Top
Image Alt

أقسام التواتر، وذكر من صنف من العلماء في هذا النوع

  /  أقسام التواتر، وذكر من صنف من العلماء في هذا النوع

أقسام التواتر، وذكر من صنف من العلماء في هذا النوع

في كتاب (الإغارة المصبِّحة على مانع الإشارة بالمسبِّحة) للعلامة السيد محمد رسول الحسيني، أثناء كلامه له ما نصّه: وقال السيوطي في (شرح التقريب)، عقِب نقْل كلام ابن حجر، ما نصّه: “وقد ألّفتُ في هذا النوع كتابًا لم أُسبَقْ إلى مثْله، سمّيْتُه: (الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة)، مرتَّبًا على الأبواب، أوردْتُ فيه كلّ حديث بأسانيد مَن خرّجه، وطُرقَه. ثم لخّصتُه في جزء لطيف سمّيتُه: (قطف الأزهار)، واقتصرت فيه على عزْو كلِّ طريق لِمَن أخرجها من الأئمة، وأوردت فيه أحاديث كثيرة، منها: حديث الحوض من رواية نيّف وخمسين صحابيًّا، وحديث المسْح على الخفّيْن من رواية سبْعين صحابيًّا، وحديث رفْع اليديْن في الصلاة من رواية خمسين، وحديث: ((نَضَّر الله امْرأً سمِع مقالتي)) من رواية نحو ثلاثين، وحديث نزول القرآن على سبْعة أحرف من رواية سبعة وعشرين، وحديث: ((مَن بَنى للهِ مَسجدًا، بنى الله له بيتًا في الجَنّة)) من رواية عشرين، وكذا حديث: ((كلُّ مُسكِرٍ حرام))، وحديث: ((بَدأ الإسلامُ غريبًا))، وحديث: ((كُلٌّ مُيَسَّر لِما خُلق له))، وحديث: ((المرءُ مع مَن أحبّ))، وحديث: ((إنّ أحَدَكم لَيعملُ بِعَملِ أهل الجنّة…))، وحديث ((بَشِّر المَشّائين فِي الظُّلَم إلى المساجد بالنّور التّامِّ يوم القيامة))؛ كلّها متواترة في أحاديث جمّة أودعناها كتابنا المذكور، ولله الحمد”.

قال الشيخ الكتاني: “وقد نهضت لِجمْع ما وقفْتُ عليه من الأحاديث المتواترة في بطون الدفاتر ومقيَّدات الإخوان، حتى جمعْتُ منها جمْلةً وافرة وعدّة جليلة متكاثرة. ولمّا خِفتُ عليها من الدّروس والضّياع، جمعْتُها في مقيّد للانتفاع، وسميته بـ(نظم المتناثر من الحديث المتواتر)، وكان ذلك قبل وقوفي للسّيوطي على (أزهاره المتناثرة) الذي لخّصه من (فوائده المتكاثرة). ثم بعد وقوفي عليه، أضفتُ ما فيه إليه، ولم أدعْ حديثًا من أحاديثه إلَّا ذكرْتُه، وبقولي عند ذكْره: “أوْرَدَه في (الأزهار) من حديث فلان” -ميّزْتُه-. ثم أذكر ما عدّه فيه من الصحابة أو التابعين، مُسقِطًا لما ذكَره من المخرجين. فإن تيّسرت زيادة نبّهتُ عليها، وبلفظة “قلتُ” بعد كلامه أشرت إليها، ما لم يذكُرْه أتيت فيه بما يسّره الله عليّ من غير تعرُّض إليه، فيُعلم من ذلك أني لم أجدْ ذلك الحديث لديْه”.

وقد قال السخاوي في مبحث “المتواتر” من (شرح الألفية)، ما نصّه: “وقد أُفرِد ما وصف بذلك -يعني: بالمتواتر- في تأليف، إمّا للزركشي أو غيره…

فأفرده بالتأليف بعد السّخاوي جماعةٌ، منهم: الشيخ الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي، المتوفى سنة (911)، وسماه: (الفوائد المتكاثرة في الأخبار المتواترة)، رتّبه على الأبواب، وجمع فيه ما رواه من الصحابة عشَرة فصاعدًا، مُستوعبًا فيه كلّ حديث بأسانيده وطُرقه وألفاظه، فجاء كتابًا حافلًا لم يُسبَق إليه -كما قال- إلى مثْله. ثم جرّد مقاصده في جزء لطيف سمّاه: (الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة)، اقتصر فيه على ذكْر الحديث وعدّة من رواه من الصحابة، مقرونًا بالعزْو إلى مَن خرّجه من الأئمة المشهورين، وعدّة أحاديثه فيه على ما ذكَره هو في آخِره: مائة. قال: ولكنني عددْتُها فوجدْتُها تزيد على ذلك باثني عشر، وإلى الله تعالى حقيقة الخبر”.

ومنهم أيضًا: الشيخ الإمام الحافظ، خاتمة المُسندين، ذو التصانيف العديدة: شمس الدِّين أبو عبد الله محمد بن محمد بن علي بن طولون، الحنفي الدمشقي الصالحي، المتوفّى سنة (953)، له كتاب سماه: (اللآلئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة).

ومنهم أيضًا: الشيخ أبو الفيض محمد مرتضى الحسيني الزبيدي المصري، المتوفّى عام (1205)، سمّى كتابه: (لقْط اللآلئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة).

ومنه أخّذ السيد صديق بن حسن بن علي القنوجي البخاري الحسيني، أخذ الأربعين التي جمَعها ممّا بلغ حدّ التواتر، وسمّاه: (الحرز المكنون من لفظ المعصوم المأمون صلى الله عليه وسلم). وقد قال في (شرح النخبة)، للعلاّمة أبي الحسن محمد صادق السندي المدني، ما نصّه: “وقد تساهل السيوطي في الحُكم بالتواتر، فحَكم على عدّة من الأحاديث بذلك، وأوردها في كتاب سماه: (الأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة). اهـ.

وهو كذلك، فإنه ذكَر عدّة أحاديث ربما يقطع الحديثي بعدم تواترها. ويظهر أيضًا من كلامه: أنه قصَد جمْع “المتواتر اللفظي”، ثم إنه كثيرًا ما يورد أحاديث صرّح هو أو غيره في بعض الكتب بأنّ تواترها معنوي. ثم ذكَر أن أهل الأصول قسّموا “المتواتر” إلى “لفظي” و”معنوي”. ثم قال: قلت: وذلك أيضًا يتأتّى في الحديث، فمنه ما تواتر لفظُه كالأمثلة السابقة، ومنه ما تواتر معناه كأحاديث رفْع اليديْن في الدعاء؛ فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم نحو مائة حديث فيها رفْع اليديْن في الدعاء، وقد جمعها في جزء لكنها في قضايا مختلِفة، فكلّ قضية منها لم تتواتر، والقدْر المشترك فيها هو: الرّفع عند الدعاء، تواتر باعتبار المجموع.

وفي (فتح الباري شرح صحيح البخاري) أمْثلته كثيرة، منها حديث: ((مَن بَنى للهِ مَسجدًا))، والمسْح على الخفّيْن، ورفْع اليديْن، والشّفاعة، والحوض، ورؤية الله تعالى في الآخِرة، والأئمّة من قريش، وغير ذلك…

قال الإمام السخاوي ما نصّه: “وذكر شيخنا -يعني: ابن حَجر- من الأحاديث التي وُصفت بالتواتر: حديث الشفاعة، والحوض، فإنّ عدد رواتهما من الصحابة زاد على أربعين، وممّن وصَفَهما بذلك: القاضي عياض في كتابه (الشفاء)، وحديث ((مَن بَنَى للهِ مسجدًا))، ورؤية الله تعالى في الآخِرة، والأئمة من قريش. وكذا ذكَر عياض في “الشفاء” حديث حنين الجذع، وابن حزم حديث النّهي عن الصلاة في معاطن الإبل، وعن اتّخاذ القبور مساجد، والقول بالرّفع عند الركوع، والآبري في (مناقب الشافعي) حديث المهدي، وابن عبد البَرّ حديث اهتزاز العرْش لموت سعد، والحاكم حديث خطبة عمر بالجابية، والإسراء، وأن إدريس في الرابعة، وغيره حديث انشقاق القمر، والنزول، وابن بطال حديث النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر.

والشيخ الشيرازي قال -بعد ذكْر الأحاديث المرويّة عن النبي صلى الله عليه وسلم في غسْل الرِّجليْن-: “لا يقال إنها أخبار آحاد، لأن مجموعها تواتر معناه، وكذا ذكَره غيره في “التواتر المعنوي”، كشجاعة عليّ، وجود حاتم، وأخبار الدّجّال. وقد أُفرد ما وُصف بذلك في تأليف إمّا للزركشي أو غيره”.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالة: (الفرقان بين الحقّ والباطل)، لمّا تكلّم عن الخوارج: “فلهذا جاءت الأحاديث الصحيحة بقتالهم، والأحاديث في ذمِّهم والأمر بقتالهم كثيرة جدًّا، وهي متواترة عند أهل الحديث، مثل: أحاديث الرؤية، وعذاب القبر وفتنته، وأحاديث الشفاعة والحوض”.

وفي كتاب الإمام مسلم (الثبوت في أصول الفقه)، للشيخ محبّ الله بن عبد الشكور، في الكلام على المتواتر ما نصّه: “المتواتر من الحديث قيل: لا يوجد. وقال ابن الصلاح: إلَّا أن يُدّعى في حديث: ((مَن كَذَب عليّ مُتعمِّدًا، فليتبوّأْ مقعَده من النار))، فإنّ رواته أزْيَد من مائة صحابي، وفيهم العشَرة المبشَّرة. وقد يقال: مُراده “التواتر لفظًا”، وإلاّ فحديث المسح على الخفّيْن متواتر رواه سبعون صحابيًّا. وقيل: حديث: ((أنُزِل القرآنُ على سبْعة أحرف)) قيل: متواتر رواه عشرون من الأصحاب”.

وقال ابن الجوزي: “تتبّعتُ الأحاديث المتواترة فبلغت جملة، منها: حديث الشفاعة، وحديث الحساب، وحديث النظر إلى الله تعالى في الآخِرة، وحديث غسْل الرِّجليْن في الوضوء، وحديث عذاب القبر، وحديث المسح على الخفّيْن. وفي تأويله لكلام ابن الصلاح شيء، مع ما تقدّم عن السيوطي من الأمثلة الكثيرة لِما تواتر لفظًا؛ بل الظاهر: أنه ما قصَد في كتابه في المتواترات إلَّا جمْع “المتواتر اللفظي”، وإن كان لا يسلم له في كثير من أحاديثه”.

وقد اعترض شارح مسلم الثبوت الشيخ عبد العلي محمد بن نظام الدين الأنصاري تأويلَه المذكور قائلا ما نصّه: “ثم في هذا التأويل أيضًا شيء، فإنه قد تواتر قوله صلى الله عليه وسلم: ((ويْلٌ للأعقابِ مِن النّار))، رواه اثنا عشر صحابيًّا مقطوع بِعَدالَتِهم، أكثرهم من أصحاب بيْعة الرضوان. وقد تقدّم تواتر: ((لا نُورَث؛ ما تركْنَاه صدَقَة)). ولعلّ تأويل قوله: أنه مبالغة في القلّة”. انتهى.

وفيه أيضًا نظر -على ما تقدّم عن الحافظ وغيره من كثرة أمثلته- إلَّا أنه اعترض ذلك بعضُهم بأنّ الذي له أمثلة كثيرة هو: “المتواتر تواترًا معنويًّا”، وأمّا “المتواتر اللفظي” فلا. وكثير ممّا قيل فيه إنه “لفظي” يظهر عند النظر فيه أنه “معنوي”.

وعند الجرجاني ما نصّه: “ما ذكَره في (شرح النّخبة) من الاستدلال على وجود المتواتر وجود كثرة، ضعيف جدًّا، تعقّبه من تكلّم عليه”.

ثم قال شارح مسلم: “الثبوت عقب ما نقلناه عن أصله في مثال “المتواتر”، ولم يرد الحصر فيه، فإن أعداد الركعات، وذهاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر وأُحُد وسائر الغزوات، والأذان والإقامة والجماعة، وفضائل الخلفاء الراشدين، وفضل أصحاب بدر، بعمومها متواترة من غير ريبة. وفي الحديث: ((لَن تجتمعَ أمّتٍي على ضلالة)) بمعناه متواتر، وكذا حديث الحوض، والمغفرة والشفاعة، وغيرها…

فالتواتر أغلبه معنوي، وبجملته كثير جدًّا، إلَّا أن أغلب تواتره معنوي، وأكثر الأمور المعلومة من الدِّين ضرورة متواترة معنىً. ومراد العلماء: حصْر اللفظي، لأن الثاني لا يكاد ينحصر، ولكن نحن نشير في هذا المجموع الذي لا يخلو -بحوْل الله تعالى- عن نكات جمّة زائدة، إلى كثير من المتواترات معنًى، ممّا وقفت على النص بتواتره، تكميلًا للفائدة. ثم الغالب أني لا أذكر مَن روى الحديث من الأئمة المُخرجين، وإنما أعدِّد رواته من الصحابة فقط، أو مع بعض التابعين، وتارة أستوعب وتارة لا بحسب التيسير.

ثم أذكر مَن نصّ على تواتره من أئمة التحرير، لأنّ القصْد بيان المتواتر، لا تتبّع الطُرق، ولا بيان مَن خرّجها من ذوي البصائر. ورتّبتُه على الأبواب الفقهيّة، وبدأت فيه بحديث: ((الأعمال بالنِّيّة))، لاستحباب السلف وغيرهم البداءة به والتصدير به في جميع الأمور المهمّة من غير تقصير، مع أنه متواتر المعنى صحيح الأصل والمبنى”.

قال النووي: “لقد كان السلف وتابعوهم من الخلَف يستحبّون افتتاح المصنّفات بحديث الأعمال بالنيات، تنبيهًا للمُطالع على حسْن النّيّة واهتمامه بذلك واعتنائه به؛ فعن عبد الرحمن بن مهدي، أنه قال: “من أراد أن يصنِّف كتابًا، فليبدأْ بهذا الحديث”.

وقال أبو سليمان الخطابي: “كان المتقدِّمون من شيوخنا يستحبّون تقديم حديث الأعمال بالنيات أمامّ كلّ شيء يُنشأ ويُبتدأ من أمور الدِّين، لعموم الحاجة إليه في جميع أنواعها”. وقال في (بستانه): “استحبّ العلماء أن تُفتتح المصنّفات بهذا الحديث، وممّن ابتدأ به: الإمام البخاري في (صحيحه).

وقد اختلف العلماء في خبر الواحد المحتفّ بالقرائن المصدّقة له، هل يفيد العلم -وهو ما عليه الآمدي وابن الحاجب وغيرهما، واختاره السّبكي في (جمع الجوامع)- أو لا يفيده مطلقًا ولو وُجدت القرائن، وهو ما عليه الأكثرون؟.

وقال التاج السبكي في (شرح المختصَر): أنه الحق، أو يفيده مطلقًا ولو عُدمت القرائن، بشرط العدالة. وعزى إلى الإمام أحمد، واستشكل وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني وابن فورك: يُفيد المستفيض الذي هو خبَر الآحاد عندهما: علْمًا نظريًا؛ فهي أقوال أربعة حكاها في (جمع الجوامع).

ورجّح غير واحد من أئمة الحديث: أنّ خبر الآحاد المحتفّ بالقرائن -أي: التي تسكن النّفس إليها، ولا يبقى معها احتمال ألبتّة- تفيد: العلْم النظري.

ومن ثَم، ذهب الحافظ أبو عمرو ابن الصلاح في (مقدمته في علوم الحديث) له في جماعة من الأئمة، منهم من الشافعية: أبو إسحاق، وأبو حامد الإسفرائينيَّان، والقاضي أبو الطيب، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي، ومن الحنفية: الإمام السرخسي، ومن المالكية: القاضي عبد الوهاب، ومن الحنابلة: أبو يعلى، وأبو الخطاب، وابن الزاغوني، وابن تيمية، إلى: أنّ ما اتّفق على إخراجه الشيخان، أو أخرجه أحدُهما بالإسناد المتّصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ممّا لم يبلغ التواتر، كالحديث المتواتر في حصول العلْم به والقطْع بصحتّه، وكان مَن سمعه فيهما أو في أحدِهما سمِعه مِن في رسول الله صلى الله عليه وسلم لسموِّهما وجلالتِهما وتحرِّيهما، وتلقِّي الأمّة المعصومة في إجماعها عن الخطأ، لكتابيْهما بالقبول تصديقا وعملًا، وتلقِّي الأمّة للخبر المنحطّ عن درجة المتواتر بالقبول يوجب العلْم النظري.

وعزى النووي في (التقريب) للمحقِّقين والأكثرين خلافَ ذلك، وإنّ إخراجَهما أو أحدِهما للحديث لا يفيد إلَّا الظّنّ، يعني: القويّ.

وقال في (شرحه لمسلم): “قد اشتد إنكار ابن برهان على من قال بما قاله الشيخ -أي: ابن الصلاح- وبالغ في تغليظه”.

قال السيوطي في (شرح التقريب): “وكذا عاب ابن عبد السلام على ابن الصلاح هذا القول.

وقال: إن بعض المعتزلة يروْن أنّ الأمّة إذا عملت بحديث، اقتضى ذلك القطْعَ بصحّته، قال: وهو مذهب رديء”.

وقال الحافظ ابن حَجر: “ما ذكره النووي مسلّم من جهة الأكثرين، أما المحقِّقون فلا؛ فقد وافق ابن الصلاح أيضًا محققون”. وقال في (شرح النخبة)، بعد ذكْره لخبر الآحاد المحتفّ بالقرائن، وأنه يفيد العلْم النظري على المختار، خلافًا لمن أبى ذلك، قال -ما نصّه-: “والخبر المحتف بالقرائن أنواع: منها ما أخرجه الشيخان في (صحيحيْهما) ممّا لم يبلغ التواتر، فإنه احتفّ به قرائن منها: جلالتُهما في هذا الشأن، وتقدّمهما في تمييز الصحيح على غيرهما، وتلقِّي العلماء لكتابيْهما بالقبول، وهذا التّلقِّي وحْده أقوى في إفادة العلْم من مجرّد كثرة الطُّرق القاصرة عن التواتر؛ إلَّا أنّ هذا مختصّ بما لم ينتقده أحد من الحفاظ ممّا في الكتابيْن، وبما لم يقع التجاذب بين مدلوليْه ممّا وقع في الكتابيْن، حيث لا ترجيح لاستحالة أن يفيد المتناقضان العلْم بصدْقهما من غير ترجيح لأحدهما على الآخَر. وما عدا ذلك فالإجماع حاصل على تسليم صحّته. فإن قيل: إنّ ما اتّفقوا على وجوب العمل به لا على صحّته -أي: القطع بها- منعناه. وسند المنع: أنهم متّفقون على وجوب العمل بكلّ ما صحّ، ولم يُخرجه الشيخان، فلم يبق للصحيحيْن في هذا مزية. والإجماع حاصل على أنّ لهما مزية فيما يرجع إلى نفس الصّحّة. وممّن صرّح بإفادة ما خرّجه الشيخان العلْم النظري: الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني، ومن أئمة الحديث: أبو عبد الله الحميدي، وأبو الفضل ابن طاهر، وغيرهما…

ويحتمل أن يقال: المزيّة المذكورة: كوْن أحاديثهما أصحّ الحديث.

ومنها -أي: أنواع المحتفّ-: المشهور، إذا كانت له طُرق متباينة، سالمة من ضعف الرواة والعلل. وممّن صرّح بإفادته العلْم النظري: الأستاذ أبو منصور البغدادي، وأبو بكر بن فورك، وغيرهما…

ومنها أيضًا: المسلسَل بالأئمة الحُفاظ المتقنين، حيث لا يكون غريبًا كالحديث الذي يرويه أحمد بن حنبل، ويشاركه فيه غيره عن الشافعي، ويشاركه فيه غيره عن مالك بن أنس؛ فإنه يفيد العلم عند سماعه بالاستدلال من جهة جلالة رواته، وأنّ فيهم من الصفات اللائقة الموجِبة للقبول ما يقوم مقام العدد الكثير من غيرهم.

وممّن انتصر لابن الصلاح: سراج الدين البلقيني، وقال ابن كثير: “أنا مع ابن الصلاح فيما عوّل عليه وأشار إليه”.

قال السيوطي في (شرح التقريب): “وهو الذي أختاره، ولا أعتقد سواه”.

وقال السخاوي في “فتح المغيث”: “على أنّ شيخنا قد ذكر في “توضيح النخبة”: أن الخلاف في التحقيق لفظي، قال: لأن من جوّز إطلاق العلْم قيّده بكونه نظريًا، وهو الحاصل عن الاستدلال. ومن أبى الإطلاق، خصّ لفظ العلْم بالمتواتر، وما عداه عنده ظنّيّ، لكنه لا ينفي أنّ ما احتف بالقرائن أرجح ممّا خلا عنها، وفيه أن أرجحيّته لا توجب العلْم، وإنما توجب الظن القوي؛ فهذا التوفيق فيه نظر”.

وقد انتصر جماعة من المتأخِّرين في هذه المسألة للنووي ومَن وافقه، وبالغوا في ردّ ما لابن الصلاح وابن حَجر ومَن ذُكر معهما، وقالوا: إن جلالة شأن البخاري ومسلم، وتلقّي الأمّة لكتابيْهما بالقبول، والإجماع على المزية، لا يستلزم القطْع والعلْم، غاية ما يلزم: أنّ أحاديثهما أصحّ الصحيح، لاشتمالها على الشروط المعتبَرة عند الجمهور على الكمال؛ وهذا لا يفيد إلَّا الظن القويّ، أي: المزاحم لليقين، ولا يفيد اليقين. قالوا: وهذا هو الحق الذي يجب أن يُعوَّل عليه.

ويؤيِّده حُكم جماعة من أهل الكشف على بعض أحاديثهما بعدم الوقوع، كحديث شقّ الصّدر الشريف ليلة الإسراء الواقع في الصحيحيْن، وأنكره صاحب (الإبريز) كشفًا. وراجع شروح (توضيح النخبة) للحافظ ابن حجَر، تستفِدْ -بعون الله تعالى.

وأمّا عن حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: ((إنّما الأعمال بالنِّيّات، وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوى))، فقد جعَله بعضُهم مثالًا “للمتواتر”، وردّه ابن الصلاح في “مقدِّمة علوم الحديث” له، فقال: “وحديث ((الأعمال بالنّيّات)) ليس من ذلك السبيل -أي: سبيل “المتواتر”- وإن نقله عدد التواتر وزيادة؛ لأن ذلك طرأ عليه في وسط إسناده، ولم يوجد في أوائله -على ما سبق ذِكْره”.

وفي (التقريب) للنووي ما نصه: “وحديث: ((مَن كذَب عليَّ مُتعمِّدًا، فليتبوّأْ مقعَدَه من النار)) متواتر، لا حديث: ((إنّما الأعمالُ بالنِّيَّات))”. اهـ.

أي: فليس بمتواتر أيضًا، لأن شرْطه: وجود عدّة التواتر في جميع طبقاته، بأن يرويه جمْع يؤمَن تواطؤهم على الكذب، عن جمْع كذلك، إلى أن ينتهي إلى المُخبَر عنه صلى الله عليه وسلم؛ وليس ذلك بموجود هنا، إلَّا أن يراد “التواتر المعنوي”، فيصحّ لأنه متواتر معنىً، لكونه ورد في طلب النِّيّة في العمل أحاديثُ كثيرة.

وقال المنذري في (الترغيب): “زعَم بعضُ المتأخِّرين: أنّ هذا الحديث بلَغ مبلغَ التواتر، وليس كذلك؛ فإنّه ممّا انفرد به يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم التيمي. ثم رواه عن الأنصاري خلْق كثير نحو مائتيْن، وقيل: سبعمائة، وقيل: أكثر. وقد رُوي من طُرق كثيرة غير طريق الأنصاري، ولا يصحّ منها شيء”.

كذا قال الحافظ علي بن المديني، وغيره من الأئمة.

وقال الخطابي: “لا أعلم في ذلك خلافًا بين أهل الحديث”.

وقال الحافظ العراقي: “أطلق بعضُهم على الحديث اسم الشّهرة، وبعضهم اسم التواتر، ولا كذلك، وإنما هو فرْد. ومَن أطلق ذلك أراد الاشتهار والتواتر في آخِر السّند؛ فقد قال ابن المديني: رواه عن يحيى بن سعيد سبعمائة رجل”. اهـ.

وفي (شرح التقريب) للسخاوي: أنه لا يصحّ التمثيل به للمشهور، فضلًا عن المتواتر، وإنما يُمثَّل به للغريب، قال: “لأنّ الحُكم في مثْله للأقل”.

وحاصل ما للأئمة فيه: أنه حديث فرْد غريب، باعتبار أوّله -بل تكرّرت الغرابة فيه أربع مرات- مشهور أو متواتر، باعتبار آخِره، لأنه لم يصحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم كما قاله غير واحد من الحُفّاظ، إلَّا من حديث عمر، ولا عن عمر إلَّا من رواية علقمة، ولا عن علقمة إلَّا من رواية محمد بن إبراهيم التيمي، ولا عن التيمي إلَّا من رواية يحيى الأنصاري، ومداره عليه. وأما بعد يحيى، فقد رواه عنه أكثر من مائتي إنسان، أكثرهم أئمة.

وفي كلام الحافظ أبي عبد الله محمد بن علي الخشاب: أنه رواه عنه مائتان وخمسون نفرًا.

وذكر ابن منده أسماءهم مرتّبة على حروف المعجم، فبلغت ثلاثمائة وأربعة.

وقال الحافظ ابن حَجر في( أماليه) المُخرجة على (مختصر ابن الحاجب): “وقد وقع لي من رواية ثلاثة غير مَن سمّى”.

وذكَر الحافظ أبو يوسف المديني: أن الحافظ الهروي المعروف بشيخ الإسلام: ذكَر أنه كتبه عن سبعمائة رجل من أصحاب يحيى، قال  الحافظ: “وهذا يمكن تأويله بأن يكون له عن كلّ نفْس من أصحاب يحيى أكثر من طريق، فلا تزيد العُدّة على ما سمّى ابن منده؛ فإن الرواة عن يحيى لا يبلغون هذه العُدة -فيما نعلم- وأكثر من سمّى ابن منده ما وقفنا على رواياتهم”. اهـ.

وقال في تخريج أحاديث الرافعي: تتبّعتُه من الكتب والأجزاء حتى مررتُ على أكثر من ثلاثة آلاف جزء، فما استطعت أن أكمل له سبعين طريقًا”.

وذكر أبو القاسم عبد الرحمن بن منده في كتاب (التذكرة) له: أنه رواه عن النبيصلى الله عليه وسلم مع عمر، علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وأبو ذر، وعبادة بن الصامت، وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، وابن عمر، وابن عباس، ومعاوية، وعقبة بن عامر، وعتبة بن عبد السُّلمي، وجابر، وأنس، وعتبة بن المنذر، وعتبة بن مسلم، وهلال بن سويد.

وذكر الحافظ عماد الدِّين بن كثير: أنه سأل المزّي عن كلام ابن منده هذا، فاستبعده ووجّهه الحافظ العراقي في كلامه على ابن الصلاح، بأنّ مراده: أنّ هؤلاء رووا أحاديث في مطلق اعتبار النية، لا خصوص هذا اللفظ، ونبّه على أنّ الأخيريْن ليسا بصحابيَّيْن.

قال الحافظ: وقد ورد بلفظه من حديث أربعة من المذكورين وهم: أبو سعيد، وأنس، وأبو هريرة، وعمر.

وذكر الحافظ أبو الفضل العراقي: أنه رواه ثلاثة وثلاثون صحابيًّا، أي: وهُم مَن تقدّم، ويزاد عليهم: أبو الدرداء، وسهل بن سعد، والنواس بن سمعان، وأبو موسى الأشعري، وصهيب بن سنان، وأبو أمامة الباهلي، وزيد بن ثابت، ورافع بن خديج، وصفوان بن أمية، وغزية بن الحارث، والحارث بن غزية، وعائشة، وأم سلمة، وأم حبيبة، وصفية بنت حيي. ويعني أنهم روَوْا أحاديث في مطلق النّية، لقول ولد الولي العراقي: “هو منحصر في رواية عمر، وما عداه ضعيف أو في مطلق النية”.

error: النص محمي !!