يد المعونة إلى كنائسنا وأديرتنا”.

وهذا ويل ديورنت يقول في “قصة الحضارة”: “لقد كان أهل الذمة المسيحيون والزرادشتيون واليهود والصابئون، يتمتعون في عهد الخلافة الأموية بدرجة من التسامح، لا نجد نظيرا لها في البلاد المسيحية في هذه الأيام، فلقد كانوا أحرارا في ممارسة شعائر دينهم، واحتفظوا بكنائسهم ومعابدهم، وكانوا يتمتعون بحكم ذاتي يخضعون فيه لعلمائهم وقضاتهم وقوانينهم”.

وهذه المعاملة الحسنة التي أبداها المسلمون لمخالفي دينهم، ليست طارئة أو غريبة على المجتمع المسلم ولا على الحضارة والتاريخ الإسلامي، بل هي منطلقة من أسس دين الإسلام نفسه، الذي يقوم على أساسين راسخين: الأول: حفظ كرامة الإنسان لكونه إنسانًا: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء: 70]، والأساس الثاني: كفالة حرية الاعتقاد، إذ {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256]، ونسمع اليوم أصواتا تتعالى تتهم الإسلام وأهله بانتهاك حقوق الإنسان، وبخاصة مع غير المسلمين دون دليل ولا برهان؛ لذا يجمل بنا أولًا أن نحدد تلك الأسس التي تحكم العلاقات بين المسلمين وغيرهم من أهل الملل.

إننا حين نتحدث عن هذه الأسس، لا بد وأن نذكر أولًا صحيفة المدينة، وأن نذكر ذلك العهد الذي قطعه النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لنصارى نجران، وأن نذكر ذلك الميثاق العمري الذي جعله عمر على أهل الذمة، ولا ننسى أن نذكر خطبة الوداع التي خطب نبينا -صلى الله عليه وآله- فحدد العلاقات الخارجية، كما أرسى دعائم السياسة الداخلية في الدولة المسلمة.

– صحيفة المدينة:

ولذا يحسن بنا أن نتناول صحيفة المدينة، فكانت صحيفة المدينة هي أول توجيه يصدره النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد الهجرة لأهل المدينة، وقد وضح فيه دعائم الأخوة التي تقوم بينهم في مجتمعهم الجديد وأنهم أمة واحدة، وأقر فيه النبي -صلى الله عليه وآله-اليهود على دينهم وأموالهم، وعاهدهم على الحماية والنصرة ما أخلصوا لهذه الدولة الجديدة الفتية, والحاصل أن النبي -صلى الله عليه وآله- كتب كتابًا بين المهاجرين والأنصار وادع فيه اليهود، وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم، وشرط لهم واشترط عليهم.

وقد تضمنت هذه الصحيفة المبادئ الآتية: وحدة الأمة من غير فرقة بين أبنائها، تساوي أبناء الأمة جميعًا في الحقوق والكرامة، يجير أدناهم على أعلاهم، تكاتف الأمة كلها دون ظلم ولا إثم ولا عدوان ولا فساد، كائنًا من كان الذي يظلم أو يفسد، فالأمة كلها بمثابة اليد الواحدة عليه، اشتراك الأمة في تقرير العلاقات مع أعدائها، لا يسالم مؤمن دون مؤمن، تأسيس المجتمع على أقوم النظم وأكمل الهدي، مكافحة الخارجين على الدولة وعلى نظامها العام، حماية من أراد العيش مع المسلمين مسالمًا معاونًا، والامتناع عن ظلم هؤلاء والبغي عليهم، لغير المسلمين دينهم وأموالهم، لا يجبرون على دين المسلمين ولا تؤخذ منهم أموالهم بغير حق، وعلى غير المسلمين أن يسهموا في نفقات الدولة كما يسهم المسلمون، وعلى الدولة أن تنصر من يظلم منهم كما تنصر كل مسلم يعتدى عليه، وعلى المسلمين وغيرهم أن يمتنعوا عن حماية أعداء الدولة ومن يناصرهم، وإذا كانت مصلحة الأمة في الصلح، فقد وجب على جميع أبنائها أن يقبلوا به، وأنه لا يؤاخذ إنسان بذنب غيره ولا يجني جان إلا على نفسه.

وهذا المجتمع الذي يقوم على أساس من التعاون على البر والتقوى, لا على الإثم والعدوان، تحميه قوتان، قوة معنوية وهي إيمان بالله تعالى ومراقبة له، وقوة مادية وهي رئاسة الدولة التي يمثلها النبي -صلى الله عليه وآله وسلم.ثم أخذ نبينا -صلى الله عليه وآله- في تنفيذ هذه المعاهدة، فوثق الصلة بين غير المسلمين والمسلمين، وفي وسط رمال الجزيرة العربية عاشت في الدنيا ولأول مرة عاصمة دولة، لا تعرف الحقد ولا الاستئثار, ولا البغي ولا الفجور, ولا القسوة ولا موت الضمير، وإذا قارنا هذا بما فعله الغربيون في حروبهم الدينية التي خاضوها ضد بعضهم البعض، سواء كان هذا بين أهل الملل المختلفة من يهودية ونصرانية ووثنية، أو كانت بين أصحاب الدين الواحد من الطوائف التي عرفت في النصرانية أو في اليهودية أو في غيرها، لوجدنا الفرق واسعًا والبون شاسعًا.

error: النص محمي !!