Top
Image Alt

أعلام الشعراء الأمويِّين

  /  أعلام الشعراء الأمويِّين

أعلام الشعراء الأمويِّين

هم: الفرزدق، والأخطل، وجرير، وكثير عزة، وجميل بثينة، والوليد بن يزيد.

نبدأ بالتعريف بالفرزدق:

الفرزدق: شاعر من الشعراء الكِبار في العصر الأموي، اسمُه: همام بن غالب بن صعصعةَ بن ناجية بن عِقال، وهو من عشيرة مجاشع من قبيلة تميم، وكان الفرزدق حسيبًا نسيبًا؛ فأسرتُه أسرة كريمة ذات مآثر ومفاخر لا تُدفع، وكان صعصعة جده يُلقب بمحيي الموءودات، ومن هنا فإننا نجد الفرزدق يُكثر من الفخر، ويجيد الفخر بقومه وقبيلته.

ولُقب بالفرزدق لجهامة وجهه وغِلظه، فكلمة “الفرزدقة” في لغة العرب: تدل على الخبزة الغليظة التي يَتخذ منها النساء الفتوتَ، والأخبار التي وردت عن الفرزدق تدل على أن أخلاقه كانت شبيهة بالأخلاق الجاهلية، وما كان ينطوي في هذه الأخلاق من إثم، فقد عُرِفَ بفسقه وشربه للخمر التي حَرَّمها الإسلام، وكان غليظَ النفس، يمثل البدوي التميمي شديد الشكيمة، كما يقول الدكتور شوقي ضيف.

وقد وُلِدَ الفرزدق في سنة عشرين من الهجرة تقريبًا، وتُوفي سنة مائة وأربعة عشرة من الهجرة.

ومن شعره الذي يفتخر فيه بجده صعصعة، يقول:

أبي أحد الغيثين صعصعة الذي

*متى تُخلف الجوزاء والنجم يمطر

أجار بنات الوائدين ومن يُجر

*على القبر يعلم أنه غير مُخفَر

والفرزدق أحد الشعراء الكبار الثلاثة الذين اشتهروا بفن النقائض، فهو والأخطل وجرير فُرسان هذا الفن، وكان الفرزدق مقدمًا على الأخطل في الهجاء، ولكنه يأتي متأخرًا في الهجاء عن جرير، والفن الذي أبدع فيه الفرزدق هو فن الفخر؛ لأنه كان يصدر فيه عن شرف نسبه وعلوه الذي كان لأسرته.

ومن هذا الفخر قولُه:

إن الذي سمك السماء بنا لنا

*بيتًا دعائمه أعز وأطول

حُلل الملوك لباسنا في أهلنا

*والسابغات إلى الوغَى نتسربل

أحلامنا تزن الجبال رزانةً

*وتخالنا جنًّا إذا ما نجهل

فادفع بكفك إن أردت بناءنا

*ثهلان ذا الهضبات هل يتحلحل

ومن فخره بقومه كذلك قوله:

وكنا إذا الجبار صعَّر خده

*ضربناه حتى تستقيم الأخادع

وقوله:

ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا

*وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا

ومدح الفرزدق الأمويين، وأسرف في مديحهم، ومن هذا -مثلًا- قوله يمدح بشر بن مروان:

يا بشر إنك سيف الله صيل به

*على العدو وغيث ينبت الشجر

ومنه قوله في الحجاج بن يوسف:

إن ابن يوسف محمود خلائقُه

*سيان معروفه في الناس والمطر

هو الشهاب الذي يُرمى العدو به

*والمشرفي الذي تعصى به مَضر

وكلمة “تعصى” هنا مأخوذة من العصى؛ أي: تضرب، يشير إلى سياسة الحجاج في ضربه للناس وقسوته عليهم، وحملهم على الطاعة للأمويين، وهو يشيد به من هذا الجانب.

ولما مات الحجاج كان مما قاله الفرزدق فيه:

ومات الذي يرى على الناس دينهم

*ويضرب بالهندي رأس المخالف

ومن مديحه المسرف فيهم كذلك قوله في يزيد بن عبد الملك، وهو من اللاهين المعروفين بالمجون، يقول الفرزدق فيه:

ولو كان بعد المصطفى من عباده

*نبي لهم منهم لأمر العزائم

لكنتَ الذي يختاره الله بعده

*لحمل الأمانات الثقال العظائم

ورثتم خليل الله كل خزانة

*وكل كتاب بالنبوة قائم

ومن شعره الذي قاله في نهاية حياته مما يدل على أنه تاب إلى الله، وأناب وأقلع عن الآثام، قصيدة له في إبليس يقول فيها:

أطعتك يا إبليس سبعين حِجةً

*فلما انتهى شيبي وتم تمامي

فررت إلى ربي وأيقنت أنني

*ملاقٍ لأيام المنون حِمامي

واللغويون يعدون شعر الفرزدق أحد مصادر اللغة، وقد دارت أشعارُه في كتب اللغة والنحو والتاريخ والأخبار، ومن أقوالهم في الثناء عليه: “ولولا شعرُه لذهب ثلث لغة العرب”.

العَلَمُ الثاني من أعلام الشعر في العصر الأموي: الأخطل:

والأخطل شاعر من تغلب، وُلِدَ لأب نصراني وأم نصرانية في بادية الحِيرة، حوالي سنة عشرين من الهجرة، وظل الأخطل نصرانيًّا فلم يدخل في الإسلام إلى أن مات، ومدح الأخطل الأمويين وكان يجيد فن المديح، كما كان يجيد الهجاءَ، ودارت بينه وبين جرير بعضُ النقائض، وكان جرير يأتيه من كونه نصرانيًّا.

ومن شعر الأخطل في مدح الأمويين قوله مُنوهًا بانتصار معاوية في صفين، ذاكرًا أن الله اختار بيت الأمويين للخلافة، يقول:

تمت جدودهم والله فضلهم

*وجد قوم سواهم خامل نكد

ويوم صفين والأبصار خاشعة

*أمدهم إذ دعوا من ربهم مدد

وأنتم أهل بيت لا يوازنهم

*بيت إذا عُدت الأحساب والعدد

وكان العصر الذهبي للأخطل هو عصر عبد الملك بن مروان، فقد نزَلَ منه منزلة الشاعر الرسمي للدولة، وآثَرَه عبد الملك على جميع معاصريه من الشعراء، وأمر أن يعلن بين الناس أن الأخطل هو شاعر بني أمية وشاعر أمير المؤمنين، وأشعاره تمتلئ بالدعوة السياسية للأمويين، وإشاعة أنهم أحق بالخلافة من غيرهم، وفي شعره كذلك هجاء لخصومهم من الزبيريين وغيرهم.

ومن أجود شعره في مديح الأمويين قوله:

حُشدٌ على الحق عياف الخنا أنفٌ

*إذا ألمت بهم مكروهة صبروا

وإن تدجت على الآفاق مُظلمة

*كان لهم مخرَج منها ومعتصَر

أعطاهم الله جَدًّا ينصرون به

*لا جد إلا صغير بعد محتقر

شمس العداوة حتى يستقادَ لهم

*وأعظم الناس أحلامًا إذا قدروا

ويمتاز شعر الأخطل برصانة الألفاظ وفخامتها وجزالتها، ومدائحه في عبد الملك بن مروان تعد درره الشعرية، وهو فيها يكثر من أن الله اصطفاه لأمته على شاكلةِ قولِه:

وَقَد جَعَلَ اللَهُ الخِلافَةَ فيكُمُ

*بِأَبيَضَ لا عاري الخِوانِ وَلا حَجبِ

ولكن رآه الله موضع حقها

*على رغم أعداء وصدادة كُذب

كُذب: جمع كذاب.

وللأخطل شعر يصف فيه الخمر ودِنانها ونداماها، ويطيل في ذلك ويكثر، فقد كان شغوفًا بالخمر شغفًا شديدًا، حتى إنه ذكر في حديث له مع عبد الملك أنها هي التي تمنعه من إعلان إسلامه، والله أعلم.

وفي أخباره وأشعاره ما يدل على انصياعه لدينه النصراني أحيانًا، فقد كان يتمسح بالقساوسة تبركًا، وكانوا إذا أنزلوا به عقابًا خضع له والتزم به.

وقد ظل يهاجي جريرًا إلى أن توفي سنة اثنتين وتسعين للهجرة.

أما جرير: فهو شاعر تميمي من عشيرة كليب اليربوعية، ولم يكن لآبائه ولا لعشيرته ما لآباء الفرزدق وعشيرته من المآثر والأمجاد، فقد عرفت عشيرته بأنها كانت ترعى الغنم والحمير، ومع أنه لم ينشأ في بيت مجد وكرم، فقد نشأ في بيت شعر، وظل الشعر يُتوارث في أبنائه من بعده، وأشعر أبنائه بلال بن جرير، وحفيده عمارة من الشعراء المشهورين في العصر العباسي.

والفن الذي لا يتقدم على جرير أحدٌ فيه هو فن الهجاء، فقد تهاجى مع الفرزدق ومع الأخطل فارسي فن النقائض معه، ولكنه تفوق عليهما، كما تفوق على غيرهما من الشعراء الذين اشتبكوا معه في الهجاء، وقد نقل عن الأصمعي قوله: إنه كان ينهشه ثلاثة وأربعون شاعرًا -أي: يتهاجون معه- فينبذهم وراء ظهره ويرمي بهم واحدًا واحدًا.

وفي موضع آخر يقول: إنه كان يهاجيه ثمانون شاعرًا غلبهم جميعًا، وكان يقول: إنهم يبدءونني ثم لا أعفو، وويل للعشيرة التي كانت تتعرض له، روى الرواة أن الفرزدق أتى مجلس بني الهجيم في مسجدهم فأنشدهم، وبلغ ذلك جريرًا، فأتاهم من الغد لينشدهم كما أنشدهم الفرزدق، فتعرض له شيخ منهم قائلًا له: اتق الله، فإن هذا المسجد بني لذكر الله والصلاة، فانصرف عنهم مغضبًا وهو يقول:

إن الهجيم قبيلة ملعونة

*حص اللحى متشابه الألوان

لو يسمعون بأكلة أو شربة

*بعمان أصبح جمعهم بعمان

متوركين بنيهم وبناتهم

*صعر الأنوف لريح كل دخان

وقد مدح جرير الأمويين، ومن مديحه فيهم قولُه عن الحجاج:

دعا الحجاج مثل دعاء نوح

*فأسمع ذا المعارج فاستجابا

صبرتَ النفس يا ابن أبي عقيل

*محافظة فكيف ترى الثوابا

ولو لم يرض ربك لم ينزل

*مع النصر الملائكة الغضابا

إذا سعر الخليفة نار حرب

*رأى الحجاج أثقبها شهابا

ومن شعره فيهم قوله في سليمان:

سليمان المبارك قد علمتم

*هو المهدي قد وضح السبيل

هجرت من المظالم كل نفس

*وأديت الذي عهد الرسول

صفت لك بيعة بثبات عهد

*فوزن العدل أصبح لا يميل

وتدعوك الأرامل واليتامى

*ومن أمسى وليس به حويل

ويدعوك المكلف بعد جهد

*وعان قد أضر به القبول

وواضح أنه يجيد المديح كما كان يجيد الهجاء، لكنه في الفخر يتخلف عن الفرزدق، وكان جرير رقيق النفس، ولذلك رق غزله، وجاد رثاؤه، وجاد مديحه أيضًا.

ومن أفضل رثائه: رثاؤه في زوجته، ومنه قوله:

لولا الحياء لعادني استعبار

*ولزرت قبرك والحبيب يزار

ولهت قلبي إذ علتني كبرة

*وذوو التمائم من بنيك صغار

ولقد أراك كسيت أجمل منظر

*ومع الجمال سكينة ووقار

صلى الملائكة الذين تخيروا

*والصالحون عليك والأبرار

ويمتاز شعر جرير بعزوبة كلمه وحلاوة نغمه، وأنه كان على درجة عالية من الصفاء والتهذيب، وقد جاءه ذلك من تأثره بالقرآن الكريم وأساليبه، ومن لِين نفسه ورقتها وحسن تدينه، فجاءت أشعاره لذلك صافية كأنها الجدول الرقراق، تلذ الأذن، وتلذ النفوس والأفئدة.

العلم الرابع من أعلام الشعر في العصر الأموي: كُثير عزة:

وهو كثير بن عبد الرحمن بن أبي جمعة، شاعر حجازي من خزاعة، كان ينزل المدينة كثيرًا، وكان كثير قميئًا -أي: قبيح الشكل- شديد القصر، وكان فيه حمق كثير، ولذلك كان الناس يسخرون منه ويهزءون به.

وعرف كثير بعشقه لعزة واسمه يقرن بها، وله فيها شعر رقيق وعفيف؛ إذ إنه كان من أصحاب الغزل العذري.  

ومن رائع شعر الغزل العذري قصيدته في عزة التي يقول فيها:

خليلي هذا ربع عزة فاعقلا

*قلوصيكما ثم ابكيا حيث حلَّت

وما كنت أدري قبل عزة ما البكا

*ولا موجعات القلب حتى تولت

فليت قلوصي عند عزة قيدت

*بحبل ضعيف بان منها فضلت

وأصبح في القوم المقيمين رحلها

*وكان لها باغ سواي فبلت

فقلت لها: يا عز كل مصيبة

*إذا وطنت يومًا لها النفس ذلت

أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة

*لدينا ولا مقلية إن تقلت

هنيئًا مريئًا غير داء مخامر

*لعزة من أعراضنا ما استحلت

تمنيتها حتى إذا ما رأيتها

*رأيت المنايا شرعًا قد أظلت

كأني أنادي صخرة حين أعرضت

*من الصم لو تمشي بها العصم ذلت

صفوحًا فما تلقاك إلا بخيلة

*فمن مل منها ذلك الوصل ملت

أصاب الردى مَن كان يهوى لك الردى

*وجن اللواتي قبل عزة جنت

وكان كثير شيعيًّا، وفي شعره يتحدث عن عقيدته وإيمانه بأن عليًّا وأبناءَه هم أحق الناس بالخلافة، وفي شعره كذلك تفجع وحزن على مُن قُتل من آل البيت، وفيه رثاء لعلي رضي الله  عنه   وللحسن والحسين وغيرهما من آل البيت الطاهرين، ومع ذلك فإنه كان يمدح الأمويين تقية؛ لأن الشيعة يؤمنون بمبدأ التقية، وهذا المبدأ معناه: “أَنْ يُظْهِرَ الْإِنْسَانُ خِلَافَ مَا يُبْطِنُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ”. وإذا كان مدحه للأمويين على هذا يمكن أن يكون غيرَ صادقٍ، فإن مدحه لعمر بن عبد العزيز لا نشك في صدِقه؛ لأن عمر بن عبد العزيز أتى من الفِعال ما يجبر خصومَه قبل أصدقائه على احترامه والإشادة به، ومن شعر كثير فيه قوله:

وليت فلم تشتم عليًّا ولم تخف

*بريًّا ولم تقبل إشارة مجرم

وصدقت بالفعل المقال مع الذي

*أتيت فأمسَى راضيًا كل مسلم

وقد لبست لبس الهلوك ثيابها

*تراءى لك الدنيا بكف ومِعصم

وتومض أحيانًا بعين مريضة

*وتبسم عن مثل الجُمان المنظم

فأعرضت عنها مشمئِزًّا كأنما

*سقتك مدوفًا من سمام وعَلْقم

تركت الذي يفنَى وإن كان مونقًا

*وآثرت ما يبقَى برأي مصمم

وأدررت بالفاني وشمرت للذي

*أمامَك في يوم من الهول مظلم

فهو يثني على عمر رضي الله  عنه  ، عمر بن عبد العزيز- بأنه لم يشتم عليًّا، وأنه نَهَى الناس أو الخطباءَ الذين كانوا يسبون عليًّا بأمر الأمويين عن ذلك، ويمدحه بأنه كان عادلًا، وأنه كان صادقًا، وأنه كان زاهدًا، مقبلًا على الله سبحانه وتعالى راغبًا فيما عنده.

العلم الخامس من أعلام الشعر الأموي، هو: جميل بن معمر:

وجميل بن معمر هو أشهر شعراء الغزل العذري في العصر الأموي، وأكثر شعره في التغني ببثينة معشوقته، وكانت بثينة إحدى بنات قبيلته، تحابَا صغيرين، وأصبحت ملهمتَه في شعره، فقد أحبها حبًّا انتهى به إلى الهُيام بها، وعرَفت ذلك فمنحته حبها وعطفها، وأخذت تلتقي به أحيانًا حينما شبَّا في غفلات من قومهما، ولما خشي أهلها مغبةَ هذا اللقاء، ضيقوا عليها الخناق، ولم يسمحوا لها بمقابلة جميل، واستبد حب بثينة بقلبه وأخلص في ذلك الحب.

ويذكر بعض الرواة: أن أول لقاء جمع بينهما وكان سببًا في حبهما، أن جميلًا كان يرعَى إبلًا له في بعض الأودية، فمرَّت بثينة بهذه الإبل، فهاجتها، فسبها جميل وسبته، وأثناء هذه المعركة ملأ كل منهما عينيه من صاحبه، ووقع حب كل منهما في قلب الآخر، وفي ذلك يقول جميل:

وأول ما قاد المودة بيننا

*بوادي بغيض يا بثين سباب

وقلت لها قولًا فجاءت بمثله

*لكل كلام يا بثين جواب

ومن شعره فيها قوله:

وأنت التي إن شئت كدرت عيشتي

*وإن شئت بعد الله أنعمت باليا

وأنت التي ما من صديق ولا عِدا

*يرى نِضو ما أبقيت إلا رثَى ليا

فإنك لو تجلين نحو تِهامة

*أو الركن من حوران أصبحت جاليا

وقد خفت أن يغتالني الموت بغتةً

*وفي النفس حاجات إليك كما هيا

وإني لتثنيني الحفيظة كلما

*لقيتك يومًا أن أبثك ما بيا

ألم تعلمي يا عذبة الماء أنني

*أظل إذا لم أُسق ماءك صاديا

ويمتاز شعر جميل بعمق العاطفة وصدقها وحرارتها، وبغلبة الهوى عليه، وتصويره لشقاء الحرمان من محبوبته، وشعره رقيق في ألفاظه، جميل في صوره، عَذْب في موسيقاه، وقد ظلت بثينة وفية لحبها جميلًا ويقول الرواة: إنها ظلت تبكيه إلى أن لَحِقت به، والله أعلم.

أما الوليد بن يزيد: فهو الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان، ولد سنة ثمانٍ وثمانين من الهجرة، فتفتحت عينه على النعيم وعلى الترف، بل على اللهو والمجون؛ إذ كان أبوه كلفًا بالخمر والغناء حتى في خلافته، ونشأ الوليد هذه النشأة الناعمة المترفة الماجنة، فأثَّرت في سلوكه، وأثرت كذلك في شعره، وكان أكثر شعره في وصف الخمر، وله أشعار في الغزل والحب، ولكنها دون أشعار الخمر في الإبداع والروعة.

ويقول الدكتور شوقي ضيف: ويظهر أنه ثقف كل ما نظم فيها -أي: في الخمر- قديمًا، وقد مضى ينميه ويضيف إليه من مواهبه ومشاعره وملكاته، ما أتاح لفن الخمريات أن يأخذ طريقه إلى الظهور؛ إذ لم تعد أشعار الخمر عنده توضع في ثنايا قصيدة، أو في مقدمتها، كما كان الشأن عند سابقيه، بل أصبحت تنظم في مقطوعات لها وحدتها الموضوعية والمعنوية، تنبض بالحياة وتخفق بالجذل والسرور لسبب طبيعي، هو أن ناظمها عاشق للخمر، وهو ينظمها في غمرة عشقه، وكأنما تفجر له ينابيع الفرح تفجيرًا.

ومما أورده له الدكتور شوقي ضيف في ترجمته له هذه الأبيات التي يظهر فيها ولعه بالخمر، وفرحه بها، وتبدو فيها قدرته على وصفها وصفًا معبرًا مصورًا، يقول:

اصدع نجي الهموم بالطرب

*وانعم على الدهر بابنة العنب

واستقبل العيش في غضارته

*لا تقف منه آثار معتقب

من قهوة زانها تقادمها

*فهي عجوز تعلو على الحِقب

والقهوة: المراد بها الخمر؛ لأنها اسم من أسمائها، وقوله: “هي عجوز” يقول عن الخمر: إنها قديمة معتقة، وذلك أدَعَى إلى أن تكون أجودَ، ثم يقول عنها:

أشهى إلى الشرب……..

*…. …. …. ….

والشرب: هم الشاربون.

أشهى إلى الشرب يوم جلوتها

*من الفتاة الكريمة النسب

فقد تجلت ورق جوهرها

*حتى تبدت في منظر عجب

كأنها في زجاجها قَبس

*تزكو ضياء في عين مرتقب

ومن عره في الخمر أيضًا قوله:

عـللاني واسقياني

* من شراب أصبهاني

 من شراب الشيخ كسرى

*أو شراب القيرواني

إن في الكأس لمسكًا

*أو بكفي مَن سقاني

أو لقد غودر فيها

*حين صبت في الدناني

كللاني توجاني

* وبشعري غنياني

إنما الكأس ربيع

*يتعاطى بالبناني

وحمي الكأس دبت

*بين رجلي ولساني

وواضح جدًّا ما تتسم به هذه الأشعار من رقة في الصياغة، وسلاسة وسهولة في الألفاظ، وعزوبة في الموسيقى، كما تتسم هذه الأشعار بالتناسب والتناسق، والتفاعل الكامل بين المعاني والألفاظ، بل بين المعاني والإيقاعات؛ إذ إن هذا الشاعر كان عازفًا يجيد اللعبَ على أوتار العود، والتوقيعَ على الطبول والدفوف، وقد أثر ذلك في موسيقى شعره.

error: النص محمي !!