Top
Image Alt

أقسام المصلحة الشرعية عند الطاهر بن عاشور

  /  أقسام المصلحة الشرعية عند الطاهر بن عاشور

أقسام المصلحة الشرعية عند الطاهر بن عاشور

يقول ابن عاشور: “وقد لاح من التعريف أن المصلحة قسمان: الأول: مصلحة عامة، وهي ما فيها صلاح عموم الأمة، أو الجمهور، ولا التفات منه إلى أحوال الأفراد إلا من حيث إنهم أجزاء من مجموع الأمة، مثل حفظ المتمولات من الإحراق والإغراق، فإن في بقاء تلك المتمولات منافع ومصالح، هي بحيث يستطيع كل من يتمكن من الانتفاع بها نوالها بالوجوه المشروعة شرعًا، فإحراقها، وإغراقها يفوت ما بها من المصالح على الجمهور. وهذا هو معظم ما جاء فيه التشريع القرآني، ومنه معظم فروض الكفايات كطلب العلم والجهاد، وطلب العلم الذي يكون سببًا في حصول قوة الأمة، فهذه الأمور كلها من فروض الكفايات، وفروض الكفايات -كما هو معلوم- إذا قام بها البعض؛ سقط الإثم عن الباقين. الثاني: مصلحة خاصة، وهي ما فيها نفع الآحاد باعتبار صدور الأفعال من آحادهم؛ ليحصل بإصلاحهم صلاح المجتمع المركب منهم، فالالتفات فيه ابتداءً إلى الأفراد، وأما العموم فحاصل تبعًا، وهو بعض ما به التشريع القرآني، ومعظم ما جاء في السُّنة النبوية من التشريع، وهذا مثل حفظ المال من السرف بالحجر على السفيه مدة سفهه، فذلك نفع لصاحب المال؛ ليجده عند رشده، أو يجده وارثه من بعده، وليس نفعًا للجمهور. ويحق على العالم أن يغوص برأيه في تتبع المصالح الخفية، فإنه يجد معظمها مراعًى فيه النفع العام، سواء كان للأمة والجماعة، أو لنظام العالم، مثل الدية في قتل الخطأ، فإنها وجبت على القرابة من القبيلة، وليس فيها في ظاهر الأمر نفع لدافعيها، وفيها مصلحة خاصة للقاتل خطأ إذا استبقي ماله، ولو كان النظر إلى تلك المصلحة الخاصة؛ لكان النظر يوجب إلغاء مصلحة القاتل في مقابلة مضرة أقاربه من قبيلته، ولكن غوص النظر يُنبئنا ويعلمنا بأنها روعي فيها نفع عام، وهو حق المساواة عند الشدائد؛ ليكون ذلك سُنة بين القوم في تحمل جماعاتهم بالمصائب العظيمة، فهي نفع مدخر لهم في نوائبهم، كما قال الله تعالى: {وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة: 237]. المصلحة باعتبار آثارها في قوام الأمة: وتنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: ضرورية، والثاني: حاجية، والثالث: تحسينية. فأما المصالح الضرورية: فهي التي تكون الأمة بمجموعها وآحادها في ضرورة إلى تحصيلها، بحيث لا يستقيم النظام باختلالها؛ بحيث إذا انخرمت تئول حالة الأمة إلى فسادٍ وتلاشٍ، وتتمثل هذه المصالح الضروريّة في: حفظ الدين، والنفوس، والعقول، والأموال، والأجسام، وزاد الإمام القرافي نقلًا عن قائلٍ: حفظ الأعراض. قال الغزالي: “وتحريم تفويت هذه الأصول الخمسة يستحيل ألا تشتملَ عليه ملة ولا شريعة أريد بها إصلاح الخلق، وقد عُلم بالضرورة كونها مقصودةً بالشرع لا بدليل واحد وأصل معين، بل بأدلة خارجة عن الحصر”. وأما المصالح الحاجية: فهي ما تحتاج الأمة إليها لاقتناء مصالحها، وانتظام أمورها على وجهٍ حسنٍ؛ بحيث لولا مراعاته لفسد النظام، ولكنه كان على حالة غير منتظمة؛ لذلك كان لا يبلغ مبلغ الضروري. يقول الإمام الشاطبي: “هو ما يُفتقر إليه من حيث التوسعة ورفع الحرج، فلو لم يراعَ دَخَلَ على المكلَّفين الحرج والمشقة، ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد المتوقع في المصالح العامّة، ومثّله الأصوليون بالبيوع، والإيجارات، والقراض -أي: المضاربة- والمساقاة”. ويظهر أن جل قسم المباح في المعاملات راجع إلى الحاجي، فالنكاح الشرعي من قبيل الحاجي، وحفظ الأنساب وإلحاق الأولاد بآبائهم من الحاجي للأولاد وللآباء، فللأولاد للقيام عليهم فيما يحتاجونه لتربيتهم النافعة لهم، وللآباء لاعتزاز العشيرة وحفظ العائلة. وحفظ الأعراض من الاعتداء عليها من الحاجي؛ لينكفّ الناس عن الأذى بأسهل وسائله وهو الكلام. ومن الحاجي ما هو تكملةً للضروري، كسدِّ بعض ذرائع الفساد، وكإقامة القضاء، والشرطة؛ لتنفيذ الشريعة. وعناية الشريعة بالحاجي تقرب من عنايتها بالضروري؛ ولذا قيل: إن الحاجة تنزّل منزلة الضرورة عامّةً كانت أو خاصّةً؛ ولذلك رتّبت الحد على تفويت بعض أنواعه، كحدّ القذف، وفيما دونه مجال للمجتهدين؛ فلذلك نراهم مختلفين في حدّ الشرب لقليل من المسكر، فالحنفية يقولون: إنه لا جلد فيه، و يقول غيرهم: إن فيه الجلد. وأما المصالح التحسينية: هي ما كان بها كمال حال الأمة في نظامها؛ حتى تعيش آمنةً مطمئنةً؛ فإن لمحاسن العادات مدخل في ذلك؛ سواء أكانت عاداتٍ عامّةً كستر العورة، أم خاصّةً ببعض الأمم كخصال الفطرة وإعفاء اللحية. قال الغزالي رحمه الله: “هي التي تقع موقع التحسين والتيسير للمزايا، ورعاية أحسن المناهج في العادات والمعاملات، ومثاله سلب العبد أهلية الشهادة مع قبول فتواه وروايته؛ لأن العبد ضعيف المنزلة باستسخار المالك؛ فالمالك مسخِّر إياه، فلا يليق بمنصبه التصدي للشهادة، ومن التحسيني أيضًا سد الذرائع للفساد، فهو أحسن من انتظار التورط فيه”، ولقد تتبع العلماء تصاريف الشريعة في أحكامها فوجدوها دائرةً حول هذه الأنواع الثلاثة؛ حيث جلب مصلحة أعظم أو درء مفسدة كبرى. المصلحة باعتبار تعلقها بعموم الأمة أو جماعاتها أو أفرادها: تنقسم المصلحة بهذا الاعتبار إلى قسمين، هما: أولًا: مصالح كلية، وثانيًا: مصالح جزئية. ويُراد بالكلية في اصطلاحهم: ما كان عائدًا على عموم الأمة عودًا متماثلًا، وما كان عائدًا على جماعة عظيمة من الأمة أو قطر، وبالجزئية ما عدا ذلك. فالمصلحة العامة لجميع الأمة قليلة الأمثلة، وهي كحفظ الجماعة من التفرق، وحفظ الدين من الزوال، وحفظ القرآن الكريم من التلاشي أو التغيير العام؛ بانقضاء حُفَّاظه، وتلف مصاحفه معًا، ونحو ذلك مما صلاحه وفساده يتناول جميع الأمة وكل فرد منها، وبعض صور الضروري والحاجي مما يتعلق بجميع الأمة. وأما المصلحة والمفسدة اللّتان تعودان على الجماعات العظيمة فهي: الضروريات والحاجيات والتحسينيات، المتعلقة بالأمصار والقبائل والأقطار على حسب مبلغ حاجاتها، مثل التشريعات القضائية لفصل النوازل، والعهود المنعقدة بين أمراء المسلمين وبين ملوك الأمم المخالفة، في تأمين تجار المسلمين بأقطار غيرهم إذا دخلوها للتجارة. والمصلحة الجزئية الخاصة، هي مصلحة الفرد أو الأفراد القليلة، وهي أنواع ومراتب، وقد تكفلت بحفظها أحكام الشريعة في المعاملات. المصلحة باعتبار تحقق الحاجة إلى جلبها أو دفع الفساد عنها: تنقسم المصلحة بهذا الاعتبار إلى ثلاثة أقسام: الأول: مصلحة قطعية. الثاني: مصلحة ظنية. الثالث: مصلحة وهمية. فالقطعية هي: التي دلت عليها أدلة من قبيل النصِّ الذي لا يحتمل تأويلًا، نحو قول الله تعالى في كتابه الكريم: {وَللّهِ عَلَى النّاسِ حِجّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران: 97]، وما دل العقل على أن في تحصيله صلاحًا عظيمًا أو في حصول ضده ضرر عظيم على الأمة، مثل قتال مانعي الزكاة في زمن أبي بكر رضي الله عنه. وأما الظنية: فمنها ما اقتضى العقل ظنه، مثل اتخاذ كلاب الحراسة في الدور في الحضر في زمن الخوف، أو دلّ عليه دليل ظنيّ من الشرع، مثل: ((لا يقضي القاضي وهو غضبان)). وأما الوهمية فهي: التي يتخيل فيها صلاح وخير، ولكن عند التأمل تجد فيها ضررًا كبيرًا؛ إما لخفاء ضرره، كتناول المخدرات، وإما لكون الصلاح مغمورًا بفساده، كما أنبأنا عنه قول الله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نّفْعِهِمَا} [البقرة: 219]. المصلحة باعتبار حصولها من الأفعال بالقصد أو حصولها بالمآل: تنقسم المصالح والمفاسد باعتبار آخر، إلى كونها حاصلةً من الأفعال بالقصد، أو حاصلة بالمآل، وهو تقسيم يسترعي حذق الفقيه؛ فإن أصول المصالح والمفاسد قد لا تكاد تخفى على أهل العقول المستقيمة، فمقام الشرائع في اجتلاب صالحها ودرء فاسدها مقام سهل، والامتثال إليه فيها هين، فأما دقائق المصالح والمفاسد وآثارها، ووسائل تحصيلها، وانخرامها، فذلك المقام المرتبك، وفيه تتفاوت مدارك العقلاء اهتداءً وغفلةً، وقبولًا وإعراضًا، فتطلع فيه الحيل والذرائع، وفيه التفطن للعلل وضده، وفيه ظهر تفاوت الشرائع، وفازت شريعة الإسلام فيه بأنها الصالحة للعموم والدوام.    

error: النص محمي !!