Top
Image Alt

أشهر النظريات في نشأة لغة الإنسان

  /  أشهر النظريات في نشأة لغة الإنسان

أشهر النظريات في نشأة لغة الإنسان

لقد نالت هذه المسألة أكبر حظٍّ من اهتمام العلماء حتى صار من الطبيعي أن يطالعك أي كتاب في علم اللغة أو في فقهها بالحديث عن هذا الموضوع.

وقد تجرأ علماء اللغة المحدثون واعتصموا بالشجاعة والواقعية، فأعلنوا وجوب إغلاق باب البحث في هذه المسألة؛ حيث تقوم جميع الآراء على الحدس والتخمين، كما ينقصها الدليل التاريخي والدليل النقلي والدليل العقلي الذي يمكن قبوله، وبعض باحثي العرب قد سبق المحدثين في القول بعدم جدوى في هذه المسألة.

ولكننا نود أن نطلعك على أشهر هذه النظريات التي ذاع صيتها في كتب اللغة قديمًا وحديثًا:

النظرية الأولى: التوقيف والإلهام:

تتلخص هذه النظرية في: أن اللغة بنظامها المركب أو المعقد ليست من صنع الإنسان، وإنما من صنع قوة كبرى أو عقل أكبر هو الله  وقد أوقف الإنسان الأول عليها، وألهمه إياها، هكذا تعتقد بعض الأجناس والجماعات.

وقد لقي هذا الرأي قبولًا عند بعض العلماء على اختلاف العصور، خاصة وأنهم استندوا -أو هكذا تصوروا- إلى نصوص الدينية تقول: بأن آدم عليه السلام ألهمه الله اللغة وعلمها إياها.

وذهب لفيف من علمائنا المفسرين واللغويين وأصحاب الكلام إلى هذا الرأي، أمثال: النسفي، والأشعري، وابن جني، وابن فارس، والفارسي، والأخفش… وغيرهم.

ومن أصحاب هذا الرأي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين الفيلسوف الفرنسي المعروف بـ”الأب لامي”، والفيلسوف الفرنسي “دو بونالد” وغيرهما.

أما بالنسبة لأدلة هؤلاء: فليس لهم دليل عقلي يعتد به غير أنهم يحاولون إثبات نظريتهم عن طريق إبطال النظرية التالية التي سنتحدث عنها، القائلة بأن: اللغة نشأت بالتواضع والاصطلاح. قائلين: إن الاصطلاح لا يمكن أن يتم بدون وجود لغة يتفاهم بها المصطلحون والمتفقون. وحيث إنه لم تكن هناك لغة؛ لأن المفروض أننا نتحدث عن نشأة اللغة الأولى، فإن الاصطلاح لا يمكن أن يتم، ويكون القول بحدوثه ضربًا من الخيال، ولا يعقل حينئذٍ ألا أن تكون اللغة هبة من الله ووحيًا من لدنه.

ومن الواضح أن هؤلاء قد نسوا أن إبطال نظرية الاصطلاح لا يعني بالضرورة إثبات نظرية التوقيف والإلهام، ذلك أن هناك في نشأة اللغة آراء ونظريات أخرى، يمكن أن تقف أمام نظريتهم بصورة مماثلة لنظرية الاصطلاح أو بصورة أقوى.

أما دليلهم النقلي: وهو البارز والقوي في نظرهم، فبالنسبة للمسلمين استندوا إلى قوله تعالى: {وَعَلّمَ آدَمَ الأسْمَآءَ كُلّهَا ثُمّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـَؤُلآءِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاّ مَا عَلّمْتَنَآ إِنّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَاآدَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لّكُمْ إِنِيَ أَعْلَمُ غَيْبَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: 31-33]، فظاهر الآيات صريح في أن اللغة هبة مباشرة من الله تعالى، وبهذه الهبة انتصر الإنسان واستحق الخلافة في أرض الله؛ كما توضح الآيات أن دور آدم عليه السلام كان دور المتعلم، فقد فسرت كلمة “علّم” بمعنى: لُقن ووقف.

أما بالنسبة لغير المسلمين، فهو ما ورد في الإصحاح الثاني من سفر التكوين: “والله خلق من الطين جميع حيوانات الحقول وجميع طيور السماء، ثم عرضها على آدم ليرى كيف يُسمها وليحمل كل منها الاسم الذي يضعه له الإنسان، فوضع آدم أسماء لجميع الحيوانات المستأنسة ولطيور السماء، ودواب الحقول…” إلى آخر ما جاء في هذا “الإصحاح”.

وسواء اختلف أصحاب هذا الرأي أو اتفقوا في كيفية تعليم الله آدم اللغة، وفي ماهية المعلم؛ فإنهم يلتقون جميعًا في أن اللغة من الله .

ولم تسلم هذه الأدلة سواء -كانت عقلية أو نقلية- من تفسيرات المعارضين بصورة ليس من السهل ردها، أو على الأقل بصورة تتسع لها النصوص الواردة، فما قدمه أصحاب هذه النظرية من دليل عقلي مردود عليه بأن العلاقة بين التوقيف وبين الاصطلاح ليست علاقة ضدية حتى إذا انتفى أحدهما ثبت الآخر.

وأيضًا رفض بعض العلماء الاستشهاد بالآية الكريمة بناءً على قاعدة أصولية مفادها: أن الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال، ومن هؤلاء ابن جني يقول: إن قول الله تعالى: {وَعَلّمَ آدَمَ الأسْمَآءَ كُلّهَا} لا يتناول موضع الخلاف؛ وذلك أنه قد يجوز أن يكون تأويله: أقدر آدم على أن واضع عليها، وهذا المعنى من عند الله -سبحانه- لا محالة، فإذا كان ذلك محتملًا غير مستنكر سقط الاستدلال به.

كما اعتُرِض ما ورد في سفر التكوين بأنه يعد دليلًا ضد نظرية لا لها، فهو يشير إلى أن آدم هو الذي وضع اللغة؛ حيث يقول: “ثم عرضها على آدم ليرى كيف يسميها، فوضع آدم أسماء لجميع الحيوانات…” إلى آخره، وهكذا اتسعت النصوص المذكورة لتفسيرات المعارضين إلى حد يمكن معه أن يسقط الاستدلال بها.

النظرية الثانية: الاصطلاح والمواضعة:

إذا كان بعض العلماء قد ذهب إلى أن الله تعالى هو الذي لقن اللغة وأوقفه عليها، فإن طائفة أخرى يذهبون إلى: أن الإنسان هو مصدر اللغة فهو واضعها وصانعها، وقد آمن بهذا نفرٌ من الفلاسفة اليونانيين، وفي العصور الوسطى كذلك من علماء المسلمين: ابن جني، وأبو علي الفارسي، وغيرهما، وطائفة غير قليلة من المعتزلة، وفي العصور الحديثة أيضًا بعض الفلاسفة الانجليز، مثل: “آدم سميث” وغيره.

وقد ذهب أصحاب هذه النظرية مذهبًا يلخصه لنا ابن جني، هو يصور لنا كيف نشأت اللغة حين قال: كأن يجتمع حكيمان أو ثلاثة فصاعدًا فيحتاجون إلى الإبانة عن الأشياء المعلومة فيضع من كل واحد منها سمة ولفظًا إذا ذُكر عرف به ما مسماه ليمتاز من غيره… إلى أن يقول: فكأنه جاءوا إلى واحد من بني آدم فأومئوا إليه وقالوا: إنسان، إنسان، إنسان، في أي وقت سُمِع هذا اللفظ عُلِمَ: أن المراد به هذا الضرب من المخلوق.

وإن أرادوا سمة عينه أشاروا إلى ذلك، فقالوا: عين، وهكذا رأس، قدم، أو نحو ذلك، فمتى سمعت اللفظة من هذا عرف معناها، وهلم جرّا فيما سوى هذا من الأسماء والأفعال الحروف” انتهى كلام ابن جني.

وليس لهذه النظرية أدلة مباشرة مقبولة تاريخيًّا أو نقليًّا أو عقليًّا، وما قدموه لا يعدوا أن يكون إضعافًا أو إبطالًا لأصحاب النظرية الأولى، وهي نظرية التوقيف والإلهام:

من ذلك أن العلاقة بين اللفظ والمعنى علاقة عرفية لا تخضع لمنطق أو عقل، فما يسمى بالشجرة كان يمكن أن يسمى بلفظ آخر، ومن ثم لا يليق أن ينسب هذا العمل الناقص إلى الله عز وجل.

وأيضًا أن معظم اللغات تشتمل على مفردات شذت عن النظام المعروف للغة. فالكلمات التي تعبر عن أكثر من معنى -مثل المشترك، والكلمات التي يدل عدد منها على معنى واحد كالمترادف- لا يتفق مع أحكام صنع الله.

وأيضًا أنهم يئولون دليل التوقيف بأن علم في قوله تعالى: {وَعَلّمَ آدَمَ الأسْمَآءَ كُلّهَا} معناها أقدر، أي: أقدر الله تعالى آدم على النطق بألفاظ معينة، وأودعه القدرة على خلقها بنفسه والتصرف في تراكيبها. ولكن هذا أقرب إلى الأسلوب الجدلي منه إلى أسلوب البحث العلمي.

وقد اعترض المعترضون على هذا الرأي بأنه يخالف النواميس الطبيعية للنظم الاجتماعية، فكل نظام اجتماعي يتكون بالتدريج من تلقاء نفسه، ولا يوجد دفعة واحدة، كما أن عدم وجود دليل نقلي أو تاريخي أو عقلي لهذه النظرية يضعفها.

النظرية الثالثة: المحاكاة والتقليد:

يرى لفيف من العلماء -قدامى ومحدثين-: أن اللغة ليست من الله تعالى، وإنما هي من صنع الإنسان، لكنه لم يصل إليها عن طريق الاصطلاح والمواضعة -كما ذهب إلى ذلك أصحاب النظرية الثانية- بل وصل إليها بالمحاكاة والتقليد لكل ما وقع على سمعه من أصوات الطبيعة: كالرعد والبرق، وأصوات الحيوانات والطيور، وأصوات الأحداث كالشق والهدم والكسر، بدأ الإنسان يحاكي تلك الأصوات، ويتخذها علامة ودلالة على مصدرها.

وقد ذهب إلى هذا كثير من فلاسفة العصور القديمة وبعض علماء العربية، كابن جني الذي قال في كتابه (الخصائص) تعقيبًا على رأي المحاكاة: “وهذا عندي وجه صالح ومذهب متقبل”.

وأيضًا أصحاب الثنائية الذين يبنون نظريتهم على: أن اللغة نشأت بالمحاكاة والتقليد، ومنهم: “الأب أنستاس ماري الكرملي”، و”الأب مرمر جدو منكي”، وأحمد فارس الشدياق، وجورج زيدان، وغيرهم.

ومن أشهر مَن قال بالمحاكاة من المحدثين الغربيين العالم الإنجليزي “وتني”.

وقد تصوروا أن اللغة -بناءً على نظريتهم تولدت- واكتمل نظامها تدريجيًّا؛ حيث حاكى الإنسان الأصوات المسموعة دلالة على مصدرها أو على ما يلازمها ويصاحبها، وكانت المحاكاة أول الأمر كاملة، فبدأت تختلف شيئًا فشيئًا بتحول الأصوات إلى كلمات ذات مقاطع، وهنا دخلت الإشارة الجسمية واليدوية مصاحبة الكلمات منطوقة لتساعد على التعبير والإبانة.

وكلما تطورت اللغة وبعدت الألفاظ عن مصدرها الذي تحاكيه قلّ استخدام الإشارات، وبذلك وبعد مراحل زمنية سحيقة تحولت اللغة بمفردات محدودة تحاكي مصادرها إلى مفردات كثيرة بينها كلمات غير قليلة اكتسبت دلالتها عن طريق آخر غير المحاكاة، وذلك بفضل التطور الكبير للحياة العقلية والفكرية، واتساع معالم الحضارة وتنوعها وتطور الصوت وأعضاء النطق.

وقد استدلوا بدليلين:

الأول: لغة الطفل.

الثاني: اللغات البدائية.

أما بالنسبة للغة الطفل: فإن مراحل ارتقاء اللغوي عنده في نظرهم تشبه إلى حد كبير الإنسانية في تطورها، فالطفل في أول أمره يحاكي ويقلد، ثم يدخل الإشارات كمساعد في التعبير، ثم تستقيم لغته وتستقل.

أما بالنسبة للغات البدائية: فإن هؤلاء يستفيدون في إثبات رأيهم، بخصائص هذه اللغات، ففيها كثير من الكلمات التي تحاكي ما تدل عليه، ومعظم كلماتها ساذجة ومحدودة كما أن أصحابها يستعينون في استعمالهم اللغوي بالإشارات الجسمية واليدوية أيضًا.

وقد اعتُرِض على هؤلاء بأن هناك فرقًا بين لغة الطفل وبين اللغة الإنسانية الأولى؛ فالطفل في موقف التعلم أمامه لغة كاملة وثابتة في أنظمتها، وما عليه إلا أن يتقنها ويجيد استعمالها، أما الإنسان الأول فهو أمام اختراع تامٍ لوسيلة يتفاهم بها.

كما يرى المعترضون أن الاستدلال باللغات البدائية ضعيف، فهناك بعض الشعوب البدائية يتكلمون لغةً تكاد خلوًّا تامًّا من مثل هذه الكلمات التي تشبه أصواتها أصوات ما تدل عليه.

ولو كان الأمر كما يرى أصحاب المحاكاة لوجدنا الكلمات التي تحاكي ما تدل عليه ثابتة ومتحدة في جميع لغات البشر، لكن الواقع غير هذا، كما أن كمية المفردات التي من هذا القبيل في اللغة هي الآن قليلة جدًّا لا تنهض دليلًا على أن اللغة نشأت بالمحاكاة والتقليد.

النظرية الرابعة الشهيرة: الغريزة الكلامية:

يرى أصحابها أن اللغة الإنسانية الأولى نشأت عن ما يسمى بالغريزة الكلامية؛ حيث خلق الإنسان الأول مزودًا بتلك الغريزة وبواسطتها أصبح قادرًا على التعبير عن المدركات الحسية والمعنوية، ويرون: أن هذه الغريزة كانت متحدة عند جميع الأفراد في طبيعتها، وفي وظيفتها، وفي ما يصدر عنها، تمامًا مثل التعبير الطبيعي عن الانفعالات كالغضب والسرور، تلك التي تحمل الإنسان على أداء حركات وأصوات معينة من انقباض الأسارير وانبساطها، ومن هنا اتحدت المفردات في البيئة الإنسانية الأولى، وتشابهت طرق التعبير.

ويرون: أنه بعد أن اكتملت اللغة توقف استخدام الإنسان لهذه الغريزة فانقرضت وتلاشت. ومن أشهر من قال بها: العالم الألماني “ماكس مولر” المتوفى على رأس التسعمائة بعد الألف من الميلاد، وأيضًا العالم الفرنسي “رينان” المتوفى سنة تسعين وثمانمائة وألف للميلاد.

وأدلتهم منطلقة من الدراسة المقارنة التي استطاع “مولر” أن يدرس مفردات اللغات “الهندية الأوروبية”، وقد ظهر له أنها ترجع إلى خمسمائة أصل مشترك، وذهب إلى أن هذه الأصول تمثل اللغة الإنسانية الأولى وعنها تفرعت جميع اللغات، ولاحظ على تلك الأصول أن كلًّا منها يدل على معنىٍ كليِّ، وأنه لا علاقة بين لفظه ومعناه، وكأنه يقصد إبطال القول بالمواضعة والمحاكاة.

وقد اعتُرض على هذه النظرية أيضًا بأنهم وضعونا أمام مشكلة جديدة، هي مشكلة الغريزة الكلامية، كما أن الحكم بأن الخمسمائة أصل هذه هي اللغة الإنسانية الأولى أمر تحكمي يبطله قولهم: إن كل أصل يدل على معنى كلي، فالعقلية الإنسانية لم تصل إلى الرقي الذي يمكنها من استعمال ألفاظ لمعانٍ كلية إلا بعد زمنٍ طويل، كما هو واضح من دراسة لغات الشعوب البدائية في أفريقيا وأمريكا وأستراليا، إن هذه الأصول في رأي المعترضين ليست إلا بقايا لغة إنسانية راقية وصلت إليها الإنسانية بعد فترة طويلة من الرقي العقلي والفكري.

وأكتفي بهذا القدر من هذه النظريات المشهورة، وهنالك نظريات وآراء أخرى كثيرة، وأني أود في الختام أن أعقب تعقيبًا عامًّا على هذه الآراء:

أولًا: لا يمكننا التسليم بأي نظرية من تلك النظريات، فهي غير مطردة كما ينطق بذلك واقع اللغة، فليست اللغة كلها من قبيل الإلهام، ولم تكن جميعًا من باب الاصطلاح والمواضعة، كما لم تكن هناك غريزة كلامية أدت وظيفتها لفترة معينة ثم ماتت، وأيضًا لم تكن اللغة كلها من قبيل المحاكاة والتقليد.

ولا نستطيع رفض جميع تلك النظريات أو إحداها؛ لأن لكل منها نصيبًا من الصحة؛ فله ما يقويه من واقع اللغة، فهناك تعليم من الله لآدم عليه السلام كما نطقت النصوص الدينية بذلك، لكننا لا نستطيع التكهن بحقيقته وكنهه والله وحده هو الذي يعلم ذلك.

وهناك أيضًا اصطلاح ومواضعه؛ فما نشاهده اليوم في هيئاتنا العلمية كالمجامع اللغوية ليست إلا من هذا القبيل، ومثله تمامًا اللغات الخاصة، كاللغة العسكرية، واللغة البحرية، وما يسمى بالشفرة.

وما كان لإنسان ليستطيع النطق باللغة واستعمالها لو لم يخلق الله فيه القدرة والغريزة، كذلك لا ننكر عملية المحاكاة والتقليد، فهناك من مفردات اللغات ما يشهد بذلك. لكن نودّ أن نذكر الأسباب التي تجعلنا لا نسلم بهذه النظريات أو نرفضها؛ السر يكمن في منهج التفكير، فهناك أخطاء منهجية وقع فيها الباحثون:

– منها: أن معظم الآراء أخذت تفكر وتبحث عن مصدر اللغة لا عن الصورة الأولى لها، هل مصدر اللغة هو الله أو الإنسان أو الغريزة الكلامية أو الطبيعية والكون بما فيه أو ما إلى ذلك، وهذا خطأُ منهجيٌّ بعُد بهم عن القضية.

– وخطأٌ منهجيٌّ آخر: اللغة ليست إلا كلمات… هكذا تصور الباحثون، فكل نظرية تبحث فيه عن أسماء ومسميات أو دالٍ ومدلول؛ فمن الذي وضع الألفاظ بإزاء المعاني: أهو الله، أم الإنسان، أم الغريزة، أم ماذا؟.

مع أن اللغة ليست مجرد كلمات فهي أكبر وأوسع من ذلك، إنها تضم مستويات عديدة صوتية وصرفية ونحوية ودلالية.

– يُضاف إلى هذا الخطأ خطأ منهجيٌّ ثالث يتصل بقضية الاستدلال: ذلك أن الباحثين في نشأة اللغة طبقوا من غير أن يشعروا المنهج الأرسطي الذي يصاحبه التأمل والتخيل والحدس والتخمين والافتراض النظري.

– ومن الأخطاء أيضًا التعصب للرأي حيث ظهر على أصحاب كل نظرية التعصب لها ومحاولة هدم غيرها؛ ظنًّا منهم أن أبطال نظرية المقابلة يؤيد بطريق غير مباشر إلى صحة نظريتهم -كما سبق.

والرأي عندي: أننا لا نستبعد أن تكون اللغة -بأنظمتها المعقدة والهائلة- قد تكونت ونشأت عن تلك الروافد المتعددة، وبهذه النظريات المختلفة وبذلك يصبح من الخطأ الإصرار على أن اللغة توقيفية فقط أو اصطلاحية فقط أو أنها نشأت عن طريق المحاكاة والتقليد ليس إلا أو بواسطة الغريزة الكلامية لا غير… أو ما إلى ذلك، وأضم صوتي إلى صوت الدكتور عبد العزيز علام وعبد الله ربيع محمود في انتهاجهما هذا النهج.

error: النص محمي !!