Top
Image Alt

أصول الخوارج، ومنهجهم

  /  أصول الخوارج، ومنهجهم

أصول الخوارج، ومنهجهم

أ. مقالة الخوارج أولُ مقالةٍ فرَّقت بين الأمة:

يدور في الحقيقة نزاع، وقد دار هذا النزاع وكان نزاعًا شديدًا في عهد الخليفة الراشد علي رضي الله عنه وقد أحدث هذا النزاع مفارقة وافتراقًا وخروجًا على جماعة المسلمين وإمامهم، وقد انبنى هذا النزاع على مسألتين تجتمعان في أصل واحد هو التكفير بالذنوب ولوازمه.

 أما المسألتان فهما:

المسألة الأولى: التحكيم والحكم:

فإنه حينما اتفق المسلمون على تحكيم الحكمين أبي موسى من قِبَل علي رضي الله عنهما وعمرو بن العاص من قبل معاوية رضي الله عنهما اعترضت السبئية الخوارج، وكان أول من أعلن ذلك -كما يقال: عروة بن جرير حيث قال: أتحكِّمون في دين الله الرجال؟ ثم تلقب هذه الكلمة طوائف من بعض القراء الجهلة والأعراب وقتلة عثمان، وغيرهم من أصحاب علي، وقالوا: لا حكم إلا لله؛ فكان هذا شعارهم الذي فارقوا به الإمام وجماعة المسلمين، ونتجت عن هذه المقولة مقولة أخرى هي التكفير بالمعاصي.

المسألة الثانية: مسألة التكفير:

تكفير علي ومعاوية والحكمين، ومن رضي بحكمهما؛ أخذًا بظاهر قول الله تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ للّهِ} [الأنعام: 57] ورتبوا على ذلك جميع لوازم الكفر، والتي منها أن عليًّا رضي الله عنه حين حكَّم الرجال فلا إمامة له؛ فاعتقدوا بذلك أنهم في حل من إمامته وبيعته، وأنه يجب عليهم أن يؤمروا عليهم أميرًا للمؤمنين منهم دون بقية المسلمين الذين صاروا في رأيهم كفارًا ما لم يلحقوا بهم، وأن كل من حكَّم الرجال أو رضي بالتحكيم فهو كافر.

فكان أن بايعوا عبد الله بن وهب الراسبي في العاشر من شهر شوال سنة سبع وثلاثين من الهجرة النبوية الشريفة، وهذا هو تاريخ أول افتراق فعلي معلن في الأمة؛ وعليه أقول: “إن افتراق الخوارج هو أول افتراق في تاريخ المسلمين؛ فكل الحوادث والنزعات والاختلافات التي حصلت في عهد أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم لم ينتج عنها افتراق ولا فِرَق، وكان كل نزاع ينتهي إما بالإجماع أو الأخذ بقول الأغلب، أو العمل بما عليه الإمام أو الأكابر، أو كل يذهب إلى ما أدى إليه اجتهاد ويعذر كل فريق من المختلفين الآخر، ولم يصل الأمر إلى الافتراق، ولا الخروج على جماعة المسلمين وأئمتهم”.

وحتى أولئك الذين قدموا المدينة ناقمين على عثمان رضي الله عنه كانوا أول أمرهم لم يظهروا المنازعة ولا الفرقة، ولم يطالبوا لأنفسهم، ولا لأحد بعينه بالإمامة؛ إنما كانوا يطالبون بأن يُخلع الإمام، أو يَخلع الإمام نفسه، أو يَخلعه أهل الحل والعقد، على أن يختار المسلمون لهم إمامًا يرضونه، وكانوا يزعمون أنهم إنما يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بذلك.

ولما قتل عثمان رضي الله عنه وحصلت الفتنة، وصارت وقعة الجمل وصفين برزت من خلال ذلك أول فرقة عن جماعة المسلمين وإمامهم، وكانت بظهور الخوارج والشيعة، وذلك في عام سبع وثلاثين للهجرة وما بعدها، وكلا الفرقتين خرجتا من خلال الفتنة، وكلاهما من بذور السبئية رغم ما بدا بينهما من تفاوت في الأصول والمقولات والمواقف.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله: وهاتان الطائفتان -الخوارج، والشيعة- حدثوا بعد مقتل عثمان رضي الله عنه وكان المسلمون في خلافة أبي بكر وعمر وصدرًا من خلافة عثمان في السنة الأولى من ولايته متفقين لا تنازع بينهم، ثم حدث في أواخر خلافة عثمان أمور أوجبت نوعًا من التفرق، وقام قوم من أهل الفتنة والظلم فقتلوا عثمان رضي الله عنه فتفرق المسلمون بعد مقتل عثمان.

ولما اقتتل المسلمون بصفين واتفقوا على تحكيم حَكَميْن؛ خرجت الخوارج على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وفارقوه، وفارقوا جماعة المسلمين إلى مكان يقال له حروراء، فصار هؤلاء هم الخوارج المارقون الذين أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بقتالهم قاتلهم علي رضي الله عنه واتفق أئمة الدين على قتالهم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ولم يكفرهم علي وسعد وغيرهما؛ بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم؛ ولم يقتلهم علي حتى سفكوا الدماء الحرام، وأغاروا على المسلمين؛ قاتلهم لبغيهم لا لكفرهم؛ لذا لم يسب حريمهم ولم يغنم أموالهم.

ثم بيَّن أنه إذا كان المسلم متأولًا في القتال أو التكفير لم يكفر بذلك، وهذا كلام دقيق من ابن تيمية -رحمه الله- بيَّنَه وهو يتحدث عن طائفة الخوارج والشيعة، وأنهما من أوائل الطوائف التي خرجت على المسلمين. ولما ذكر أن هؤلاء الخوارج مرقوا من الدين، وكَفَّروا عموم المسلمين ذكر أنه إذا كان المسلم متأولًا في القتال أو التفكير لم يكفر بذلك.

ثم قال: “ولهذا كان أول من فارق جماعة المسلمين من أهل البدع الخوارج المارقون”.

ب. أصول الخوارج الأولين ومنهجهم وسماتهم العامة:

إن الدارس لحال الخوارج الأولين يخلص في تقرير منهجهم وأصولهم وسماتهم العامة إلى الأصول والسمات التالية:

الأصل الأول: التكفير بالمعاصي؛ يعني: أنهم يكفرون بالكبائر، والذنوب ويلحقون أصحاب الكبائر والذنوب -وهم من المسلمين- بالكفار في الأحكام والدار والمعاملة والقتال؛ فيستبيحون دماءهم وأموالهم وإذا تمكنوا من سبي نسائهم فعلوا، مع أن أهل السنة لا يكفرون بالكبائر كما هو معلوم؛ ولهذا كان هذا الأمر من الضلال الذي شاع وانتشر من الخوارج، وما زال قائمًا حتى يوم الناس هذا.

الأصل الثاني: الخروج على أئمة المسلمين اعتقادًا، وعملًا غالبًا أو أحدهما أحيانًا؛ فهؤلاء الخوارج ما تورعوا عن شق عصا الطاعة، وتفتيت الأمة وضعفها بخروجهم على جماعة المسلمين وأئمتهم، وكانوا في الحقيقة في هذا في ضلال مبين؛ لأن الخروج على إمام المسلمين يفرق الصف ويكون سببًا في إراقة الدماء؛ لأن ولي الأمر عندما تخرج عليه طائفة وقد بايعه الناس لا شك أنه سيتصدى لهم، وبالتالي سيقاتل من معه من المسلمين هؤلاء القوم الذين خرجوا عليه، وهم أيضًا من المسلمين؛ فسيقع تقاتل عظيم وكبير وتسيل دماء كثيرة بين أهل الإيمان.

الأصل الثالث: الخروج على جماعة المسلمين، ومعاملتهم معاملة الكفار في الدار والأحكام والبراء منهم وامتحانهم واستحلال دمائهم.

الأصل الرابع: صرف نصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى منازعة الأئمة، والخروج عليهم وقتال المخالفين.

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -كما هو معلوم- شريعة عظيمة من شرائع الإسلام، به تستقيم أحوال الأمة عندما تقوم طائفة لتأمر بالمعروف بمعروف، وتنهى عن المنكر حتى يقِل أو يزول؛ ولكن الخوارج صرفوا نصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى منازعة الأئمة والخروج عليهم وقتالهم بالسيف، واعتبروا أن هذا هو المعني بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، رغم أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أمورًا متعددة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما جاء في حديثه الصحيح: ((من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده؛ فإن لم يستطع فبلسانه؛ فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)).

الأصل الخامس: كثرة القراء الجهلة فيهم والأعراب، وأغلبهم كما وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم: ((حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام)) فيهم قراء، ولكن هؤلاء القراء قد يكونوا قرءوا العلم أو شيئًا من العلم أو قرءوا شيئًا من القرآن؛ ولكنهم بهذا أيضًا جهلة، وقد وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم ((حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام))، وهذا في الحقيقة كلام حق وصحيح يقع على هؤلاء القوم، وقد صدق فيهم إذًا قول النبي صلى الله عليه وسلم.

الأصل السادس: ظهور سيماء الصالحين عليهم وكثرة العبادة؛ كالصلاة والصيام وأثر السجود، وتشمير الثياب، وقد جاء في الحديث: ((يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم، وصيامه إلى صيامهم)) وهؤلاء -في الحقيقة- يكثر فيهم الورع؛ ولكن على غير فقه، وفيهم صدق وزهد، ولكن مع تشدد وتنطع في الدين.

الأصل السابع: ضعف الفقه في الدين وقلة الحصيلة من العلم الشرعي، وقد وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في حديثه الصحيح يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يعني: لا يدخل إلى قلوبهم، ولا إلى عقولهم ولا يفقهوه ولا يعرفوا معانيه؛ ولكنه فقط يخرج من الحناجر ولا يتعداها إلى شيء بعد ذلك لا إلى قلب، ولا إلى فهم، ولا إلى عقل، ولا إلى وعي.

الأصل الثامن: أنه ليس فيهم من الصحابة، ولا الأئمة والعلماء وأهل الفقه في الدين أحد، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: “وليس فيكم منهم أحد”، يعني: الصحابة، وأنا أركز على هذا الأصل العظيم؛ لأبين أن الصحابة رضي الله عنهم لم يضلوا ولم ينحرفوا، ولم يقع واحد منهم في هذه الفتن العمياء التي وقعت في عصرهم رضي الله عنهم، فلم يكن واحد منهم مع الروافض، ولا مع الخوارج ولا مع القدرية ولا مع المرجئة… ولا غير ذلك من هذه الفرق الضالة.

الأصل التاسع: الغرور والتعالم والتعالي على العلماء، حتى زعموا أنهم أعلم من علي وابن عباس وسائر الصحابة، والتفوا على الأحداث الصغار والجهلة قليلي العلم من رءوسهم، وأنا أود أن أركز أيضًا على العصر الحديث، وأن أذكر سماتهم، وإن كانت هذه السمات قد تشترك إلا أن الوضع الآن الذي عليه الخوارج في العصر الحديث وضع خطير للغاية أدى إلى ضعف في المسلمين؛ كما أدى أيضًا إلى كلام الغرب والشرق والوقيعة في أهل الإيمان.

الأصل العاشر: الخلل في منهج الاستدلال؛ حيث أخذوا بآيات الوعيد وتركوا آيات الوعد، وهذا خلل: لم يجمعوا بين الآيات، ولا بين الأحاديث؛ وإنما ظنوا أن هناك تصادمًا بين الآيات، واكتفوا بالبعض عن الكل؛ فاستدلوا بالآيات الواردة في الكفار وجعلوها في المخالفين لهم من المسلمين، وقد قال فيهم الصحابي الراشد: عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول عن الخوارج: “انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار، فجعلوها على المؤمنين”.

الأصل الحادي عشر: الجهل بالسنة واقتصارهم على الاستدلال بالقرآن غالبًا، وفي الحقيقة الدافع إلى ذلك: أنهم أنكروا كثيرًا من سنة النبي صلى الله عليه وسلم لأن هؤلاء الخوارج لما كفروا الصحابة رضي الله عنهم وهؤلاء الصحابة هم الذين حملوا لنا الدين، وهم الذين سمعوا من النبي الأمين صلى الله عليه وسلم ونقلوا العلم الذي قاله، والكلمات التي تكلم ونطق بها صلى الله عليه وسلم الصحابة هم الذين نقلوا لنا ذلك، فلما كَفَّرهم هؤلاء الخوارج لم يأخذوا شيئًا من حديثهم، واقتصروا فقط على آيات القرآن الكريم.

الأصل الثاني عشر: سرعة التقلب واختلاف الرأي وتغييره، فهم عندهم عواطف بلا علم ولا فقه؛ ولذلك يكثر تنازعهم وافتراقهم فيما بينهم، وإذا اختلفوا تفاصلوا وتقاتلوا؛ بل كفَّر بعضهم بعضًا.

الأصل الثالث عشر: التعجل في إطلاق الأحكام والمواقف من المخالفين، وهذه سمة في الحقيقة عند الخوارج أنهم لا يتريثون، وإنما يتعجلون في سرعة إطلاق الأحكام؛ كما أن مواقفهم في الحقيقة من المخالفين مواقف سريعة، عندما يطلقون الحكم مباشرة على المخالفين دون تثبت أبدًا.

الأصل الرابع عشر: الحكم على القلوب واتهامها، ومنه: الحكم باللوازم والظنون؛ فهم في الحقيقة يحكمون على قلوب الناس ويتهمون الناس، وبالتالي أيضًا يلزمون الناس بما لا يلزمهم؛ فالإنسان قد يكون له قول في مسألة ما، وهذا القول له لازم، إلا أنني لا أجعل قوله هنا لازمًا له إلا إذا التزمه. وعلماء الأصول يعرفون ذلك ويقرروه.

الأصل الخامس عشر: القوة والخشونة والجلَد والجفاء، والغلظة في الأحكام، وفي التعامل مع المخالفين وفي القتال والجدال؛ فالخوارج عندهم قوة وعندهم عنف شديد، وفيهم جفاء بالغ في المخالفين لهم.

الأصل السادس عشر: قصر النظر وضيق العطن، وقلة الصبر واستعجال النتائج.

الأصل السابع عشر: أصل بَيَّنه أيضًا النبي صلى الله عليه وسلم: وهو أنهم يقتلون أهل الإسلام ويخاصمونهم، ويدعون أهل الأوثان؛ كما جاء وصفهم في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ((يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان)).

ولأهمية هذا الموضوع سأذكر أيضًا الكلام الذي ذكره فيهم ابن تيمية -رحمه الله- باختصار شديد: وذلك أنه فصل مناهجهم وأصولهم وسماتهم في مواضع عديدة من مصنفاته، وأنا هنا سأسوق طائفة منها:

الأصل الأول: جهلهم، عن الخوارج قال: “فهم جهال فارقوا السنة والجماعة عن جهل”.

الأصل الثاني: تضليلهم لأئمة الهدى وجماعة المسلمين، وقد ذكر هذا الكلام عنهم في معرض ذكره لصفات الخوارج، فقال: “فهؤلاء أصل ضلالهم اعتقادهم في أئمة الهدى وجماعة المسلمين أنهم خارجون عن العدل وأنهم ضالون وهذا مأخذ الخارجين عن السنة من الرافضة ونحوهم، ثم يعدون ما يرون أنه ظلم عندهم كفرًا، ثم يرتبون على الكفر أحكامًا ابتدعوها”.

الأصل الثالث: فساد منهجهم بخروجهم عن السنة وخطأ أحكامهم

وفي ذلك يقول: “ولهم خاصتان مشهورتان فارقوا بها جملة المسلمين وأئمتهم:

أحدهما: خروجهم عن السنة، وجعلهم ما ليس بسيئة سيئة، أو ما ليس بحسنة حسنة، هذا هو الذي أظهروه في وجه النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال له ذو الخويصرة التميمي: اعدل؛ فإنك لم تعدل، حتى قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((ويلك! ومن يعدل إذا لم أعدل؛ لقد خِبت وخسرت إن لم أعدل)) فقوله: “فإنك لم تعدل” جعل منه لفعل النبي صلى الله عليه وسلم سفهًا وتركَ عدل، وقوله: “اعدِلْ” أمر له بما اعتقده هو حسنة من القسمة التي لا تصلح، وهذا وصف تشترك فيه البدع المخالفة للسنة؛ فقائله لا بد أن يثبت ما نفته السنة، وينفي ما أثبتته السنة، يحسن ما لم تحسنه السنة، ويقبح ما حسنته السنة، وهذا القدر قد يقع من بعض أهل العلم خطأ في بعض المسائل.

الأصل الرابع: تجويزهم على النبي صلى الله عليه وسلم من الجور ما لا يجوز في حقه صلى الله عليه وسلم:

فهم كانوا يجوزون على النبي صلى الله عليه وسلم ما لا يجوز في حقه كالجور: يقول ابن تيمية -رحمه الله: “والخوارج جوَّزوا على الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه أن يجور ويضل في سنته، ولم يوجبوا طاعته ومتابعته؛ وإنما صدقوه فيما بلغه من القرآن دون ما شرعه من السنة التي تخالف -بزعمهم- ظاهر القرآن، وغالب أهل البدع والخوارج يتابعونهم في الحقيقة على هذا؛ فإنهم يرون أن الرسول صلى الله عليه وسلم لو قال بخلاف مقالتهم لما اتبعوه؛ كما يحكى عن عمرو بن عبيد في حديث الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام وإنما يدفعون عن نفوسهم الحجة إما برد النقل، وإما بتأويل المنقول؛ فيطعنون تارة في الإسلام وتارة في المتن؛ وإلا فهم ليسوا متبعين، ولا مؤتمين بحقيقة السنة التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم بل ولا بحقيقة القرآن، وإلا فقولهم بأن الإسناد ضعيف أو ردهم للمتن إنما هو في الحقيقة عدم تسليم للنبي صلى الله عليه وسلم.

الأصل الخامس: التكفير بالذنوب، واستحلال دماء المسلمين وأموالهم واعتبار دارهم دار حرب:

وفي هذا يقول ابن تيمية -رحمه الله: “والفرق الثاني في الخوارج وأهل البدع، أنهم يكفرون بالذنوب والسيئات، ويترتب على تكفيرهم بالذنوب استحلال دماء المسلمين وأموالهم، وأن دار الإسلام دار حرب ودارهم هي دار الإيمان، وكذلك يقول جمهور الرافضة، وجمهور المعتزلة والجهمية وطائفة من غلاة المنتسبة إلى أهل الحديث والفقه ومتكلميهم؛ فهذا أصل البدع التي ثبتت بنص سنة النبي صلى الله عليه وسلم وإجماع السلف أنها بدعة، وهو جعل العفو سيئة وجعل السيئة كفرًا؛ ولهذا قال ابن تيمية -رحمه الله: “وأما التكفير بذنب أو اعتقاد سني؛ فهو مذهب الخوارج، والتكفير باعتقاد سني مذهب الرافضة والمعتزلة وكثير من غيرهم”.

الأصل السادس: سوء فهمهم للقرآن أوقعهم في التكفير ولوازمه، وفي ذلك يقول ابن تيمية -رحمه الله: “وكانت البدع الأولى؛ كبدعة الخوارج إنما هي من سوء فهمهم للقرآن، لم يقصدوا معارضته؛ لكن فهموا منه ما لم يدل عليه؛ فظنوا أنه يوجب تكفير أرباب الذنوب؛ إذ كان المؤمن هو البر التقي، قالوا: فمن لم يكن برًّا تقيًّا فهو كافر، وهو مخلد في النار، ثم قالوا: وعثمان وعلي ومن والاهما ليسوا بمؤمنين؛ لأنهم حكموا بغير ما أنزل الله”.

فكانت بدعتهم لها مقدمتان:

الواحدة: أن من خالف القرآن بعمل أو برأي أخطأ فيه فهو كافر.

الثانية: أن عثمان وعليًّا ومن والاهما كانوا كذلك؛ ولهذا يجب الاحتراز من تكفير المؤمنين بالذنوب والخطايا؛ فإنه أول بدعة ظهرت في الإسلام، فكفر أهلها المسلمين واستحلوا دماءهم وأموالهم، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث صحيحة في ذمهم والأمر بقتالهم.

الأصل السابع: أنهم لا يعملون بالسنة إذا خالفت أصولهم، وليس لهم مؤلفات مأثورة، قال -رحمه الله- في بيان ذلك: “والخوارج لا يتمسكون من السنة إلا بما فسر مجملها دون ما خالف ظاهر القرآن عندهم؛ فلا يرجمون الزاني، ولا يرون للسرقة نصابًا؛ وحينئذ فقد يقولون ليس في القرآن قتل المرتد، فقد يكون المرتد عندهم نوعين، وأقوال الخوارج إنما عرفناها من نقل الناس عنهم، لم نقف لهم على كتاب مصنف كما وقفنا على كتب المعتزلة والرافضة والزيدية والكرامية والأشعرية والسالمية، وأهل المذاهب الأربعة والظاهرية، ومذاهب أهل الحديث والفلاسفة والصوفية… ونحو هؤلاء.

وختامًا أذكر ما قاله الإمام الأشعري -رحمه الله- من أصول عن الخوارج، قال -رحمه الله: “أجمعت الخوارج على إكفار علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن حَكَّم -يعني: نزل عندما طلب منه معاوية فنزل إلى حكمه ورضي بالحكمين- وهم مختلفون -أعني في كفر علي بن أبي طالب: هل كفره شرك أم لا؟ وأجمعوا على أن كل كبيرة كفر إلا النجدات؛ فإنها لا تقول بذلك، وأجمعوا على أن الله -تبارك وتعالى- يعذب أصحاب الكبائر عذابًا دائمًا إلا النجدات -أصحاب نجدة- فهؤلاء لم يقولوا بذلك.

error: النص محمي !!