Top
Image Alt

أقوال العلماء في قبول مرسل الصحابة

  /  أقوال العلماء في قبول مرسل الصحابة

أقوال العلماء في قبول مرسل الصحابة

الصحابة كلهم عدول بتعديل الله إياهم، وبنص الرسول -صلى الله عليه وسلم- على أنهم خير القرون، وأن إيذاءهم من أكبر الذنوب، وما دامت العدالة ثابتة لهم؛ فضبطهم تبين بالمقارنة بين الروايات، ولا يتهم صحابيًّا بما يخل بعدالته إلا مبتدعٌ دفعه الحقد إلى الافتراء عليه والاستخفاف بحقه, أو غير مسلم.

وحديث الصحابة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أساسه الاتصال، أي: الأخذ عنه مباشرة، وإذا أخذ أحدهم عن رفيق أو قرين شيئًا تأكّد من ضبطه له عن الرسول -صلى الله عليه وسلم-, فلا مانع عنده من ذلك؛ سواء رواه عنه عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أو رواه مباشرة عن الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فإذا احتاج الأمر إلى معرفة مصدر الخبر الذي وصل إليه: هل وصل إليه مباشرة من الرسول -صلى الله عليه وسلم- أم بواسطة؛ ذكر الواسطة، وذكره للواسطة مساوٍ لعدم ذكره.

وقد روى الصحابة بعضهم عن بعض، ولم يسكتوا عن بيان من سمعوا منه الحديث من الصحابة إلا عند إدراكهم عدم الحاجة إلى ذكره، من هنا كان مرسل الصحابي يختلف عن مرسل غيره، وكان القول بتدليس صحابي مخالفًا للاصطلاح الذي يخص التدليس باحتمال الرواية عمن لا تقبل روايته، ولا يعتبر التدليس الصوري الذي لا أثر له في الحكم على الحديث.

وكان الصحابة يحرصون على ألا ينسب للرسول -صلى الله عليه وسلم- شيء إلا عن المعتمدين, ممن لا يتطرق إليهم أدنى احتمال يؤثر في سلامة الرواية.

وقد ذكر الخطيب من مراسيل الصحابة, ما رواه بسنده عن أنس قال: ذكر لي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لمعاذ: ((من لقي الله لا يشرك به شيئًا؛ دخل الجنة)) فقال: يا نبي الله؛ أفلا أبشّر الناس؟ قال: ((لا؛ إني أخاف أن يتكلوا)).

والإرسال هنا صوري؛ لأن هذا الحديث روي عن أنس موصولًا إلى معاذ؛ فقد رواه البخاري معنعنًا، وعنعنة البخاري فيها دلالة على السماع في صحيحه، ورواه ابن حبان والطبراني موصولًا وليس فيه إرسال، وروى البخاري ومسلم وابن حبان -واللفظ له- من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبيه؛ أنه سمع أبا هريرة يقول: “من أصبح جُنُبًا فلا يصوم”؛ فانطلق أبو بكر وأبوه حتى دخلا على أم سلمة وعائشة؛ فكلتاهما قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصبح جنبًا ثم يصوم؛ فانطلق أبو بكر وأبوه حتى أتيا مروان فحدثاه، فقال: عزمت عليكما لما انطلقتما إلى أبي هريرة فحدثتماه؛ فانطلقا إلى أبي هريرة فحدثاه، فقال: هما أعلم؛ أخبرنا به الفضل بن العباس؛ فأحال إلى صحابي كريم، ولم ينكر ذلك عليه أحد من الصحابة أو ممن بعدهم، وحدد من حدثه، والقول بأنه إحالة على ميت لا قيمة له؛ لأن أبا هريرة مأمون في روايته عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-, فكيف لا يؤمن في روايته عمن روى عن الرسول -صلى الله عليه وسلم-, وفي ذكره وتحديده لمن روى عنه دليل على حصره لما رواه عن الصحابة عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- وتمييزه له عما أخذه عنه مباشرة؛ بحيث يستطيع أن يحيل على من روى له عنه إذا دعت الحاجة.

وروى أحمد بسنده عن عبد الله بن بريدة قال: شك عبيد الله بن زياد في الحوض؛ فأرسل إلى زيد بن أرقم فسأله عن الحوض، فحدثه حديثًا مؤنقًا أعجبه، فقال له: سمعتَ هذا من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ قال: لا، ولكن حدثنيه أخي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-, فأحال إلى من أخذ عنه الحديث، وهو يدل على الحفظ والأمانة, وأن الإرسال في قوة الاتصال عند الصحابة. وروى الترمذي بسنده إلى يحيى بن أبي كثير، عن نافع قال: انطلقت أنا وابن عمر إلى أبي سعيد؛ فحدثَنا أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال -سمعته أذناي هاتان يقول-: ((لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل، والفضة بالفضة إلا مثلًا بمثل؛ لا يُشَفّ بعضه على بعض، ولا تبيعوا منه غائبًا بناجز)).

قال الترمذي: وفي الباب عن أبي بكر وعمر وعثمان وأبي هريرة وهشام بن عامر والبراء وزيد بن أرقم، وفضالة بن عبيد وأبي بكرة وابن عمر وأبي الدرداء وبلال، قال: وحديث أبي سعيد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في الربا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وغيرهم؛ إلا ما روي عن ابن عباس أنه كان لا يرى بأسًا أن يباع الذهب بالذهب متفاضلًا, والفضة بالفضة متفاضلًا إذا كان يدًا بيد، وقال: “إنما الربا في النسيئة”، قال الترمذي: “وكذلك روي عن بعض أصحابه شيء من هذا”، وقد روي عن ابن عباس أنه رجع عن قوله؛ حين حدثه أبو سعيد الخدري عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.

وقد روى النسائي بسنده إلى سفيان عن عبيد الله بن أبي يزيد؛ أنه سمع ابن عباس يقول: حدثني أسامة بن زيد أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((لا ربا إلا في النسيئة)), وروى بسنده إلى سفيان عن عمرو عن أبي صالح أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: قلت لابن عباس: أرأيت هذا الذي تقوله شيئًا وجدته في كتاب الله U, أو شيئًا سمعته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ قال: ما وجدته في كتاب الله U ولا سمعته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-, ولكن أسامة بن زيد أخبرني أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إنما الربا في النسيئة)).

وفي (صحيح مسلم) بسنده أيضًا إلى سفيان عن عمرو عن أبي صالح قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: “الدينار بالدينار, والدرهم بالدرهم مثلًا بمثل, من زاد أو ازداد فقد أربى”، فقلت له: إن ابن عباس يقول غير هذا! فقال: لقد لقيت ابن عباس فقلت: أرأيت هذا الذي تقوله؟ أشيء سمعتَه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو وجدته في كتاب الله U؟ فقال: لم أسمعه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولم أجده في كتاب الله؛ ولكن حدثني أسامة بن زيد.

وروى مسلم بسنده عن عطاء بن أبي رباح؛ أن أبا سعيد الخدري لقي ابن عباس، فقال له: أرأيت قولك في الصرف؛ أشيئًا سمعته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أم شيئًا وجدته في كتاب الله U؟ فقال ابن عباس: كلا لا أقول؛ أما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأنتم أعلم به، وأما كتاب الله فلا أعلمه؛ ولكن حدثني أسامة بن زيد أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((ألا إنما الربا في النسيئة)).

وتحصّل من ذلك كله: أن ابن عباس رجع إلى ما عند أبي سعيد الخدري, وحمل الأمر على النسخ وانحسر الخلاف؛ فمن قال بقول ابن عباس قبل أن يرجع من أصحابه؛ فلأنه لم يعلم بهذا الرجوع.

ولقد أحال ابن عباس على أسامة بن زيد وهو حي، ولم يشك أحد في سماع ابن عباس هذا الحديث من أسامة، وسماع أسامة هذا الحديث من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

ومن هنا أجمع المحدثون على قبول مرسل الصحابي, الذي أخذه عن صحابي آخر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-, ثم رواه مباشرة عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- من غير أن يذكر الصحابي الذي سمع منه الحديث؛ لأن الصحابة كلهم عدول مرضيّون, ولأن الصحابة لم يكن يكذب بعضهم بعضًا، ولم يكن يعرف فيهم من يكذب على الرسول -صلى الله عليه وسلم- فضلًا عن الكذب على غيره.

يضاف إلى ذلك مزيد ضبطهم ورعايتهم للحديث؛ روى ابن منيع بسنده إلى أنس -رضي الله عنه- أنه حدّث بحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-, فقال له رجل: أنت سمعته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ فغضب غضبًا شديدًا، وقال: والله ما كل ما نحدثكم سمعناه –أي: مباشرة- ولكن كان لا يتهم بعضنا بعضًا. وكأنهم في ذلك يريدون أن يقولوا: إن أي اتهام لواحدٍ من الصحابة ممن روى عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- إذا ثبت؛ فإنه يطعن في الصحابة كلهم, وما دام الأمر كذلك فذكر الصحابي الساقط من السند بالنسبة لصحابي آخر يساوي عدم ذكره عنده.

وقال الحافظ أبو علي الغساني: ليس يعد مرسل الصحابي مرسلًا؛ فقد كان يأخذ بعضهم عن بعض ويروي بعضهم عن بعض، وكان لعمر بن الخطاب جار من الأنصار يتناوب معه النزول إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-, ينزل هو يومًا والآخر يومًا، قال: فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره –أي: ويعتبر كأنه سمع بذاته من الرسول -صلى الله عليه وسلم-.

وقال البراء: ما كل ما نحدّثكم به عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سمعناه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-, ولكن سمعناه وحدثنا أصحابنا، وكنا لا نكذب.

وقال ابن طاهر في كتاب (اليواقيت): كان من مذهب الصحابة -رضي الله عنهم- إذا صح عندهم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذكر حديثًا, رووه من غير أن يذكروا الواسطة بينهم وبينه؛ فقد روى أبو هريرة وابن عباس قصة: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] وهذه القصة كانت بمكة في بدء الإسلام، لم يحضرها أبو هريرة ويصغر عنها سن ابن عباس؛ مع أن هناك فيما نرى احتمالًا كبيرًا في أنهما سمعا هذه القصة من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-, وإن لم يدركا زمانها.

وروى ابن عمر { وقوف النبي -صلى الله عليه وسلم- على قليب بدر, وابن عمر لم يحضر بدرًا، وهذا أيضًا فيه ما قلناه من احتمال أنه سمع ذلك من الرسول -صلى الله عليه وسلم-. وروى مسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قصة الحديبية, وسنهما لا يحتمل ذلك؛ لأنهما وُلدا بعد الهجرة بسنتين، وروى أنس بن مالك حديث انشقاق القمر وذلك كان قبل الهجرة.

وقد أخرج الأئمة هذه الأحاديث وأمثالها في الصحيحين وغيرهما، وأجمعوا على الاحتجاج بها، ولم أرَ من خالف ذلك -يقول الزركشي- سوى ابن القطان؛ فإنه علّل حديث جابر في صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- عند الكعبة بأن جابرًا لم يدرك من حدَّثه بذلك، وهو لم يشهد صبيحة الإسراء لما علم أنه أنصاري إنما صحبه بالمدينة، ولا يلزم مثل ذلك في حديث أبي هريرة وابن عباس؛ فإنهما رويا إمامة جبريل من قول النبي -صلى الله عليه وسلم-.

وخلاصة ما يقال في ذلك: أنه لا يلزم في اتصال السند إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يحضر الصحابي الواقعة أو الأمر الذي يتحدث عنه؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان يذكر طوال حياته كثيرًا مما حصل له بمكة, فلا يجزم في رواية الصحابي بالإرسال إلا إذا تبين ذلك أو ثبت بمزيد التحديد الصوري للرواية، ولا أثر للإرسال على القول به في صحة الحديث أو في اعتماد الرواية؛ هذا عن منهج جمهور المحدثين في مرسل الصحابة.

error: النص محمي !!