Top
Image Alt

أقسام العام، والفرق بين العام المراد به الخصوص، والعام الذي يدخله التخصيص

  /  أقسام العام، والفرق بين العام المراد به الخصوص، والعام الذي يدخله التخصيص

أقسام العام، والفرق بين العام المراد به الخصوص، والعام الذي يدخله التخصيص

1. أقسام العام ثلاثة:

القسم الأول: العام الذي لا يدخله التخصيص، وهو العام الذي لا يمكن تخصيصه، وهذا النوع قليل جدًّا، إذ الأصل في العموم أن يقبل التخصيص، ومع أن البلقيني -رحمه الله- قال عن هذا النوع: ومثاله عزيز؛ إذ ما من عام إلا ويتخيل فيه التخصيص، إلا أن الزركشي -رحمه الله تبارك وتعالى- قال: “وهو كثيرٌ في القرآن”.

 وقد جمع السيوطي بينهما بأن مراد البلقيني -رحمه الله- أنه عزيز في الأحكام الفرعية، ومراد الزركشي -رحمه الله- أنه كثيرٌ في غير الأحكام الفرعية، ومثال هذا النوع ما جاء في قول الحق -تبارك وتعالى-: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىَ أَجَلٍ مّسَمّى فَاكْتُبُوهُ} [البقرة: 282] وما جاء في قوله: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ} [الكهف: 49]  ومثله قوله: {حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمّهَاتُكُمْ} [النساء: 23] وقوله: {لّقَدْ كَفَرَ الّذِينَ قَآلُوَاْ إِنّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} [المائدة: 17] فالعموم هنا لا يمكن تخصيصه.

القسم الثاني: العام الذي يدخله التخصيص، وهو الذي يمكن تخصيصه، ولعل هذا النوع هو أشهر أنواع العموم، والذي ينصرف إليه الذهن عند إطلاق العموم، وهو ميدان الخلاف بين العلماء في تخصيصه أو بقائه على عمومه، وأمثلته في القرآن الكريم كثيرة جدًّا؛ منها: قول الحق -تبارك وتعالى-: {فِيهِ آيَاتٌ بَيّـنَاتٌ مّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَللّهِ عَلَى النّاسِ حِجّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنّ الله غَنِيّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97] {فلفظ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} عامٌّ، خصص بقوله: {وَمَن كَفَرَ فَإِنّ الله غَنِيّ عَنِ الْعَالَمِينَ}.

ومنها قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتّقِينَ} [البقرة: 180] فلفظ {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} يفيد العموم، وخصص بقوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ}.

ومنها قوله تعالى: {وَالْمُطَلّقَاتُ يَتَرَبّصْنَ بِأَنْفُسِهِنّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} [البقرة: 228] فلفظ “المطلقات” عام يشمل الحامل، وغير الحامل، وخصص بقوله تعالى: {وَاللاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نّسَآئِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدّتُهُنّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاّتِي لَمْ يَحِضْنَ} [الطلاق:4] وغير ذلك من الأمثلة.

القسم الثالث: العام المراد به الخصوص، وهو ما دل لفظه على العموم، ودلت القرينة على الخصوص كقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَآ آمَنَ النّاسُ قَالُوَاْ أَنُؤْمِنُ كَمَآ آمَنَ السّفَهَآءُ أَلآ إِنّهُمْ هُمُ السّفَهَآءُ وَلَـَكِن لاّ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 13] المراد بـ”الناس” هنا عبد الله بن سلام، هنا اللفظ عام إلا أن المراد بهذا اللفظ العام -ألا وهو كلمة “الناس”- عبد الله بن سلام؛ لأن الآية دعوة لليهود إلى أن يؤمنوا كما آمن عبد الله بن سلام, وقد كان يهوديًّا ثم أسلم، والناس لم يؤمنوا كلهم؛ فدلت القرينة على وجوب حمله على فئة منهم.

ومن أمثلته أيضًا: ما جاء في قول الحق -تبارك وتعالى-: {الّذِينَ قَالَ لَهُمُ النّاسُ إِنّ النّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173]، قال الزركشي -رحمه الله- وعمومه يقتضي دخول جميع الناس في اللفظين جميعًا، والمراد بعضهم وليس العموم؛ لأن القائلين غير المقول لهم، والمراد بالأول -أعني: كلمة “الناس” الواردة في أول الآية {الّذِينَ قَالَ لَهُمُ النّاسُ} – نعيم بن مسعود, والثاني أبو سفيان وأصحابه.

قال الفارسي -رحمه الله-: ومما يقوي أن المراد بـ”الناس” في قوله تعالى: {الّذِينَ قَالَ لَهُمُ النّاسُ} واحد، قوله: {إِنّمَا ذَلِكُمُ الشّيْطَانُ يُخَوّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 175] فوقعت الإشارة بقوله: “ذلكم” إلى واحد بعينه، ولو كان المعني به جمعًا؛ لكان “إنما أولئكم الشياطين” فهذه دلالة ظاهرة في اللفظ، وإنما وصِف نعيم بأنه الناس لقيامه مقام كثير من الناس في تثبيطه المؤمنين عن ملاقاة أبي سفيان.

ومن أمثلته: ما جاء في قوله تعالى: {أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلَىَ مَآ آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مّلْكاً عَظِيماً} [النساء: 54] والمراد بـ”الناس” هنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومن أمثلته أيضًا: ما جاء في قوله سبحانه: {ثُمّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ} [البقرة: 199] فكلمة “الناس” هنا ليس المراد بها عموم الناس، وإنما المراد بها خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام أو على الأقل المراد بها العرب من غير قريش.

ومنها قول الحق -تبارك وتعالى-: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139] والمراد بـ”الملائكة” جبريل عليه السلام.

بعد هذا نستطيع أن نذكر تعريفًا آخر لأقسام العام الثلاثة؛ فنقول:

عام مقيد بالعموم، بحيث لا ينفك عنه -يعني: لا ينفك عن العموم- وذلك كقول الله تعالى: {وَللّهِ مُلْكُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاللّهُ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 189].

عام مطلق يمكن أن يبقى على عمومه ويمكن تخصيصه وذلك كقول الله تعالى: {فِيهِ آيَاتٌ بَيّـنَاتٌ مّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَللّهِ عَلَى النّاسِ حِجّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنّ الله غَنِيّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97] فلو لم يقل: {وَمَن كَفَرَ فَإِنّ الله غَنِيّ عَنِ الْعَالَمِينَ} لبقي عامًّا؛ فهو قابل للعموم والخصوص.

عام مقيد بالخصوص لا يمكن أن يراد به العموم، ولا ينفك عن الخصوص:  وذلك كما ذكرت سابقًا بعض الآيات في هذا، ومنها: قول الحق -تبارك وتعالى-: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَآ آمَنَ النّاسُ} [البقرة:13].

2. من وجوه المخاطبات والخِطاب في القرآن الكريم:

لعله من المناسب هنا – بعد أن ذكرت أقسام العام – أن أذكر بعض ما ذكره الزركشي -رحمه الله تبارك وتعالى- في كتابه (البرهان) في وجوه المخاطبات والخِطاب في القرآن الكريم؛ لأنه مفيد في هذا المقام، وقد ذكره -رحمه الله تبارك وتعالى- أن وجوه المخاطبات والخطاب في القرآن يأتي على نحوٍ من أربعين وجهًا، وسنذكر منها هنا ما نحتاج إليه ونستفيد منه في هذا المقام:

الوجه الأول: خطاب العام المراد به العموم، كقوله تعالى: {وَالّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَـَئِكَ مِنكُمْ وَأْوْلُواْ الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىَ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ إِنّ اللّهَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنفال: 75] وقوله: {إِنّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئاً وَلَـَكِنّ النّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [يونس: 44] وقوله: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَوَيْلَتَنَا مَا لِهَـَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصَاهَا} [الكهف: 49] وقوله: {اللّهُ الّذِي خَلَقَكُمْ ثُمّ رَزَقَكُمْ ثُمّ يُمِيتُكُمْ ثُمّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مّن شَيْءٍ} [الروم: 40] وكقوله سبحانه: {هُوَ الّذِي خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ ثُمّ مِن نّطْفَةٍ ثُمّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمّ لِتَـبْلُغُوَاْ أَشُدّكُـمْ ثُمّ لِتَكُـونُواْ شُيُوخاً} [غافر: 67]، ولعل طالب العلم هنا يلاحظ أن خطاب العام المراد به العموم هو نفسه القسم الأول من أقسام العام، وقد ذكرته آنفًا وهو العام الذي لا يدخله التخصيص؛ فهو إذن عام مراد به العموم.

الوجه الثاني: خطاب الخاص والمراد به الخصوص، ومن ذلك قوله تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدّ وُجُوهٌ} [آل عمران: 106]، ومنه قوله تعالى: {يَوْمَ يُحْمَىَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنّمَ فَتُكْوَىَ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأنْفُسِكُمْ} [التوبة: 35] ومنه قوله: {يَـَأَيّهَا الرّسُولُ بَلّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رّبّكَ} [المائدة: 67].

ومنه أيضًا ما جاء في قوله سبحانه: {وَإِذْ تَقُولُ لِلّذِيَ أَنعَمَ اللّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتّقِ اللّهَ وَتُخْفِي فِي نِفْسِكَ مَا اللّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النّاسَ وَاللّهُ أَحَقّ أَن تَخْشَاهُ} [الأحزاب: 37].

الوجه الثالث: خطاب الخاص والمراد به العموم، وذلك كقوله تعالى: {يَأيّهَا النّبِيّ إِذَا طَلّقْتُمُ النّسَآءَ فَطَلّقُوهُنّ لِعِدّتِهِنّ وَأَحْصُواْ الْعِدّةَ وَاتّقُواْ اللّهَ رَبّكُمْ} [الطلاق: 1] فافتتح الخطاب بالنبي صلى الله عليه وسلم والمراد سائر من يملك الطلاق؛ فهو خطاب خاص ولكن أريد به العموم، ومنه قوله تعالى: {يَأَيّهَا النّبِيّ إِنّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاّتِيَ آتَيْتَ أُجُورَهُنّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّآ أَفَآءَ اللّهُ عَلَيْكَ} [الأحزاب: 50]، قال أبو بكر الصيرفي -رحمه الله-: كان ابتداء الخطاب له؛ فلما قال في الموهوبة {مَعَكَ وَامْرَأَةً مّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنّبِيّ} عُلِمَ أن ما قبلها له ولغيرهصلى الله عليه وسلم.

الوجه الرابع: خطاب العام والمراد به الخصوص، وقد اختلف العلماء في وقوع ذلك في القرآن؛ فأنكره بعضهم؛ لأن الدلالة الموجبة للخصوص بمنزلة الاستثناء المتصل بالجملة، كقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىَ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّ خَمْسِينَ عَاماً} [العنكبوت: 14] والصحيح أنه واقع، وذلك كما جاء في قوله تعالى: {الّذِينَ قَالَ لَهُمُ النّاسُ إِنّ النّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً} [آل عمران: 173] وعمومه يقتضي دخول جميع الناس في اللفظين جميعًا، والمراد بعضهم لأن القائلين غير المقول لهم، والمراد بالأول: نعيم بن مسعود الثقفي، والثاني: أبو سفيان وأصحابه، وقد سبق أن ذكرت ذلك.

ومن هذا النوع ما جاء في قوله تعالى: {إَنّ الّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} [الحجرات: 4] قال الضحاك: هو الأقرع بن حابس.

ومنه قوله تعالى: {يَأَيّهَا النّاسُ اتّقُواْ رَبّكُمُ الّذِي خَلَقَكُمْ مّن نّفْسٍ وَاحِدَةٍ} [النساء: 1] لم يدخل فيه الأطفال والمجانين، ثم التخصيص يجيء تارة في آخر الآية، وذلك كقوله تعالى: {وَآتُواْ النّسَآءَ صَدُقَاتِهِنّ نِحْلَةً} [النساء: 4] فهذا عام في البالغة والصغيرة عاقلة أو مجنونة، ثم خُصّ في آخرها بقوله: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مّرِيئاً} [النساء: 4] فخصها بالعاقلة البالغة؛ لأن من عداها عبارتها ملغاة في العفو، فلا تملك أن تعفو؛ لأن الصغير أو المجنون لا يملك، ونظيره قوله تعالى: {وَالْمُطَلّقَاتُ يَتَرَبّصْنَ بِأَنْفُسِهِنّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} [البقرة: 228] فإنه عام في البائنة والرجعية، ثم خصها بالرجعية بقوله: {وَلاَ يَحِلّ لَهُنّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِيَ أَرْحَامِهِنّ} [البقرة: 228] لأن البائنة لا تراجع.

وتارة يأتي التخصيص للعام في أول الآية، وذلك كقول الله تعالى: {الطّلاَقُ مَرّتَانِ} [البقرة: 229] فإن هذا خاصٌّ في الذي أعطاها الزوج، ثم قال بعد: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمّآ آتَيْتُمُوهُنّ شَيْئاً} [البقرة: 229]. فهذا عام فيما أعطاها الزوج أو غيره إذا كان ملكًا لها، وقد نأخذ التخصيص من آية أخرى كقوله تعالى: {وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاّ مُتَحَرّفاً لّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيّزاً إِلَىَ فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مّنَ اللّهِ} [الأنفال: 16] الآية، فهذا عام في المقاتل كثيرًا أو قليلًا.

ثم قال بعد ذلك في آية أخرى: {يَأَيّهَا النّبِيّ حَرّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ} [الأنفال: 65] ونظيره قوله تعالى: {حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} [المائدة: 3] وهذا عامٌّ في جميع الميتات ثم خصه بقوله: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلّ لَهُمْ قُلْ أُحِلّ لَكُمُ الطّيّبَاتُ} [المائدة: 4] فأباح الصيد الذي يموت في فم الجارح المُعَلم، وخصص أيضًا عمومه في آية أخرى وذلك كما جاء في قوله تعالى: {أُحِلّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لّكُمْ وَلِلسّيّارَةِ} [المائدة: 96] وتقدير الكلام: “وإن كانت ميتة” فخص بهذه الآية عموم تلك، ومثله قوله تعالى: {لّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لّكُمْ} [النور: 29]، ومثله قوله تعالى: {وَالْمُطَلّقَاتُ يَتَرَبّصْنَ بِأَنْفُسِهِنّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} [البقرة: 228] فهذا عام في المدخول بها وغيرها، ثم خصها فقال في آية أخرى: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمّ طَلّقْتُمُوهُنّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسّوهُنّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنّ مِنْ عِدّةٍ تَعْتَدّونَهَا} [الأحزاب: 49] فخص الآيسة والصغيرة والحامل؛ فالآيسة والصغيرة بالأشهر، وأما الحامل فبوضع الحمل، ونظيره قوله: {وَالّذِينَ يُتَوَفّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبّصْنَ بِأَنْفُسِهِنّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} [البقرة: 234] إلى آخر الآية، وهذا عامٌّ في الحامل وغيرها ثم خص ذلك في آية أخرى بقوله: {وَأُوْلاَتُ الأحْمَالِ أَجَلُهُنّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنّ} [الطلاق: 4] وهكذا نجد أن كثيرًا من الآيات جاء فيها الخطاب عامٌّ وأريد به الخصوص، وهذا التخصيص قد يأتي في آخر الآية وقد يأتي في أول الآية، وقد يأتي أيضًا في آية أخرى.

3. الفروق بين العام المراد به الخصوص، والعام الذي يمكن أن يدخله التخصيص:

الفرق الأول: أن العام المراد به الخصوص لا يراد شموله لجميع الأفراد، ويدرك ذلك من أول وهلة، وأما العام الذي يدخله التخصيص؛ فأريد به العموم في أول الأمر وشموله لجميع أفراده؛ فلفظ “الناس” في قوله تعالى: {الّذِينَ قَالَ لَهُمُ النّاسُ إِنّ النّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً} [آل عمران: 173] الآية. يدرك السامع لأول وهلة خصوصها، وأنه لا يمكن أن يراد بها العموم لامتناع ذلك، أما لفظة “الناس” في قوله تعالى: {وَللّهِ عَلَى النّاسِ حِجّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران: 97] يدرك السامع أن المراد بها جميع الناس، ولا يحوله عن هذا العموم إلا قوله: {وَمَن كَفَرَ فَإِنّ الله غَنِيّ عَنِ الْعَالَمِينَ}.

الفرق الثاني: أن الأول مجاز قطعًا لنقل اللفظ عن موضعه الأصلي وهو العموم، واستعماله في بعض أفراده بخلاف الثاني؛ فاستعمل اللفظ بمعناه الحقيقي، وعليه أكثر الشافعية، وكثير من الحنفية، وجميع الحنابلة، ونقله الجويني عن جميع الفقهاء.

الفرق الثالث: أن قرينة الأول عقلية لا تنفك عنه، وقرينة الثاني لفظية وقد تنفك عنه.

الفرق الرابع: فهو أن الأول يصح أن يُراد به واحد اتفاقًا، وذلك مثل: {وَأَذّن فِي النّاسِ بِالْحَجّ يَأْتُوكَ رِجَالاً} [الحج:27] يعني: إبراهيم عليه السلام أما الثاني ففي تخصيص عمومه بحيث لا يراد به إلا واحد بعد العموم خلاف.

error: النص محمي !!