Top
Image Alt

أقسام المجاز اللغوي باعتبار الإفراد والتركيب

  /  أقسام المجاز اللغوي باعتبار الإفراد والتركيب

أقسام المجاز اللغوي باعتبار الإفراد والتركيب

هذا وينقسم المجاز اللغوي باعتبار الإفراد والتركيب إلى قسمين:

القسم الأول: هو المجاز المفرد، وهو ما كان اللفظ المتجوز به مفردًا كقوله تعالى: {يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِيَ آذَانِهِم مّنَ الصّوَاعِقِ} [البقرة: 19] أي: أناملهم، وكما في قول أبي تمام مادح:

يا بن الكواكب من أئمة هاشم

*والردح والأحساب والأحلام

فالمراد بالأصابع في الآية الأنامل، والمراد بالكواكب في البيت آباء الممدوح.

القسم الثاني: هو المجاز المركب، وهو ما كان اللفظ المتجوز به مركبًا نحو: ما لي أراك تقدم رجلًا، وتؤخر أخرى، فالمراد تردده في الأمر فهو يقبل عليه مرة، ويتراجع عنه مرة أخرى.

فالمجاز المركب إذن: هو التركيب المستعمل في غير ما وضع له؛ لعلاقة بين المعنى الموضوع له التركيب، وبين المعنى المستعمل فيه مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي. فإذا كانت العلاقة المشابهة سُمي المجاز استعارة تمثيلية، وإن كانت غير المشابهة سُمي مجازًا مركبًا مرسلًا، والمراد بالوضع هنا ما تُعرف على فهمه من التركيب.

ويتضح من هذا أن المعنيين في المجاز المركب، وهو المعنى الأصلي الذي دلَّ عليه التركيب دلالة حقيقية، والمعنى المجاز الذي استعمل فيه وأريد منه كلاهما يكون هيئة منتزعة من أمرين، أو من أمور عدة، وهذا هو الفرق بينه وبين المجاز المفرد؛ إذ المجاز المفرد يكون في الكلمة المفردة، فمعنياه الأصلي والمجازي مفردان، كما أن اللفظ الذي تجوُّز فيه مفرد.

يندرج -كما قلنا- تحت مسمى المجاز المركب الاستعارة التمثيلية، فيما كان علاقته المشابهة، والمجاز المركب المرسل فيما لم تكن علاقته المشابهة، وعلى ذلك فالاستعارة التمثيلية هي اللفظ المركب المستعمل في غير ما وضع له؛ لعلاقة المشابهة مع قرينة مانعة كقولك للرجل يتشدد في الأمر الصغير، ويتسامح في الأمر الخطير: أراك تنفق الدينار وتحرص على الدرهم، شبهت حالته في تمسكه بصغائر الأمور وتسامحه في جسامها، بحال من يبدد الدينار ويحرص على الدرهم، بجامع أن كلًّا منهما يترك ما ينفع إلى ما هو قليل النفع، ثم استعير التركيب الدال على المشبه به للمشبه على سبيل الاستعارة التمثيلية، والقرينة حالية تُفهم من سياق الكلام.

من ذلك قولك لمن يتردد في الأمر: ما لي أراك تقدم رجلًا وتؤخر أخرى، فقد شبهت صورة المتردد في الأمر بصورة تردد من قام ليذهب في أمر، فهو تارة يريد الذهاب، فيقدم رجلًا، وتارة لا يريد فيُحجم ويتأخر، ثم استعير التركيب الدال على المشبه به للمشبه على طريق الاستعارة التصريحية التمثيلية، والاستعارة التمثيلية كثيرة الاستعمال في كلام العرب نثره وشعره، وفي القرآن الكريم، وفي الحديث النبوي الشريف، فمن ذلك قولهم للرجل مثلًا يبذل جهده في عمل لا يُثمر شيئًا: أراك تنفخ في رماد، وتضرب في حديد بارد، وتخط على الماء، مثلوا حاله بحال من ينفخ في الرماد، فلا يخرج نارًا، ومن يضرب في حديد بارد فلا يتشكل بالشكل الذي يريد، ومن يخط على الماء فلا يترك أثرًا.

ومنها قولهم للرجل يحتال على صاحبه حتى يصرفه عن الأمر الذي يتمسك به: “ما زال يفتل له في الذروة والغارب حتى لان” الذروة هو سنام الجمل، والغارب هو العنق، “وما زال ينزع القرادة من البعير حتى سكن” مثلوا حاله مع صاحبه بحال من يحتال على البعير الهائج بحك شعر سنامه، وما يليه إلى العنق؛ حتى يهدأ، وبحال من ظل ينزع القرادة من البعير حتى سكن.

ومنها قولهم لمن يُقدم النصح للذي لا يفهمه، أو للذي لا يعمل به: لا تنثر الدر أمام الخنازير، مثلوا حاله بحال من يضع الدر أمام الخنازير، بجامع أن كليهما لا ينتفع بالشيء النفيس الذي ألقي إليه، ومنها قول المتنبي يُمثل حال من عابوا شعره؛ لأنه لم يرزقوا الذوق السليم لفهم الشعر الرائع، والنظم العجيب الذي يقوله:

ومن يك ذا فم مر مريض

*يجد مرًّا به الماء الزلال

فهو هنا مثل حالهم في عدم فهمهم لشعره، واستشعارهم لمعناه بحال المريض الذي لا يستسيغ الماء الزلال؛ لمرارة يحس بها في حلقه، مع فساد الذوق المفضي إلى قلب ما هو مستساغ إلى خلاف ذلك، ومن الاستعارات التمثيلية أيضًا قول بعضهم:

ومن يجعل الضرغام للصيد بازه

*تصيَّده الضرغام فيما تصيدا

وقول الآخر يمثل حال من يضيع الأموال التي ورثها؛ لأنها آلت إليه بلا تعب:

ومن ملك البلاد بغير حرب

*يهون عليه تسليم البلاد

ومنها قول ابن ميادة يمثل حال إكرام الممدوح له وحال إهانته إياه:

ألم تكُ في يمنى يديك جعلتني

*فلا تجعلني بعدها في شمالك

وقول الآخر يمثل حال الرجل الذي لا يقول إلا حقًّا، ولا يخبر إلا بالصدق:

إذا قالت حذامِ فصدقوها

*فإن القول ما قالت حذام

ومنها قول الشماخ يمثل حال عرابة في حرصه على المجد واعتزازه به، وإقدامه عليه، وسموه إليه، واقتداره على نيله:

رأيت عرابة الأوسي يسمو

*إلى الخيرات منقطع القرين

إذا ما راية رُفعت لمجد

*تلقاها عرابة باليمين

ولا يخفى عليك أن الشبه مأخوذ من مجموع التلقي واليمين على حد قولهم “تلقيته بكلتا اليدين” كل هذه أمثلة للتشبيه المركب الذي يدخل تحت الاستعارة التمثيلية، ومن شديد ما يؤسف له أن البلاغيين أدخلوا في هذا مثل قوله تعالى: {وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقّ قَدْرِهِ وَالأرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسّمَاوَاتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67]، وقالوا: إن هذه الآية الكريمة مثلت حال الأرض يوم القيامة، والله عز وجل يتصرف فيها بأمره، وقدرته تغييرًا وتبديلًا بحال الشيء يكون في قبضة الإنسان، يتصرف فيه كيف يشاء، والقول في الآية بالمجاز.

وعلى هذا النحو إنما يعد إنكارًا لصفة من صفات الله سبحانه وتعالى وهي القبضة، وهذا يعكر عليه حتى على قول من جعل مفردات الألفاظ في اللغات اصطلاحية، ليس انعدام القرائن الدالة على صرف اليد في حق الله عن الحقيقة إلى المجاز فحسب، بل دلالة القرائن على استعمال اليد في حقه تعالى على الحقيقة لا على المجاز، يشير إلى ذلك اطراد لفظها في موارد الاستعمال، وتنوع ذلك وتصريف استعماله الذي يمنع المجاز، ألا ترى إلى قوله تعالى: {خَلَقْتُ بِيَدَيّ} [ص: 75]، وقوله: {وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقّ قَدْرِهِ وَالأرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسّمَاوَاتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67].

فلو كان لفظ اليد مجازًا في القدرة والنعمة لم يُستعمل منه لفظ يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الوارد بالحديث الصحيح، فلا يقال في هذا مثلًا: يد النعمة والقدرة، وكذا قوله عليه الصلاة والسلام: ((يقبض الله سماواته بيده، والأرض باليد الأخرى، ثم يهزهن ثم يقول: أنا الملك)) يقول ابن القيم: “فها هنا هزٌّ وقبض وذكر يدين، ولما أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يقبض يديه ويبسطهما تحقيقًا للصفة لا تشبيهًا لها، كما قرأ {وَكَانَ اللّهُ سَمِيعاً بَصِيراً}، ووضع يديه على عينيه وأذنيه تحقيقًا لصفة السمع والبصر، وأنهما حقيقة لا مجاز”، وقوله ((لما خلق الله آدم قبض بيديه قبضتين، وقال: اختر. فقال: اخترت يمين ربي، وكلتا يديه يمين، ففتحهما فإذا فيها أهل اليمين من ذريته)) وأضعاف أضعاف ذلك من النصوص الصحيحة الصريحة في ثبوت هذه الصفة لله سبحانه وتعالى”. هذا انتهى من كلام ابن القيم.

وفيه دلالة على أن القبض واليمين إنما هما في حق الله ليس تخييلًا ولا تمثيلًا، وإنما هما حقيقة في حق الله تليق بجلاله جل وعلا.

والحق أن ثمة إجماع على عدم جواز القول بالمجاز في صفات الله تعالى، نقله ونص عليه الإمام الخطابي والطرمبكي، وأبو عثمان الصابوني، والسجزي، وابن عبد البر، والحافظ أبو القاسم التيمي الأصبهاني، وأبو بكر محمد بن موهب، وأكتفي هنا بما قاله إمام المذهب الإمام أبو الحسن الأشعري -عليه رحمة الله- يقول في كتابه (مقالات الإسلاميين) بعد أن ذكر فرق الخوارج، والروافض، والجهمية، وغيرهم تحت عنوان جملة “قول أصحاب الحديث وأهل السنة أن ضمن قولهم الإقرار بالله، وملائكته، وكتبه، ورسوله، وبما جاء عن الله، وما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يردون من ذلك شيئًا، وأن الله على عرشه كما قال: {الرّحْمَـَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىَ} [طه: 5] وأن له يدين بلا كيف، كما قال: {خَلَقْتُ بِيَدَيّ} [ص: 75]، وكما قال: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: 64]، وأن له عينين بلا كيف كما قال: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} [القمر: 14]، وأن له وجهًا كما قال: {وَيَبْقَىَ وَجْهُ رَبّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ} [الرحمن: 27] وأن أسماء الله لا يقال: إنها غير الله، كما قالت المعتزلة والخوارج، ويصدقون -أي: أهل السنة- بالأحاديث التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إن الله ينزل إلى السماء الدنيا فيقول: هل من مستغفر…؟)) كما جاء في الحديث، ويقرون أن الله يجيء يوم القيامة كما قال: {وَجَآءَ رَبّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً} [الفجر: 22]، وأن الله يقرب من خلقه كيف يشاء كما قال: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16] إلى أن قال: فهذا جملة ما يأمرون به، ويستعملونه، ويرونه، وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول، وإليه نذهب، وما توفيقنا إلى بالله”.

وقد ذكر الدكتور عبد العظيم المطعني في كتابه (المجاز في اللغة والقرآن الكريم) قال: “فالمجاز لا حذر ولا خطر من وقوعه في اللغة، ولا حذر ولا خطر من وقوعه في القرآن الكريم، إلا الآيات التي تتحدث عن الأسماء والصفات، بل الكلمات نفسها المستعملة في الأسماء والصفات، وليس كل القرآن أسماء وصفات، فلنحذره في كلمات الأسماء والصفات؛ لأن تأويلها مجازيًّا يؤدي إلى التعطيل، ولنطلق صراح المجاز فيما لا يؤدي فيه التأويل إلى تعطيل في أساليب اللغة كلها، وفي سائر آيات الكتاب إلا ما كان منه اسمًا من أسماء الله الحسنى، أو صفة من صفاته القدسية، وهذا هو الحق الذي يجب أن يُصار إليه لوجاهة السبب المفضي إليه، ونبل الغاية الداعية إليه”.

هذا الكلام ذكره الدكتور المطعني في الجزء الثاني صفحة 1442، على أن لازم قول أهل التمثيل والتخييل أولئك الذين أبى شيخ البلاغة الزمخشري إلا أن يسلك سبيلهم في التجوز في صفات الله الخبرية، ويحشر نفسه معهم في قمع السمسمة كما يقولون: إن الرسل لم يفصحوا للخلق بالحقائق؛ إذ ليس في قولهم إدراكها، وإنما أبرزوا لهم المقصود في صورة المحسوس، قالوا: ولو دعت الرسل أممهم إلى الإقرار برب لا داخل العالم، ولا خارجه، ولا محايفًا، ولا مباينًا له، ولا متصلًا به، ولا منفصلًا عنه، ولا فوقه، ولا تحته، ولا عن يمينه، ولا عن يساره، وهو كلام جاء في كلام البلاغيين، وأوجب لأجله التفويض والتأويل؛ لنفرت عقولهم من ذلك، ولم تصدق بإمكان هذا الموجود فضلًا عن وجوب وجوده، هذا كلام من الأهمية بمكان، حتى لا نقول بمثل القائلين بالتمثيل، أو التخييل في صفات الله سبحانه وتعالى، أو التأويل.

من الاستعارات التمثيلية المقبولة والبعيدة عن إدخالها في صفات الله سبحانه وتعالى قول الله جل وعلا: {وَلَماّ سَكَتَ عَن مّوسَى الْغَضَبُ} [الأعراف: 154]، فقد عدَّها البعض من قبيل الاستعارة التمثيلية؛ حيث شبهت حال الغضب الذي أثار موسى بعض الوقت، ثم هدأ بحال رجل أثار غيره ثم سكت، بجامع التحول من حال إلى حال.

والأولى حمل الآية على الاستعارة المكنية مثل ذلك أيضًا قوله تعالى: {إِنّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىَ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ} [ق: 37]، فإننا نجد أن المقام يقتضي حمل الآية على الاستعارة التمثيلية؛ إذ المراد الحثُّ على النظر والتقريع على تركه، وقد ذكر بعض المفسرين أن المراد بالقلب العقل، ولكن البلاغيين لم يرتضوا هذا التفسير، وإن كان المرجع عند التحصيل إليه، وذلك لإخلاله بالمراد، وبيَّنوا أن الكلام مبني على تخييل أن من لم ينتفع بقلبه، فلا ينظر، ولا يعي، يكون بمنزلة من عدم قلبه جملة. وهذا يتفق مع ما تريده الآية من الحثِّ على النظر والتقريع على تركه.

من ذلك أيضًا قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً} [آل عمران: 103] حيث مثَّلت حال التمسك بدين الله بحال المعتمد على حبل قوي يمنعه من السقوط، ومما جاء من الاستعارة التمثيلية في الحديث النبوي قوله صلى الله عليه وسلم ((إن أحدكم إذا تصدق بالتمرة من الطيب، ولا يقبل الله إلا الطيب؛ جعل الله ذلك في كفه فيربيها، كما يربي أحدكم فلوَّه))، فقد مثَّل الحديث حال الصدقة القليلة من الكسب الطيب عند الله -جل وعلا- في محبته لها، ورضاه عنها بالشيء المحبوب يوضع في اليد؛ اعتزازًا به وحرصًا عليه، ومن الاستعارة التمثيلية الأمثال السائرة الواردة عن العرب، فيستعار موردها لمضربها.

ومعلوم أن الأمثال لا تتغير، فيستعار موردها الذي قيلت فيه لمضربها الذي تضرب فيه بلا تغيير، ولا تبديل، من ذلك مثلًا قولهم “أحشفًا وسوء كيلة”: يُضرب لمن يُظلم من جهتين، وأصل مورده أن رجلًا اشترى من آخر تمرًا، فوجده رديئًا وناقص الكيل، فقال: أحشفًا وسوء كيلة، فصار يضرب لمن ظلم من جهتين، هذه استعارة تمثيلية.

من أمثالهم في ذلك أيضًا قولهم: “رمى عصفورين بحجر” يُضرب لمن يحتال فيدرك أمرين بتدبير واحد، ومنها “الصيف ضيعت اللبن” ويضرب لمن يطلب أمرًا بعد فوات الأوان، ومنها “وعند جهينة الخبر اليقين” ويُضرب لمن يعرف الشيء على حقيقته ووجهه، ومنها “أنك لا تجني من الشوك العنب” ويُضرب لمن يفعل الشر وينتظر مجازاته عيه بالخير، ومنها “قطعت جهيزة قول كل خطيب” يضرب لمن يأتي بالقول الفصل في مواضع النزاع، هذه التمثيلات المركبة -كما قلنا- إنما جاءت العلاقة فيها علاقة مشابهة، فهي إذن استعارة.

المجاز المركب المرسل:

وهو الضرب الثاني من ضربي المجاز المركب، فهو اللفظ المركب المستعمل في غير ما وُضع له؛ لعلاقة غير المشابهة مع قرينة مانعة، من ذلك مثلًا قوله تعالى: {رَبّ إِنّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىَ} [آل عمران: 36] فالله يعلم ما وضعت، وامرأة عمران تعرف أنه تعالى لا يخفى عليه شيء، فهي لم تُرد الإخبار بما وضعت، وإنما أرادت أن تُبدي حزنها وتحسرها؛ لعدم مجيئه ذكرًا، حيث كانت قد وهبته ونذرته لخدمة بيت الله، فهو إذن مجاز علاقته اللزومية؛ إذ يلزم من إخبارها بوضع الأنثى أنها حزينة متحسرة.

من ذلك قوله تعالى: {رَبّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ} [يوسف: 101] فقد أراد يوسف عليه السلام إظهار الغبطة والسرور، فهو مجاز مركب علاقته اللزومية أيضًا؛ إذ يلزم من إخباره بأن الله قد آتاه من الملك وعلمه من تأويل الأحاديث، إبداء سروره، وإظهار غبطته، والقرينة أن الله عز وجل عليم بذات الصدور، ويوسف يعرف أنه تعالى في غنًى عن إخباره، ولا تخفى عليه خفية.

هذا عن المجاز المركب، وعلى نحو ما تنوعت أساليب المجاز المركب إلى استعارة تمثيلية فيما كانت علاقته المشابهة، وإلى مجاز مرسل مركب فيما لم يكن كذلك نأتي للحديث عن المجاز المفرد؛ ليتبين لنا أنه هو كذلك يتنوع باعتبار المصطلح الذي يقع به التخاطب إلى أربعة أنواع:

error: النص محمي !!