Top
Image Alt

أقسام المدعى لهم

  /  أقسام المدعى لهم

أقسام المدعى لهم

المدعى لهم يعالج الفقهاء هذه القضية حول أقسام المدعى لهم، وما يسمع القاضي من بيناتهم وما لا يسمع، وهم ستة أقسام:

القسم الأول: كل من يريد إقامة دعوى في صحة ما ادعاه لنفسه؛ لأن الأصل تمكين من يريد إقامة دعوى لإثبات صحة ما يدعيه هذا هو الأصل؛مثلا أنا رفعت دعوى على شخص أنه اغتصب مني شيئا أو ماطل في أداء حق لي عليه، وأنا أريد أن أقيم دعوى أمام القضاء عليه؛ لأنه ماطل ولا يريد أن يدفع ما عليه من حق، الأصل تمكين من يريد إقامة دعوى لإثبات صحة ما يدعيه، وقد يمنع في حالات؛ منها إذا ادعى عليه بنحو قرض أو وديعة وهو؛ أي المدعي قد جحد هذا بالأول أو المدعى عليه جحد قال: ما لي عنده شيء، ثم  خاف أن تقوم عليه البينة بذلك  فأقر بذلك، وادعى وجهًا من الوجوه يريد إسقاط ذلك عن نفسه؛ فإنه  لا يُمَكَّنُ.

ومنها أن من عليه دين منجم، شخص عليه دين مقسم على اثني عشر شهر مثلًا أدى بعضه أدى شهرين أو ثلاثة ثم ادعى العجز، فلا تسمع دعواه؛ إلا أن يأتي ببينة بدليل قوي، حجة ناصعة على ذهاب ما بيده؛  لماذا لا تسمع دعواه من البداية؟ لأن الدين منجم وهو انتظم بالسداد بعد فترة ثلاثة أربعة أشهر يدعي العجز من الممكن يدعي العجز، وهو غير عاجز، وهذا هو الغالب فعليه أن يأتي ببينة تدل على ذهاب ما بيده حتى يسمع القاضي ويسمح له أولًا برفع هذه الدعوى.

و من الأحوال المستثناة من هذا الأصل وهو أن كل من يدعي حقًّا، ويريد إقامة البينة عليه  يجب على القاضي أن يمكنه، في هذه أحوال الرجل يطلق زوجته ثم تطلب منه نفقة أولاده، فيدعي العدم أو يدعي العسر، يقول: ما عندي ما أنفق منه على أولادي، فهذا لا تسمع دعواه إلا أن يأتي ببينة على ذهاب ما كان بيده لماذا؟ لأنه كان بالأمس ينفق على زوجته، وينفق على أولاده، ثم لما طلق زوجته يزعم أنه غير قادر اليوم على الإنفاق على أولاده مع أنه بعد أن طلق زوجته المفروض أنه أقوى  وأقدر على الإنفاق على أولاده، هل إذا كان ينفق على زوجته وأولاده بالأمس فاليوم هو ينفق على أولاده فقط، المفروض أنه  اليوم أقدر من الأمس، فهو يدعي خلاف الواقع أو خلاف المضمون.

القسم الثاني: من يريد إقامة دعوى في صحة ما ادعاه لموكله، ما الفرق بين هذا القسم وسابقه؟ القسم السابق كان يجيز إقامة دعوى لصحة ما ادعاه هو، أما هذه المرة، فهو يريد إقامة دعوى لصحة ما ادعاه لموكله، وليس لنفسه، فإن كان في خصومة؛ يعني سيقيم دعوى وهو وكيل خصومة فلا تسمع دعواه حتى يبين ما وكل فيه وهو الخصومة؛ يعني حتى يبين أنه موكل عنه في الخصومة لماذا؟ لأن الإنسان قد يكون وكيلًا عن غيره لكن في غير الخصومة؛ لأن الخصومة بالذات حتى تقام الدعوى عنه في الخصومة ضروري أن هذا الوكيل يكون معه ما يثبت أنه وكيل عن غيره في الخصومة، وليس وكالة عامة، وهذا في الواقع نوع من الاحتياط من جانب الفقهاء؛ لأن لو أن الإنسان له وكيل لكن في غير الخصومة وكيل في التجارة، وكيل في تسلم بضائع، وكيل في سمسرة، وكيل في شراء أشياء من السوق هذا غير وكيل الخصومة؛ يعني غير المحامي إذا كان وكيل خصومة يريد  رفع دعوى أمام القضاء لإثبات صحة ما ادعاه لموكله، فإن عليه أن يثبت أنه وكيل خصومة.

القسم الثالث: وهو من يريد إقامة البينة على صحة ما ادعاه لقريبه أو جاره، هنا ما الفرق بين هذا القسم وسابقه وسابقه؟ فرق واضح جدًّا؛ لأن الأول كان يقيم دعوى لصحة ما ادعاه لنفسه، والثاني يقيم دعوى لصحة ما ادعاه لموكله في الخصومة، أما هذا فهو يريد إقامة البينة على صحة ما ادعاه لقريب له أو لجار له، فهل يا ترى يسمح القاضي له برفع هذه الدعوى بدون أن يكون وكيلًا؟ قال مالك في مثل ذلك: لا يقبل القاضي للقائم بذلك حجة  إلا بوكالة عن الغائب؛ لأن الدعوى أمر جائز من الممكن للإنسان أن يتنازل عن بعض حقوقه، ومن الممكن أن يوكل من يدافع عنه، لكن لا بد أن يوكل بإرادته، أما أن يتبرع شخص هكذا، ويزعم أنه يقيم دعوى لصحة ما ادعاه هو لقريبه أو ما ادعاه هو لجاره، وهو غير ذي صفة، لكن إذا أثبت أمام القاضي أنه معه وكالة يسمع له القاضي ويسمح.

وذكر ابن القاسم أنه لا بأس على القاضي أن يأمر الذي يرفع ذلك؛ يعني يرفع دعوى لإثبات صحة ما ادعاه لجاره أو قريبه؛ يعني ابن القاسم يقول: عليه أن يثبت أن ما للغائب عنده بالبينة، والقاضي يسمع منه، ويأمر بكتابة ذلك للغائب كتابا، ويطبع عليه ويشهد له بما فيه؛ يعني هذه مثل التصرف الموقوف؛ ابن القاسم وصل إلى رأي جيد وله وجهة نظر قوية: أنه لا مانع من أن القاضي يسمع له، ويأمر بكتابة ما يدعيه من دعوى لإثبات صحة حق من الحقوق لجاره ويسجلها، ويكتب بهذا لذلك الغائب إذا حضر قال: إن قريبك أو جارك رفع دعوى لإثبات حق لك فماذا تقول؟ إذا حضر إما أن يوكل، وإما أن يفصل ويبين بالبينة ما مدى صحة هذه الدعوى.

إذا فالإمام مالك من البداية يطلب من القاضي ألَّا يسمع أي حجة إلا إذا أثبت من يدعي ذلك وكالة عن المدعى عنه أو المدعى له عليه أن يثبت هذا، لكن ابن القاسم زاد زيادة مهمة أنه لا بأس على القاضي لا حرج له أن يفعل هذا أن يأمر الذي يرفع ذلك بأن يثبت ما للغائب عنده بالبينة؛ يعني المصلحة هذه يثبتها بالبينة، ويسمع منه ويطلب للغائب بذلك كتابة، ويطبع عليه ويشهد له بما فيه؛ يعني تحوطًا لحفظ حق هذا الغائب حتى إذا رجع، وأراد الخصومة قدم الكتاب للقاضي، وطالبه بتنفيذ ما فيه.

والواقع  أنا أميل لرأي ابن القاسم أننا لن نخسر شيئًا بل بالعكس سنحافظ على مال هذا الغائب، وهو المدعى له.

القسم الرابع: وهو من يريد إقامة البينة على صحة ما ادعاه لغيره نسبة؛ يعني ابتغاء وجه الله، وكان هذا الغير غائبا أو غير غائب شخص كأنه فضولي يريد أن يقيم الدعوى يثبت فيها صحة ما ادعاه لغيره ابتغاء وجه الله، فإن أصحاب مالك يرون أن ذلك ليس إلى القاضي؛ يعني ليس من حقه أن يقبل ولا أن يحكم، وإذا فعل القاضي ذلك وحكم على الغائب لم يجز ذلك للغائب أو عليه؛ أي حكمه لا ينفذ، وكلامه لا ينفَّذ.

 القسم الخامس: هي حالة من يريد إقامة البينة على صحة ما ادعى به لمن هو في ولايته؛ قال ابن فرحون: فإن ذلك لا يجوز له إلا بالتوكيل هو يقصد في هذا وقد ضرب لذلك مثلًا عن بنت الإنسان على سبيل المثال لو كانت بنتي أرى أنها تتضرر، وأن زوجها يؤذيها، فأقوم أنا بدعوى دون أن توكلني أمام القضاء لإثبات ما ادعيه من إلحاق زوجها الضرر بها، يقول ابن فرحون: “ليس ذلك له إلا بتوكيل؛ يعني ليس من حق الأب أن يفعل ذلك بالنسبة لابنته أو بالنسبة لليتيمة التي هو وصي عليه ليس من حقه أن يفعل ذلك إلا إذا وكلته  لماذا؟ لأن من حقها أن تقبل هذا الضرر، ومن حقها أن تتسامح فيه، ومن حقها أن توكل،  لكن ليس من حقه هو أن يتبرع دون توكيل منها لمحاولة إثبات هذا الضرر.

يقول ابن فرحون: ومن ذلك أنه ليس للأب ولا للوصي  القيام عن من هم في ولايته من ابنته أو يتيمته إذا أضر بها زوجها في نفسها إلَّا بتوكيل منها، وليس عليه أن يقيم البينة على أنها تحت حجره أو في ولايته ثم يدعي ذلك؛ لأن لها الرضى في احتمال الضرر، وإن كانت مولى عليها، فليس للأب ولا للوصي اعتراض في ذلك، إذا وكلته فهذا أمر آخر.

القسم السادس: من يريد إقامة البينة لصحة ما ادعى لنفسه، ولغيره معًا؛ يعني هذه حالة معينة قسم خاص مختلف عن الأقسام السابقة؛ لأنه هنا يريد إقامة البينة لصحة ما ادعاه لنفسه ولغيره، في الصور السابقة كان ما يدعيه نفسه أو من يدعيه لمن هو تحت ولايته أو وصايته أو من يوكله توكيل عام أو توكيل خصومة أو حسبة، وقد بينا كل منها، أما هنا فهو يريد إقامة البينة في صحة ما ادعاه لنفسه، ولغيره  مثلًا كأن يرفع دعوى يطالب فيها ميراثًا له ولشركائه؛ كأن يرفع الأخ مثلًا دعوى يطلب فيها ميراث له، ولإخوته البنات وإخوته الرجال لا بأس هنا يمكن من الخصومة في ذلك؛ فإن حكم القاضي عليه لم يكن ذلك قضاء على الغائب إلا بتوكيل من هؤلاء الشركاء على طلب الخصومة في هذا طلب الميراث، وإن حكم القاضي له، وأحيا ما طلبه قضى له بحقه هو فقط، وترك حظ الغائب في يد المطلوب؛ فإن قدم الغائبون أو ورثتهم وأرادوا أخذ حقهم في الحكم الأول أخذوه بلا استثناء؛ أي: بلا انتظار ولا لخصومة، ولا شيء.

وهذا القسم  مهم جدًّا؛ لأن في الواقع هذا الشخص يريد إقامة البينة لصحة ما ادعاه له ولغيره، لو كان معه وكالة عن غيره فهذا يجوز، وتسمع دعواه، لكن إذا لم يكن معه وكالة، وهو يطالب بصحة ما ادعاه له ولغيره، هنا ننظر هل القاضي حكم عليه أو حكم له إن حكم عليه لم يكن ذلك قضاء على الغائب يحكم عليه هو أما شركاؤه فلا يحكم عليهم؛ لأنهم لم يوكلوا أحد في الدفاع عنهم، ولا في الخصام عنهم، وهذا هو عين العدل، وإن حكم القاضي لهم بالميراث، وكأنه قد أحيا ما طلبوا، فالقاضي يقضي له بحظه هو يقضي له هو فقط يقول: نعم أنت لك من هذه التركة كذا وكذا عشرة أفدنة أو مائة ألف جنيه، فهذا حقك وحق الآخرين… أما حق الغائب فيظل في يد المطلوب؛  لا ينزعه منه يظل مع المدعى عليه، فإن قدم الغائبون عندما يأتون أو حتى ورثتهم يخيرهم القاضي هل تأخذون حقكم كما أخذ قريبكم أو شريككم؟ فإن أقروا حكم لهم وأخذوه فورًا بلا خصومة ولا شيء، وإن أرادوا الخصومة فعليهم أن يرفعوا دعوى جديدة مستقلة، وينظر فيها القاضي.

error: النص محمي !!