Top
Image Alt

أقسام التورية

  /  أقسام التورية

أقسام التورية

والكلام عن أقسام التورية يستدعي أن نقول: إن التورية تقوم -كما هو متضح من معناها – على الإخفاء والستر، فالمعنى القريب فيها مخف وساتر للمعنى البعيد المراد؛ اعتمادًا على قرينة تحدد ذلك المعنى المراد وتعينه، وقد يجامع التورية شيء يلائم ويناسب المعنى القريب، فتكون أوغلَ في الإخفاء وأدخلَ في الستر، وقد لا يجامعها شيء من ذلك فيكون الخفاء فيها أقل من سابقتها. وقد قَسَّم البلاغيون التورية بهذا الاعتبار إلى قسمين؛ القسم الأول: التورية المجردة وهي التي لا يجامعها شيء مما يلائم المعنى القريب المورَّى به، أو يجامعها شيء يلائمها وآخر يلائم المعنى البعيد. ولها بذلك صور ثلاث:

الصورة الأولى: أن تكون مجردةً مما يلائم المعنى القريب مع تجردها مما يلائم المعنى البعيد كذلك. الصورة الثانية: أن تجيء مجردةً مما يلائم المعنى القريب مع اقترانها بما يلائم المعنى البعيد، وهذه نراها في قول عمر بن أبي ربيعة:

أيها المنكح الثريا سهيلا

*عمرك الله كيف يلتقيان

هي شامية إذا ما استقلت

*وسهيل إذا استقل يمان

فالتورية في لفظي “الثريا” و”سهيل” وهما هنا اسمان، الثريا: وهي الفتاة العظيمة المنزلة، وهي بنت علي بن أبي عبد الله بن الحارث بن أمية الأصفر، وسهيل: هو سهيل بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: رجل مشهور من اليمن. فهذان هما المرادان في البيت، لكن الشاعر أوهم السامع أنه يريد النجمين المشهورين؛ لأن الثريا من منازل القمر الشامية، وسهيلًا من النجوم اليمانية، إلا أنه أراد صاحبته المسماة بهذا الاسم، وكان أبوها قد زوجها برجل يدعى سهيلًا، فورى ابن أبي ربيعة بالنجمين عن الشخصين؛ ليكون أدعَى للإنكار متى أراد. وقد جاءت التورية مجردةً مما يلائم المعنى القريب المورى به، ولكن الشاعر أتى بما يلائم المعنى البعيد وهو قوله: “المنكح”؛ لأن النكاح من صفات الإنسان لا من صفات الكواكب. ومن شواهد هذه الصورة قول عماد الدين:

أرى العقد في ثغره محكمًا

*يرينا الصحاحَ من الجوهري

ومنثور دمعي غدَا أحمرَا

*رويناه عن وجهك الأزهري

التورية هنا في لفظ “الصحاح”؛ لأنه دال على معنيين؛ قريب مراد، وبعيد غير مراد، والقريب هو كتاب الجوهري المسمى بهذا الاسم (الصحاح) وهو أحد معاجم اللغة المعروفة، والبعيد الخفي هو أسنان محبوبته الشبيهة بالجوهر، وقد خلت التورية من ملاءمات المعنى القريب وإن جاءت مقترنةً بما يلائم المعنى البعيد، وهو قوله: “في ثغره”؛ لأنها من ملاءمات الأسنان، ولذلك فإن التورية مجردة؛ لعدم مجامعتها لشيء من ملاءمات المعنى القريب.

الصورة الثالثة من صور التورية المجردة: فهي أن يجامع التوريةَ شيءٌ مما يلائم المعنى القريب وشيء آخر يلائم المعنى البعيد، فيجتمع فيها الشيئان كلاهما، وكأن الشيئين تعارضَا فتساقطَا، فكأن لم يكن في الكلام شيء، لا من ملاءمات المعنى القريب ولا من ملاءمات المعنى البعيد. ومثال هذه الصورة قول الشاعر -وقد سبق:

يا عاذلي فيه قل لي

*إذا بدَا كيف أسلو

يمر بي كل وقت

*وكلما مَر يحلو

فالمعنى: يا لائمي دلني كيف أسلو عن محبوبتي حين أراها وكثيرًا ما أرى المحبوب مارًّا بي، وفي كل مرة أراه يزداد حلاوةً عندي؟ والتورية في البيتين في لفظ “مر” إذ معناه القريب الواضح من المرارة، والمعنى البعيد الخفي من المرور. . وقد قُرِنت التورية هنا بما يلائم المعنى القريب كما قرنت أيضًا بما يلائم المعنى البعيد، فالذي يلائم المعنى القريب هو قوله: “يحلو” إذ هو من الحلاوة التي هي ضد المرارة، ومن ملاءماتها الذي يلائم المعنى البعيد قوله: “يمر بي كل وقت” فلما اجتمع فيها الملائمان كانت كأن لم يجامعها شيء، فهي مجردة. ومما ذكر فيها ملائمان لكل من القريب والبعيد قول الشاعر:

أقول وقد شنُّوا إلى الحرب غارة

*دعوني فإني آكل العيش بالجبن

ولفظ “الجبن” له معنيان؛ قريب مورى به وهو الجبن المأكول، وبعيد مورى عنه وهو الجبن ضد الشجاعة، وهذا هو المراد، وقد ذكر الشاعر ملائمًا للمعنى البعيد وهو قوله: “شنوا إلى الحرب غارة” وذكر ملائمًا أيضًا للمعنى القريب وهو: “آكل العيش”. ولذا فهي تورية مجردة. ومثلها كذلك قول ابن الوردي:

قالت: إذا كنت تهوى

*وصلي وتخشى نفوري

صف ورد خدي وإلا

*أجور ناديتُ جوري

فلفظ: “جوري” التي جاءت في آخر البيت الثاني له معنيان، قريب ظاهر غير مراد، وذلك بأن يكون فعل أمر من جار مسند إلى ضمير المخاطبة، وقد ذكر ملائم له وهو: “وإلا أجور”. وبعيد خفي مراد وهو اسم نوع من الورد يسمى جوري، وقد ذكر ما يلائمه وهو قوله: “صف ورد خدي”. ومنها قول الآخر:

ومولع بفخاخ

*يمدها وشباك

قالت لي العين: ماذا

*يصيد؟ قلت: كراك

فلفظ “كراك” له معنيان: قريب غير مراد، وهو جمع كركا -طائر رمادي اللون يأوي إلى الماء- وقد ذكر ما يلائمه وهو الصيد: “يصيد”. وبعيد مراد وهو الكرى مضافًا إلى ضمير العين. والكرى هو النوم، وقد ذكر ملائم هذا المعنى وهو العين، فهو من التورية المجردة. هذا، وقد تضافر البلاغيون على إدخال قول الله تعالى: {الرّحْمَـَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىَ} [طه: 5] في باب التورية وتحديدًا في المجردة منها، وقالوا: إن كلمة: {اسْتَوَىَ} في الآية لها معنيان: قريب غير مراد وهو الاستقرار الحسي على سرير ونحوه، وبعيد مراد وهو الاستيلاء والمُلك والتمكن، وأن الأول وهو المتبادر إلى الذهن غير مراد؛ لأنه مستحيل في حق الله تعالى، وأما الثاني وهو المعنى البعيد غير متبادر، فهو المراد، وكأن المعنى القريب جيء ليستر ويخفي تحته المعنى البعيد المراد، ولم يذكر في الآية ما يلائم أيًّا من المعنيين، ومن ثم فقد عدوها توريةً مجردةً، وكذا قالوا.

والحق أن هذا الكلام مجافٍ للحقيقة ومخالف للصواب، ذلك أن كلًّا من المعنيين المشار إليهما في كلام البلاغيين غير صحيح بالمرة، فلا الاستواء في حق الله تعالى يعني الاستقرار، ولا هو يعني الاستيلاء، وإنما هو استواء على ظاهره وعلى حقيقته، وهو مخالف لاستواء المخلوقات، وهو له سبحانه على النحو اللائق بجلاله -جل وعلا- دونما تشبيه، أو تأويل، أو تفويض، أو تمثيل، أو تجسيم، أو تعطيل. وتجدر الإشارة إلى أن الاستقرار لا يليق به تعالى؛ لكونه من لوازم البشر، وقد أنكره الحافظ الذهبي في ترجمته للإمام البغوي، كما أنكره كذلك في ترجمته للإمام القصاب، وذلك في كتابه: (العُلو) معللًا ذلك: بأن البارئ سبحانه وتعالى منزَّهٌ عن الراحة والتعب، يعني: لكونهما من لوازمه، ولكونه أمرًا زائدا على العلو ولم يرد به الشرع. إذًا فهذا المعنى -الذي هو يعني الاستقرار- غير مراد وغير شرعي بالمرة. كما تجدر الإشارة أيضًا إلى أن دلالة الاستيلاء التي قال بها المؤولة في حق الله تعالى، لم يحدث أن جعلها العرب حقيقةً في الاستواء، ومخالفة ذلك مجاهرةٌ بالكذب، والذين قالوه قالوه استنباطًا وحملًا منهم بدون دليل للفظة استوى على استولى؛ استدلالًا بقول الأخطل:

قد استوى بِشر على العراق

*من غير سيف ولا دم مهراق

وهذا استدلال خاطئ وفي غير محله؛ لأنه إن صح نسبته وعدم تحريفه، كان حجةً على قائله والمستدل به؛ لكونه على حقيقة الاستواء لا الاستيلاء، فإن بشرًا هذا كان أخَ عبد الملك بن مروان وما كان ينازع أخاه الملك، وإنما كان أميرًا على العراق من قبل أخيه، وواليًا عليها من جهته، فلما كان نائبًا عنه استقر واستوى على سريرها كما هو عادة الملوك ونوابها أن يجلسوا على سرير المُلك، مستوين عليه، وهذا هو المطابق لمعنى هذه اللفظة في اللغة، فالاستيلاء ليس لازمًا لمعنى الاستواء في كل موضع، وإلا لو كان المراد بالبيت استيلاء القهر والمُلك لكان المستوي على العراق في حقيقة الأمر هو عبد الملك بن مروان وليس أخوه بشرا المقول هذا البيت في حقه.

هذا وقد ذكر العلامة محدث عصره الحافظ الذهبي المتوفى سنة 748 هذه التفسيرات السالفة الذكر، وصرح بها، وألمع إلى أن حَمْل الاستواء على معنى القهر أو الاستقرار أو الاستيلاء، هو مما أجمع أئمة الحديث واللغة والمحققون من أهل التفسير على بطلانه؛ لكون هذه المعاني ولو من غير المغالبة مما تليق بالمخلوق دون الخالق -جل وعلا. يقول لغوي زمانه ابن الأعرابي المتوفى سنة 231 لِمَن جادله وارتأى أن استوى بمعنى استولى: “اسكت، ما يدريك ما هذا؟! العرب لا تقول للرجل: استولى على الشيء حتى يكون له مضاد. قال النابغة:

ألا لِمِثلك أو مَن أنت سابقُه

*سَبْق الجواد إذا استولى على الأمد

والله لا مضاد له، وهو على عرشه كما أخبر، فجعل الجواد مستوليًا على الأمد بعد مفارقته له وقطع مسافته”. وقد حدث بهذا أيضًا شيخ العربية ابن نفطويه المتوفى سنة 323، ونقله عنهما الحافظ الذهبي في كتابه (العلو) وقال أيضًا إمام العربية الخليل بن أحمد فيما رواه عنه كذلك الإمام الذهبي: “أتيت أبا ربيعة الأعرابي وكان مِن أعلم مَن رأيت، فكان على سطح فلما رأيناه أشرنا عليه بالسلام، فقال: استووا، فلم ندرِ ما قال، فقال لنا شيخ عنده: يقول لكم: ارتفعوا، قال الخليل -الإمام اللغوي المشهور في النحو والعروض: هذا من قوله تعالى: {ثُمّ اسْتَوَىَ إِلَى السّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ} [فصلت: 11]”. وقال ثعلب -إمام الكوفيين في النحو واللغة- المتوفى سنة 291 فيما نقله عنه صاحبَا (العُلو) و(معارج القبول) الشيخ حافظ بن الحكمي: {الرّحْمَـَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىَ} [طه: 5] أي: علا.

ولأجل هذا وما قرره أهل اللغة وأئمة الهدى، فمن غير المعقول ولا من اللائق أن يؤول مؤول الاستواء بالاستيلاء والغلبة والقهر، أو أن ينسب أحدٌ شيئًا من ذلك إلى رب كل شيء ومليكه، أو أن يجعل تفسير الآية أنه أعلم عباده بأنه خلق السماوات والأرض، ثم غلب على العرش بعد ذلك وقهره، وأن يجعل لازم قول الله تعالى: {الرّحْمَـَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىَ}: اعلموا يا عبادي أني وبعدَ فراغي من خلق السماوات والأرض غلبت عرشي وقهرته، واستوليت عليه!! أو أن يكون أعلم الخلق صلى الله عليه وسلم به سبحانه حين أطلق عليه أنه -عز جاهه، وعظم سلطانه- مستوٍ فوق عرشه كما في حديث ابن مسعود: ((والله فوق العرش))، هاديًا، وعابثًا، ومطلقًا الكلام على عواهنه. ومن غير المعقول كذلك ولا اللائق له أن يقلب الحقائقَ ويعكس أوضاع اللغة، وأن يجعل مستقاه ومصدر تلقيه الجهمية والمعتزلة والخوارج وأضرابهم ممن يحرفون الكلم عن مواضعه، ويفسرون القرآنَ بأهوائهم، مقدمًا كلامهم على كلام الصحابة والتابعين، أو أن يعدل عن كلام هؤلاء الذين ذكرنا مؤخرًا إلى كلام أولئك المتكلمين.

القسم الثاني من أقسام التورية: وهي التورية المرشحة؛ وهي التي قُرنت بما يلائم المعنى القريب غير المراد المورَّى به، وإنما سميت مرشحةً؛ لتقويتها بذكر لازم المعنى القريب غير المراد، فإنها تزداد بذكره إبهامًا، والملائم للمعنى القريب قد يكون قبل لفظ التورية وقد يكون بعده، فهما إذًا صورتان:

الصورة الأولى: أن يقع الترشيح سابقًا للفظ الحامل للتورية، وذلك كقول الله تعالى: {حَتّىَ يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] فالتورية في لفظ: {يَدٍ} فهو لفظ له معنيان: قريب واضح وهو الجارحة المعروفة، وبعيد خفي وهو الذِّلة والاستكانة، والمراد هو المعنى البعيد. وقد قرنت التورية بما يلائم المعنى القريب المورى به وهو قوله: {يُعْطُواْ} لأن الإعطاءَ عادةً يقع باليد فهي إذًا مرشحة، وقد وقع الترشيح وهو الإعطاء قبل لفظ التورية. ومن شواهد هذه الصورة قول السراج الوارق:

يا خجلتي وصحائفي سود بدت

*وصحائف الأبرار في إشراق

ومؤنب لي في القيامة قال لي

*أكذا تكون صحائف الوراق

فالتورية في لفظ “الوراق” فهو لفظ حامل لمعنيين؛ أحدهما: قريب واضح وهو الذي يبيع الورق، والآخر: بعيد خفي وهو اسم الشاعر، والمعنى المراد هو البعيد. وقد قرنت هذه التورية بما يلائم المعنى القريب وهو الصحائف، فهذا اللفظ يناسب بائع الورق. وقد جاء هذا اللفظ سابقًا للتورية، وعلى هذه الصورة جاء أيضًا قول أبي الحسين الجزار:

كيف لا أشكر الجِزارة ما عشــ

*ت حفاظًا وأهجر الآدابا

وبها صارت الكلابُ ترجيـ

*ـني وبالشِّعر كنت أرجو الكلابا

فالتورية في لفظ “كلاب” الثاني؛ لأن له معنيين: قريب واضح وبعيد خفي، فالقريب هو الحيوان المعروف، والبعيد هو لئام الناس وشرارهم، وهو المراد، وهي تورية مرشحة حيث جمعت ما يلائم المعنى القريب وهو قوله: “صارت الكلاب تُرجيني” وقد وقع هنا الترشيح قبل لفظ التورية. ومن شواهد هذه الصورة أيضًا قول الحريري:

يا قوم كم من عانق عانس

*ممدوحة الأوصاف في الأندية

قتلتها لا أبتغي وارثًا

*يطلب مني قَوَدًا أو دية

فالتورية في لفظ “عانس” فهو لفظ حامل لمعنيين: قريب وهو البِكر التي طال مُكْثها في بيت أبيها ولم تتزوج، وبعيد وهو الخمر، والمراد هو البعيد، وقد قرنت بما يلائم المعنى القريب وهو القتل والقود والدية، إذ إنها مما يناسب الإنسان وليس الخمر، فهي تورية مرشحة جاء ترشيحها متأخرًا عن لفظ التورية. ومن بديع التورية المرشحة على هذا النمط قول شوقي في رثاء حافظ إبراهيم:

يا حافظ الفصحى وحارس مجدها

*وإمامَ مَن نجبت من البلغاء

خلفت في الدنيا بيانًا خالدًا

*وتركت أجيالًا من الأبناء

وغدا سيذكرك الزمان ولم يزل

*للدهر إنصاف وحسن جزاء

فالمعنى القريب للفظ حافظ أن يكون اسم فاعل من حفظ، وقد ذكر ملائمًا لهذا المعنى وهو “الفصحى” و”حارس” فهما يقتضيان أن يكون لفظ حافظ من المحافظة، والمعنى البعيد هو اسم شاعر النيل حافظ إبراهيم، فالتورية تورية مرشحة. ومن ذلك أيضًا قوله على سبيل المزاح والمداعبة لحافظ:

وحمَّلت إنسانًا وكلبًا أمانةً

*فضيعها الإنسان والكلب حافظ

ورد حافظ عليه مداعبًا أيضًا:

يقولون إن الشوق نار ولوعة

*فما بال شوقي الآن أصبح باردًا

فالمعنى القريب لحافظ اسم فاعل من حفظ وقد ذُكر ما يلائمه:

وحمَّلت إنسانًا وكلبًا أمانةً

*فضيعها الإنسان والكلب حافظ

والمعنى القريب لشوقي أن يكون من الشوق والحنين وقد ذكر لازمه : “إن الشوق نار ولوعة” والمعنى البعيد لكل منهما وهو المراد أن يكون عَلَمين لشاعر النيل حافظ إبراهيم، وأمير الشعراء أحمد شوقي، فالتورية في البيتين تورية مرشحة. وأضاف فريق ثالث إلى المجردة والمرشحة -اللتين أشار إليهما الخطيب القزويني- التورية المُبَيِّنة، والتورية المُهَيِّئة، وقالوا: إن التورية المبينة هي ما ذكر فيها لازم المعنى البعيد المورَّى عنه، وسميت كذلك؛ لأن هذا اللازم يبينها ويقربها، وقد يكون لازمًا قبل لفظ التورية كما في قول البحتري:

ووراء تسدية الوشاح ملية

*بالحسن تملح في القلوب وتعذب

فلفظ “تملح” يحتمل أن يكون من الملوحة ضد العذوبة، وهذا هو المعنى القريب المورى به، ويحتمل أن يكون من الملاحة وهو الحسن والجمال، وهذا هو المعنى البعيد المورى عنه. وقد تقدم ذكر ملائمي وهو قوله: “ملية بالحسن” أما قوله: “تعذب” فيلائم كلا من الملوحة والملاحة، يلائم الملوحةَ على أنهما ضدان، ويلائم الملاحة على أنهما مترادفان. ومن ذلك قول الشاعر:

قالوا أما في جَلْق نزهة

*تنسيك مَن أنت به مغرًى

يا عاذلي دونك مَن لَحظه

*سهمًا ومن عارضه سطرَا

فالمعنى البعيد المورى عنه لكل من السهم والسطر هو الموضعان المشهوران بمنتزهات دمشق، وقد ذُكرت النزهة بجلق قبلهما وهي من ملاءمات هذا المعنى، أما المعنى القريب المورى به فهو “سهم اللحظ” و”سطر عارض” وهما غير مرادين. ومن ذلك أيضًا قول الشاعر:

أَمَوْلانا ضياء الدين قل لي

*وعِشْ فبقاء مولانا بقائي

فلولا أنت ما أغنيت شيئًا

*وما يغني السراج بلا ضياء

ففي لفظي “السراج” و”ضياء” تورية مبينة إذ معناهما القريب المصباح الذي يُستخدم في الإضاءة، والضوء الذي يبدد الظلام، ومعناهما البعيد اسم الشاعر واسم الممدوح، وقد ذكر قبل اللفظين ما يلائم هذا المعنى البعيد وهو قوله: “مولانا ضياء الدين”، “لولا أنت ما أغنيت شيئًا”. وقد يذكر لازم المورَّى عنه بعد لفظ التورية كما في قول الشاعر:

أرى ذَنَب السرحان في الأفق طالعا

*فهل ممكن أن الغزالة تطلع

فالبيت به توريتان مبينتان وهما في: “ذنب السرحان” وفي “الغزالة”. إذ المعنى القريب لذنب السرحان ذنب الحيوان المعروف وهو الذئب، وللغزالة الظبي، والمعنى البعيد المورى عنه للأول ضوء النهار وقد ذكر بعده ما يلائمه، وهو قوله: “في الأفق طالعا” وللثاني الشمس، وقد قرن بملائمه: “تطلع” فالتورية في الموضعين مبينة، حيث ذكرا بعد كل ما يلائم المعنى البعيد المراد. وجاء ذلك أيضًا في قول ابن سَناء المُلك:

أما والله لولا خوف سُخطك

*لهان علي ما ألقي برهطك

ملكتَ الخافقَيْن فتهت عجبًا

*وليس هما سوى قلبي وقِرطك

فالخافقان معناهما القريب المورى به المشرق والمغرب، ومعناهما البعيد المورى عنه قلبه وقرط حبيبه، وقد بين هذا المعنى بالنص عليه في الشطر الأخير: “وليس هما سوى قلبي وقرطك”. ومن التورية المبينة التي ذكر فيها الملائم قبلًا قول القاضي عياض يصف صيفًا باردة:

كأن كانون أهدى من ملابسه

*لشهر تموز ألوانًا من الحُلل

أو الغزالة من طول المدى خَرفت

*فما تُفرق بين الجدي والحمل

ففي ألفاظ: “الغزالة” و”الجدي” و”الحمَل” تورية مبينة، إذ المعنى القريب للغزالة الظبية، وللجدي ولد المعز، والحمل ولد الضأن، والمعنى البعيد للغزالة الشمس، وللجدي برج الجدي وهو برج البرد، وللحمل برج الحمل وهو برج الدفء، وقد ذكر في البيت الأول ما يلائم هذه المعاني البعيدة المورى عنها، وهو إهداء كانون من ملابسه لتموز ألوانًا من الحلل، ومعنى البيتين: أن هذا صيف بارد، وكأن برودته ترجع إلى أن شهر كانون الواقع في زمن البَرْد قد أهدَى لشهر تموز الواقع في زمن الصيف ألوانًا من البرد والسقيع، أو أن الشمس قد خَرفت، فبَدل أن تنزل في برج الدفء وهو برج الحمل، نزلت في برج البرد وهو برج الجدي، وكأنها لم تستطع أن تفرق بين البرجين؛ لتخريفها.

وبعض البلاغيين يرى أن التورية في الغزالة مرشحة؛ لأن خرفت بمعنى قل عقلها تلائم المعنى القريب وهو الظبي، وهذا ليس برأي؛ لأن المعنى قائم على التصوير والتخييل، فإسناد: “خرفت” إلى “الغزالة” استعارة تخييلية -على نحو ما عرفنا في علم البيان- وبعضهم يرى أن: “الغزالة” و”الجدي” و”الحمل” توريات مرشحة، ترشح كل منها الأخرى، وهذا أيضًا ليس برأي؛ لأن ملائم المعنى ولوازم التورية يُشترط فيها ألا تكون ألفاظًا مشتركةً، و”الغزالة” و”الجدي” و”الحمل” ألفاظ مشتركة بين المعنيين المذكورين لكل منها، وبعضهم يرى غير ذلك، والصواب هو ما ذكرنا. أما التورية المهيئة فهي التي تفتقر إلى ذكر شيء قبلها أو بعدها يهيئها لاحتمال المعنيين، وإلا لم تتهيأ التورية، أو تكون التورية في لفظين أو أكثر، لولا كل منهما لَمَا تهيأت التورية في الآخر. من ذلك قول ابن سناء الملك:

وسَيْرك فينا سيرة عُمرية فروحت

*عن قلب وأفرجت عن كرب

وأظهرت فينا من سَميك سُنةً

*فأظهرت ذاك الفرض من ذلك الندب

فالفرض والندب يحتملان أن يكونا من الأحكام الشرعية، وهذا هو المعنى القريب المورى به، ويحتمل أن يكون الفرض بمعنى العطاء، والندب بمعنى الرجل السريع في قضاء الحوائج، وهذا هو المعنى البعيد المورى عنه. ولولا ذكر لفظ “السنة” لَمَا تهيأت التورية، ولما فُهِمَ من الفرض والندب الحكمان الشرعيان اللذان بهما كانت التورية. من ذلك أيضًا قول ابن الربيع:

لولا التطير بالخلاف وأنهم

*قالوا مريض لا يعود مريضًا

لقضيت نحبي في جَنابك خدمةً

*لأكون مندوبًا قضَى مفروضًا

فالمندوب يحتمل أن يكون اسم مفعول من: نَدَب الميت إذا بكاه، وهذا هو المعنى البعيد المورى عنه، والذي قصده الشاعر، ويحتمل أن يكون أحد الأحكام الشرعية وهو المعنى القريب المورى به، ولولا ذكر المفروض بعده لَمَا تنبه السامع للمعنى القريب للمندوب، ولما كانت هناك تورية، فلفظ: “مفروضًا” قد هيأ هذه التورية. ومن ذلك قول علي في الأشعس بن قيس: “إنه كان يحوك الشَّمال باليمين”. فالشمال يحتمل أن يكون جمع شملة، وهو الكِساء يشتمل به، وهذا هو المعنى البعيد، ويحتمل أن يكون اليد الشمال نقيض اليمين، وهذا هو المعنى القريب. وذكر اليمين بعد الشمال هو الذي هيأ لهذه التورية.

من هنا يبدو الفرق بين ما يهيئ للتورية وبين ما يرشحها أو يبينها، فاللفظ الملائم في التورية المرشحة أو المبينة لازمٌ من لوازم المعنى، أو بصيغة أخرى خصوصيةٌ من خصوصياته، فهو لازم خاص، ويشترط فيه -كما أوضحنا- ألا يكون من الألفاظ المشتركة، وهو إما مقو للتورية المرشحة أو مبين للتورية المبينة، ولو لم يذكر هذا الملائم لصحت التورية وظلت موجودةً. أما اللفظ المهيئ فإنه إذا لم يذكر لا تكون التورية أصلًا، ولننظر في قول ابن أبي ربيعة:

أيها المنكح الثريا سهيلًا

فإننا لو غيرنا أحد اللفظين فقلنا: أيها المنكح هندًا سهيلًا، لم تكن هنالك تورية في لفظ سهيل. هذا، وتكمن بلاغة التورية في ثلاثة أمور؛ أولها: أن المعنى البعيد المراد المورى عنه يبدو من خلف المعنى القريب غير المراد في صورة حسنة لطيفة، كما يبدو وجه المرأة الحسناء من وراء البُرقُع. ثانيها: أن المخاطب يدرك من لفظ التورية في بادئ الأمر معناها القريب بسرعة إدراكه قبل البعيد، ولخفاء القرينة فيها، فإذا ما وقف على المعنى البعيد بعد ذلك، وأدركه بالتأمل، وإطالة النظر، كان له وقعه في النفوس وأثره الحسن.

الأمر الثالث: أن التورية تُمكِّن المتكلم من أن يخفي المعاني التي يخشى التصريح بها، فيوري عنها بمعانٍ أخرى تُفهم من لفظ التورية، وبهذا يدفع المحظور مع الصدق، كما رأينا في إجابة أبي بكر رضي الله عنه للسائل عن الرسول صلى الله عليه وسلم إذ قال له: “هادٍ يهديني الطريقَ”. وكما هو حاصل في إجابة الرسول صلى الله عليه وسلم في خروجه لغزوة بدر عندما سأل سائل: مِمَّن أنتم؟ قال له صلى الله عليه وسلم: ((من مَاء))، فقد أراد -صلوات الله عليه- أنهم مخلوقون من ماء مَهين، فورَّى عنه بقبيلة من العرب يقال لها: ماء، أو بالعراق؛ لأن ماء اسم من أسمائها.

error: النص محمي !!