Top
Image Alt

أقسام الاستعارة

  /  أقسام الاستعارة

أقسام الاستعارة

إن المجاز اللغوي إنما يكون التجاوز فيه في ألفاظ اللغة، بينما المجاز العقلي يكون التجاوز فيه في الأسانيد.

وعرجنا على الفرق في المجاز اللغوي بينما كان منه على المشابهة وهو استعارة، وما كان منه على غير المشابهة وهو المجاز المرسل.

ثم ذكرنا الفرق بين ما كان على المشابهة، وصُرح فيه بلفظ المشبه به، وهي الاستعارة التصريحية، وبين ما صرح فيه بلفظ المشبه وهو الاستعارة المكنية.

إذن فالاستعارة تنقسم عند جمهور البلاغيين إلى قسمين: استعارة مكنية، وهي التي لا يصرح فيها بلفظ المشبه به، بل يطوى ويرمز له بلازم من لوازمه، ويسند هذا اللازم إلى مشبه، ولهذا سميت استعارة مكنية، أو استعارة بالكناية؛ لأن المشبه به يُحذف، ويُكنى عنه بلازم من لوازمه، وإثبات لازم المشبه به للمشبه هو ما يُسمى بالاستعارة التخييلية، وهي قرينة المكنية.

والاستعارة التصريحية وهي التي يُصرح فيها بلفظ المشبه به المستعار، كقولنا: رأيت أسدًا يخطب الناس، فالمعنى المراد وهو الرجل الشجاع له تحقق ووجود، فهو مدرك بالحس، وقد صُرح فيه بلفظ المشبه به كما ترى، ومن ذلك قول زهير:

لدى أسد شاكي السلاح مقذف

*له لبد أظفاره لم تقلم

وقد استعار لفظ الأسد للبطل الجسور المدجج بسلاحه الذي يُقذف به في المعارك؛ لقوته وخبرته، وحين جعل البطل أسدًا جعل له لبد الأسد، وأظافره المخيفة التي لا تقلم، يكون الشاعر بذلك قد شبَّه هذا الشجاع بالأسد، ثم تنوسي التشبيه، وادُّعي أن المشبه من جنس المشبه به على سبيل الاستعارة التصريحية، ونحو ما سبق قول البحتري:

وصاعقة في كفه ينكفي بها

*على أرؤس الأعداء خمس سحائب

فقد استعار الصاعقة لنصل السيف لتشابههما فيما يوقعان من أذى، ثم استعار لفظ السحائب لأصابع الممدوح لتشابههما في الجود والخير، ومن ذلك أيضًا قول أبي دولامة يضم بغلته ويصور سيره:

أرى الشهباء تعجن إذ غدونا

*برجليها وتخبز باليدين

لقد شبه حركة رجليها بحركة يدي العاجن في الانزلاق وعدم الاستقرار، فرجلاها لا يثبتان على الأرض، بل ينزلقان إلى الإمام، وكذلك يد العاجن لا يثبتان في مكان، بل ينزلقان لرخاوة العجين إلى الإمام. ثم شبه حركة يديها وهما لا يتقدمان إلى الإمام، بل ينثنيان إلى الخلف نحو بطنها في تقوس، وعوجاج بحركة يدي الخابز؛ حيث يثنيهما إلى صدره في تقوُّس؛ ليستجمع قوته ويقذف بأقراص العجين داخل التنور، فالشاعر إذن قد استعار العجين لحركة الرجلين، واستعار الخبز لحركة اليدين، ثم اشتق منهما تعجن وتخبز على سبيل الاستعارة التبعية.

فالمعنى المجازي المراد من هذه الشواهد: وهو البطل الشجاع، ونصل السيف، وأصابع الممدوح، وحركات الدابة، له تحقق ووجود؛ إذ هو من المشاهدات الحسية؛ لذلك يطلقون على الاستعارة التصريحية الاستعارة التحقيقية، وهي الاستعارة التي يكون المعنى المراد بها، وهو المستعار له أي: المشبه له تحقق ووجود يدركه الحس أو العقل، وليس أمرًا خياليًّا أو وهميَّا، ولذلك سميت تحقيقية.

من هذه الأمثلة التي تُدرج بالعقل تكون في باب الاستعارة ما جاء في قول الله تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظّلُمَاتِ إِلَى النّورِ} [إبراهيم: 1] أي: من الضلالات إلى الهدى، وقد استعيرت الظلمات للضلال؛ لتشابههما في عدم اهتداء صاحبهما، واستعير النور للإيمان لتشابههما في الهداية، والمستعار لهما هما الضلال والإيمان، كل منهما محقق عقلًا.

وقوله تعالى: {وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مّطْمَئِنّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مّن كُلّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} [النحل: 112] نجد أنه صرَّح بالمشبه به وهو اللباس، فلو جعلنا المستعار له ما أصاب أهل القرية من هم وحزن، وهول، وفزع، واضطراب في التفكير بسبب ما حلَّ بهم من أحداث؛ كانت الاستعارة تحقيقية عقلية، ولو جعلنا ما أصابهم من الإعياء وصفرة الوجوه، وهزال الجسم بسبب تلك الأحداث كان الاستعارة حسية تحقيقية، والجامع بين اللباس والمستعار له وهو ما أصاب أهل القرية في كلٍّ هو الإحاطة والشمول؛ فقد أحاطت هذه الأحداث بأهل القرية، وتمكنت منهم وشملتهم كما يشمل اللباس صاحبه ويحيط به.

وأُنبِّه إلى دقة التعبير القرآني في هذه الآية الكريمة، فالقوم كانوا آمنين مطمئنين يأتيهم رزقهم رغدا من كل مكان، فكفروا بأنعم الله عز وجل؛ فكان مقتضى صنيعهم شدة المؤاخذة وشمولها، ولذا عبََّر بالإذاقة ليفيد شدة الإصابة، وباللباس ليفيد الإحاطة والشمول، ولو قيل: فكساها الله لباس الجوع والخوف؛ لأفاد الإحاطة والشمول دون الشدة، وكذا لو قيل: فأذاقها الله طعم الجوع والخوف لأفاد شدة الإصابة دون الإحاطة والشمول.

ولذا آثر النظم الكريم التعبير بالإذاقة واللباس، فأذاقها الله لباس الجوع والخوف؛ ليفيد الأمرين معًا شدة الإصابة، وشمولها، وإحاطتها، هكذا ندرك دقة التعبير في النظم القرآني.

error: النص محمي !!