Top
Image Alt

أفكار ومعتقدات الأشاعرة وجذورهم الفكرية

  /  أفكار ومعتقدات الأشاعرة وجذورهم الفكرية

أفكار ومعتقدات الأشاعرة وجذورهم الفكرية

سأذكر هنا أيضًا أهم معتقدات الأشاعرة، والأفكار التي يدينون بها، وعندما أتكلم عن الأشاعرة هنا، لن أتكلم عن الإمام أبي الحسن الأشعري كرجل رجع إلى مذهب السلف، ولكني سأتكلم على مذهب الأشاعرة الذين انتسبوا إلى الإمام أبي الحسن الأشعري، وبقوا على الطور الثاني الذي كان فيه الأشعري، ولذلك أقول: بأن مصدر التلقي عند الأشاعرة اليوم هو الكتاب والسنة، ولكن على مقتضى قواعد علم الكلام، ولذلك فإنهم يقدمون العقل على النقل عند التعارض.

وقد صرح بذلك الرازي -رحمه الله- في القانون الكلي للمذهب في كتابه (أساس التقديس)، وكذلك صرح بهذا الآمدي وابن فُورَك وغيرهم، وكانوا أيضًا لا يأخذون بأحاديث الآحاد في العقيدة؛ لأنها عندهم لا تفيد العلم اليقيني، ومع كل ذلك فإن أهل السنة والجماعة كانوا يأخذون بأحاديث الآحاد في مسائل الاعتقاد، ويرون أن الحديث إذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم وجب الأخذ به، ووجب العمل به.

وقد كان السلف الصالح من أصحاب القرون المفضلة، ومن سار على نهجهم يقبلون الحديث الآحاد ويعملون به، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يرسل الرسل فرادى لتبليغ الإسلام، كما أرسل معاذًا إلى أهل اليمن، وأيضًا تحويل القبلة ورد من طريق واحد، وعمل به الصحابة، إلى غير ذلك من الأدلة.

إلى جانب أن بعض أئمة المذهب الأشعري، قد سلك منهج المتصوفة، كالغزالي -رحمه الله- وقد سلك منهج المتصوفة في مصدر التلقي، فقدم ما يعرف بالكشف والذوق -عند الصوفية- على النص، ومعظمهم كان يؤول النص ليوافق الكشف والذوق، وكانوا يطلقون على هذا: العلم اللدني، جريًا على قاعدة الصوفية: حدثني قلبي عن ربي.

وقد قسم الأشاعرة أصول العقيدة بحسب مصدر التلقي إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: قسم مصدره العقل وحده، وهو معظم الأبواب، ومنه باب الصفات، ولهذا يسمون الصفات التي تُثْبَتُ بالعقل عندهم عقلية، وهذا القسم يحكم العقل بوجوبه دون توقف على الوحي، يعني أن الأمر فيه يرجع إلى العقل فحسب، أما ما عدا ذلك من صفات خبرية دل عليها الكتاب والسنة، فإنهم يؤولونها، والأشعري -رحمه الله- في طوره الأخير لم يكن كذلك، بل كان يثبت جميع الصفات لله -تبارك وتعالى.

القسم الثاني: قسم مصدره العقل والنقل معًا، وذلك كالرؤية مثلًا على خلاف بينهم فيها.

القسم الثالث: قسم مصدره النقل وحده، وهو السمعيات ذات المغيبات من أمور الآخرة، كعذاب القبر والصراط والميزان، وهو مما لا يحكم العقل باستحالته.

والحاصل: أنهم في صفات الله جعلوا العقل حاكمًا، وفي إثبات الآخرة جعلوا العقل عاطلًا، وفي الرؤية جعلوه مساويًا.

أما مذهب أهل السنة والجماعة؛ فلا منافاة بين العقل والنقل أصلًا، ولا تقديم للعقل في جانب وإهماله في جانب آخر، وإنما يُبدأ بتقديم النقل على العقل، إلى جانب أن الأشاعرة الذين جاءوا بعد الإمام أبي الحسن الأشعري، وسلكوا المذهب الكلامي، لم يذهبوا في إثبات وجود الله مذهب السلف، وإنما وافقوا الفلاسفة والمتكلمين، في الاستدلال على وجود الله تعالى بقولهم: إن الكون حادث، ولا بد له من محدث قديم، وأخص صفات القديم مخالفته للحوادث وعدم حلوله فيها.

ومن مخالفته للحوادث إثبات أنه ليس بجوهر ولا جسم، ولا في جهة ولا في مكان، وقد رتبوا على ذلك من الأصول الفاسدة ما لا يدخل تحت حصر، وذلك كإنكارهم لصفات الرضا والغضب والاستواء وغير ذلك.

إلى جانب أن التوحيد عند الأشاعرة، هو نفي التثنية والتعدد بالذات، ونفي التبعيض والتركيب والتجزئة، أي: نفي الكمية المتصلة والمنفصلة، وفي ذلك يقولون: إن الله واحد في ذاته لا قسيم له، وأحد واحد في صفاته لا شبيه له، واحد في أفعاله لا شريك له، ولذلك فسروا الإله بأنه الخالق أو القادر على الاختراع.

وفي هذا مخالفة كبيرة لمفهوم التوحيد عند أهل السنة والجماعة؛ ذلك أن أهل السنة والجماعة يفرقون تفريقًا دقيقًا بين توحيد الربوبية، الذي آمن به المشركون، وبين توحيد العبادة أو توحيد الألوهية، الذي يدخل به العبد في الإسلام.

فمعنى توحيد الربوبية: لا خالق ولا رازق إلا الله، أما معنى توحيد الألوهية فهو لا معبود بحق إلا الله -تبارك وتعالى.

أيضًا الأشاعرة يعتقدون أن أول واجب على المكلفين هو عبادة الله عز وجل وحده لا شريك له، وهو توحيد الألوهية، بدليل الكتاب والسنة النبوية، ويعتقد الأشاعرة تأويل الصفات الخبرية، كالوجه واليدين وسائر الصفات الخبرية الثابتة لرب العالمين سبحانه وتعالى في كتابه، وأثبتها النبي صلى الله عليه وسلم لربه.

وقد ذهب المتأخرون منهم إلى تفويض معانيها إلى الله تعالى، على أن ذلك واجب يقتضيه التنزيه، ولم يقتصروا على تأويل آيات الصفات، بل توسعوا في باب التأويل، حيث شمل أكثر نصوص الإيمان، خاصة فيما يتعلق بإثبات الزيادة والنقصان، وكذلك موضوع عصمة الأنبياء.

أما مذهب السلف: فإنهم يثبتون النصوص الشرعية، دون تأويل معنى النص أو تحريفه أو تفويضه، بمعنى تفويض العلم فيه، وإلا فالسلف يفوضون في الكيفية، ولكنهم يعلمون معاني ما أخبر به رب العالمين سبحانه وتعالى.

كما أن الأشاعرة في الإيمان بين المرجئة، الذين يقولون يكفي النطق بالشهادتين دون العمل لصحة الإيمان، وبين الجهمية التي تقول: يكفي التصديق القلبي فحسب، وقد رجح بعض المعاصرين المتابعين لمذهب الأشعري -رحمه الله- بأن المصدق بقلبه ناج عند الله، وإن لم ينطق بالشهادتين، وهذه مخالفة صريحة لمنهج أهل السنة والجماعة.

كما أن الأشاعرة اضطربوا في قضية التكفير، فتارة يقولون: لا نكفر أحدًا، وتارة يقولون: لا نكفر إلا من كفرنا، وتارة يقولون بأمور توجب التفسيق والتبديع، أو بأمور لا توجب التفسيق والتبديع، فمثلًا يكفرون من يثبت علو الله على خلقه، أو من يأخذ بظواهر النصوص حيث يقولون: إن الأخذ بظواهر النصوص من أصول الكفر.

أما أهل السنة والجماعة فيرون أن التكفير حق لله تعالى، لا يطلق إلا على من يستحقه شرعًا.

وفي الحقيقة لهم مخالفات أيضًا لمنهج السلف، في مسائل كلام رب العالمين سبحانه وتعالى وكذلك في مسألة الرؤية، فهم يثبتون الرؤية في جهة، يعني يقولون: بأن الله يُرى لا في جهة، وهذا في الحقيقة أيضًا خروج عن منهج السلف الصالح.

كما أن الأشاعرة حصروا دلائل النبوة في المعجزات، التي هي خوارق للعادات، وقد وافقوا المعتزلة في ذلك، وإن اختلفوا معهم في كيفية دلالتها على صدق النبي، بينما يرى جمهور أهل السنة والجماعة أن دلائل ثبوت النبوة للأنبياء كثيرة، لا تقف عند المعجزات فحسب، بل المعجزات من أدلة النبوة.

وهناك كلام كثير عند الأشاعرة في مسألة قدرة العبد في عمله، وقد قال الأشعري -رحمه الله- والأشاعرة من بعده بالكسب، وفي الحقيقة الكسب هذا من محالات الكلام، وأرادوا به أنه لا تأثير لقدرة العبد فيما يفعل.

أما عن مسائل الإيمان بأحوال البرزخ وأمور الآخرة، فقد وافق الأشاعرة فيها أهل السنة والجماعة، كما وافقوهم في القول في صحابة النبي صلى الله عليه وسلم على الترتيب الذي اعتقده أهل السنة والجماعة، كما أنهم قالوا: إن ما وقع بين الصحابة كان على سبيل الاجتهاد، ولهذا يجب الكف عن الطعن فيهم؛ لأن الطعن فيهم إما كفر أو بدعة أو فسق.

وختامًا أقول بالنسبة لمعتقدات وأفكار الأشاعرة: بأن الأشاعرة -رحمهم الله- خالفوا منهج الأشعري في كتابه الأخير (الإبانة عن أصول الديانة)؛ ولذلك كانت عندهم هذه الأفكار وهذه المعتقدات، أما الأشعري -رحمه الله- نفسه فكان عندما رجع إلى مذهب السلف، كان على منهج أهل السنة والجماعة، وقد صرح في كتابه (الإبانة عن أصول الديانة) بأنه راجع عن آرائه الكلامية، وأنه متبع لمنهج الإمام أحمد -رحمه الله.

وفي ذلك يقول -رحمه الله: “وقولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب ربنا عز وجل وبسنة نبينا صلى الله عليه وسلم وما روي عن الصحابة والتابعين، وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل -نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته- قائلون، ولما خالف قوله مخالفون؛ لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق، ودفع به ضلال الشاكِّين، فرحمة الله عليه من إمام مقدَّم وجليل معظم وكبير مفخم”.

هذه كلمات الإمام أبي الحسن الأشعري، أما من جاء بعد الأشعري ممن ذكرت بعضهم فقد سلكوا الطريق الوسط بين المعتزلة وبين أهل السنة والجماعة، وذلك عندما أثبتوا بعض الصفات لله، على طريقة ابن كُلاب، وأوَّلوا بقية الصفات الخبرية، ولذلك تصدى لهم علماء أهل السنة والجماعة، ومن هؤلاء الإمام ابن تيمية -رحمه الله- وخاصة في كتابه (درء تعارض العقل والنقل) الذي رد فيه على الرازي -رحم الله الجميع.

ب. الجذور الفكرية والعقائدية:

وأعني بذلك من أين استقى الأشعري أولًا أفكاره ومعتقداته؟ سبق أن قلت بأن الأشعري -رحمه الله- انتقل في أطوار متعددة، فقد استقى في طوره الأول من المعتزلة، وقد ذكرت أنه تتلمذ على زوج أمه أبي علي الجبائي، أما في مرحلته الثانية أو طوره الثاني فقد أخذ أفكاره ومعتقداته من عبد الله بن سعيد بن كُلَّاب القطان، وقد تأثر أئمة المذهب الأشعري بعد أبي الحسن الأشعري ببعض أفكار ومعتقدات الجهمية، من الإرجاء والتعطيل، وكذلك أيضًا تأثروا بالمعتزلة والفلاسفة في نفي بعض الصفات عن الله -تبارك وتعالى- وتحريف نصوصها، كما تأثروا بالجبرية في مسألة القدر.

ولا ينفي ذلك أيضًا تأثرهم بعقيدة أهل السنة والجماعة، فيما وافقوهم فيه، ولذلك لو أحسن الأشاعرة اليوم لرجعوا إلى منهج إمامهم الأخير، الذي لقي الله -تبارك وتعالى- عليه، وإذا رجع الأشاعرة إلى منهج الإمام أبي الحسن الأشعري، في طوره الأخير، الذي اتبع فيه سلف هذه الأمة الصالحين -لأصبحوا من علماء وأئمة سلف هذه الأمة الصالحين، وما كانوا أبدًا من الفرق الكلامية.

error: النص محمي !!