Top
Image Alt

أقسام الجمع بين الأحاديث المتعارضة ومسالكها

  /  أقسام الجمع بين الأحاديث المتعارضة ومسالكها

أقسام الجمع بين الأحاديث المتعارضة ومسالكها

وبعد أن فرغت من بيان شروط الجمع بين الحديثين المتعارضين أتكلم الآن عن أقسام الجمع بين الأحاديث المتعارضة ومسالكها.

للجمع بين الأحاديث المتعارضة في الظاهر أربعة أقسام ولكل قسم منها مسلك مختصّ به، يفزع إليه عند الجمع، ودفع التعارض ولا يقدر على سلوك هذه المسالك إلا البصير الجامع بين ملكتي الحديث والفقه، وهذه الأقسام هي:

القسم الأول: الجمع بين تعارض الحديثين العامين. إذا كانت الدلالة في الحديثين المتعارضين في الظاهر عامة في كل منهما فالمسلك الذي يتبع في الجمع بينهما حينئذٍ يسمى بالتنويع في اصطلاح السادة الحنفية، وبالتوزيع في اصطلاح السادة الشافعية ومفهومهما واحد، وهو أن يخص حكم أحد الحديثين المتعارضين ببعض الأشخاص أو الموارد أو المعاني التي يشملها مدلول الحديث ويخص حكم الحديث الآخر ببعض آخر من هذه الموارد، أو المعاني، أو الأشخاص. والأمثلة على هذا القسم كثيرة وهذا بعضها:

المثال الأول: حديث عمران بن حصين رضي الله عنه وحديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه في الشهادات روى البخاري واللفظ له ومسلم في (صحيحيهما) من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)) قال عمران: “لا أدري أَذَكَر النبي صلى الله عليه وسلم بعد قرنين أو ثلاثة”. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن بعدكم قومًا يخونون، ولا يؤتمنون، ويشهدون ولا يستشهدون، وينذرون ولا يفون ويظهر فيهم السمن)) رواه البخاري في (صحيحه). كتاب الشهادات باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد، الحديث الحادي والخمسون وستمائة وألفان الجزء الخامس الصحيفة السادسة والثلاثمائة. وفي كتاب (فضائل الصحابة)، باب: فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن صحب النبي أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه الحديث الخمسون وستمائة وثلاثة آلاف الجزء السابع الصحيفة الخامسة. ومسلم في (صحيحه) كتاب فضائل الصحابة باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم الحديث الرابع عشر ومائتان وزاد ثالثة ((ثم الذين يلونهم)) الجزء الرابع الصحيفة الرابعة والستون وتسعمائة وألف.

وأخرج الإمام مالك في (موطئه) ومسلم في (صحيحه) من طريقه من حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ألا أخبركم بخير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها أو يخبر بشهادته قبل أن يُسألَهَا)) رواه مالك في (موطئه) كتاب الأقضية، باب: ما جاء في الشهادات، الحديث الثالث الجزء الثاني الصحيفة العشرون وسبعمائة. ومسلم في (صحيحه) كتاب الأقضية باب: بيان خيرِ الشهود. الحديث التاسع عشر دون قوله: ((أو يخبر بشهادته قبل أن يسألها))، الجزء الثالث الصحيفة الرابعة والأربعون وثلاثمائة وألف. وابن ماجه في (سننه) كتاب الأحكام، باب: الرجل عنده الشهادة لا يعلم بها صاحبها. الحديث الرابع والستون وثلاثمائة وألفان، دون قوله: ((أو يخبر بشهادته قبل أن يسألها)) الجزء الثاني الصحيفة الثانية والتسعون وسبعمائة.

وجه التعارض بين الحديثين:

صرح حديث عمران بن حصين رضي الله عنه بذم من يأتي بالشهادة قبل أن تطلب منه وهذا في قوله في الحديث: ((ويشهدون ولا يستشهدون)) وجعلها من المنكرات التي تظهر في القرن الرابع الهجري وما بعده من القرون المتأخرة عن القرون الثلاثة الفاضلة الأولى.

وصرح حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه بمدح من يأتي بالشهادة قبل أن تطلب منه فقال في الحديث: ((ألا أخبركم بخير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها))، والشهداء جمع شهيد، كظرفاء جمع ظريف، وأما شهود فجمع شاهد، كحضور جمع حاضر، وخروج جمع خارج، وخير الشهداء أكثرهم ثوابًا عند الله تعالى، فهذا وجه المناقضة بين ظاهر الخبرين.

أوجه الجمع بين الحديثين:

الوجه الأول: المراد بحديث زيد رضي الله عنه من عنده شهادة لإنسان بحق، ولا يعلم ذلك الإنسان أنه شاهد؛ فيأتي إليه فيخبره بأنه شاهد له، أو يموت صاحبها العالم بها، ويخلف ورثته، فيأتي الشاهد إليهم أو إلى من يتحدث عنهم؛ فيخبرهم بذلك؛ لأنها أمانة لهم عنده، فوجب عليه أداؤها وإعلامهم بها، والشهادة لقوله تعالى: {وَأَقِيمُواْ الشّهَادَةَ لِلّهِ} [الطلاق: 2] وهذا أحسن الأجوبة، وبهذا أجاب يحيى بن سعيد شيخ مالكٍ. ومالكٌ وأصحاب الشافعي.

الوجه الثاني: المراد بحديث زيد رضي الله عنه شهادة الحسبة، وهي ما لا يتعلق بحقوق الآدميين المختصة بهم محضًا، ويدخل في الحسبة مما يتعلق بحق الله، أو فيه شائبة منه كالعتق، والوقف، والوصية العامة، والعدة، والطلاق، والحدود، ونحو ذلك. فمن عَلِمَ شيئًا من هذا النوع؛ وجب عليه رفعه إلى القاضي، وإعلامه به والشهادة لقوله تعالى: {وَأَقِيمُواْ الشّهَادَةَ لِلّهِ}، وحاصله: أن المراد بحديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه الشهادة في حقوق الله تعالى. والمراد بحديث عمران بن حصين رضي الله عنه الشهادة في حقوق الآدميين.

الوجه الثالث: المراد بحديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه المجاز والمبالغة في الإجابة إلى أداء الشهادة بعد طلبِهَا لا قبله، فيكون لشدة استعداده لها كالذي أداها قبل أن يسألها، كما يقال في وصف الجوادِ: الجوادُ يعطي قبل السؤال والطلب، أي: يعطي سريعًا عقب السؤال من غير توقف.

وسلك ابن عبد البر مسلكًا وعرًا يستغرب من مثله فيما نسبه إليه الحافظ ابن حجر في (الفتح) الجزء الخامس الصحيفة السابعة بعد الثلاثمائة حيث رجح حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه لكونه من رواية أهل المدينة؛ فقدمه عَلَى حديث عمران بن حصين رضي الله عنه لكونه من روايةِ أهلِ العراقِ وبالغ جدًّا، فزعم: أن حديث عمران رضي الله عنه لا أصل له، مع أنه مخرج في (الصحيحين) فكيف يكون لا أصل له، ومعنى لا أصل له: لا إسناد له، فإن قصد بهذه العبارة أن الحديث لا يوجد في أصول كتب الحديث وأمهاته كالكتب الستة و(الموطأ) و(المسند) وغيرها، فلا يسلم له أيضًا؛ لأن الحديث في (الصحيحين). والحاصل: أن مسلك الترجيح ضعيف جدًّا ها هنا والجمع مقدم عليه إذا أمكن. وقد أمكن الجمع فلا يصار إلى الترجيح، انظر: (فتح الباري بشرح البخاري) الجزء الخامس الصحيفة السابعة بعد الثلاثمائة و(المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج) للإمام النووي الجزء الثاني عشر الصحيفة السابعة عشر. (المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم) للإمام القرطبي الجزء الخامس الصحيفة الثانية والسبعون ومائة إلى الصحيفة الثالثة والسبعين ومائة. (الاستذكار) لابن عبد البر الجزء السابع الصحيفة مائة.

error: النص محمي !!