Top
Image Alt

أقسام السنة من حيث اتصال السند وعدمه، ومن حيث عدد رواتها، وتعريف التواتر، وأقسامه

  /  أقسام السنة من حيث اتصال السند وعدمه، ومن حيث عدد رواتها، وتعريف التواتر، وأقسامه

أقسام السنة من حيث اتصال السند وعدمه، ومن حيث عدد رواتها، وتعريف التواتر، وأقسامه

. أقسام السنة من حيث اتصال السند وعدمه، ومن حيث عدد رواتها:

أ. أقسام السنة من حيث اتصال السند وعدمه:

السنة من حيث من روايتها وطريق وصولها إلينا -نحن المسلمين- قسمان:

القسم الأول: سنة متصلة: وهي التي رويت بالسند إلى رسول الله صلى الله عليه  وسلم ولم يسقط من السند أي راوٍ، هذا النوع الأول من السنة.

القسم الثاني: سنة غير متصلة، وهي التي سقط من سندها راوٍ فأكثر.

ويدخل في السنة غير المتصلة ما يعرف بالحديث: المرسل، والمنقطع، والمعضل، والمعلق، وغير ذلك من الأقسام، وهذا عند المحدثين.

ب. أقسام السنة من حيث عدد رواتها في كل طبقة:

وللعلماء في تقسيم السنة المتصلة اتجاهان:

الاتجاه الأول: يرى أن السنة من حيث عدد رواتها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

  • سنة متواترة.
  • وسنة مشهورة.
  • وسنة آحادية.

وعلى ذلك جمهور الحنفية.

الاتجاه الثاني: يرى أنَّ السنة تنقسم إلى قسمين فقط:

  • متواترة.
  • وآحادية.

وعلى ذلك جمهور العلماء، ومعهم من علماء الحنفية: الجصاص، وأبو منصور البغدادي،… وغيرهما.

وعلى ذلك تكون السنة المشهورة -على رأي الجمهور- من السنة الآحادية. وسوف نعرض لهذا الموضوع على طريقة الجمهور من حيث تقسيم السنة إلى: متواترة، وآحادية، ونبين حكم كل قسم من هذين القسمين.

2. تعريف التواتر، وأقسامه:

القسم الأول -على رأي الجمهور- هو: السنة المتواترة:

أ. تعريف التواتر:

في اللغة:

التواتر في اللغة: تتابع شيئين فأكثر بمهلة، مأخوذ من مجيء الواحد بعد الواحد بفترة بينهما، فمجيء الواحد بعد الواحد بفترة بينهما يسميه أهل اللغة: التواتر، ومن ذلك قول الله تعالى: {رُسُلَنَا تَتْرَى} [المؤمنون: 44] والمعنى: أرسلنا رسلنا واحدًا بعد واحدٍ بفترةٍ بينهما، هذا معنى التواتر في اللغة.

التواتر في الاصطلاح: إن الأصوليين ذكروا للمتواتر عدة تعريفات كلها -والحمد لله- صحيحة، ومعناها واحد، ومتقاربة، ونحن نذكر لكم نماذج من تعريف المتواتر في اصطلاح الأصوليين:

التعريف الأول: خبر جمع عن محسوس يمتنع تواطؤهم على الكذب من حيث كثرتهم.

التعريف الثاني: عرفه به الإمام القرافي -رحمه الله- فقال: المتواتر: خبر أقوام -وكلمة “أقوام” هنا تساوي كلمة “جمع” في الحديث السابق- عن أمر محسوس يستحيل تواطؤهم -يعني: تواطؤ الأقوام- على الكذب عادةً.

التعريف الثالث: خبر جماعة يفيد بنفسه العلم بصدقه.

التعريف الرابع: خبر أقوام بلغوا في الكثرة إلى حيث حصل العلم بقولهم.

التعريف الخامس: كل خبر بلغت رواته في الكثرة مبلغًا أحالت العادة تواطؤهم على الكذب.

التعريف السادس: إخبار قوم يمتنع تواطؤهم على الكذب لكثرتهم بشروط.

والمتأمل في هذه التعريفات يجدها متحدة في المعنى إلى حد كبير، والقدر المشترك بينها هو أنَّ المتواتر هو الذي يروى من طريق تحيل العادة اتفاق رواته على الكذب على رسول الله صلى الله عليه  وسلم.

غير أنَّ بعض هذه التعريفات التي سقناها لكم نص على إفادة المتواتر العلم، كقولهم: “هو خبر جماعة يفيد بنفسه العلم” فبعض التعريفات التي سقناها لكم فيها نص على أنَّ المتواتر يفيد العلم، وبعض هذه التعريفات لم ينص على ذلك، والأمر سهل؛ لأنَّ الجمهور يرى أنَّ المتواتر يفيد العلم -كما سيأتي- وعلى ذلك، فمن نص على إفادة المتواتر العلم في التعريف، فإنَّما نص لبيان الواقع ولزيادة الإيضاح، ومن لم ينص على أنَّ المتواتر يفيد العلم فلكون المتواتر يفيد العلم بداهةً.

كما أنَّ بعض هذه التعريفات ذكر أنَّ الإخبار في المتواتر يكون عن محسوس، ولم تتعرض لذلك بعض التعريفات الأخرى، ومعلوم أن من الشروط المتفق عليها للتواتر -كما سيأتي إن شاء الله: أن يخبر الرواة عن علم مستند إلى محسوس، فمن ذكر ذلك في التعريف فإنما ذكره من باب زيادة الإيضاح، ومن لم يذكره فلكونه معلومًا بداهةً، وواضح أن شرح التعريفات التي لم نشرحها تعرف بسهولة إذا ما رجعنا إلى شرح التعريف الأول والثاني اللذين ذكرناهما.

ب. أقسام التواتر:

ينقسم التواتر إلى قسمين:

القسم الأول: المتواتر اللفظي: الذي تتفق ألفاظ الرواة فيه، يعني: الحديث الذي تتفق ألفاظ الرواة فيه نسميه: متواترًا لفظيًّا، أو هو ما رواه بلفظه جمع عن جمع لا يتوهم تواطؤهم على الكذب من أول السند إلى منتهاه.

من أمثلة المتواتر اللفظي:

المثال الأول: حديث: ((من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار)) حديث رواه البخاري ومسلم، وكيف كان هذا الحديث متواترًا لفظيًّا؟ قال الإمام النووي -رحمه الله- في شرحه على (صحيح مسلم): حكى الإمام أبو بكر الصيرفي في شرحه لرسالة الشافعي: أنه روي عن أكثر من ستين صحابيًّا مرفوعًا.

 المثال الثاني: قول النبي صلى الله عليه  وسلم: ((عمرة في رمضان تعدل حجة)) الحديث رواه البخاري ومسلم وغيرهما، قال أبو الفيض الزبيدي صاحب (تاج العروس): رواه من الصحابة اثنتا عشرة نفسًا، وأورده السيوطي في كتابه (الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة) عن ستة عشر صحابيًّا.

المثال الثالث: قول الرسول صلى الله عليه  وسلم: ((يدخل الجنة سبعون ألفًا بغير حساب)) الحديث رواه الإمام مسلم، وأحمد في (المسند) فهذا الحديث رواه من الصحابة تسع عشرة نفسًا.

المثال الرابع: قول الرسول صلى الله عليه  وسلم: ((من بنى لله مسجدًّا بنى الله له بيتًا في الجنة)) رواه من الصحابة واحد وعشرون نفسًا.

 وإنما ذكرت أمثلة كثيرة للمتواتر اللفظي؛ لأن بعض الناس يزعم أن المتواتر اللفظي غير موجود، وأنه لا يوجد من المتواتر اللفظي إلا حديث واحد هو: ((من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار)) والصواب: أن المتواتر اللفظي موجود وبكثرة.

القسم الثاني: المتواتر المعنوي: ما اتفق نقلته على معناه من غير مطابقة في اللفظ، أو هو الذي تختلف فيه ألفاظ الرواة، فهو الذي تختلف فيه ألفاظ الرواة من غير أن يختلف المعنى.

وذلك كأن يروي واحد منهم واقعة، وغيره واقعة أخرى، وهلم جرًّا، غير أن هذه الوقائع تكون مشتملة على قدر مشترك، فهذا القدر المشترك يسمى المتواتر المعنوي، أو المتواتر من جهة المعنى، وبالمثال يتضح المقال:

وذلك مثل أن يروي واحد: أن حاتمًا وهب مائة دينار، ويروي آخر: أنه وهب مائة من الإبل، ويروي ثالث: أنَّه وهب عشرين فرسًا، وهلم جرًّا حتى يبلغ الرواة حد التواتر، فهذه الأخبار تشترك في شيء واحد وهو هبة حاتم شيئًا من ماله، وهو دليل على سخائه، وهو ثابت بطريق التواتر المعنوي؛ إذن التواتر المعنوي: هو الذي تختلف فيه ألفاظ الرواة ولكن يتفق على المعنى، فكل قضية لم يتواتر لفظها ولكن تواتر القدر المشترك بينها يسميه العلماء: المتواتر المعنوي.

ويمثلون له أيضًا بأحاديث كثيرة، منها أحاديث شفاعة النبي صلى الله عليه  وسلم التي منها قوله صلى الله عليه  وسلم: ((أنا أول شفيع في الجنة)) وكذا أحاديث الحساب، والنظر إلى الله يوم القيامة في الآخرة، وأحاديث الرؤية التي منها قوله صلى الله عليه  وسلم: ((إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر)).

وأمثلة المتواتر المعنوي كثيرة جدًّا، منها أحاديث نبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه  وسلم وأحاديث رفع اليدين في الدعاء، وغير ذلك كثير، فقد ورد عنه صلى الله عليه  وسلم نحو مائة حديث في رفع يديه عند الدعاء، غير أنها في قضايا مختلفة، فكل قضية منها لم تتواتر، والقدر المشترك بينها -وهو الرفع عند الدعاء- تواتر باعتبار المجموع.

تنبيهات:

  1. إذا ذُكر المتواتر مطلقًا دون أن نقول: “لفظي” أو “معنوي”؛ انصرف إلى النوع الأول؛ أعني: المتواتر اللفظي، وقد قال العلماء: إن العلم يقع بكلا النوعين.
  2. بعض الناس يرى أن الأحاديث المتواترة نادرة وقليلة، وهذا خطأ؛ لأن هناك كتب كثيرة أُلفت تحوي كلًّا من القسمين -المتواتر اللفظي والمتواتر المعنوي- منها -على سبيل المثال:
  3. كتاب (النظم المتواتر في الحديث المتواتر) لأبي الفيض جعفر الحسين الإدريسي الشهير بالكتاني.
  4. كتاب (الفوائد المتكاثرة من الأخبار المتواترة) للشيخ جلال الدين السيوطي -رحمه الله- وقد رتب هذا الكتاب على أبواب الفقه، وجمع فيه ما رواه من الصحابة عشرة فصاعدًا، مستوعبًا فيه كل حديث بأسانيده وطرقه وألفاظه، ثم جرده بعد ذلك في جزء لطيف سماه (الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة).
  5. كتاب (اللآلئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة) للشيخ شمس الدين أبي عبد الله محمد بن علي بن طولون الحنفي الدمشقي.
  6. كتاب (اللآلئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة) للشيخ أبي الفضل محمد مرتضى الحسيني الزبيدي المصري المتوفى عام خمس ومائتين وألف.

إذن هذه الكتب إن دلت على شيء فإنما تدل على وجود الأحاديث المتواترة في سنة النبي صلى الله عليه  وسلم بقسميها: المتواترة لفظًا، والمتواترة معنًى، أو المتواتر لفظيًّا والمتواتر معنويًّا.

error: النص محمي !!