Top
Image Alt

أسماء الاستفهام والأسماء الموصولة

  /  أسماء الاستفهام والأسماء الموصولة

أسماء الاستفهام والأسماء الموصولة

“من” و”ما”: الشرطيتان أو الاستفهاميتان، كقوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ} [فصلت: 46] وقوله تعالى: {وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّون} [الحجر: 56] وقوله تعالى: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا} [فاطر: 2] وقوله تعالى: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى} [طه: 17].

“من” و”ما”: من صيغ العموم، بل هما عند الإمام في أعلى صيغه، قال صاحب (المحكم) -وهو ابن سيده-: “مَن” اسم يغني عن الكلام الكثير المتناهي في التضاد والطول، فإذا قلتَ: مَن يقم أقم معه كان كافيًا عن ذكر جميع الناس، ولولا “مَن” لاحتجت إلى ذكر الأفراد، ثم لا تجد إلى ذلك سبيلًا.

أما الشرطيتان فبالاتفاق، وأما الاستفهاميتان فكذلك عند الجمهور، منهم الشيرازي، وسليم الرازي، وابن السمعاني، وابن الصباغ، وأبو بكر الرازي من الحنفية، والبزدوي، والقرطبي، والأبياري من المالكية، واختاره الآمدي، والإمام فخر الدين الرازي، والهندي.

وظاهر كلام إمام الحرمين: أنهما ليسَا من العموم، فإنه قيد “مَن” بالشرطية، ذكره في مسألة عمومها للمذكر والمؤنث، ومقتضى كلام الجميع: أنهما إذا كانتَا موصولتين فليستَا للعموم، وبه صرح الأستاذ أبو منصور البغدادي، فقال: وإن كانتَا بمعنى الذي والتي، فهما حينئذٍ معرفة وليستا للجنس، ولكن ربما تناولَا في المعرفة واحدًا، وربما تناولَا جمعًا، كقوله تعالى: {وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ}.

وكذلك قال سليم الرازي في (التقريب): فإن وردَا معرفتين بمعنى الذي لم يدلًّا على العموم، هذا لفظه. وهو ظاهر كلام القاضي عبد الوهاب في (الملخص) والقاضي أبو بكر الباقلاني في كتابه (التقريب) فإنهما قيدَا العموم بالشرطيتين والاستفهاميتين فقط، أما الموصولتان فلا.

لكن الإمام الغزالي -رحمه الله- مثَّل في كتابه (المستصفى) لعموم “مَن” بقوله عليه السلام: ((على اليد ما أخذت حتى تؤديه)) وهو تصريح بعموم الموصولة، وهو لازم للجميع في مسألة تأخير البيان في قوله :{إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبياء: 98] وسؤال ابن الزبعري، وعليه جرى القرافي، وابن الحاجب وابن الساعاتي، والصفي الهندي، ونقل القرافي عن صاحب (التلخيص) -يعني: النقشواني- وأنكر ذلك الإمام الأصفهاني في (شرح المحصول) وقال: وجدت كتاب (التلخيص) مصرِّحًا بخلاف ذلك، وإنهما إذا كانتَا موصولتين ليستَا للعموم.

قال بعض الحنفية: “مَن” تعم في الشرط والاستفهام عمومَ الأفراد، وفي الخبر بمعنى الموصولة عموم الشمول، فإذا قلتَ: مَن زارني فأعطه درهمًا، استحق كل من زاره العطية، وإذا قال: أعطِ مَن في هذه الدار درهمًا، استحق الكل درهمًا واحدًا.

وقد استشكل قول مَن قال: إن مَن للعموم بأمرين:

أحدهما: بقولنا: مَن في الدار؟ فإنه يحسن الجواب بزيد، وحينئذ فالعموم كيف ينطبق عليه زيد؟ وذلك يقتضي أن الصيغة ليست للعموم، وكذلك لو قلتَ: ما عندك؟ فتقول: درهم، وأجاب القرافي: بأن العموم إنما هو باعتبار حكم الاستفهام لا باعتبار الكون في الدار، والاستفهام عن جميع المراتب، وكأن المستفهم قال: سألتك عن كل أحد يتصور أن يكون في الدار لا أخص سؤالي بنوع دون نوع، والواقع من ذلك قد يكون فردًا أو أكثرَ، فالعموم ليس باعتبار الوقوع، وإنما العموم باعتبار الاستفهام.

الأمر الثاني -من الأمرين الذي استشكل بهما أن مَن للعموم-: قول الفقهاء في كتاب الطلاق: إذا علق الحكم بلفظ “مَن” اقتضى مشروطه مرةً، ولم يتكرر الحكم بتكرر الفعل، كما لو قال: مَن دخل داري فله درهم، ودخلها مرة واحدة، عندئذٍ يستحق الدرهم، ولم يستحق شيئًا آخرَ بدخوله بعد ذلك، وكذلك لو قال لنسائه: مَن دخلت منكن فهي طالق، فدخلت واحدة منهن مرة، طلقت واحدة، ولم تطلق بدخول آخر.

والجواب: أن “مَن” وغيرها من أدوات الشرط إنما تقتضي عمومَ الأشخاص لا عموم الأفعال، فلهذا لم يتعدد الطلاق لتعدد الدخول، فإنها تقتضي وجودَ الجزاء عند وجود الشرط، أما التكرار فلا تقتضيه، إلا أنه قد يتحقق التكرار في بعض المواضع بواسطة قياس، أو فَهم أن الشرط علة، فإن الأصل ترتب الحكم على علته، فلزم التكرار، كقوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ} وقوله: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه} [الزلزلة: 7].

أما الألفاظ الموضوعة لعموم الأفعال، فهي: كلما، ومتى، وما، ومهما، فإذا علق بشيء منهما اقتضى التكرار.

وقد قال بعض الشافعية: لو قتل المحرم صيدًا بعد صيد، وجب لكل منهما جزاء، وأورد عليه أن الله تعالى ذكر الجزاء في قتل الصيد وعلقه بلفظ “مَن” بقوله: {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا} [المائدة: 95] والمعنى أي: أن اللفظ المعلق بلفظة “مَن” لا يتكرر فيه الجزاء بتكرر الشرط، نحو: مَن دخل داري فله درهم، لا يتكرر الاستحقاق بتكرر الدخول.

والله ولي التوفيق

error: النص محمي !!