Top
Image Alt

أقطاب الروايات الإسرائيلية

  /  أقطاب الروايات الإسرائيلية

أقطاب الروايات الإسرائيلية

عبد الله بن سلام:

هو أبو يوسف عبد الله بن سلام بن الحارث من بني قينقاع، وهو من ذرية يوسف الصديق عليه السلام وكان اسمه في الجاهلية: “الحسين”؛ فسماه النبي صلى الله عليه وسلم: عبد الله.

عبد الله بن سلام أسلم أول ما دخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وقصة إسلامه ذكرها البخاري في (صحيحه)، وهي: “لما جاء نبي الله صلى الله عليه وسلم المدينة جاء عبد الله بن سلام، فقال: أشهد أنك رسول الله، جئت بالحق…” إلى آخر الحديث.

قال ابن حجر: في كتاب (التاريخ الصحيح) للبخاري: كان يتصف بالعدل والصدق والأمانة العلمية؛ فعن يزيد بن عمير قال: حضرت معاذًا -يعني: ابن جبل- الوفاة فقيل له: “أوصنا يا معاذ. فقال: التمسوا العلمَ عند أبي الدرداء، وسلمان الفارسي، وابن مسعود، وعبد الله بن سلام الذي كان يهوديًّا فأسلمَ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنه عاشر عشرة في الجنة))”.

اتُّهِم عبد الله بن سلام بأنه كان دسيسةً على المسلمين؛ وأنه أسلم خداعًا لينفث سمومه بينهم… إلخ.

وفي الرد على هذا الاتهام نقول:

معاذ الله أن يكون عبد الله بن سلام هكذا؛ لأنه لو كان كذلك لكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول المخدوعين فيه يوم أن جاء مسلمًا، ثم معاذ الله على فرض أنه خدع رسول الله صلى الله عليه وسلم أول الأمر؛ فلن يظل مخدوعًا، وليس من المعقول أن يتخلى الله عن نبيه فلا ينبهه إلى هذه الخديعة وخطرها في الوقت الذي لا يزال القرآن ينزل عليه، ويكشف له كثيرًا من أحوال المنافقين، ومحال أن يكون عبد الله بن سلام قد أسلم ولا يزال به حنين إلى يهوديته وما فيها من أباطيل؛ فهو لهذا يروجها ويحدث بها ليفسد على المسلمين عقائدهم، وهل من هذا شأنه فشهد الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة؟! يصدع بالحق في حكم رمي الزاني المحصن، ويخيب آمال قومه -أعني: اليهود؟!- ولهذا لم نجد بين علماء الحديث الذين نقدوا الرجال له بتهمة أو مسه بتجريح، وإنما وجدناهم يعدلونه ويوثقونه؛ ولهذا اعتمده البخاري وغيره من أهل الحديث، وفوق ذلك كله: هو صحابي، والصحابة كلهم عدول؛ فمن المستبعد أن يكذب في الرواية.

كعب الأحبار:

هو كعب بن مانع بن عمرو بن قيس، من آل ذي رعيل الحميري، وقيل: غير ذلك في اسم جده ونسبه، وأصله من يهود اليمن، كان في حياة النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا يهوديًّا عالمًا بكتبهم حتى كان يقال له: “كعب الحبر” و”كعب الأحبار” والمشهور أنه أسلم في خلافة سيدنا عمر رضي الله عنه وغزَا الرومَ في خلافة سيدنا عمر.

ثم تحول في خلافة سيدنا عثمان رضي الله عنه إلى الشام، فسكنها إلى أن مات بحِمص في خلافة عثمان سنة اثنتين وثلاثين من الهجرة، وقد بلغ من العمر مائة وأربعين سنة.

روى كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرسلًا، وعن عمر، وصهيب، وعائشة، وروى عنه معاوية، وأبو هريرة، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو، وأنس، وعطاء بن أبي رباح وغيرهم.

وكان على مبلغ عظيم من العلم، والجمهور وعلماء الجرح والتعديل على توثيقه، ولم يوجد له ذكر في كتب الضعفاء والمتروكين.

ولقد اتهم كعب بأنه أظهر الإسلام تباعًا وطوى قلبه على يهوديته، هذا اتهام باطل؛ لأن مسلمًا بن الحجاج -صاحب الكتاب المعروف في الحديث- قد أخرج له في (صحيحه)، وكذلك أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي؛ فهذا دليل على أن كعبًا كان ثقةً غيرَ متهم عند هؤلاء جميعًا، وتلك شهادة كافية لرد كل تهمة تلصق بهذا الحبر الجليل.

أما ما ذكره ابن كثير من أن عمر بن الخطاب نهى كعبًا عن التحدث، وقال له: “لتتركن الحديث أو لألحقنك بأرض القردة”. لقد علل ابن كثير على هذا بقوله: وهذا محمول من عمرَ على أنه خشي من الأحاديث التي يصفها الناس على غير واضعها، وأنهم يتكلمون على ما فيها من أحاديث الرخص، وأن الرجل إذا أكثر من الحديث، ربما وقع في أحاديثه بعض الغلط أو الخطأ؛ فيحملها الناس عنه أو نحو ذلك…

وبالجملة؛ فإن كعب الأحبار ما كان وضاعًا تعوَّد الكذب، وإن الإسرائيليات التي رواها إن كان وقع فيها كذب وأباطيل؛ فذلك يرجع إلى مَن نقل عنه من أسلافه الذين حرَّفوا وبدَّلوا، وإلى بعض كتب اليهود التي حُشِيت بالأكاذيب والخرافات.

قال ابن الجوزي: اعلم أن كعبًا مظلوم من متهميه، ولا أقول عنه إلا أنه ثقة مأمون، وعالم استهل اسمه؛ فنسب إليه روايات معظمها خرافات وأباطيل؛ لتروج بذلك على العامة ويتقبلها الأغمار من الجهلة.

وهب بن منبه:

هو وهب بن منبه الصنعاني اليمني، وهو من خِيار التابعين، وُلِدَ في آخر خلافة عثمان رضي الله عنه روى عن أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر… وغيرهم، ورَوَى عنه: عمرو بن دينار المكي، وعوف بن أبي الجليل العبدري، وابناه عبد الله وعبد الرحمن وغيرهم وأخرج له البخاري.

روى له البخاري حديثًا واحدًا: (صحيح البخاري) باب كتاب العلم، وكذلك أخرج له مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وكانت وفاته بصنعاء سنة عشر ومائة.

وثقه الجمهور وخالفه الغلاس فقال: كان ضعيفًا، وكانت شبهته في هذا أنه كان متهمًا بالقول بالقدر -أي: إن العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية- وصنف فيه كتابًا، ثم صح أنه رجع عنه، قال حماد بن سلمة عن أبي سلمان: سمعت وهب بن منبه يقول: كنت أقول بالقدر؛ حتى قرأت بضعة وسبعين كتابًا من كتب الأنبياء: من جعل إلى نفسه شيئًا من المشيئة فقد كفر؛ فتركت قولي.

ويقول أبو سلمان: لم أرَ أحدًا طعن فيه بالوضع والاختلاق والكذب إلا ما قاله بعض المتأخرين، وكان كثير النقل من كتب أهل الكتاب، ويظهر أنه كانت له ثقافة واسعة بكتب الأولين وحِكَمهم وأخبارهم، وقد ذكر عنه ابن كثير في بدايته حكمًا صائبةً، ومواعظ كثيرة، وقصصًا استغرقت بضعًا وعشرين صحيفةً، وليس فيها ما يستوكل إلا القليل.

وكذلك نُقِل عنه في التفسير روايات كثيرة جدًّا، وجلها من الإسرائيليات، ونحن لا ننكر أن بسببه دخل في كتب التفسير إسرائيليات وقصص بواطل؛ ولكن الذي ننكره أن يكون هو الذي وضع ذلك، واختلقه من عند نفسه؛ ولكنا -مع هذا- لا نخليه ولا نعفيه من التبعة والمسئولية والمؤاخذة؛ لأنه كان واسطة من الوسائط التي نقلت هذا إلى المسلمين، وألصقت بالتفسير إلصاقًا والقرآن منها بريء، ويا ليته ما فعل.

عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج:

هو أول مَن صنف الكتب بالحجاز وهو قطب الإسرائيليات في عهد التابعين، ولو أننا رجعنا إلى (تفسير ابن جرير الطبري) وتتبعنا الآيات التي وردت فيه في النصارى؛ لوجدنا كثيرًا مما يرويه ابن جرير في تفسير هذه الآيات يدور على عبد الملك الذي يعبر عنه دائمًا بـ”ابن جريج”.

روى عن أبيه، وعطاء بن أبي رباح، وزيد بن أسلم، والزهري، وغيرهم… وروى عنه ابناه عبد العزيز ومحمد، والأوزاعي، والليث، ويحيى بن سعيد، الأنصاري، وحمَّاد بن يزيد… وغيرهم.

قال ابن سعد: ولد سنة ثمانين؛ وأما وفاته فمختلف فيها؛ فمنهم مَن قال: سنة خمسين ومائة، ومنهم من قال: سنة تسع وخمسين ومائة، وقيل غير ذلك.

أما علمه؛ فقد قال ابن عيينة: سمعت أخي عبد الرزاق بن همام عن ابن جريج: ما دوَّن العلم تدوينه أحد، وقد عرف عن ابن جريج أنه كان رحالةً في طلب العلم؛ فقد ولد بمكة، ثم طوَّف في كثير من البلاد فرحل إلى البصرة واليمن وبغداد.

يقول ابن خلدون في (العبر): إنه لم يطلب العلم إلا في الكهولة؛ ولو سمع في عنفوان شبابه لحمل عن غير واحد من الصحابة؛ فإنه قال: كنت أتتبع الأشعار العربية والأنسابَ، فقيل لي: لو لزمت عطاء! فلزمته ثمانية عشر عامًا.

ويقول: وقد رويت عن ابن جريج أجزاء كثيرة في التفسير عن ابن عباس منها الصحيح ومنها ليس بصحيح؛ وذلك لأنه لم يقصد الصحة فيما جمع.

أما منزلته من ناحية العدالة؛ فإنه لم يظفر بإجماع العلماء على توثيقه وتثبته فيما يرويه؛ وإنما اختلفت أنظارهم فيه؛ فمنهم من وثقه ومنهم من ضعفه، وقال فيه العجلي: مكي ثقة.

وقال سليمان بن النضر بن مخلد بن يزيد: ما رأيت أصدق لهجةً من ابن جريج.

وقال ابن معين: ثقة في كل ما روي عنه من الكتاب. ويحيى بن سعيد قال: كان ابن جريج صدوقًا.

فإذا قال: “حدثني”؛ فهو سماع، وإذا قال: “أخبرني”؛ فهو قراءة، وإذا قال: “قال”؛ فهو شبه الريح.

وقال الدارقطني: تجنب تدليس ابن جريج؛ لأنه قبيح التدليس، لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح، ذكره ابن حبان في (الثقات) قال: كان من فقهاء أهل الحجاز، وقال: كان يدلس.

وقال عنه الذهبي في (ميزان الاعتدال): أحد الأعلام الثقات يدلس، وفي نفسه مجمع على ثقته مع كونه تزوج نحوًا من تسعين امرأة، نكاح متعة، وكان يرى الرخصةَ في ذلك، وكان فقيه أهل مكة في زمانه.

قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قال أبي: بعض هذه الأحاديث التي كان يرسلها ابن جريج أحاديث موضوعة، كان ابن جريج لا يبالي مَن أين يأخذها. يعني بقوله: “أخبرت” و”حدثت عن فلان”.

هذه نظرة العلماء إلى ابن جريج، وفي الحقيقة كان ابن جريج لا يبالي من أين يأخذ هذه الأحاديث؛ ولذلك المفسر يجب أن يكون على حذر من أحاديث ابن جريج.

وبعد فهذه نبذة عن أقطاب الإسرائيليات في التفسير.

error: النص محمي !!