Top
Image Alt

أقسام المتابعات، وتعريف الشاهد

  /  أقسام المتابعات، وتعريف الشاهد

أقسام المتابعات، وتعريف الشاهد

أولًا: أقسام المتابعة:

تنقسم المتابعة إلى قسمين:

أ- المتابعة التامة:

وذلك إذا وقعت المشاركة بين الراويين في شيخيهما، وقد ذكر الحافظ ابن حجر مثالًا اجتمعت فيه المتابعة التامة، والقاصرة، والشاهد؛ فقال  رحمه الله : روى الشافعي في (الأم): قال: أخبرنا مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر  رضي الله عنه   قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الشهر تسع وعشرون، لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه؛ فإن غُمَّ عليكم؛ فأكملوا العدة ثلاثين». هذا الحديث أخرجه الإمام مالك في (الموطأ) إلا أنه قال: «فإن غُمَّ عليكم فأقدروا له» وأخرجه الإمام الشافعي في (الأم).

روى البخاري هذا الحديث السابق في صحيحه؛ فقال: حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، حدثنا مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر   رضي الله عنه   فساق الحديث باللفظ الذي ذكره الشافعي؛ فهذه متابعة تامة في غاية الصحة؛ لرواية الشافعي  رحمه الله فلقد تابع عبد الله بن مسلمة القعنبي الشافعي؛ فروى الحديث عن مالك، وإنما سُمِّيت هذه المتابعة بالتامة؛ لاتفاق الراويين معًا في الإسناد من أوله إلى نهايته.

ب- المتابعة الناقصة:

وذلك إذا وقعت المشاركة بين الراويين فيمن فوق شيخهما، وقد ذكر الحافظ ابن حجر مثالًا للمتابعة الناقصة؛ فقال  رحمه الله : وقد توبع عليه -أي: على الحديث السابق- عبد الله بن دينار من وجهين، عن ابن عمر   رضي الله عنه  :

أحدهما: أخرجه الإمام مسلم من طريق أبي أسامة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، وذكر الحديث وفي آخره: «فإن غُمَّ عليكم فاقدروا ثلاثين» فقد تابع نافع عبد الله بن دينار في رواية هذا الحديث عن ابن عمر.

الثاني: أخرجه ابن خزيمة في صحيحه من طريق عاصم بن محمد بن زيد، عن أبيه، عن ابن عمر  رضي الله عنه   بلفظ: «فإن غُمَّ عليكم فأكملوا ثلاثين» فلقد تابع محمد بن زيد عبد الله بن دينار في رواية هذا الحديث عن ابن عمر.

فهذه متابعة أيضًا لكنها ناقصة حيث وقع الاتفاق في الصحابي فقط؛ فإذا لم يتفق الراويان من أول الإسناد سُمِّيت المتابعة بالناقصة أو القاصرة، سواء وقع الاتفاق بين الراويين في الشيخ الثاني أو الثالث أو الرابع أو الصحابي.

ثانيًا تعريف الشاهد:

الشاهد لغة: الشاهد اسم فاعل من شهد، يقال: شهد فلان على فلان بالحق؛ فهو شاهد وشهيد، وأصل الشهادة الإخبار بما شاهده.

الشاهد اصطلاحًا: يطلق الشاهد على الراوي الذي شارك راوٍ آخر في أخذ الحديث بمعناه، عن شيخه، أو عمن فوقه من الشيوخ منتهيًا إلى أحد الصحابة، وقد ذكر الحافظ ابن حجر  رحمه الله  شاهدًا لحديث ابن عمر السابق في المتابعات، من حديث أبي هريرة، وشاهدًا آخر من حديث ابن عباس   رضي الله عنه   قال الحافظ ابن حجر: وأما شاهده فله شاهدان -شاهد لحديث الشافعي-:

أحدهما: من حديث أبي هريرة   رضي الله عنه   رواه البخاري عن آدم، عن شعبة، عن محمد  بن زياد، عن أبي هريرة –  رضي الله عنه  .

ونص حديث البخاري: قال الإمام البخاري: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا محمد بن زياد، قال: سمعت أبا هريرة   رضي الله عنه   يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم أو قال أبو القاسم  صلى الله عليه وسلم : «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته؛ فإن غُمَّ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين». (صحيح البخاري)، كتاب: الصوم، باب: قول النبي  صلى الله عليه وسلم : «إذا رأيتم الهلال فصوموا…» إلى آخره.

ثانيهما: من حديث ابن عباس  رضي الله عنه  أخرجه النسائي من رواية عمرو بن دينار، عن محمد بن حُنين، عن ابن عباس   رضي الله عنه   بلفظ حديث ابن دينار، عن ابن عمر  رضي الله عنه   ونص حديث الترمذي: قال الإمام الترمذي: حدثنا قتيبة، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : «لا تصوموا قبل رمضان، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته؛ فإن حالت دون غيابه، فأكملوا ثلاثين يومًا».

قال الترمذي: وفي الباب عن أبي هريرة، وأبي بكرة، وابن عمر، قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح، وقد روي عنه من غير وجه، (سنن الإمام الترمذي)، كتاب: الصيام، باب: ما جاء أن الصوم لرؤية الهلال والإفطار له.

قال الحافظ ابن حجر: عقب هذا المثال السابق: فهذا مثال صحيح بطرق صحيحة للمتابعة التامة، والمتابعة الناقصة، والشاهد باللفظ، والشاهد بالمعنى، والله الموفق.

قال شيخ الإسلام: قد يُسمى الشاهد متابعة أيضًا والأمر سهل، إذا قالوا في الحديث: تفرد به أبو هريرة عن النبي  صلى الله عليه وسلم ، أو ابن سيرين عن أبي هريرة، أو أيوب عن ابن سيرين، أو حماد عن أيوب، كان مشعرًا بانتفاء وجوه المتابعات فيه، وإذا انتفت المتابعات مع الشواهد؛ فحكمه ما سبق في التفرد من التفصيل، ويدخل في المتابعة والاستشهاد رواية من لا يحتج به، ولا يصلح لذلك كل ضعيف كما سيأتي في بابه.

مثال للاعتبار:

أن يروي حماد بن سلمة مثلًا حديثًا لا يتابع عليه، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم فينظر هل رواه ثقة غير أيوب عن ابن سيرين؛ فإن لم يوجد ثقة غيره؛ فغير ابن سيرين عن أبي هريرة، وإلا -أي: وإن لم يوجد ثقة عن أبي هريرة غيره- فصحابي غير أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فأي ذلك وُجِدَ عُلِمَ أن له أصل يرجع إليه، وإلا وإن لم يوجد شيء من ذلك؛ فلا أصل له كالحديث الذي رواه الترمذي من طريق حماد بن سلمة، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، رواه رفعه قال: “أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا، عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا، عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا” هذا الحديث أخرجه الإمام الترمذي، كتاب: البر والصلة، باب: ما جاء في الاقتصاد في الحب والبغض.

قال أبو عيسى الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيث عَنْ أَيُّوبَ بِإِسْنَادٍ غَيْرِ هَذَا، رَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ أَيْضًا، بِإِسْنَادٍ لَهُ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالصَّحِيحُ عَنْ عَلِيٍّ مَوْقُوفٌ مِنْ قَوْلُهُ.

مثال المتابعة:

أن يرويه عن أيوب غير حماد، وهي المتابعة التامة، أو لم يروه عنه غيره، ورواه عن ابن سيرين غير أيوب، أو عن أبي هريرة غير ابن سيرين، أو عن النبي صلى الله عليه وسلم صحابي آخر غير أبي هريرة؛ فكل هذا يسمى متابعة، وتقصر عن المتابعة الأولى بحسب بعدها منها، أي: بقدره؛ وتسمى المتابعة شاهدًا أيضًا، والشاهد أن يروى حديثٌ آخر بمعناه، ولا يسمى هذا متابعة؛ فقد حصل اختصاص المتابعة بما كان باللفظ سواء كان من رواية ذلك الصحابي أم لا، والشاهد أعم، وقيل: هو مخصوص بما كان بالمعنى كذلك.

قال الحافظ ابن حجر  رحمه الله  عقب المثال السابق: فهذا مثال صحيح بطرق صحيحه، للمتابعة التامة، والمتابعة الناقصة، والشاهد باللفظ، والشاهد بالمعنى. والله الموفق. قال شيخ الإسلام ابن حجر: قد يسمى الشاهد متابعة أيضًا والأمر سهل.

مسألة:

إذا قالوا في حديث: تفرد به أبو هريرة   رضي الله عنه   عن النبي  صلى الله عليه وسلم ، أو تفرد به ابن سيرين عن أبي هريرة   رضي الله عنه  ، أو تفرد أيوب عن ابن سيرين، أو تفرد به حماد عن أيوب؛ كان مشعرًا بانتفاء وجود المتابعات له، وإذا انتفت المتابعات مع الشواهد؛ فحكمه ما سبق في التفرد من التفصيل، ويدخل في المتابعة والاستشهاد رواية من لا يحتج به، ولا يصلح لذلك كل ضعيف كما سيأتي في بابه.

error: النص محمي !!