Top
Image Alt

أقسام الدلالة اللغوية

  /  أقسام الدلالة اللغوية

أقسام الدلالة اللغوية

والدلالة: قد تفتح الدال وقد تكسر، يقول صاحب (شرح الكوكب المنير): الدلالة بفتح الدال على الأفصح مصدرٌ لدلّ يدل دلالة، وهي -أي: الدلالة المرادة هنا- ما يلزم من فَهم شيءٍ أي شيء كان، فهم شيء آخر، يعني: كون الشيء يلزم من فهمه فهم شيء آخر، فالشيء الأول هو الدال، والشيء الثاني هو المدلول.

ومطلق الدلالة ثلاثة أنواع:

النوع الأول: ما دلالته وضعية كدلالة الأقدار على مقدوراتها، ومنها: دلالة السبب على المسبب، كدلالة الدلوك على وجوب الصلاة: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78]، وكدلالة المشروط على وجود الشرط كدلالة الصلاة على وجود الطهارة، وإلا لَمَا صحت الصلاة.

والنوع الثاني: ما دلالته عقلية كدلالة الأثر على المؤثِّر، ومنه دلالة العالم على موجِده، وهو الله سبحانه وتعالى.

والنوع الثالث: ما دلالته لفظية، أي: مستندة إلى وجود اللفظ.

وهذه الدلالة اللفظية ثلاثة أقسام:

القسم الأول: طبيعية كدلالة “أُح أح” على وجع في الصدر.

والقسم الثاني: عقلية كدلالة الصوت على حياة صاحبه.

والقسم الثالث: وضعية، وهذه الدلالة الوضعية -التي هي أحد أقسام الدلالة اللفظية- كون اللفظ إذا أطلق فهم من إطلاقه ما وضع له.

ودلالة اللفظ الوضعية على مسماه -أي: مسمى ذلك اللفظ- إما أن يكون مطابقة -أي: دلالة مطابقة- كدلالة الإنسان على الحيوان الناطق، وإنما سميت هذه الدلالة مطابقة؛ لأن اللفظ موافقٌ لتمام ما وضع له من قولهم: طابق النعل النعل إذا توافقتا، فاللفظ هنا موافق للمعنى لكونه موضوعًا بإزائه.

وأيضًا قد تكون دلالة جزئية أو تضمنية كما يسمونها كدلالة اللفظ على جزء مسماه تضمن -أي: دلالة تضمن- كدلالة الإنسان على حيوان فقط أو على ناطق فقط، سميت بذلك؛ لأن اللفظ دل على ما في ضمن المسمى.

أيضًا قد تكون دلالة اللفظ على لازم مسماه الخارج لزومية أو التزامية كدلالة الإنسان على كونه ضاحكًا أو قابلًا صنعة الكتابة، فهذه الدلالة تسمى التزام -أي: دلالة التزام- ودلالة اللفظ على لازم مسماه الخارج عنه هذه دلالة عقلية، وكون دلالة المطابقة والتضمن لفظيتين، ودلالة الالتزام عقلية هو الذي قدمه صاحب (التحرير) الإمام المرداوي، واختاره الآمدي -رحمه الله- وابن الحاجب، وابن مفلح، وابن قاضي الجبل -رحم الله الجميع.

وهناك قول آخر، وهو أن الدلالات الثلاث لفظية، وحكاه في (شرح التحرير) عن الأكثر، وقيل: المطابقة لفظية، والتضمن والالتزام عقليتان، ودلالة المطابقة أعم من دلالة التضمن والالتزام؛ لجواز كون المطابقة بسيطة لا تضمن فيها، ولا لها لازم خارجي، وقد يوجد معها تضمن بلا التزام بأن يكون اللفظ موضوعًا لمعنى مركب، ولا يكون له لازم خارجي، فيوجد مع المطابقة دلالة تضمن بدون دلالة التزام، وعكسه بأن يكون اللفظ موضوعًا لمعنى بسيط وله لازم خارجي، فيوجد مع المطابقة دلالة التزام بدون دلالة التضمن، والتضمن دلالته أخص من دلالة المطابقة، وكذلك أخص من دلالة الالتزام.

يقول الإمام ابن مفلح: دلالة الالتزام مساوية لدلالة المطابقة، وهما أعم من التضمن لجواز كون المدلول واللازم بسيطًا لا جزء له، والدلالة باللفظ معناها: استعماله -أي: استعمال اللفظ- في موضوعه الأول، وهو المراد بقوله: “في الحقيقة”، أو استعماله في غير موضوعه الأول لعلاقة بين الغير وبين موضوعه الأول، وهو المراد بقوله: “بالمجاز”، والباء في قوله: “باللفظ” للاستعانة والسببية؛ لأن الإنسان يدلنا على ما في نفسه بإطلاق لفظه، فإطلاق اللفظ آلة للدلالة كالقلم آلة للكتابة.

إذا عُلِمَ ذلك، فالفرق بين دلالة اللفظ، والدلالة باللفظ من وجوه:

أولها: من جهة المحل، فإن محل دلالة اللفظ القلب، ومحل الدلالة باللفظ اللسان.

الثاني: من جهة الوصف، فدلالة اللفظ صفةٌ للسامع، والدلالة باللفظ صفةٌ للمتكلم.

الثالث: من جهة السبب، فالدلالة باللفظ سببٌ ودلالة اللفظ مسببٌ عنها.

الرابع: من جهة الوجود، فكلما وجدت دلالة اللفظ وجدت الدلالة باللفظ بخلاف العكس.

الخامس: من جهة الأنواع، فدلالة اللفظ ثلاثة أنواع: مطابقة، وتضمن، والتزام، أما الدلالة باللفظ نوعان فقط: حقيقة، ومجاز.

والملازمة التي تكون بين مدلول اللفظ ولازمه الخارج أنواع، فقد تكون ملازمة عقلية كالزوجية اللازمة للاثنين، وشرعية كالوجوب والتحريم اللازمين للمكلف، وعادية كالارتفاع اللازم للسرير، وقد تكون الملازمة قطعية كالوجود اللازم للموجود، وقد تكون الملازمة ضعيفة جدًّا كالعادة اللازمة لزيد من كونه إذا أتى لمحل كذا يحجبه عمرو، وقد تكون الملازمة كلية كالزوجية اللازمة لكل عدد له نصف صحيح، وقد تكون الملازمة جزئية كملازمة المؤثر للأثر، وعلى ذلك فالدلالة اللفظية ثلاثة أنواع: دلالة مطابقة، ودلالة تضمن، ودلالة التزام.

يقول الإمام الرازي -رحمه الله-: اللفظ إما أن تعتبر دلالته بالنسبة إلى تمام مسماه، أو بالنسبة إلى ما يكون داخلًا في المسمى من حيث هو كذلك، أو بالنسبة إلى ما يكون خارجًا عن المسمى من حيث هو كذلك، فالأول -يعني: أن تعتبر دلالته بالنسبة إلى تمام مسماه- هو المطابقة، والثاني -بالنسبة لما يكون داخلًا في المسمى- هو التضمن، والثالث -بالنسبة لما يكون خارجًا عن المسمى- هو الالتزام.

يقول الإمام الأصفهاني -رحمه الله- في شرحه لهذه الجملة: إن دلالة اللفظ فهم المعنى من اللفظ، أي: للعالم بوضع اللفظ بإزاء المعنى، وفيه نظرٌ، لماذا فيه نظر؟ قال: لأن الدلالة صفة اللفظ، فإنا نقول: اللفظ دالٌّ على كذا، وفهم المعنى من اللفظ ليس وصفًا للفظ، بل هو أمرٌ راجعٌ إلى السامع للفظ العالم بالوضع، فالصواب أن يقال: إذا قلنا اللفظ دالٌّ على كذا فمعناه أنه بحالة تُفهِم السامع العالم بالوضع معنى كذا، فالمعني بدلالة اللفظ كون اللفظ مفهمًا لمعناه عند سماع مَن هو عالم بالوضع، والأول أيضًا مصطلح عليه، إذا اتضح ذلك فنقول: اللفظ الموضوع لمعنى من المعاني، فإنه يدل على ذلك المعنى بالتفسير المذكور سابقًا جزمًا، وهذه الدلالة تسمى دلالة المطابقة، فعلى هذا كل لفظ وضع لمعنى فهو يدل على ذلك المعنى مطابقة، سواءٌ كان الواضع هو الشرع، أو الواضع هو العرف العام أو العرف الخاص.

ثم نقول: قد يكون اللفظ موضوعًا لمجموع فيدل على المجموع مطابقة، وعلى جزء ذلك المجموع تضمنًا، وذلك أن فهم المجموع بدون جزئه محالٌ، وقد يكون للمعنى الموضوع له اللفظ لازمًا خارجيًّا ينتقل الذهن منه إليه، فيدل اللفظ الموضوع للمعنى على لازمه الذهني، ويسمى ذلك بالالتزام، فالدال بالمطابقة كلُّ لفظ وضع لمعنى، فإنه يدل على ذلك المعنى مطابقة، والدال بالتضمن كلُّ لفظ وضع لمجموع، فإنه يدل على جزء ذلك المجموع تضامنًا، والدال بالالتزام كلُّ شيء أو كل لفظ وضع لشيء له لازم خارج ينتقل الذهن إليه، فإنه يدل على ذلك اللازم ذهنًا بالالتزام.

أما قول الإمام الرازي: اللفظ إما أن تعتبر دلالته بالنسبة إلى تمام مسماه أو بالنسبة إلى ما هو داخل فيه، فاعلم أن اللفظ الموضوع للمعنى الخاص، فإن بينه وبين ذلك المعنى نسبة، ضرورة أن دلالة شيء على شيء تتوقف على تعقله مع غيره، فهي إذًا من الأمور النسبة؛ فلهذا قال الإمام الرازي: إما أن تعتبر دلالة اللفظ بالنسبة إلى تمام مسماه.

وأما مسمى اللفظ فهو مدلوله الموضوع له اللفظ، وذلك كالحيوان الناطق بالنسبة إلى لفظة الإنسان، وبه يُعرف جزء المسمى، ولازم المسمى ذهنًا؛ فنقول: إن اعتبر اللفظ الموضوع للمعنى بالنسبة إلى تمام مسماه، فهو يدل عليه جزمًا، وأما قوله: “فهي المطابقة” أي: تلك الدلالة تسمى بالمطابقة، وإن اعتبر بالنسبة إلى ما هو داخل في المسمى من حيث هو كذلك، أي: من حيث هو جزء منه، فيدل على ذلك الجزء جزمًا كدلالة الإنسان على الحيوان الناطق، وتسمى تلك الدلالة بالتضمن، وإن اعتبر بالنسبة إلى ما هو خارج عن المسمى من حيث هو خارج فيدل ذلك اللفظ الموضوع لمسماه على لازمه الذهني جزمًا، وتسمى تلك الدلالة بالالتزام، وذلك كدلالة لفظة “الأسد” على الشجاعة.

واعلم أنه لا بد من الدليل على انحسار الدلالة في الثلاثة المذكورة، فنقول: اللفظ الدال على المعنى بتوسط الوضع لا بد وأن تكون دلالتُه إما مطابقة، وإما تضمنًا أو التزامًا، وذلك بمعنى منع الخلو والجمع، والدليل عليه هو أن المعنى المدلول عليه بتوسط الوضع المفهوم منه لا بد وأن يكون مسمًّى للفظ، أو لازمًا لمسماه ذهنًا؛ وهذا لأنه لو لم يكن كذلك لما فهم منه، وإلا لكان فهمه منه دون غيره ترجيحًا من غير مرجح، وذلك محالٌ، واللازم باطلٌ؛ فيلزم أحد الأمرين، فإن كان الواقع هو الأول فهو دلالة المطابقة، وهو أحد الأمور الثلاثة، وإن كان الواقع هو الثاني فلا يخلو إما أن يكون اللازم داخلًا في المسمى أو خارجًا عنه بالضرورة، والأول دلالة التضمن، والثاني هو الالتزام، وبذلك عُلم أن اللفظ الدال على المعنى بتوسط الوضع لا بد وأن تكون دلالته إحدى ثلاث، وهي: إما المطابقة، أو التضمن، أو الالتزام، فهذا دليلٌ على منع الخلو.

وأما بمعنى منع الجمع؛ وذلك لأنه يستحيلُ أن تجتمع الدلالات الثلاث باعتبار لفظ واحد ومعنى واحد بعينهما، وإلا لكان الشيء الواحد تمام مسمى الشيء وجزء ذلك الشيء ولازمه، وذلك باطلٌ بالبديهة؛ فإذًا قول الأئمة: اللفظ إما دالٌّ بالمطابقة، أو بالتضمن، أو بالالتزام، منفصلة حقيقية، وقد تم البرهان على ذلك، ومعنى كلمة “منفصلة حقيقية”: أن “أو” هنا ليست للجمع، وإنما هي للتنويع.

يقول الإمام الرازي: تنبيهات:

الأول: الدلالة الوضعية هي دلالة المطابقة، وأما الباقيتان فعقليتان؛ لأن اللفظ إذا وضع للمسمى انتقل الذهن من المسمى إلى لازمه، ولازمه إن كان داخلًا في المسمى فهو التضمن، وإن كان خارجًا فهو الالتزام. هذا هو التنبيه الأول.

الثاني: أن دلالة الالتزام لا يعتبر فيها اللزوم الخارجي؛ لأن الجوهر والعرض متلازمان، ولا يستعمل اللفظ الدال على أحدهما في الآخر، والضدان متنافيان، وقد يستعمل اللفظ الأول على أحدهما في الآخر كقوله تعالى: {وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} [الشورى: 40]، بل المعتبر اللزوم الذهني ظاهرًا، ثم هذا اللزوم شرطٌ لا موجب، فقوله: “والإطلاق” هو ذكره مجردًا عن القرينة المقيدة، فهو استعمالٌ خاصٌّ، وأما الدلالة اللفظية فهي فهم المعنى من اللفظ على بعض الاصطلاحات، أو تجعل صيغة اللفظ على ما مضى.

إذا تقرر ذلك فيقول الإمام الأصفهاني: أن الذي ذكره الإمام الرازي ضعيفٌ، فلنورده أولًا بمعناه على الوجه الصحيح، ثم ننبه على ما فيه من الخلل والضعف؛ فنقول: المدعى أن شرط دلالة الالتزام اللزوم الذهني للخارجي، بيان الأول: أن اللفظ إذا وضع لمعنى ولذلك المعنى لازمٌ ذهنيٌّ لم يوضع له اللفظ، فإن اللفظ يدل على الملزوم مطابقة وعلى لازمه الذهني التزامًا جزمًا، فلو لم يكن بين المعنى الموضوع له اللفظ وبين المعنى الثاني ملازمة ذهنية، استحال فهم المعنى الثاني من ذلك اللفظ الموضوع للأول، وإلا يلزم الترجيح من غير مرجح، وذلك محالٌ، إذا استحال فهمه من ذلك اللفظ الموضوع عند انتفاء الملازمة الذهنية، دل ذلك على اشتراط لزوم الذهن لدلالة الالتزام؛ إذ لا معنى لكون الشيء شرطًا لغيره إلا أنه يلزم من انتفائه انتفاؤه.

أما ما في كلام الإمام الرازي من الخلل، فيقول الأصفهاني: بيانه من وجهين:

أحدهما: أن دليله إنما ينتظم دالًّا على مدعاه أن لو لزم من وجود الشرط وجود الشيء، وهو ظاهر الفساد، فإن الشرط هو الذي يلزم من عدمه عدم الشيء، ولا يلزم من وجوده وجوده ولا عدمه، وهذا هو تعريف الشرط.

الثاني: أنه قال: الجوهر والعرض متلازمان في الخارج مع أنه لا يستعمل اسم أحدهما في الآخر، وهذا أيضًا مستحيلٌ؛ لأن الكلام في الدلالة دون الاستعمال، وقد سبق بيان الفرق بين الدلالة والاستعمال، وصورة دليله هكذا: أن اللازم الخارجي ليس بشرط لدلالة الالتزام؛ إذ لو كان شرطًا لدلالة الالتزام يلزم جواز استعمال لفظ الجوهر في العرَض لوجود الشرط، واللازم باطلٌ، فالملزوم كذلك، والإشكال على هذا الكلام ظاهرٌ للوجهين المذكورين، ومن المعلوم أن الجوهر هو ما لا يحتاج إلى غيره ليقوم به، هو ما قام بذاته، أما العرض فهو ما احتاج إلى غيره ليقوم به، الأعراض تسعة، يجمعها قول المصنف:

زيدُ الطويلُ الأزرقُ ابنُ مالكِ

*في بيتِهِ بالأمسِ كان مُتَّكِي

بيدهِ غُصْنٌ لواه فالْتَوَى فاف

*هم فَهذِهِ عَشْرُ مقولاتٍ سَوَا

فهذان البيتان يشتملان على عشرة مقولات، المقولات العشر، وهي الجوهر، والتسعة أعراض، فـ”زيدٌ”: تدل على الجوهر، “الطويل”: تدل على الكم، “الأزرق”: تدل على الكيف، “ابن مالك”: تدل على النسبة، “في بيته”: تدل على المكان، “بالأمس”: تدل على الزمان، “كان متكي”: تدل على الهيئة، “بيده غصن”: تدل على الملك، “لواه”: تدل على الفعل، “فالتوى”: تدل على الانفعال، فهذه هي العشر مقولات.

بعد ذلك ننتقل إلى التنبيهات التي أوردها الإمام الزركشي -رحمه الله- بعد أن تكلم على تقسيم الدلالة؛ حيث قال:

وقد اختلف فيها، فالصحيح أنها كون اللفظ بحيث إذا أطلق فَهِم منه المعنى مَن كان عالمًا بوضعه له، وينقل عن ابن سينا قوله: إنها نفس الفهم، ويرد ذلك بأن الدلالة نسبة مخصوصة بين اللفظ والمعنى، ومعناها موجبيته تخيل اللفظ لفهم المعنى؛ ولهذا يصح تعليل فهم المعنى من اللفظ بدلالة اللفظ عليه، والعلة غير المعلول، فإذا كانت الدلالة غير فهم المعنى من اللفظ لم يجز تفسيرها بها، وأجيب: بأن التعليل قد يكون مع الاتحاد كما في كل حد مع محدوده، نحو: هذا إنسان؛ لأنه حيوان ناطق.

ورجح آخرون التفسير الثاني بأن اللفظ إذا دار بين مخاطبين وحصل فهم السامع منه قيل: هو لفظ ذلك، وإن لم يحصل قيل: ليس بذلك، فقد دار لفظ الدلالة مع الفهم وجودًا وعدمًا، فدل على أنه تسمى الدلالة، ويتلخص من هذا الخلاف خلافٌ آخر في أن الدلالة هي صفة للسامع أو صفة للفظ، والصحيح الثاني، وينبغي أن يحمل كلام ابن سينا على أن مراده بالفهم الإفهام، ولا يبقى خلاف، والفرق بينهما: أن الفهم صفة للسامع، وأن الإفهام صفة للمتكلم أو صفة اللفظ على سبيل المجاز، وهذه دلالة بالقوة.

أما الدلالة بالفعل فهي إفادته المعنى الموضوع له، وشرط بعضهم فيه شروطًا ثلاثة:

الأول: ألا يبتدئه بما يخالفه.

الثاني: ألا يختمه بما يخالفه.

الثالث: أن يصدر عن قصد، فلا اعتبار بكلام الساهي والنائم، والقصد من هذا أن يجعل سكوت المتكلم على كلامه كالجزء من اللفظ، ويلتحق بالقرائن اللفظية، وهي على قولين غير الدلالة باللفظ، أي: أن دلالة اللفظ غير الدلالة باللفظ، كما سبق أن أوضحت؛ لأن الدلالة باللفظ هي الاستدلال به، وهو استعماله في المعنى المراد، فهو صفة للمتكلم، والدلالة صفة اللفظ أو السامع، وقد أطنب الإمام القرافي في الفرق بين الدلالة باللفظ ودلالة اللفظ، وهي تنقسم -أي: الدلالة- إلى لفظية وغير لفظية، وغير اللفظية قد تكون وضعية كدلالة وجود المشروط على وجود الشرط، وعقلية كدلالة الأثر على المؤثر، كدلالة الدخان على النار وبالعكس، والأول -يعني: الدلالة اللفظية- تنقسم إلى عقلية كدلالة الصوت على حياة صاحبه، ووضعية وطبيعية، وتنحصر في ثلاثة -كما سبق أن قلنا-: المطابقة، والتضمن، والالتزام.

وقد اجتمعت الدلالة في لفظ “العشرة”، فإنها تدل على كمال الأفراد مطابقة، وعلى الخمسة تضمنًا، وعلى الزوجية التزامًا، فهنا اجتمعت الدلالات الثلاث في لفظة “عشرة”، والدليل على الحصر أن المعني من دلالة اللفظ على المعنى عنده سماعه إما وحده كما في المطابقة، وإما مع القرينة كما في التضمن والالتزام، فلو فهم منه معنًى عند سماعه ليس هو موضوعه، ولا جزء موضوع، ولا لازمه، لزم ترجيح أحد الجائزين على الآخر من غير مرجح؛ لأن نسبة ذلك اللفظ إلى ذلك المعنى كنسبته إلى سائر المعاني، ففهمه دون سائر المعاني ترجيحٌ من غير مرجح.

التنبيه الأول: يقول الإمام الزركشي: إن الإمام فخر الدين -يقصد به الإمام الرازي- قيد دلالة التضمن والالتزام بقوله: “من حيث هو كذلك”، واحترز به عن دلالة اللفظ على الجزء أو اللازم بطريق المطابقة إذا كان اللفظ مشتركًا بين الكل والجزء، أو بين الكل واللازم، ويمثلونه بلفظ “الإمكان”، فإنه موضوع للإمكان العام والخاص، والعام جزء الخاص، كما تقرر في المنطق من أن الممكن العام في مقابلة الممتنع؛ فلذلك يطلق على الواجب وعلى ما ليس بممتنع، ولا واجب -الذي هو الممكن الخاص- فهو حينئذ موضوعٌ للكل والجزء.

قال بعض الفضلاء: وفي النفس من هذا التمثيل شيءٌ، فلعله ما وضع لذلك، بل مجموع قولنا: إمكان عام لأحدهما، ومجموع قولنا: إمكان خاص لا قولنا: إمكان فقط، فلا اشتراك حينئذ، قال: وأخذ التمثيل بأحسن من ذلك بلفظ الحرف، فإنه موضوع لكل حروف المعاني ولجزئه، فإن “ليت” مثلًا حرف، ولكل واحد من اللام، والياء، والتاء يقال له حرف، فهذا هو اللفظ المشترك بين المسمى وجزئه، أما المشترك بين اللفظ ولازمه، فهو عسر مع إمكانه، يعني: أنه بعيدٌ مع أننا لم نقل بأنه مستحيلٌ، ويمكن أن يمثل له بلفظ “مفعل”، فإن أهل اللغة نقلوا أنه اسم للزمان، والمكان، والمصدر، وهي متلازمة عادة، فيكون اللفظ موضوعًا للشيء ولازمه؛ إذ لا فعل إلا في زمان أو مكان عادة، ومثله الصفي الهندي في كتابه (نهاية الأصول) بـ”فعيل” المشترك بين الفاعل والمفعول، كـ”الرحيم” فإنه يكون بمعنى المرحوم كما يكون بمعنى الراحم، نص عليه الإمام الجوهري في (علم اللغة)، وهو إذا دل على أحدهما بطريق المطابقة دل على الآخر بطريق الالتزام لكونه لازمًا له، وهو أيضًا تمام مسماه، فلو لم يقل من حيث هو كذلك لزم أن تكون دلالة الالتزام دلالة المطابقة، فلم يكن التعريف مانعًا.

إذا عُرِف هذا فقد أورد على القيد الذي ذكره الإمام أنه يجب أن يعتبره أيضًا في المطابقة احترازًا عن دلالة اللفظ المشترك بين الكل والجزء، وبين الكل واللازم على الجزء، أو اللازم بطريق التضمن أو الالتزام، فإن كلّ واحدة من هاتين الدلالتين حينئذٍ دلالة على تمام المسمى وليست مطابقة.

التنبيه الثاني في أقسام اللازم: إن اللازم على قسمين: لازم في الذهن بمعنى أن الذهن ينتقل إليه عند فهم المعنى، ويلزم من تصور الشيء تصوره، كالفردية للثلاثة والزوجية للأربعة، سواء كان لازم في الخارج أيضًا كالسرير في الارتفاع من الأرض؛ إذ السرير كلما وجد في الأرض فهو مرتفع، ومهما تصور في الذهن فهو مرتفع، أو لم يكن كذلك كالسواد إذا أخذ بقيد كونه ضدًّا للبياض، فإن تصوره من هذه الحيثية يلزمه تصور البياض، فلو لم تتصور البياض لما تصورت السواد؛ لأنه ضده، فهما متلازمان في الذهن لكنهما متنافيان في الخارج، ولا يتصور ذلك في اللازم الخارج فقط كالسرير مع الإمكان، فإنه مهما وجد السرير في الخارج فهو ممكن ضرورة، وقد يتصور السرير ويذهل عن إمكانه، فافهم هذا التقرير فإنه الصواب، إذا عرفت ذلك فلا خلاف في أن المعتبر في دلالة الالتزام اللزوم الذهني سواءٌ كان في ذهن كل واحد كما في المتقابلين، أو عند العالم بالوضع ظاهرًا؛ لأن القطعي هنا غير معتبر.

واختلفوا في اللازم الخارجي هل يعتبر في دلالة التزام؟ فذهب جماعة من الأصوليين إلى اعتباره، فيستدلون باللفظ على كلِّ ما يلزم المسمى ذهنيًّا أو خارجيًّا، ورجحه الإمام ابن الحاجب، وذهب المنطقيون ومن وافقهم إلى أنه لا يشترط لحصول الفهم بدونه كما في الضدين، وإذا لم يكن فهم فلا دلالة، ويرد عليهم أنواع المجازات، والحق التفات هذا الخلاف على أصل سبق في تفسير الدلالة هل يشترط فيها أنه مهما سُمع اللفظ مع العلم بالوضع فُهِمَ المعنى أم لا، بل يكفي الفهم في الجملة، وبه يظهر رجحان كلام الأصوليين، بل قد توسع البيانيون فأجروها فيما لا لزوم بينهما أصلًا، لكن القرائن الخارجية استلزمته؛ ولهذا يجري فيها الوضوح والخفاء بحسب اختلاف الأشخاص والأحوال، فحصل ثلاثة مذاهب أوسعها الثالث.

التنبيه الثالث: الملازمة الذهنية شرط في الدلالة الالتزامية، إذا شرطنا الملازمة الذهنية، فهي شرطٌ في الدلالة الالتزامية، وإطلاق اللفظ سببٌ، لماذا سبب؟ قال: لأنه المناسب. يقول الإمام الرازي: هذا اللازم شرطٌ لا سبب، يعني: أن مجرد اللزوم من غير إطلاق اللفظ ليس بسبب في حصول دلالة الالتزام، بل السبب إنما هو إطلاق اللفظ، فاللزوم شرط، وقيل: يعني: أن الملازمة الذهنية يلزم من عدمها العدم؛ لأن اللفظ إذا أفاد معنى غير مستلزم لآخر لا ينتقل الذهن إلى ذلك الآخر إلا بسبب منفصل، فتكون إفادته مضافة لذلك المنفصل لا للفظ، فلا يكون فهمه دلالة اللفظ بل أثرًا للمنفصل، ولا يلزم من وجود الملازمة وجود الدلالة عند عدم الإطلاق، فإن الملازمة في نفس الأمر، والفهم معدوم من اللفظ؛ إذ اللفظ معدوم، فهو حينئذ شرط، والإطلاق هو المسبب.

هل تحتاج دلالة المطابقة إلى نية؟

إن دلالة المطابقة هي الصريح من اللفظ، فلا يحتاج إلى نية؛ لأن كل ما كان صريحًا فلا حاجة إلى نية إلا إذا كان في العبادات، أما هنا في الألفاظ فلا يحتاج إلى نية، وأما دلالة التضمن فتحتاج إلى نية عندنا، ومن ثم لو قال لزوجته: “أنت طالق” ونوى الثلاث وقع خلافًا لأبي حنيفة -رحمه الله- فالإمام أبو حنيفة يقول: إنه لم يتلفظ إلا بطلقة واحدة، ونحن نحكم بالظاهر، استدل الشافعية أن قوله: “أنت طالق” فعلٌ يدل على الحدث والزمان، والحدث الذي هو المصدر جزؤه ودلالته عليه بالتضمن، فيصح نية الثلاث كما لو ذكر المصدر صريحًا؛ فقال: “أنت الطلاق”، فكلمة “الطلاق” هي المصدر.

وأما دلالة الالتزام كدلالة البيت على الأرض فقد قال صاحب (المقترح) من أصحابنا -أي: من الشافعية-: في الخلاف لا تعويل عليها في الأحكام؛ لأن النية إنما تعمل في الملفوظ، والملتزم غير ملفوظ، والطلاق بالنية المجردة عن اللفظ لا يقع، فلو نويت أنت في قلبك أن تطلق زوجتك ولم تتلفظ بكلمة الطلاق فلا يقع عليك طلاق.

هناك دلالة تسمى دلالة الاستدعاء، فما ذكر من انحسار الدلالات في الثلاث هو المشهور، زاد الإمام الجزولي -من النحويين- دلالة رابعة، وسماها بالاستدعاء، وجعل دلالة الفعل على المحل وهو المفعول به، وعلى الباعث -يعني: الذي بَعث على الفعل- وهو المفعول لأجله، وعلى المصاحب -هو المفعول معه- من قبيل هذه الدلالة، ولكن الإمام الآمدي -رحمه الله- أنكر ذلك.

وقال: دلالة الفعل على المحل والباعث والمصاحب من قبيل دلالة الالتزام عندنا، إلا أن المكان يلزم جميع الأفعال متعديها ولازمها، ما وقع فيها عمدًا وسهوًا، والمحل إنما يلزم من الأفعال المتعدية خاصة، والباعثة إنما تلزم من الأفعال ما يوقعه القاصد للإيقاع، ولا يلزم فعل الساهي والناسي والنائم، والمصاحب إنما يلزم ما يشرك فيه الفاعل غيره، وقد أورد الإمام القرافي على الحصر في الثلاث دلالة العام على أفراده، وقال: إنها خارجة عنهن، وجوابه يعلم -إن شاء الله- في باب العام، ومنهم من أورد دلالة اللفظ المركب على مفرداته، فإن الواضع لم يضعه لمفهومه، ولا لشيء، ذلك المفهوم داخل فيه، ولا خارج عنه لازم له.

وأجيب عن ذلك بأن المراد بوضع اللفظ للمعنى وضع عينه لعينه، أو وضع أجزائه لأجزائه بحيث يطابق مجموع اللفظ مجموع المعنى، والثاني موجودٌ في المركب، فإن الواضع وإن لم يضع مجموع زيد قائم لمدلوله فقد وضع كل جزء من أجزائه لجزء من مفهومه، فإن وضع زيدًا للذات، وقائمًا للصفات والحركة المخصوصة، أعني: دفعهما لإثبات الثاني للأول.

error: النص محمي !!