Top
Image Alt

أغراض التشبيه

  /  أغراض التشبيه

أغراض التشبيه

أي: الأسباب والدواعي التي تحمل الأديب على عقد التشبيه، أو بمعنى آخر: الغاية التي يرمي إليها البليغ بتشبيهه، ويقصد إلى تحقيقها، أو الفائدة التي يريد المتكلم أن يوصلها إلى السامع باستخدام الأسلوب التشبيهي. هذه الأغراض منها ما يعود إلى المشبه، ومنها ما يعود إلى المشبه به.

أ. الأغراض التي تعود على المشبه:

أولًا: بيان إمكان وجوده:

وذلك عندما يكون المشبه من الأمور الغريبة التي يستبعد حصولها، ويدعى استحالتها، كما جاء مثلًا في قول المتنبي:

فإن تفق الأنام وأنت منهم

*فإن المسك بعض دم الغزال

فهنا يدعي المتنبي أن ممدوحه قد تناهى في الصفات الفاضلة إلى حد صار به جنسًا منفردًا بذاته أشرف من جنس الإنسان، وهو في الواقع منهم، وهذه دعوى بعيدة غريبة، تحتاج إلى بيان إمكانها، وإثبات أن لها نظيرًا في الموجودات الثابتة؛ ولذا قال: “فإن المسك بعض دم الغزال”.

وعلى الرغم من أنه من جنس الدماء -أي: المسك- إلا أنه تناهى في الصفات الشريفة إلى حد يُتوهم لأجله أنه نوع آخر غير الدم؛ لتفوقه بشرف رائحته، والتشبيه كما هو ملاحظ في البيت ضمني، المشبه حال الممدوح في تفوقه على أهل زمانه تفوقًا صار به كأنه جنس منفصل عنهم، شبه به حال المسك في تفوقه بشرف رائحته على الدماء حتى صار كأنه جنس آخر، ووجه الشبه خروج بعض أفراد الجنس بفضائله عن جنسه مع ملاحظة الأصل في بقائه داخل الجنس بالانتساب إليه، والغرض من التشبيه -كما علمنا- هو بيان إمكان المشبه بإثبات نظير له، كما هو واضح في البيت، يدخل في هذا الغرض ما جاء في قول البحتري:

دانٍ على أيدي العفاة وشاسع

*عن كل ندٍّ في الندى وضريب

كالبدر أفرط في العلو وضوءه

*للعصبة السارين جد قريب

فهنا يصف الشاعر الممدوح بصفتين متناقضتين في الظاهر، وهما الدنو والعلو، ثم زال هذا التناقض الظاهري بالمشبه به الذي بيَّن أنه لما ادعاه الشاعر نظيرًا في الوجود، كذلك قول ابن الرومي يقول:

قالوا أبو الصقر من شيبان قلت لهم

*كلا لعمري ولكن منه شيبان

كم من أب قد علا بابن ذُرا شرف

*كما علا برسول الله عدنان

فالمشبه أبو الصقر، وقد شرفت به قبيلته، وتلك دعوى غريبة؛ لأن العادة أن يشرف الفرع بالأصل، دائمًا الإنسان يشرف بأبيه وبأجداده، لا العكس، لكن المشبه به وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شرفت به عدنان أي: العرب قاطبة، قد أزال هذه الغرابة؛ إذ بين أن لما ضرب به المثل نظيرًا في الوجود.

ثانيًا: بيان حال المشبه:

معنى إيضاح صفته، وذلك إذا كانت صفة المشبه مجهولة، وحاله غير معلومة للمخاطب؛ فيقصد المتكلم إلى بيان هذه الصفة، وإلى إيضاح تلك الحالة عن طريق شبه به قد وضحت فيه هذه الصفة الغريبة، وذلك بغرض إزالة هذه الغرابة؛ نأخذ من ذلك مثلًا قول الأعشى حين يقول:

كأن مشيتها من بيت جارتها

*مر السحابة لا ريث ولا عجل

فهنا شبه مشية المرأة من بيت الجارة حين تزورها حاملة لها ما جادت به نفسها، بمرور السحابة التي تحمل المطر، والغرض من ذلك هو بيان حال المشبه، كذلك مما يدخل في هذا الغرض ما جاء في قول شاعر آخر:

كأن سهيلًا والنجوم وراءه

*صفوف صلاة قام فيها إمامها

فهنا يشبه هيئة سهيل، وقد تقدم النجوم بهيئة الإمام يتقدم الصفوف في الصلاة، والغرض هو بيان حال المشبه، وإبراز هيئته.

ومن ذلك أيضًا تشبيه الشعر بالليل في السواد، والوجه بالبدر في الإشراق، والخد بالورد في الحمرة، فكل هذه التشبيهات أفادت المخاطب، لون الشعر، وإشراق الوجه، وحمرة الخد؛ فاتضح لديه حال المشبه، وبانت عنده صفة هذا المشبه.

ثالثًا: بيان مقدار الحال:

وذلك إذا كانت صفته معلومة للمخاطب، والمجهول هو المقدار في القوة والضعف أو الزيادة والنقصان، فنرى مثلًا في قولنا سواد هذا الشعر كسواد الليل، وحمرة هذا الخد كحمرة الورد؛ فالمخاطب يدرك من التشبيه هنا مقدار السواد والحمرة، لا نفس الصفة، ومنه قول الحسن بن وهب:

مداد مثل خافية الغراب

*وأقلام كمرهفة الحداد

فمرهفة الحداد يعني: الدقيق القاطع من السيوف، فسواد المداد معلوم، والتشبيه أفاد درجة أو مقدار شدته، ورهافة الأقلام معروفة، والتشبيه أفاد عظم دقتها، من ذلك أيضًا قول شاعر:

فأصبحت من ليل الغداة كقابض

*على الماء خانته فروج الأصابع

فقد أفاد التشبيه مقدار حاله في علاقته بحبيبته، وأنه بلغ أقصى غاية في الحرمان وخيبة الأمل.

رابعًا: تأكيد حال المشبه وتقريرها في نفس السامع:

وذلك إذا كان كل من الحال ومقدارها معلومين، وأريد بالتشبيه تأكيد اتصاف المشبه بالصفة، كتشبيه من لا يحصل من سعيه مثلًا على طائل بالراقم على الماء، وبالقابض عليه، وتشبيه الحائر الذي يتخبط في أمره بالتائه في صحراء مظلمة، ومن ذلك قوله تعالى: {وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنّهُ ظُلّةٌ} [الأعراف: 171].

فهنا بيَّن التشبيه في الآية ما لم تجرِ به العادة، وهو رفع جبل الطور فوق رءوس اليهود بما جرت به العادة، وهو الغمامة، أو المظلة، وذلك لتأكيد وتقرير هذا الأمر الحاصل. ففي هذه الأمثلة التي سبق أن ذكرناها نجد أن المقدار والحال معلومين، ولكن المراد هو تأكيد اتصاف المشبه بالصفة.

خامسا: تزيين المشبه وتجميله:

وذلك إذا كان المراد مدح المشبه، والترغيب فيه كقول النابغة مثلًا مادحًا:

فإنك شمس والنجوم كواكب

*إذا طلعت لم يبد منهن كوكب

وقول الآخر يصف جارية سوداء:

أكسبها الحب أنها صبغت

*صبغة حب القلوب والحدق

فهنا أبرز التشبيه في البيتين تزيين المشبه للترغيب فيه؛ إذ المراد بحبة القلب، هي سويداء القلب، وبالحدق ما يكون في العين من أداة للبصر، فهنا أبرز التشبه في البيتين تزيين المشبه للترغيب فيه.

سادسًا: تشويه المشبه وتقبيحه:

وذلك عند إرادة الذم والتنفير منه كقول الشاعر:

وإذا أشار محدثًا فكأنه

*قرد يقهقه أو عجوز تلطم

هنا نجد أن هذه التشبيهات قد أبرزت المشبه في صورة مشوهة قبيحة، قد أشار ابن الرومي إلى الغرضين السابقين التزيين والتقبيح بقوله:

تقول هذا مجاج النحل تمدحه

*وإن تَعِبْ قلت ذا قيء الزنابير

عند إرادة تزيين الريق وتجميله تصفه بمجاج النحل، وعند إرادة التقبيح والتنفير منه تشبهه بقيء الزنبور.

سابعًا: إثارة الشعور باستحسان المشبه واستطرافه:

ذلك بأن يكون المشبه به مما يندر خطوره بالبال؛ لكونه لا وجود له في الواقع، أو للبعد بين المشبه المشبه به في الجنس، فيظهر المشبه عندئذٍ في صورة الشيء العجيب الذي يثير في النفس كوامن الاستحسان والإعجاب.

من ذلك تشبيه فحم فيه جمر متقد ببحر من المسك موجه الذهب، وتشبيه محمر الشقيق بأعلام من ياقوت منشورة على رماح من زبرجد، وتشبيه النجوم في أديم السماء بدرر نثرن على بساط أزرق؛ ففي هذه التشبيهات نجد المشبه به من المركبات الخيالية التي يندر خطورها بالذهن؛ ولذا برز المشبه في صورة عجيبة ممتنعة تثير في النفس كوامن الاستحسان، والإعجاب، والاستطراف.

ومن التشبيهات التي جمع فيها الشاعر بين طرفين متباعدين في الجنس، فأثار بهذا الجمع استحسان النفس واستطرافها تشبيه الثريا بعنقود العنب المنور، وتشبيه البرق بمصحف القارئ، وتشبيه الفرس بجلمود الصخر، فمجيء المشبه به في هذه التشبيهات من جنس بعيد عن جنس المشبه يجعل حضور المشبه به، وخطوره بالبال نادرًا عند حضور المشبه فيه.

الأمر الذي يحتاج من الأديب إلى إطالة النظر ليجمع بين الطرفين المتباعدين، ومن هنا كان استحسان بيت على بيت، وكان استطراف بيت على بيت.

ب. أغراض تعود على المشبه به:

من ذلك التشبيه المقلوب الذي يُجعل فيه ما هو الأصل في وجه الشبه مشبهًا، وما هو الفرع مشبهًا به، فهو يقوم أساسًا على الفرد والتخييل والادعاء، بجعل ما هو فرع في وجه الشبه أصلًا فيه، وما هو أصل فرعًا؛ قصدًا إلى المبالغة في ثبوت وجه الشبه للفرع الذي صار أصلًا، ولذا فإن الغرض العائد على المشبه به في التشبيه المقلوب هو في الواقع عائد على المشبه؛ لأن المشبه به كان في الأصل مشبهًا قبل أن يُقلب التشبيه، وبالمثال يتضح المقال، ففي قول ابن وهيب في مدح الخليفة المأمون:

وبدا الصباح كأن غرته

*وجه الخليفة حين يمتدح

نرى أنه جعل ما هو أصل في الضياء -وهو الصباح- مشبهًا، وما هو فرع فيه -وهو وجه الخليفة- مشبهًا به؛ قصدًا إلى المبالغة في إعلاء شأن المأمون، وتأكيد مدحه بإشراق الوجه، نجد ذلك أيضًا في قول البحتري:

في طلعة البدر شيء من محاسنها

*وللقضيب نصيب من تثنيها

فقد جعل أيضًا ما هو الأصل في وجه الشبه -وهو طلعة البدر والقضيب- مشبهًا، وما هو الفرع فيه -وهو محاسن الفتاة وتثنيها- مشبهًا به؛ بهدف المبالغة في إثبات الوجه للمشبه به وهي الفتاة، ثم ازدادت هذه المبالغة بشيء خارج عن إفادة التشبيه وهو جعل لما في البدر، وما في القضيب شيئًا قليلًا، ونذرًا يسيرًا مما يوجد في الفتاة، شيء من محاسنها نصيب من تثنيها.

ومنه قول الله عز وجل: {إِنّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرّبَا} [البقرة: 275] والأصل أن يقال مثلًا: إن الربا مثل البيع؛ لأن الذي هو محل النزاع هو الربا، لكن هنا جعل الربا مشبهًا به وجعل البيع مشبهًا، فجعل مستحلُّو الربا البيع فرعًا في الإباحة والحل، والربا أصلًا فيهما، وذلك قصدًا إلى المبالغة في إثبات إباحة الربا، واستجابة لأطماع نفوسهم، وشدة حرصهم على جمع المال من أي طريق كان.

ونعلم تلك الصورة التشبيهية البشعة التي رسمها القرآن للذين يأكلون الربا، وأن الله سبحانه شبههم بأمثال الذين يقومون كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، نجد هذا أيضًا في قول الله تعالى: {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاّ يَخْلُقُ} [النحل: 17] فقد جعلهم الله لتماديهم في عبادة غير الله، وتسميتهم لهذه المعبودات آلهة، بمنزلة من يعتقد أن من لا يخلق أحق بالعبادة ممن يخلق، ولذلك جعل من لا يخلق أصلًا في استحقاق العبادة فشُبه به، فكان الأصل أن يقال: أفمن لا يخلق كمن يخلق، لكن جعل من يخلق فرعًا مشبهًا عن طريق التشبيه المقلوب؛ مبالغة في تصوير جهلهم، وتماديهم في الشرك، وكان الأصل أن يُنكر عليهم جعلهم غير الخالق شبيهًا بالخالق في استحقاق العبادة.

ففي كل هذه الأمثلة نرى أن الغرض من التشبيه عائد على المشبه به، والهدف من ذلك هو المبالغة في اتصاف المشبه به بوجه الشبه، وإيهام أن الوجه في المشبه به أشهر وأقوى منه في المشبه.

من هذه الأغراض التي يعود الغرض فيها على المشبه به: بيان شدة الحاجة إلى المشبه به كتشبيه الجائع مثلًا البدر في إشراقه واستدارته بالرغيف؛ لأنه يحلم بهذا الرغيف، وتشبيهه المسك في طيب رائحته بالشواء، وذلك تنبيهًا إلى شدة حاجته للرغيف والشواء، ويُسمى هذا الغرض بإظهار المطلوب، وهو لا يحسن إلا في مقام الطمع في حصول الشيء الذي جُعل مشبهًا به.

عندما نقارن في المبالغة بين قولنا مثلًا: لا أدري أوجهه أنور أم الصبح، وغرته أضوأ أم البدر؟! ونحو ذلك مما يفيد المساواة في الإشراق والإضاءة بين الطرفين؛ حتى أصبح من الصعب التفريق بينهما بالزيادة أو النقصان، وبين قولنا مثلًا: نور الصباح يخفى في ضوء جبينه، ونور الشمس مسروق من نور وجهه، ونحو ذلك مما يفيد أن نور الوجه والجبين تجاوز في الإضاءة والإشراق نور الصباح، وتجاوز كذلك نور الشمس، ونقارن بين هاتين الحالتين وبين المبالغة مثلًا في بيت ابن وهيب:

وبدا الصباح كأن غرته

*وجه الخليفة حين يمتدح

نجد أن المبالغة في البيت قد فاقت المبالغة في الأساليب التي سبقت هذا البيت، وذلك أنه في المثالين الأولين، وهما قولهم: لا أدري أوجهه أنور أم الصبح، وغرته أضوأ أم البدر، ونحو ذلك، وقفت المبالغة عند حد المساواة بين وجه الممدوح والصبح، وبين غرته والبدر في الإشراق والإضاءة؛ فلم يصلا إلى مرتبة التشبيه في البيت الذي أفاد أصالة وجه الخليفة في الإشراق، وجعل نور الصباح مقيسًا عليه.

وفي القولين الأخيرين وهما قولنا مثلًا: نور الصباح يخفى في ضوء جبينه، ونور الشمس مسروق من نور وجهه، ونحو ذلك، جاءت المبالغة على نفس القدر الذي جاءت عليه في البيت مع فارق دقيق، هو أن المبالغة في المثالين مبالغة صريحة مكشوفة ليست مبنية على أصل مسلَّم في عقول الناس؛ لأنها سُبقت بأسلوب الخبر العام المتعرض للصدق والكذب.

أما المبالغة في البيت فهي مبالغة مستترة خفية؛ حيث بنيت على أصل ثابت في عقول الناس، وهو أن المشبه به في كل تشبيه أصل في وجه الشبه، والمشبه مقيس عليه، وتجرنا هذه المقارنة والموازنة إلى الحديث عن التشابه، فهل هناك فرق بين التشبيه والتشابه؟

نعم، ومثاله قول أبي إسحاق الصابي:

تشابه دمعي إذ جرى ومدامتي

*فمن مثل ما في الكأس عينيَ تسكب

فو الله ما أدري أبالخمر أسبلت

*جفونيَ أم من عبرتي كنت أشرب

أراد أن الدمع والمدامة تساويا في الحمرة، أو في الصفاء مساواة جعلته لا يستطيع أن يميز بينهما، ولذا عدل عن التشبيه واستخدم صيغة التشابه، وقد أكد هذه المساواة بالبيت التالي الذي أفاد وقوعه في الحيرة وعدم التمييز بين الدمع المسكوب والخمر المشروب.

ومما يفيد التشابه أيضًا قول صاحب بن عباد في الخمر:

رق الزجاج وراقت الخمر

*فتشابها فتشاكل الأمر

فكأنما خمر ولا قدح

*وكأنما قدح ولا خمر

فهنا ادَّعى المساواة بين الخمر والكأس في الصفاء، فعدل عن التشبيه إلى التشابه، ثم أكَّد هذه المساواة بالبيت الثاني الذي أفاد أنهما أشكلا عليه؛ فلم يستطع أن يميز أحدهما عن الآخر، فالأصل إذن عند إرادة التساوي بين الطرفين استخدام كلمة تشابه، وهذا هو الأفضل والأحسن، لكن يجوز عند إرادة التساوي بين الطرفين في الصفة استخدام صيغة التشبيه كتشبيه غرة الفرس مثلًا بالصبح؛ لقصد المساواة بينهما أيضًا في وجه الشبه، وهو ظهور شيء منير في شيء مظلم، وكتشبيه الصبح بغرة الفرس دون أن نعدّ ذلك من التشبيه المقلوب الذي يقتضي زيادة المبالغة، وكتشبيهه للشمس أيضًا بالمرآة المجلوة، والمرآة المجلوة بالشمس لمجرد اجتماعهما في الاستدارة والتلألؤ، دون نظر إلى ما بين نور الشمس ونور المرآة من تفاوت، ومنه تشبيه الشمس بالدينار الخارج من السكة في قول ابن المعتز:

وكأن الشمس المنيرة دينا

*رٌ جلته حدائد الضراب

وحدائد الضراب: هي الآلات التي تصكُّ بها العملة، فهنا نجد تشبيه الدينار بالشمس دون نظر إلى ما بينهما من تفاوت في الحجم ومقدار التلألؤ. ومن ذلك أيضًا تشبيه ظهور ضوء الصبح بين ظلام الليل بشيء أبيض على ديباج أسود في قول ابن المعتز:

والليل كالحلة السوداء لاح به

*من الصباح طراز غير مرقوم

فقد نظر إلى مجرد حصول بياض في سواد أكثر منه، ولم ينظر إلى التفاوت بين مقدار البياض في الصبح ومقداره في العلم الأبيض، وربما سأل سائل إذا كان الطرفان متساويين في وجه الشبه بغض النظر عما بينهما من زيادة أو نقصان، فما الذي اقتضى جعل غرة الفرس مثلًا مشبهًا، والصبح مشبهًا به، ثم العكس، أو جعل الشمس مشبهًا والمرآة مشبهًا به، ثم قلب التشبيه ما دامت المبالغة بالقلب غير مقصودة.

الجواب عن ذلك: أن الذي اقتضى ذلك ليس ملاحظة ما بين الطرفين من زيادة أو نقصان، وإنما ملاحظة أخرى ترجع إلى مقام الكلام، ومدار الحديث، فإذا كان الحديث يدور حول الفرس جعلت غرته مشبهًا، وإذا كان يدور حول الصباح جعل هو المشبه؛ لأن الحديث عنه والغرض من التشبيه متوجه إليه.

وكذا القول في الشمس والمرآة، أو الشمس والدينار كان الحديث يدور حول الشمس قدمت وجعلت هي المشبه؛ لأن العناية منصبَّة عليها، والحديث إنما هو عنها، دار الحديث حول الدينار، حول المرآة قُدِّم ما يدور حوله الحديث وجعل مشبهًا؛ لأنه موضع الاهتمام، والغرض من التشبيه متوجه إليه.

ونستطيع أن نخلص من كل ما ذكرنا إلى أن الغرض من التشبيه ركن من أركان التشبيه، وأن منه ما يكون الغرض عائدًا على المشبه مثل: إمكان وجوده، أو بيان حال المشبه بمعنى إيضاح صفته، وذلك إذا كانت صفة المشبه مجهولة، وحاله غير معلومة للمخاطب، أو بيان مقدار الحال، وذلك إذا كانت صفته معلومة للمخاطب، والمجهول مقدارها من القوة والضعف، أو الزيادة والنقصان، أو تأكيد حال المشبه وتقريرها في نفس السامع، أو تزيين المشبه وتجميله، أو تشويه المشبه وتقبيحه، أو إثارة الشعور باستحسان المشبه واستطرافه، فكل هذه أغراض تعود على المشبه.

وهناك أيضًا أغراض تعود على المشبه به وذلك -كما قلنا- يغلب في التشبيه المقلوب، وهو الذي يجعل فيه ما هو الأصل في وجه الشبه مشبهًا، وما هو الفرع مشبهًا به، والمثال واضح على ذلك قول الشاعر الذي سبق أن ذكرناه:

وغدا الصباح كأن غرته

*وجه الخليفة حين يمتدح

وقلنا: إن الغرض من ذلك هو المبالغة في اتصاف المشبه به بوجه الشبه، وإيهام أن الوجه في المشبه به أشهر وأقوى منه في المشبه، وكذلك يكون الغرض العائد على المشبه به في حال ما إذا كان المراد بيان شدة الحاجة إلى المشبه به، كما قلنا: تشبيه الجائع البدر مثلًا في إشراقه استدارته بالرغيف، رغم أن الأصل أن يُشبه الرغيف بالبدر، لكنه عكس؛ لأن حاجته ماسَّة إلى الرغيف فجعله مشبهًا به.

كذلك مما خلصنا إليه: أن هناك فرقا بين التشبيه والتشابه، وأن التشابه إنما يُراد به التساوي بين الطرفين في الصفة بخلاف التشبيه الذي يُلحق دائمًا فيه الأدنى بالأعلى.  ومن الأمور التي نخلص إليها: أن التشبيه باعتبار الغرض ينقسم إلى قسمين: فهناك تشبيه حسن مقبول، وتشبيه قبيح مردود:

الحسن المقبول: ما كان محققًا للغرض الذي عُقد التشبيه من أجله، وافيًا به بأن يكون وجه الشبه أشهر وأعرف في المشبه به، وذلك في كل غرض من أغراضه، وأتم وأكمل إذا أُريد تأكيد الصفة وتقريرها في المشبه، كتشبيه السفن بالجبال، والرجل الضخم بالفيل، وإذا كان الغرض بيان المقدار فيجب أن يكون الوجه على درجة واحدة في الطرفين، كان الهدف بيان الإمكان؛ وجب أن يكون وجه الشبه مسلمًا به في المشبه به، حاصلًا فيه معترفًا به من المخاطب، وإذا كان الغرض من التشبيه عائدًا على المشبه به؛ فإن صفتي الوضوح والكمال تكونان أكثر في المشبه به على طريق التخييل والادعاء، إلى آخر ما وقفنا عليه من حديثنا عن أغراض التشبيه.

التشبيه القبيح المردود: فهو ما أخلَّ بالغرض المقصود من التشبيه ولم يفِ به، إما لعدم وجود شبه بين الطرفين، أو لكون الوجه بعيدًا، أو غير واضح في المشبه به، وإما كذلك لتنافي التشبيه مع الذوق السليم، ومجافاته للطبع القويم، وقد سبق أن ذكرنا أنه قد عيب على الشاعر قوله:

غيري جنى وأنا المعاقب فيكم

*فكأنني سبابة المتندم

ومن هذه التشبيهات المعيبة، وغير المقبولة ما قاله آخر:

كأن شقائق النعمان فيه

*ثياب قد روين من الدماء

فالتشبيه مصيب، وهو أن يشبه شقائق النعمان بالثياب، والوجه محقق، لكن العيب أتاه من بشاعة ذكر الدماء، وهو بصدد وصف زهر جميل في روض أنيق، فهذا أمر لا يليق، ومن ثَمَّ كان تشبيهًا مردودًا ومعيبًا وغير مقبول، ولا نريد أن نطيل كثيرًا في هذه التشبيهات المعيبة غير المصيبة، لكن يهمنا أن نذكر ما كان منها حسنًا مصيبًا مقبولًا.

ويأتي ضمن هذه التشبيهات الحسنة المحققة للغرض ما يُسمى بالتشبيه الضمني، وهو التشبيه الذي يُفهم من المعنى ويتضمنه سياق الكلام، والفرق بينه وبين التشبيه الصريح، أن التشبيه الصريح يوضع فيه المشبه والمشبه به في صورة من صور التشبيه المعروفة، أما التشبيه الضمني فيُلمح فيه الطرفان من المعنى، ولا تُبنى جملته على إحدى صور التشبيه التي عرفناها، وغالبًا ما يكون المشبه به في التشبيه الضمني برهانًا وتعليلًا للمشبه، مثلًا قول أبي تمام:

لا تنكري عطل الكريم من الغنى

*فالسيل حرب للمكان العالي

وقد شبه الشاعر هنا حال الرجل الكريم المحروم من الغنى بقمم الجبال لا يستقر عليها ماء السيل، ولم يأتِ التشبيه صريحًا في صورة من صور التشبيه، بل جاء ضمنيًّا مفهومًا من معنى الكلام، وقد وقع فيه المشبه به تعليلًا للمشبه. نرى ذلك أيضًا في قول شاعر آخر هو أبو الطيب المتنبي:

من يهن يسهل الهوان عليه

*ما لجرح بميت إيلام

فقد شبه حال من اعتاد الهوان فسهل عليه تحمله بحال الميت، لا يتألم إذا جُرح، وقد فهم التشبيه من المعنى، فهو إذن تشبيه ضمني، وجاء معبرًا عن معنى دقيق لا بد أن يكون محل اعتبار، من ذلك أيضًا ما جاء في قول المتنبي:

لم تلق هذا الوجه شمس نهارنا

*إلا بوجه ليس فيه حياء

ومنه كذلك قول أبي نواس:

إن السحاب لتستحيي إذا نظرتْ

*إلى نداك فقاسته بما فيها

ومثل ذلك كثير، وكله يأتي ضمن ما يُسمى بالتشبيه الضمني، وهو التشبيه الذي يفهم من المعنى ويتضمنه سياق الكلام، وهو عادة ما يكون حسنًا مقبولًا.

error: النص محمي !!