Top
Image Alt

أقسام التفسير وأنواعه

  /  أقسام التفسير وأنواعه

أقسام التفسير وأنواعه

للتفسير أقسام وأنواع كثيرة، والكلام في هذا يتداخل مع مناهج المفسرين، وسنمر عليها باختصار وإيجاز. أخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “التفسير أربعة أوجه؛ وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير تعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله -تعالى”، ورواه مرفوعًا، بسندٍ ضعيفٍ بلفظِ: “أنزل القرآن على أربعة أحرف؛ حلال، وحرام لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير تفسره العرب -أي: بألسنتها- وتفسير تفسره العلماء، ومتشابه لا يعلمه إلا الله تعالى، ومن ادعى علمه سوى الله –تعالى- فهو كاذب”. يقول الزركشي، في (البرهان)، في قول ابن عباس: هذا تقسيم صحيح. النوع الأول: الذي تعرفه العرب؛ فهو الذي يرجع فيه إلى لسانهم، وهو اللغة والإعراب، فأما اللغة؛ فعلى المفسر معرفة معانيها ومسميات أسمائها، ومن كتب اللغة: (لسان العرب)، والقواميس، والمعاجم وما أكثرها، والاستشهاد بكلامِ العربِ لابد وأن يستفيض منه عالم التفسير. والكلام في اللغة كالكلام في الإعراب، فما كان من الإعراب محيلًا للمعنى، وجب على المفسر وغيره أن يتعلمه؛ ليتوصل إلى معرفة الحكم، أو فهم المعنى. النوع الثاني: ما لا يعذر أحد بجهالته، فهو مما تتبادر الأفهام إلى معرفة معناه من النصوص -أي: نص واضح يتضمن أمرًا، أو نهيًا في شرائع الأحكام، ودلائل التوحيد- فكل لفظ أفاد معنى واحدًا جليًّا يعلم أنه مراد الله تعالى؛ فهذا القسم لا يلتبس تأويله. ففي قوله: {فَاعْلَمْ أَنّهُ لاَ إِلَـَهَ إِلا اللّهُ} [محمد: 19]، اتضح من النص أنه لا شريك لله في الإلهية، ومقتضى هذه الكلمة الحصر، وهو معلوم بالضرورة، وقوله: {وَأَقِيمُواْ الصّلاَةَ وَآتُواْ الزّكَاةَ} [المزمل: 20]، أوامر واضحة، لا تحتاج إلى شرح، وصيغة “افعل”، للوجوب، فهذا القسم لا يعذر أحد فيه بجهله بمعاني ألفاظه؛ لأنها معلومة بالضرورة. النوع الثالث: ما لا يعلمه إلا الله –تعالى- فهو يجري مجرى الغيب، كالآية المتضمنة قيام الساعة، وتفسير “الروح”، والحروف المقطعة في (تسعٍ وعشرينَ) سورة، وكل متشابه في القرآن عند أهل الحق، فلا مساغ للاجتهاد في تفسيره، ولا طريقَ إلى ذلك إلا بالتوقيف بنصٍّ من كتابِ اللهِ، أو حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أو الإجماع على تأويله. النوع الرابع: ما لا يعلمه إلا العلماء، وهو راجع إلى اجتهادهم وعلمهم وفهمهم، فهو الذي يغلب عليه إطلاق التأويل، كاستنباط الأحكام، وبيان المجمل، وتخصيص العموم، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، وكل لفظ احتمل معنيين فصاعدًا، فهو الذي لا يجوز لغير العلماء الاجتهاد فيه، وعليهم اعتماد الشواهد والدلائل، دون مجرد الرأي. تفاسير الصوفية: إن كلام الصوفية في القرآن لا يعد تفسيرًا، قال ابن الصلاح، في (فتاويه): وجدت عن الإمام أبي الحسن الواحدي المفسر، أنه قال: صنف أبو عبد الرحمن السلمي، كتابه: (حقائق التفسير)، إن كان قد اعتقد أن ذلك تفسيرًا فقد كفر، قال ابن الصلاح: وأنا أقول الظن بمن يوثق به منهم، إذا قال شيئًا من ذلك أنه لم يذكره تفسيرًا، ولا ذهب به مذهب الشرح للكلمة، فإنه لو كان كذلك كانوا قد سلكوا مسلك الباطنية؛ وإنما ذلك منهم لنظير ما ورد به القرآن، فإن النظير يذكر بالنظير، ومع ذلك فياليتهم لم يتساهلوا بمثل ذلك؛ لما فيه من الإيهام والإلباس. ويقول الإمام النسفي، في كتابه: (عقائد التوحيد): النصوص على ظاهرها، والعدول عنها إلى معان يدعيها أهل الباطن إلحاد. وسئل الشيخ سراج الدين البلقيني، عن: رجل قال في قوله تعالى: {مَن ذَا الّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255]: إن معناه: من ذل، أي: من الذل، ذي: إشارة إلى النفس، ويشف: من الشفا، وجواب من، عُ -يشفع: عُ- أمر من الوعي، سئل عن هذا، فأفتى: بأنه إلحاد، وقد قال تعالى: {إِنّ الّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيَ آيَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ} [فصلت 40]، قال ابن عباس: وأن يوضع الكلام في غير موضعه، كما أخرجه ابن أبي حاتم. هناك أحاديث أوردها السيوطي وغيره: لكل آية ظهر وبطن، ولكل حرف حد، ولكل حد مطلع. هذه الأحاديث إن صحت؛ فلها -كما قال السيوطي- معان يمكن حملها عليه، فالظهر، والبطن يمكن أن يكون المراد بالظاهر هو اللفظ، والباطن هو التأويل. قال أبو عبيد: إن القصص التي قصها الله تعالى عن الأمم الماضية، ظاهرها الإخبار بهلاك الأولين، وباطنها وعظ الآخرين المخاطبين، وتحذيرهم أن يفعلوا كفعلهم، فيحل بهم مثل ما حل بالسابقين. وحكى ابن النقيب: إن الظهر ما ظهر من معانيها لأهل العلم بالظاهر، والبطن ما تضمنته من الأسرار التي أطلع الله عليها أرباب الحقائق… إلخ. وقال بعضهم: الظاهر التلاوة، والباطن الفهم، والحد أحكام الحلال والحرام، والمطلع الإشراف على الوعد والوعيد. قال السيوطي: يؤيد هذا، ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس، قال: إن القرآن ذو شجون وفنون، وظهور وبطون، لا تنقضي عجائبه، ولا تبلغ غايته، فمن أوغل فيه برفق نجا، ومن أوغل فيه بعنف هوى، أخبار وأمثال، حلال وحرام، ناسخ ومنسوخ، محكم ومتشابه، ظهر وبطن، فظهره التلاوة، وبطنه التأويل، فجالسوا به العلماء وجانبوا به السفهاء. كلمة أخيرة فيما يتعلق بهذه القواعد: يجب على المفسر أن يتحرى في التفسير مطابقة المفسر، وأن يتحرز في ذلك من النقص أو من الزيادة، من نقص عما يحتاج إليه في إيضاح المعنى أو زيادة لا تليق بالغرض، ومن كون المفسر فيه زيغ عن المعنى وعدول عن طريقه، وعليه بمراعاة المعنى الحقيقي والمجازي، ومراعاة التأليف والغرض الذي سيق من أجله الكلام، وأن يواخي بين المفردات، ويجب عليه البداءة بالعلوم اللفظية: اللغة والاشتقاق، والتصريف والإعراب، ثم الاستنباط، والإشارات ونحو ذلك. يقول الإمام الزركشي: جرت عادة المفسرين ممن ذكر فضائل القرآن أن يذكرها في كل سورة، إما قبلها أو بعدها، وأنا أُنِبِّهُ إلى أن الأحاديث في فضائل السور، ليست كلها مسلمة، فهناك حوالي عشر سور صحت في فضلها أحاديث، وفي الباقي أحاديث لم تصح. ويقول أبو نصر القشيري: كلام الله -سبحانه- لا يقال عنه محكي، قال معظم الأئمة: لا يقال: حكى الله؛ لأن الحكاية الإتيان بمثل الشيء، وليس لكلامه مثل، وتساهل قوم؛ فأطلقوا لفظ الحكاية، بمعنى: الإخبار. كذلك على المفسر: أن يتجنب ادعاء التكرار ما أمكنه، فقال بعضهم: مما يدفع توهم التكرار في عطف المترادفين، نحو قوله: {لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ} [المدثر: 28]، و {أُولَـَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مّن رّبّهِمْ وَرَحْمَةٌ} [البقرة: 157]؛ فالترادف ينبغي أن يتحفظ عنده الإنسان. ويقول أبو حيان: كثيرًا ما يشحن المفسرون تفاسيرهم بذكر علل النحو والإعراب، ودلائل مسائل أصول الفقه، ودلائل الدين، وكل ذلك مقرر في تأليف هذه العلوم؛ بل يؤخذ هذا مسلمًا في علم التفسير دون استدلال عليه.

error: النص محمي !!