Top
Image Alt

أطوار الدعوة الفردية

  /  أطوار الدعوة الفردية

أطوار الدعوة الفردية

أطوار الدعوة الفردية:

هناك مراحل ينبغي أن تمر فيها الدعوة الفردية، إذا أراد الداعية أن تؤتي دعوته ثمرتها، وهذه المراحل تختلف من مدعو إلى آخر، فمنهم من يجب أن يتدرج معه حسب ما سطرناه ها هنا، فهذا على كل حال أمر اجتهادي، ومنهم من يمكن أن يتجاوز بعض الأطوار، وهذا الأمر راجع إلى الداعية نفسه، فهو الذي يختار كيف يتعامل مع مدعوه، فمتى عرف أنه لا بد أن يمر مع المدعو بكل الأطوار مر معه، ومتى عرف أنه يمكن أن يتجاوز أي طور من الأطوار التي سنذكرها، فلا يضيع الوقت فيما لا فائدة فيه، وإليك هذه الأطوار.

الطور الأول: وهو أن يوجد الداعية صلة تعارف مع المدعو بحيث يُشعره بأنه مهتم به، وذلك بتفقده ما بين الحين والآخر، والسؤال عنه إذا غاب، وزيارته إذا مرض، هذا كله قبل أن يفتح عليه باب الدعوة، حتى إذا سارت القلوب متقاربة، والأرواح متآلفة، ووجد التهيؤ من المدعو لتقبل دعوة الداعية، طرق الكلام فيما يريد، وليعلم الداعية أنه بقدر نجاحه في هذا الطور مع المدعو يكون التأثير والاستجابة للدعوة، وأي تسرع في هذا الطور قد يُحدث النفرة من المدعو.

الطور الثاني: وهو أن على الداعية أن يعمل على تقوية الإيمان عند المدعو، وذلك أن أصل الإيمان في الغالب موجود إلا أنه تتفاوت نسب الضعف من شخص إلى آخر، وإذا أراد الداعية أن يعالج هذه القضية فعليه أن لا يدخل في الحديث عن الإيمان مباشرة، بل عليه أن يستغل الأحداث بمختلف أنواعها، وعليه أن يربطها بالأدلة الواردة في القرآن والسنة، فمثلًا: حصل مولود لشخص من الأقرباء أو الجيران، فيبدأ الداعية بالكلام حول خلق الله لأبينا آدم، ثم كيف أن الله جعل ذريته من ماء مهين، وكيف جعل رحم المرأة مكانًا لنشوء الجنين، وكيف أوصل له غذاءه طيلة تسعة أشهر، ثم كيف خرج إلى آخر ذلك، ومع ربط جميع المراحل بالقرآن والسنة.

فإنه ما ينتهي من كلامه -إن شاء الله- إلا وقد بدأ الإيمان بالازدياد عند المدعو، مما يجعله متقبلًا لكل ما يُلقى عليه، فإذا شعر الداعية بان المدعو بدأ يتأثر بكلامه وارتفع نوعًا ما انتقل به إلى الطور الثالث.

الطور الثالث: في هذا الطور يبدأ الداعية في إعطاء التوجيهات للمدعو، التي من شأنها أن تُصلح من عبادة المدعو، وسلوكه ومظهره، فلربما كان في عبادته كثير من الأخطاء، أو أنه لا يصلي الصلوات في جماعة، والمسجد منه قريب، وكذلك يعرفه على العبادات المفروضة، فيعلمه كيفية الوضوء، وكيفية الصلاة، ويأمره بالابتعاد عن السبل التي توصله إلى سخط الله عز وجل.

وأما إذا كان محافظًا على الجماعة ولكن عنده بعض التقصير، فليعمل الداعية على تبصير المدعو بالمعتقد السليم، الذي هو معتقد السلف الصالح رضي الله عنهم، ويحسن بالداعية أن يبدأ بإهداء وإعارة بعض الكتب، والأشرطة النافعة في مجال العقيدة والإيمان، والترغيب والترهيب، ويعرفه على بعض الشباب الصالحين، ويأمر الشباب الملتزم بالإحاطة بهذا الفرد؛ حتى لا يترك مجالًا لقرناء السوء من اجتذابه مرة أخرى، وبهذا نضمن -بإذن الله تعالى- استمرارية استقامة المدعو.

الطور الرابع: يبدأ الداعية في هذا الطور بتوضيح شمولية الإسلام، وأنه ليس مقصورًا فقط في الصلاة والصوم مثلًا، بل إن الإسلام يجب أن يحكم في كل صغيرة وكبيرة، وبهذا يكون المدعو في هذا الطور قد حوَّل جميع حركاته وسكناته وفق شرع الله عز وجل.

الطور الخامس: وفيه يوضح للمدعو أن الإسلام ليس معناه أن نكون مؤدين للعبادات، متخلقين بالأخلاق الفاضلة، وإلى هنا ننتهي؛ بل يجب أن يوضح له أن الإسلام دين جماعي، نظام حياة وحكم وتشريع، عقيدة وأخلاق، ودولة وجهاد، وأمة واحدة، وأن المسلم لا يمكن أن يكون آخذًا للإسلام من جميع جوانبه إلا إذا فهم هذا الفهم السليم، فإذا فهمنا هذا الفهم السليم للإسلام؛ فإنه -أي: هذا الفهم- سيملي علينا مسئوليات وواجبات يجب أن نقوم بتأديتها؛ امتثالًا لأمر الله حتى يقوم المجتمع على القواعد الصحيحة للإسلام في جميع النواحي السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية إلى آخره.

الطور السادس: فيه يمكن للداعية أن يوضح للمدعو ما يستوجبه الواقع الذي تمرُّ به الدعوة إلى الله، وأنها محتاجة إلى تكاتف الجهود، ولمِّ الشمل، ووحدة الصف والعلم حتى يتمكن المسلمون من إعادة الخلافة الإسلامية التي كاد لها أعداء الله من الداخل والخارج، حتى أطاحوا بها، ومنذ ذلك الحين والمسلمون يعيشون في هذا الذل والهوان؛ حتى صار أعداؤهم لا يبالون بهم، وهذا كله نتيجة أن المسلمين رضوا بدنياهم، وابتعدوا عن العمل بكتاب الله، وعن سنة نبيهم، وتركوا الجهاد في سبيل الله.

ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذُلًّا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم))، وقال صلى الله عليه وسلم: ((ولينزعنَّ الله المهابة من قلوب أعدائكم، وليقذفنَّ الله في قلوبكم الوهن، قالوا: وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت)).

الطور السابع: على الداعية أن يحمس المدعو لطلب العلم؛ لأنه لا يمكن أن يعبد الله كما أمر سبحانه إلا بالعلم، فيرغِّب المدعو بمجالسة العلماء العاملين من أهل السنة والجماعة، أصحاب المنهج السليم، ويشعره إذا وُجدت محاضرات، أو جلسات خاصة؛ سواء كان ذلك بالمرور عليه أو بالهاتف كما يحثه على اقتناء الكتب النافعة، وكذا الأشرطة والمجلات إلى آخره.

وينبه المدعو إلى أن خير السبيل لإقامة الخلافة هي سبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي سبيل العلم وتربية المجتمع مع تصفيته، وأنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وأن المنهج الذي يجب على المدعو أن يتبعه إنما هو منهج السلف الذي هو منهج أهل السنة والجماعة، وأنه مهما حاول المحاولون الذين ابتعدوا عن هذا المنهج أن يعيدوا الخلافة الإسلامية، فإنما مثلهم مثل من يبني بناية على شفا جرف هار يوشك أن يقع.

error: النص محمي !!