Top
Image Alt

أسماء الله تعالى الحسنى: أعلام مترادفة، وأوصاف متباينة، لها دلالات

  /  أسماء الله تعالى الحسنى: أعلام مترادفة، وأوصاف متباينة، لها دلالات

أسماء الله تعالى الحسنى: أعلام مترادفة، وأوصاف متباينة، لها دلالات

1. أسماء الله سبحانه وتعالى الحسنى أعلام مترادفة وأوصاف متباينة:

أ. بيان أن أسماء الله سبحانه وتعالى لها اعتباران:

أسماء الله عز وجل لها اعتباران:

الأول: اعتبار من حيث الذات.

الثاني: اعتبار من حيث الصفات.

فهي “أعلام” باعتبار دلالتها على الذات، و”أوصاف” باعتبار ما دلت عليه من المعاني. وهي بالاعتبار الأول مترادفة لدلالتها على مسمى واحد هو الله عز وجل. وهي بالاعتبار الثاني متباينة لدلالة كل واحدة منها على معناه الخاص به.

فالحي، والعليم، والقدير، والسميع، والبصير… وغير ذلك من أسماء الله عز وجل كلها أسماء حسنى لمسمى واحد وهو الله عز وجل لكن معنى الحي غير معنى العليم، ومعنى العليم غير معنى القدير، ومعنى السميع غير معنى البصير… وهكذا؛ فهي أسماء لمسمى واحد فهي بهذه المثابة دالة على الذات.

أما حينما تدل على معاني وأوصاف؛ فهي متباينة؛ لأن كل اسم منها يدل على معناه الخاص به، وإنما قلنا بأنها أعلام وأوصاف لدلالة القرآن الكريم على ذلك؛ قال الله عز وجل: {وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [يونس: 107]، وقال سبحانه وتعالى: {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ} [الكهف: 58]، فإن الآية الثانية دلت على أن الرحيم هو المتصف بالرحمة، وأجمع أهل اللغة والعرف أنه لا يقال عليم إلا لمن له علم، ولا سميع إلا لمن له سمع ولا بصير إلا لمن له بصر، وهذا أمر أبين من أن يحتاج فيه إلى دليل.

وبهذا عُلِم ضَلال من سلبوا أسماء الله تعالى معانيها من أهل التعطيل، وقالوا: إن الله تعالى سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، وعزيز بلا عزة، وساقوا علل عليلة في هذه المسألة، وهي أنهم خافوا من تشبيه الله عز وجل بالمخلوقات أو تعدد الذات بتعدد الصفات؛ كما زعموا -باطلًا- بدلالة السمع والعقل؛ فالسمع وصفَ الله عز وجل بأن له صفات كثيرة مع أنه سبحانه وتعالى الواحد الأحد، ومع أنه واحدٌ أحدٌ إلا أن القرآن الكريم ذكر لهذا الواحد الأحد صفات كثيرة متعددة منها مثلًا قول الله سبحانه: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (13) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} [البروج:12- 16]. فهذه كلها أوصاف كثيرة لموصوف واحد وهو الله عز وجل ولا يلزم من ثبوتها تعدد القدماء كما زعم من زعم في إنكار صفات الله سبحانه وتعالى لأنهم قالوا: إن قلنا بأن الصفات قديمة وأثبتناها لله سبحانه؛ فيتعدد القدماء بناء على ذلك. وقالوا أيضًا: إن قلنا بأنها حادثة؛ كفرنا. فهذا دعاهم إلى أن ينفوا صفات الله سبحانه وتعالى.

وكما ذكرت أدلة القرآن الكريم التي وصفت الإله الواحد الأحد بأوصاف كثيرة تدل على أن ما استندوا إليه كلام باطل لا أساس له من الصحة؛ بل إن المخلوق -وأين المخلوق من الخالق عز وجل يتصف بصفات مختلفة متعددة ومع هذا يكون واحدًا. فاللهُ عز وجل قال في الوليد بن المغيرة: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا} [المدثر:11] وصفه: {وَحِيدًا}، وهذا الوحيد لا شك أنه يسمع ويبصر… وما إلى ذلك من الصفات القائمة به.

والعقل أيضًا يؤيد هذا؛ فحيث إن الصفات ليست ذوات بائنة من الموصوف حتى يلزم من أثبتها أن نقول له: إنك عددت من أثبت له هذه الصفات؛ فهي صفات قائمة بالله سبحانه وتعالى وهو موجود عز وجل وكل موجود فلا بد له من تعدد الصفات؛ وكلما كثرت الصفات الحسنة القائمة بالذات؛ دلت على كمال الذات، غاية الأمر أن نسلم لما ورد في ذلك في كتاب الله وسنة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.

ب. بيان أن الوصف بها لا ينافي العلمية:

الوصف بأسماء الله الحسنى لا ينافي عَلَمِيَّتَهَا كوْن ربنا سبحانه وتعالى يوصف بالصفات التي دلت عليها هذه الأسماء؛ والأسماء –كما قلنا- لها اعتباران: اعتبار من حيث الذات، واعتبار من حيث الصفات؛ ولا يتنافي وصف الله سبحانه وتعالى بما ثبت له من أسماء علمية الاسم؛ فأسماء الله الحسنى أعلام وأوصاف، والوصف بها لا ينافي العلمية، بخلاف أوصاف العباد فإنها تنافي علميتهم؛ لأن أوصافهم مشتركة فنافتها العلمية المختصة بخلاف أوصافه سبحانه وتعالى.

وقد ذكر ابن القيم -رحمه الله- هذه المسألة فقال: “أسماء الرب تعالى وأسماء كتابه وأسماء نبيه صلى الله عليه وسلمهي أعلام دالة على معانٍ هي بها أوصاف؛ فلا تضاد فيها العلمية الوصف بخلاف غيرها من أسماء المخلوقين؛ فالله سبحانه وتعالى هو الخالق البارئ المصور القهار؛ فهذه أسماء له داله على معاني هي صفاته سبحانه وتعالى”.

وقد قال الدارمي -رحمه الله- أيضًا كلامًا نفيسًا في هذا الموضوع؛ حيث قال: “لا تقاس أسماء الله سبحانه وتعالى بأسماء الخلق؛ لأن أسماء الخلق مخلوقة مستعارة وليست أسماؤهم نفس صفاتهم؛ بل مخالفة لصفاتهم، وأسماء الله وصفاته ليس شيء منها مخالف لصفاته ولا شيء من صفاته مخالف لأسمائه؛ فمن ادَّعى بأن صفة من صفات الله تعالى مخلوقة أو مستعارة؛ فقد كفر وفجر؛ لأنك إذا قلت: “الله”؛ فهو الله، وإذا قلت: “الرحمن”؛ فهو الرحمن وهو الله أيضًا، فإذا قلت: “الرحيم”؛ فهو كذلك، وإذا قلت: “حكيم عليم حميد مجيد جبار متكبر قاهر قادر”؛ فهو كذلك، هو الله سواء لا يخالف اسم له صفته ولا صفته اسمًا، وقد يسمى الرجل حكيمًا؛ وهو جاهل، وحكمًا؛ وهو ظالم، وعزيز؛ وهو حقير، وكريم؛ وهو لئيم، وصالح؛ وهو طالح، وسعيد؛ وهو شقي، ومحمود؛ وهو مذموم، وحبيب؛ وهو بغيض، وأسدًا؛ وحمارًا، وكلبًا وجديًا وكليبًا وهِرًّا وما إلى ذلك وليس كذلك، وتقدست أسماء الله سبحانه وتعالى أن تكون مثل ذلك”.

جـ. أقسام أسماء الله سبحانه وتعالى باعتبار معانيها ترجع إلى أحد الأمور التالية:

الأمر الأول: ما تدل عليه الأسماء من صفات معنوية، فأسماء الله سبحانه وتعالى باعتبار معانيها ترجع إلى صفات معنوية؛ كالعليم والقدير، والسميع، والبصير، فاسم الله “العليم” يرجع إلى صفة معنوية: وهي العلم، و”القدير” اسم لله سبحانه وتعالى يرجع إلى صفة معنى ألا وهي القدرة… إلخ.

الأمر الثاني: ما يرجع إلى أفعال الله عز وجل كالخالق، والرازق، والبارئ، والمصور، والوهاب… وما إلى ذلك؛ فالخالق اسم من أسماء الله عز وجل ويرجع إلى الخلق، والخلق فعل من أفعال الله سبحانه وتعالى…

الأمر الثالث: ما يرجع إلى التنزيه المحض، ولا بد من تضمنه ثبوتًا؛ إذ لا كمال في العدم المحض؛ كالقدوس، والسلام، والأحد؛ فهذه الأسماء ترجع إلى تنزيه الله سبحانه وتعالى عن أن يكون كأحد المخلوقين، وفيها إثبات كمال مطلق لله عز وجل والقدوس يدل على ذلك، والأحد يدل على ذلك؛ فهذه الأسماء رجعت إلى تنزيه محض وهي متضمنة لثبوت الكمال المطلق لله عز وجل.

الأمر الرابع: ما يدل على جملة أوصاف عديدة ولم يختص بصفة معينة، وذلك مثل: المجيد، العظيم، الصمد؛ فإن المجيد من اتصف بصفات متعددة من صفات الكمال، ولفظه يدل على هذا؛ فإنه موضوع السعة والكثرة والزيادة كما قال ربنا سبحانه وتعالى: {ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ} [البروج:15] فالمجيد صفة للعرش؛ لسعة وعظمة هذا العرش وشرفه، فاسم المجيد دل إذًا على أوصاف متعددة؛ كذلك اسم الله العظيم من اتصف بصفات كثيرة من صفات الكمال، وكذلك الصمد، قال ابن عباس: هو السيد الذي كمل فيه سؤدده، وقال ابن وائل: “هو السيد الذي انتهى سؤدده”، وقال عكرمة: “الذي ليس فوقه أحد”، وهكذا قال الزجاج وابن الأنباري.

2. الأدلة على أن أسماء الله سبحانه وتعالى أعلام وأوصاف:

قال المخالفون للحق في أسماء الله سبحانه وتعالى: إن أسماء الله مترادفة فقط ولا تدل على معاني ولا تضيف شيئًا يرجع حكمه إلى الله عز وجل، وهذا الكلام الباطل يدعونا إلى أن نتوسع في ذكر الأدلة التي تؤيد منهج أهل السنة والجماعة في أن أسماء الله عز وجل أعلام وأوصاف:

أولًا: الأدلة من القرآن الكريم، ومن السنة النبوية:

تنوعت دلالة القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة في إثبات هذه المسألة، تنوعت وكثرت وتعددت الوسائل والطرق التي ثبتت بها هذه الدلالة من ذلك أنه:

أ. يخبر الله سبحانه وتعالى بمصادرها ويصف نفسه بها:

إن الله عز وجل يخبر بمصادر هذه الأسماء، ويصف نفسه بها، وهذا دليل على أن هذه الأسماء كما أنها هي أعلام هي أيضًا صفات، والمصدر هو الوصف الذي اشتقت منه تلك الصفة، ومن القرآن ما جاء في قول الله سبحانه وتعالى: {وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ} [لشورى: 19] وقال سبحانه وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات: 58]، وقال سبحانه وتعالى: {فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} [فاطر: 10]؛ فعلم بذلك أن القوي من أسمائه، معناه: الموصوف بالقوة، وكذلك العزيز من أسماء الله عز وجل لما قال: {وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ} فالعزيز من أسماء الله سبحانه ما هو موصوف بالعزة؛ ولذلك قال: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} [فاطر: 10]؛ فالقوي إذًا من له القوة، والعزيز من له العزة، فلولا ثبوت القوة والعزة لما يسمى قويًّا ولا عزيزًا، ولما اشتققنا منها أسماء لله سبحانه وتعالى ولذلك أحسن من قال: “وعند فقد الوصف لا يشتق”: أي: إذا انعدمت الصفة عن شي لا يمكن أن يُشتق اسم من هذه الصفة، وقال سبحانه وتعالى: {وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [يونس: 107]، وقال سبحانه وتعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ} [الرعد: 6]، وقال سبحانه وتعالى: {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ} [الكهف: 58]؛ فالغفور سبحانه وتعالى هو المتصف بالمغفرة، والرحيم هو المتصف بالرحمة… وهكذا.

ومن السنة النبوية المطهرة ما يؤيد ذلك؛ حيث إن الله عز وجل أخبر بمصادر الأسماء ووصف نفسه بها؛ كذلك جاء في السنة النبوية المطهرة ما يؤيد هذا المعنى الذي فهمناه من كتاب الله عز وجل ففي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلمأنه قال: ((إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه من انتهى إليه بصره من خلقه)) فهنا أثبت المصدر الذي اشتق منه اسمه البصير يعنى الله عز وجل قال ما انتهى إليه بصره من خلقه؛ فأثبت المصدرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم حيث ذكر مصدر الصفة والذي اشتققنا منه اسم البصير لله سبحانه وتعالى.

ومثل هذا المفهوم ما جاء أيضًا في (صحيح البخاري) في صفة السمع وذلك في حديث أم المؤمنين عائشة رصي الله عنها أنها قالت: “الحمد الله الذي وسع سمعه الأصوات”: فأثبتت المصدر الذي اشتق منه اسم الله سبحانه وتعالى “السميع” فقالت: “وسع سمعه…”.

وفي (الصحيح) أيضًا في حديث الاستخارة قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك)) فهو سبحانه وتعالى قادر بقدرة؛ ولذلك قال: ((أستخيرك بعلمك وأستقدرتك بقدرتك))؛ فهنا أولًا لما قال: ((بعلمك)) وصف نفسه بالعلم؛ ولذلك سميناه “العليم” اشتقاقًا من “العلم”.

وفي (الصحيح) عنه صلى الله عليه وسلم يقول الله سبحانه وتعالى: ((العظمة إزاري، والكبرياء ردائي)) فهو سبحانه وتعالى العظيم الذي له الكبرياء، وبهذا فإن القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة دلَّا معًا على إثبات مصادر هذه الأسماء له سبحانه وتعالى وصفًا وهذا يدل على أن أسماء الله أعلام وأوصاف، ولولا هذه المصادر لانتفت حقائق الصفات والأسماء والأفعال فإن أفعاله سبحانه وتعالى غير صفاته وأسمائه فإذا لم يقم به فعل ولا صفة فلا معنى للاسم المجرد وهو بمنزلة صوت لا يفيد شيئًا وهذا غاية الإلحاد؛ فكل ما دلت عليه أسماؤه سبحانه وتعالى فهو مما وصف به نفسه فيجب الإيمان بكل ما وصف الله سبحانه وتعالى به نفسه.

ب. أخبر الله سبحانه وتعالى عن الأسماء بأفعالها:

أيضًا أخبر الله سبحانه وتعالى عن الأسماء بأفعالها مما يعني أنه أخبر عن الأسماء بحكم الصفة التي اشتققنا الاسم منها، وتأمل في ذلك قول الله سبحانه وتعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [المجادلة:1]، وقال سبحانه وتعالى: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طـه: 46]، وقال سبحانه وتعالى: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} [النحل:19] وقال عز وجل: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]؛ فلو لم تكن أسماؤه مشتملة على معانٍ وصفات لم يسغ أن يخبر عنها بأفعالها؛ فلا يقال: يسمع ويرى ويعلم ويريد؛ كما جاء في الآيات السابقة؛ فإن ثبوت أحكام الصفات فرع ثبوتها؛ فإذا انتفى أصل الصفة؛ استحال ثبوت أصل هذه الصفة؛ فكون الله عز وجل يخبر عن هذه الأسماء بأفعالها والأحكام المتعلقة بهذه الصفة؛ فهذا دليل على أن أسماء الله أعلام وأوصاف.

جـ. الله يعلل أحكامه وأفعاله بأسمائه:

ولو لم يكن لأسماء الله معنى ودلالة ما علل ربنا سبحانه وتعالى أحكامه وأفعاله بمقتضى ودلالة ومعاني هذه الأسماء، وتأمل مثلًا في ذلك قول الله سبحانه وتعالى: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} [نوح: 10] وقال سبحانه وتعالى: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 226، 227]؛ فختم حكم الفيء الذي هو الرجوع والعود إلى رضا الزوجة والإحسان إليها بأنه غفور رحيم، يعود على عبده بمغفرته ورحمته إذا رجع إليه بالمغفرة والرحمة وقال: {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} لما كان لفظ يسمع ومعنى يقصد، عقبه باسم السميع للنطق به، العليم بمضمونه؛ ولذلك قال أهل الجنة وهم يتمتعون -بإذن الله في الجنة- حينما يتمتعون بها كما أخبر ربنا سبحانه وتعالى عنهم: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر: 34] أي: لما صاروا إلى كرامة الله سبحانه وتعالى لمغفرته لذنوبهم ويشكرون الله عز وجل على إحسانه لهم يقولون: {إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} وفي هذا معنى التعليل، أي: بمغفرته وشكره، وصلنا إلى دار كرامته؛ فإنه غفر لنا السيئات وشكر لنا الحسنات؛ ولذلك قال الله عز وجل: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا} [النساء:147].

د. الله عز وجل يستدل على توحيده بأسمائه:

فنحن نستدل بأسماء الله عز وجل على توحيده سبحانه ونفي الشريك عنه؛ ولو كانت هذه الأسماء لا معنى لها ولا تحمل دلالة ولا يفهم منها شيء؛ لم تدل على ذلك، وإنما لما دلت الأسماء على توحيد الله عز وجل دلت على أنها كما هي أعلام هي أيضًا صفات واستمع في ذلك ما قاله رب العزة والجلال حينما ذكر ما قاله هارون لعبدة العجل: {يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي} [طـه: 90] وكقوله سبحانه وتعالى أيضًا في هذه القصة: {إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} [طـه: 98] وقال سبحانه وتعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 163]؛ فتجد أن الله سبحانه وتعالى هنا يثبت لنفسه الألوهية، ويستدل عليها من خلال ما ثبت له من أسماء حسنى، كما في قوله عز وجل: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الحشر:22، 23]؛ فسبح سبحانه وتعالى نفسه عن شرك المشركين به عقب تمدحه بأسمائه الحسنى المقتضية لتوحيده واستحالة اثبات شريك لله سبحانه وتعالى.

وذكر ابن القيم -رحمه الله- أن أسماء الله سبحانه وتعالى كلها حسنى، وكونها حسنى دليل على أنها تحمل من معاني الكمال ما يليق بجلال رب العزة والجلال سبحانه وتعالى وفي ذلك يقول ابن القيم -رحمه الله: “أسماء الرب سبحانه وتعالى كلها أسماء مدح ولو كانت ألفاظًا مجردة لا معنى لها لم تدل على المدح، وقد وصفه الله بأنها حسنى كلها؛ فقال عز وجل: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف:180]؛ فهي لم تكن حسنى لمجرد اللفظ بل لدلالتها على أوصاف الكمال، يعنى: ليس الحسن فيها قائم من إنها لفظ لا معنى وإنما لما دلت واشتملت على أوصاف الكمال لله عز وجل دل ذلك على أنها أوصاف وتحمل معانٍ تليق بجلال رب العزة سبحانه، ولهذا لما سمع بعض العرب قارئ يقرأ: “وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ “غفور رحيم”.

قال: ليس هذا كلام الله.

فقال القارئ: أتكذب بكلام الله تعالى؟! فقال: لا؛ ولكن ليس هذا بكلام الله.

فعاد القارئ إلى حفظه وقرأ: {وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [المائدة: 38]، فقال الأعرابي: صدقت؛ عز فحكم فقطع، ولو غفر فرحم؛ لما قطع.

ثانيًا: دليل الإجماع:

لا نكتفي بدلالة القرآن الكريم على ذلك والسنة النبوية المطهرة؛ وإنما نضيف إلى ذلك أيضًا دليلَ الإجماع:

أجمع أهل اللغة والعرف على أنه لا يقال “عليم” إلا لمن له علم ولا سميع إلا لمن له سمع، وهذا أمر بين لا يحتاج إلى دليل؛ وكذلك أجمع المسلمون كما ذكر في ذلك الشيخ ابن عثيمين في (القواعد المثلى)، قال: “أجمع المسلمون أنه لو حلف بحياة الله أو سمعه أو بصره أو قوته أو عزته أو عظمته؛ انعقدت يمينه وكانت مكفرة؛ لأن هذه صفات كماله التي اشتق منها أسماؤه.

ثالثًا: دليل العقل:

كذلك أيضًا العقل يدل على أن أسماء الله عز وجل أعلام وأوصاف، وبيان ذلك: إنه يعلم بالاضطرار الفرق بين الحي والقدير والعليم والملك والقدوس والغفور، وإن العبد إذا قال: رب اغفر وتب علي إنك أنت التواب الغفور. كان قد أحسن في مناجاة ربه وإذا قال: اغفر لي وتب علي إنك أنت الجبار مثلًا أو المتكبر أو شديد العقاب. لم يكن في ذلك محسنًا في مناجاة لله سبحانه وتعالى.

ومن دلالة العقل أيضًا: أن أقول: إنه من المستحيل أن يكون عليمًا قديرًا سميعًا بصيرًا ولا علم له ولا قدرة؛ بل صحة هذه الأسماء مستلزمه لثبوت معانيها له، وانتفاء حقائقها عنه مستلزم لنفيها عنه، والثاني باطل قطعًا؛ فتعين الأول: وهو أن هذه الأسماء مستلزمه لثبوت معانٍ ثابتة لله سبحانه وتعالى.

3. أسماء الله سبحانه وتعالى لها دلالات تدل عليها:

أ. تعريف الدلالات وذكر أقسامها وأمثلة لها:

تنقسم الدلالة اللفظية إلى ثلاثة أقسام:

الأول: دلالة مطابقة.

والثاني: دلالة التضمن.

والثالث: دلالة الالتزام.

وذلك لأن الكلام إما أن يساق ليدل على تمام معناه، وإما أن يساق ليدل على بعض معناه وإما أن يساق ليدل على معنى آخر خارج عن معناه إلا أنه لازم له.

دلالة اللفظ على تمام معناه تسمى دلالة مطابقة وسميت مطابقة للتطابق الحاصل بين معنى اللفظ وبين الفهم الذي استفيد منه.

ودلالة اللفظ على بعض معناه تسمى دلالة تضمن، وسميت دلالة تضمن لأن اللفظ قد تضمن معنى آخر إضافة إلى المعنى الذي فهم منه.

ودلالة اللفظ على معنى خارج عن معناه إلا أنه لازم له تسمى دلالة التزام، وسميت دلالة التزام؛ لأن المعنى المستفاد لم يدل عليه اللفظ مباشرة، ولكن معناه يلزم منه هذا المعنى المستفاد.

ب. ذكر بعض الأمثلة الموضحة لهذه الدلالات:

مثال دلالة المطابقة: قول الله سبحانه وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} [البقرة: 67] فلفظة البقرة هنا اسم جنس سيق ليدل على تمام معناه وهو الحيوان المعروف؛ فأية بقرة كافية لتنفيذ الأمر لو ذبحها بنو إسرائيل؛ ولكنهم شددوا على أنفسهم في طلب التعيين فشدد الله عليهم.

مثال لدلالة التضمن: كأن يقول إنسان مثلًا: أنا عالم بالفرائض وتقسيم المواريث. فنقول له مثلًا: بيِّن لنا أحكام الجد مع الإخوة. فإذا قال لنا: أنا لم أقل لكم إنني أعلم هذه الأحكام. بإمكاننا أن نقول له: لقد تضمنت دعواك العلم بالفرائض وتقسيم المواريث أنك عالم بأحكام الجد مع الأخوة، وقد فهمنا ذلك من كلامك عن طريق الدلالة التضمنية؛ يعنى: قوله بأنه على علم بالفرائض يتضمن أنه يعلم أية مسألة في الفرائض وفي المواريث إذا سئل عنها.

مثال لدلالة الالتزام: قول الله سبحانه وتعالى: {وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التغابن: 14]، تأمل وجه الدلالة من هذا الدليل، كيف أنه يدل على دلالة التزام، ذلك أن قول الله عز وجل فيها: {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} الواقع في جواب الشرط يدل عن طريق الدلالة الالتزامية على أن الله يغفر لكم ويرحمكم إن أنتم عفوتم وصفحتم وغفرتم مع أن هذا المعنى غير مدلول عليه بمنطوق اللفظ ولكن يلزم من كونه غفورًا رحيمًا أن يكافئ أهل العفو والصفح والمغفرة بالرحمة والغفران؛ ولذلك حصل الاكتفاء في جواب الشرط بذكر هذين الوصفين دون التصريح للازمهما.

جـ. تطبيق الدلالات الثلاثة على أسماء الله تعالى:

لابن القيم -رحمه الله- في هذا كلام نفيس وجميل يقول فيه: “إن الاسم من أسمائه سبحانه وتعالى كما يدل على الذات والصفة التي اشتق منها بالمطابقة؛ فإنه يدل عليه دلالتين أخريين بالتضمن واللزوم؛ فيدل على الصفة بمفردها بالتضمن، وكذلك على الذات المجردة على الصفة ويدل على الصفة الأخرى باللزوم”.

مثال على ذلك: “الخالق”: اسم يدل على ذات الله عز وجل لأن الخالق هو الله؛ فهو يدل على ذات الله عز وجل وعلى صفة الخلق، والصفة قائمة بموصوف فتدل أيضًا على الموصوف وهو الله سبحانه وتعالى بالمطابقة؛ فاسم الله عز وجل “الخالق” يدل إذًا على ذات الله وعلى صفة الخلق بالمطابقة على الذات وحدها وعلى صفة الخلق وحدها بالتضمن، هنا يتبين الأمر، فاسم الله سبحانه وتعالى الخالق لو دل على صفة الخلق وحدها هذا يدل عليه بالتضمن بمعنى أن اسم الله عز وجل تضمن أن الله سبحانه وتعالى يتصف بصفة الخلق ويدل على صفتي مثلًا العلم والقدرة بالالتزام لأن الخالق يلزم أن يكون عليمًا وأن يكون قديرًا ويتصف بالعلم ويتصف بالقدرة بداية الالتزام وإلا لم يكن خالقًا؛ بل بصفة الإرادة أيضًا لأننا نشاهد من أنواع الخلق التخصيص والتخصيص يحتاج إلى إرادة؛ فدل ذلك على أنه يلزم من إثبات اسم الخالق للهعز وجل أيضًا إثبات العلم والقدرة والإرادة… وهكذا.

ومثلًا لو تأملت قول الله سبحانه وتعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق:12]؛ ذلك لأن العلم والقدرة اللازمة للخلق؛ فلما قال: {خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ} ذكر بعد ذلك: {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} فلما ذكر الخلق ذكر العلم وذكر القدرة؛ لأنهما لازمان لهذا الاسم الخالق، ولأن الله يتصف بالخلق. وهكذا سائر أسمائه سبحانه وتعالى.

4. الأحكام المستفادة من هذه المسألة:

أ. بيان أن الدهر ليس من أسماء الله تعالى:

ولا أعني الدهر بعينه، ولكن كل ما يمكن أن يطلق من أسماء جامدة لا تليق بجلال الله سبحانه وتعالى وكماله، ولكني ذكرت الدهر؛ لأن الحديث الوارد في ذلك قد يوهم لدى بعض طلاب العلم أن الله سبحانه وتعالى يسمى باسم الدهر، وليس كذلك؛ ولهذا أقول: من فقه القاعدة التي ذكرتها والأحكام التي تؤخذ منها وهي أن أقسام الله لها دلالات ومعاني أن يعلم الطالب أن الدهر ليس من أسماء الله تعالى. العلة في ذلك: أنه اسم جامد لا يتضمن معنى يلحقه بأسماء الله الحسنى وأسماء الله -كما تقدم لنا- كل واحد منها يدل على معنى والذي نسميه صفة والاسم مأخوذ من هذه الصفة؛ فالاسم الذي لا يدل على معنى إذًا لا يعد من أسماء الله.

و”الدهر” اسم جامد وأيضًا “الدهر” اسم الوقت والزمن؛ قال الله عز وجل: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} [الجاثـية: 24] يريدون: مرور الليالي والأيام.

ب. الرد على من أنكر تضمن الأسماء الحسنى للصفات:

بعض الناس أنكروا أن أسماء الله سبحانه وتعالى الحسنى ليست مأخوذة من الصفات، وما تقدم إيراده من أدلة يجعلنا نوقن وندرك ضلال من نفى معاني أسماء الله سبحانه وتعالى وقد وقع في ذلك المعتزلة؛ لأنهم زعموا أن أسماء الله عز وجل أعلام محضة لم توضع لمسماها باعتبار معنى قائم به، وما استندوا إليه من قبل من أن ثبوت الصفات يستلزم تعدد القدماء على معنى أن كل صفة قديمة وإذا أثبت كل صفة معينة قائمة بذاته كما يزعمون؛ فبهذا أثبت آلهة متعددين، وهذا كلام باطل.

جـ. أسماء الله تعالى كلها من قبيل المحكم المعلوم المعنى:

أيضًا من الأحكام التي نستفيدها من هذه المسألة التي ذكرتها -وهي أقسام الدلالات- أن أسماء الله سبحانه وتعالى كلها من قبيل المحكم المعلوم المعنى، وهي ليست من المتشابه كما يدعى بذلك بعض المبتدعة الذين يفوضون معاني هذه الأسماء بدعوى أنها من المتشابه؛ فهم يقولون بأن هذه الأسماء أعلام نقرؤها ولا تدل على معنى ولا نفهم منها حقائق؛ فهذا باطل؛ فهي أعلام محكمة معانيها معروفة في لغة العرب وغير مجهولة، وإن المجهول منها هو الكنه والكيفية.

د.أسماء الله تعالى إن دلت على وصف متعد تضمنت ثلاثة أمور، وإن دلت على وصف غير متعدٍّ تضمنت أمرين:

أسماء الله عز وجل إن دلت على وصف متعد تضمنت ثلاثة أمور:

الأمر الأول: ثبوت ذلك الاسم لله عز وجل.  الأمر الثاني: ثبوت الصفة التي تضمنها لله سبحانه وتعالى. الأمر الثالث: ثبوت حكمها ومقتضاها.

أما إن كان الاسم غير متعدٍّ تضمنت أمرين فقط:

الأمر الأول: ثبوت ذلك الاسم لله عز وجل. والأمر الثاني: ثبوت الصفة التي تضمنها لله سبحانه وتعالى.

مثال على أن اسم الله عز وجل إن كان يدل على وصف متعدٍّ يتضمن ثلاثة أمور:

اسم الله عز وجل “السميع”:

الأمر الأول: يتضمن إثبات اسم السميع لله سبحانه وتعالى. الأمر الثاني: إثبات السمع صفة لله عز وجل.  والأمر الثالث: إثبات حكم ذلك ومقتضاه: وهو أن الله سبحانه وتعالى يسمع السر والنجوى؛ كما قال سبحانه وتعالى: {وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [المجادلة: 1]؛ فاسم الله السميع دل على هذه الأمور الثلاثة.

مثال على أن الاسم غير المتعدي يتضمن أمرين فقط:

اسم الله عز وجل “الحي”:

الأمر الأول: “الحي” اسم لله يتضمن أن نثبت لله سبحانه وتعالى اسم الحي.

الأمر الثاني: يتضمن إثبات الحياة صفة لله عز وجل.

ولابن القيم -رحمه الله- كلام جميل حول هذا المعنى يقول فيه: “إن الاسم إذا أطلق على الله عز وجل جاز أن يشتق منه المصدر والفعل، فيخبر عنه فعلًا ومصدرًا نحو السميع البصير القدير، يطلق عليه منه السمع والبصر والقدرة ويخبر عنه بالأفعال من ذلك نحو: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ} [المجادلة: 1].{فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ} [المرسلات: 23]، وهذا إذا كان الفعل متعديًا”.

فالاسم الذي يتعدى فعله كالسميع والبصير والقدير تضمن هذه المسائل وهو إثبات الاسم لله عز وجل وإثبات السمع والبصر والقدرة وصفًا لله عز وجل وأخبر الله عز وجل عنها بأفعالها وأحكامها فقال: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ}، {فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ} وما إلى ذلك أما إن كان لازمًا لم يخبر عنه به، يعنى نثبت الاسم فقط ونثبت الصفة ولا نخبر به نحو اسم الله الحي الذي ذكرته؛ بل يطلق عليه الاسم والمصدر دون الفعل فلا يقال حَيِيَ”.

5. الرد على من يزعمون أن لأسماء الله عز وجل خواص وأسرارًا خفية يعرفها بعض الناس ولا يعرفها غيرهم:

ذهب كثير من المتصوفة إلى هذا الأمر؛ حيث ذكروا أن في أسماء الله وصفاته فوائد ومنافع لم يدل عليها عقل أو نقل، وسأذكر بعض ذلك، وهذا يجعلني أنبه إلى ضرورة الالتزام في هذا الباب بما جاء عن الله عز وجل وعن رسوله صلى الله عليه وسلم وألا نغلو في أي أمر من أمور الدين وندخل عقولنا أو نعملها خاصة في باب أسماء الله الحسنى وصفاته العلى:

أ. الزعم بأن للأسماء خواص وأسرارًا خفية:

وهؤلاء يدعون أن لكل اسم من أسماء الله الحسنى خواص وأسرارًا تتعلق به على إفاضة فيها أو إيجاز، فبعضهم يستفيض في هذه المسألة وبعضهم يذكرها بكلمة موجزة أو يكون له أسرار محدودة أو خواص معلومة بسيطة كما يذكر والبعض يتوسع فيها أكثر وأكثر، وهذا في الحقيقة كلام باطل لا أساس له من الصحة؛ بل إن بعضهم يغلو فيتجاوز هذا القدر إلى الزعم بأن لكل اسم خادمًا روحانيًّا يخدم من يواظب على الذكر به ويذكر بعض الذين ساروا في هذا الاتجاه أنهم يكشفون بأسماء الله أسرار المغيبات والخافي من المكنونات، ويزعم بعض هؤلاء أن اسم الله الأعظم سر من الأسرار يمنح لبعض الأفراد؛ فيفتحون به المغلقات ويخرقون به العادات ويكون لهم به من الخواص ما ليس لغيرهم من الناس، وهؤلاء الذين قالوا هذه المقالة لم يأتوا بنص من كتاب ربنا ولا حديث من سنة نبينا صلى الله عليه وسلم وكل ما اعتمدوا عليه لا تقوم به حجة ولا ينهض به دليل؛ وما كان كذلك فلا اعتبار له، وحسبنا في رده أن نذكر ما قاله صلى الله عليه وسلم في ما روته أم المؤمنين عائشة <: ((كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد)).

هذه المقالة قد فتحت باب الخرافة على الناس ودخل السحرة والمشعوذون من هذا الباب فترى عباد الشيطان يمكرون بالناس ويكيدونهم بالسحر ويزعمون أنهم يسخرون غيرهم ويؤثرون فيهم ويعلمون المستور من الأخبار بما اطلعوا هم عليه وعرفوه من أسماء الحسنى وصفات الله العلى. وهذا في الحقيقة دعا بضع الناس إلى أن يتوجهوا إلى بعض من زعموا أنهم مشايخ يطلبون منهم ما لا يطلب إلا من الله عز وجل لزعمهم أنهم وصلوا إلى حقائق وعرفوا من مكنونات أسماء الله الحسنى ما لا يعرفه غيرهم، وأن الأسماء التي تعلموها أو عرفوها لها أسرار ربما يتوصلون بها إلى فتح المغلقات.

فنجد بعض العامة من الناس يذهبون إلى أمثال هؤلاء ويطلبون منهم أشياء لا تطلب إلا من الله سبحانه وتعالى ويستخدم هؤلاء أسلوب الحيل والكذب والخداع على هؤلاء الناس بأسماء لم يأتِ لها ذكر لا في كتاب الله ولا في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وهذه فئة موجود بين الناس اليوم، وتكثر عند المقامات والأضرحة.

ب. التشبه بصفات الله سبحانه وتعالى:

يزعم بعض الناس أن من فوائد معرفة صفات الباري هو أن نتشبه بأخلاق الله أو أن نتخلق بأخلاق الله، وهذه العبارة في الحقيقة مأخوذة من قول الفلاسفة: “الفلسفة التشبه بالله على قدر الطاقة”.

وهذا المنحى الذي سلكوه غير سديد؛ لأمور:

الأول: أن صفات الله عز وجل لا يجوز أن يقال فيها أخلاق الله؛ بل الأخلاق للإنسان، أما فيما يتعلق بالله عز وجل فيقال: “صفات الله” ولا يقال: “أخلاق الله”؛ لأن الله له صفات.

الثاني: أن الفلاسفة الذين أخذ منهم هذا الكلام هم في الحقيقة متناقضون؛ فتحقيق مذاهبهم في الصفات هي نفيها عن الله عز وجل فالفلاسفة لا يؤمنون بصفات الله سبحانه؛ فكيف يدعونه بعد ذلك، وكيف يطلبون بعد ذلك التشبه بصفات الله وهم ينفونها عن الله عز وجل.

الثالث: على فرض أن من قال هذه المقالة يثبت صفات الله عز وجل فإن من صفاته ما جاءت النصوص مانعة من إطلاقها على العباد؛ فقد نهانا الحق عن الاتصاف مثلًا بالعظمة؛ فالله وحده هو العظيم، وبالتالي لا نقول بأننا نتخلق بأخلاق الله.

والصواب: أن نقول: علينا أن نتخلق بالأخلاق التي أمرنا الله سبحانه وتعالى به وأمرنا به رسوله صلى الله عليه وسلم ونبتعد عن الأخلاق التي ينهانا عن التخلق بها.

error: النص محمي !!