Top
Image Alt

أكل ما مسته النار وأكل لحم الجزور، والضحك في الصلاة وحمل الميت وزوال لعقل

  /  أكل ما مسته النار وأكل لحم الجزور، والضحك في الصلاة وحمل الميت وزوال لعقل

أكل ما مسته النار وأكل لحم الجزور، والضحك في الصلاة وحمل الميت وزوال لعقل

المسألة الخامسة: أكل ما مَسّتْه النار، وأكل لحْم الجَزور:

 هل أكْل ما مَسته النار أو أكل لحم الجَزور يَنقُض الوضوء أو لا؟

أولًا: أكل ما مسته النار:

يقول ابن رشد: “اختَلف الصَّدر الأول -يعني: السَّلف الصالح من الصحابة والتابعين- في إيجاب الوضوء من أكْل ما مَسّتْه النار، لاختلاف الآثار الواردة في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم”.

ويقول: “اتفق جمهور فقهاء الأمصار بعد الصدر الأول على سقوطه -أي سقوط الوضوء- وعَدم وجوبه، ويكون أكْل ما مَسّتْه النار ليس ناقضًا للوضوء؛ إذ صحَّ عندهم أنه عَمل الخُلفاء الراشدين الأربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ولِما ورد أيضًا من حديث جابر أنه قال: «كان آخِر الأمريْن من رسول الله صلى الله عليه وسلم: تَرْك الوضوء ممّا مسّتْه النار»، خرَّجه أبو داود والنسائي رحمهما الله تبارك وتعالى.

ويُشير ابن قدامة -رحمه الله-  أيضًا إلى هذه المسألة في كتابه “المغني” في الجزء الأول فيقول: “وما عدا لحم الجَزور من الأطعمة لا وضوء فيه، سواء مسّتْه النار أو لم تمسّه”؛ هذا قول أكثر أهل العلْم، كما قال ابن رشد: “إن هذا هو قول جمهور فقهاء الأمصار”.

يقول: “ورُوي ذلك عن الخلفاء الراشدين، ومن الصحابة غير الخلفاء الراشدين: أُبيّ بن كعب، وابن مسعود، وابن عباس، وعامر بن ربيعة، وأبي الدرداء، وأبي أمامة، وعامة الفقهاء، ولا نَعلم اليوم فيه خِلافًا”.

وذهب جماعة من السلف إلى إيجاب الوضوء مما غَيَّرت النار، فمن الصحابة: ابن عمر، وزيد بن ثابت، وأبو طلحة، وأبو موسى، وأبو هريرة، وأنس، وعمر بن عبد العزيز، وأبو مِجلز، والحسن، والزهري، وجماعة من التابعين، لِما روى أبو هريرة، وزيد، وعائشة: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تَوضّئوا ممّا مَسّتِ النار»، وفي لفظ: «إنّما الوضوء ممّا مسّتِ النار»، والحديثان رواهما مسلم.

ولذلك رجّح ابن قدامة هذا القول، وهو قول عامة أهل العلْم، بل ذَكَرَ أنه لم يَجِد فيه خلافًا في زمانه، ولا نَعلم اليوم فيه خلافًا، وأكّد قائلًا:

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا تَتوضّئوا من لحوم الغَنم»، وقول جابر: «كان آخِر الأمريْن من رسول الله صلى الله عليه وسلم: تَرْك الوضوء ممّا مَسّتِ النار»، رواه أبو داود والنسائي.

ثانيًا: أكْل لحم الجَزور:

يقول ابن رشد: “ولكن ذهب قوم من أهل الحديث: الإمام أحمد، وإسحاق، وطائفة غيرهم… إلى أنّ الوضوء يَجب فقط من أكْل لحم الجَزور، لِثبوت الحديث الوارد بذلك عنه صلى الله عليه وسلم، عند مسلم، وأبي داود، والترمذي”.

يقول ابن قدامة -رحمه الله- : “وفيما سِوى اللّحم من أجزاء البَعير-مِن كَبده وطحاله، وسنامه ودُهنه، ومَرقه، وكِرشه ومُصرانه- وجهان. ففي الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «توضّئوا من لحوم الإبل وألبانها»، وفي لفظ: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن ألبان الإبل فقال: «توضّئوا من ألبانها». وسئل عن ألبان الغنم فقال: «لا تتوضّئوا من ألبانها»”؛ ولذلك يُعلّق ابن قدامة على ذلك بقوله: “وفيما ما سوى اللّحم من أجزاء البَعير التي ذكرناها: الكَبد، والطِحال، والمُصران، والسَّنام… يقول فيها وجهان:

أحدهما: لا يَنقُض؛ لأن النَّص يتناول لحوم الإبل.

والثاني: يَنقُض؛ لأنه من جُملة الجَزور، وإطلاق اللحم في الحَيوان يُراد به جُملته؛ لأنه أكثر ما فيه؛ ولذلك لمّا حرَّم الله تعالى لحم الخنزير، كان تَحريمًا لجُملته، كذلك ها هنا.

يُرجِّح إذًا ابن قدامة القَول بنَقض الوضوء من أكْل لحم الجَزور، عملًا بالحديث النبوي الصحيح في ذلك.

ونحن مع جمهور الفقهاء في عَدم الموافقة على هذا التَّرجيح، والقَول بعَدم انتقاض الوضوء بأكل لحم الجَزور.

فإذا نظرنا إلى ما قاله ابن قدامة في هذا الجُزء، وهو يَزيد الكلام تفصيلًا، فيقول: أكْل لحم الإبل يَنقُض الوضوء على كلّ حال، نَيئًا، ومَطبوخًا، عالِمًا كان أو جاهلًا. وبذلك قال جابر بن سَمرة، ومحمد بن إسحاق، وإسحاق، وابن المنذر، وهو أحد قولي الشافعي.

قال الخطابي: ذهب إلى هذا عامة أصحاب الحَديث، كما أشار ابن رشد بقوله: ولكن ذهب قوم من أهل الحديث.

رأي الجمهور: وقال الثوري، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي: لا يَنقُض الوضوء بحال؛ لأنه روي عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الوضوء ممّا يَخرج لا ممّا يدخل»، يعني: ممّا يخرج من السبيليْن فيوجب الوضوء، وهذا خلاف الطعام الداخل إلى المعدة.

وروي عن جابر، قال: «كان آخِر الأمريْن من رسول الله صلى الله عليه وسلم: ترْك الوضوء ممّا مسّتِ النار» رواه أبو داود؛ ولأنه مأكول أشبه سائر المأكولات.

وبهذا تبيَّن لنا: أن أكل لحم الجَزور فيه رأيان، والراجح هو: عَدم انتقاض الوضوء به.

المسألة السادسة: الضّحك في الصّلاة:

هل الضّحك في الصلاة يَنقض الوضوء أم لا؟

جمهور الفقهاء: الضحك لا يَنقض الوضوء، سواء كان داخل الصلاة أو خارجها، ولم يُخالف في ذلك إلاّ أبو حنيفة -رحمه الله-.

ولذلك نَجد ابن رشد يقول تحت هذه المسألة: “شذَّ أبو حنيفة، فأوجب الوضوء من الضحك في الصلاة، اعتمادًا على حديث مُرسل لأبي العالية –وهو من التابعين-، وأخرجه عبد الرزاق في “مُصنّفه” وسنده ضعيف، ونصُّ الحديث: “أنّ قومًا ضحكوا في الصلاة، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بإعادة الوضوء والصلاة”. وردَّ الجمهور هذا الحديث لكونه مُرسلًا.

والمُرسل: نوع من أنواع الأحاديث الضعيفة، وهو أنّ يَروي التابعي حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم دون أن يَذكر اسم الصحابي، فيُسمّى: مُرسلًا؛ لأن المَفروض أن التابعي لم يَلق النبي صلى الله عليه وسلم ولم يَسمع منه، وإنما يَروي عن الصحابي الذي روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

يقول ابن رشد: “لكونه مُرسلًا، ولمخالفته للأصول، وهو أن يكون شيء ما ينقُض الطهارة في الصلاة ولا ينقضها في غير الصلاة”.

يعلق ابن قدامة قائلًا: “ليس في القَهقهة وضوء، سواء كانت داخل الصلاة أو خارج الصلاة، روي ذلك عن: عروة، وعطاء، والزهري، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وابن المنذر”.

وقال أصحاب الرأي -يعني: أبو حنيفة وأصحابه-: “يجب الوضوء من القَهقهة داخل الصلاة دون خارجها”. وروي ذلك عن الحسن، والنخعي، والثوري، لِما روى أبو العالية: «أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُصلّي فجاء ضَرير فتردّى في بئر، فضَحك طوائف من المُصلّين، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الذين ضحكوا أن يُعيدوا الوضوء والصلاة». وروي من غير طَريق أبي العالية بأسانيد ضِعاف، وكما قال ابن رشد: إن الحديث ضعيف، وحاصله يَرجع إلى أبي العالية، كذلك قال عبد الرحمن بن مهدي، والإمام أحمد، والدارقطني.

يقول ابن قدامة -في كون القهقهة لا تَنقض الوضوء عند جمهور العلماء-: “ولنا: أنه لا يَبطل الوضوء خارج الصلاة فلم يَبطله داخلها كالكلام، وأنه ليس بحَدث ولا يُفضي إليه، فأشبه سائر ما لا يُبطل، ولأن الوجوب من الشارع ولم يَنص عن الشارع في هذا إيجاب للوضوء، ولا في شيء يقاس هذا عليه، وما رووه مُرسل لا يَثبت”.

وقد قال ابن سيرين: “لا تأخذوا بمَراسيل الحسن، وأبي العالية، فإنهما لا يُباليان عمَّن أخذا”.

ومن هذا يتَبيَّن لنا: أن قول ابن رشد: “وهو مُرسل صحيح” في غير مَحلّه؛ لأن ابن قدامة متأخّر عن ابن رشد، ودائمًا المتأخِّر يكون أكثر إحاطة بالعِلم وبالروايات، وبالأقاويل عمَّن سَبق.

يقول ابن قدامة: “والمُخالف في هذه المَسألة يَرد الأخبار الصحيحة لمخالفَتها أصوله، فكيف يُخالفها ها هنا بهذا الخَبر الضَّعيف عند أهل المَعرفة”.

أظن أنه قد تَبيّن لنا أن الجمهور قد اتفق على أنّ الضحك في الصلاة لا يَنقض الوضوء، فقد يُبطل الصلاة إذا تبيَّن منه حُروف أو نحوها، كما سنعلم فيما بعد، أمّا أن يقال: إنه يَنقض الوضوء، فهذا قول شاذ.

المسألة السابعة: حَمْل الميِّت، وزوال العقل:

حَمْل الميّت، هو: تَشييع الجنازة. فهل إذا شارك الإنسان في حَمْل جنازة، يكون ذلك ناقضًا للوضوء أم أنه ليس ناقضًا له؟

يَرى ابن رشد: أن القَول بالوضوء مِن حَمْل الميت قول شاذ؛ ولذلك قال: “وقد شذَّ قوم فأوجبوا الوضوء من حَمْل الميّت”.

وفيه أثر ضعيف: «مَن غَسل ميتًا فلْيَغْتسلْ، ومَن حَمَله فلْيتوضّأْ». وهذا الحديث رواه أبو داود والترمذي. وهو لا يُوجب الوضوء فقط، بل الغسل لمَن غسل ميتًا فليَغْتسلْ، فهل هذا الرأي صحيح؟

قال ابن قدامة:”اختلف أصحابنا في وجوب الوضوء من غَسل الميت.

فقال أكثرهم بوجوبه، سواء كان المَغسول صَغيرًا أو كَبيرًا، ذكرًا أو أنثى، مسلمًا أو كافرًا. وهو قول إسحاق، والنخعي، وروي ذلك عن ابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة. فروي عن ابن عمر، وابن عباس: أنهما كانا يأمران غاسِل المَيت بالوضوء.

وعن أبي هريرة قال: “أقلّ ما فيه الوضوء، ولا نَعلم لهم مخالفًا في الصحابة”. ولأن الغالب فيه أنه لا يَسلم أن تَقع يده على فرْج المَيت، فكان مَظنّة ذلك قائمًا مقام حَقيقته، كما أقيم النوم مقام الحَدث.

وقال أبو الحسن التميمي: لا وضوء فيه، وهذا قول أكثر الفقهاء، وهو الصحيح -إن شاء الله-“.

إذًا فالقول الصحيح: أنه لا وضوء في غَسل الميت، ولا في حَمْل الميت، وأنّ ذلك قول أكثر الفقهاء، وهو الصحيح إن شاء الله؛ لأن الوجوب من الشَّرع، ولم يَرد في هذا نصٌّ، ولا هو في معنى المَنصوص عليه. فبقي على الأصل، أي: عَدم الوضوء؛ ولأنه غسل آدمي، فأشبه غسل الحي.

المسألة الثانية: زَوال العقل:

أوجب جمهور العلماء الوضوءَ من زوال العقل بأي شكل من أشكاله (إغماء، أو جنون، أو سُكْر). وهذا قياسًا على النوم، فإذا كان النوم مَظنة للحَدث وناقضًا للوضوء، فإن زوال العَقل من باب أوْلى.

يقول ابن قدامة في هذا الإطار: “زوال العقل من نواقض الوضوء، إلاّ أن يكون بنَوم يَسير، جالسًا أو قائمًا”. ويُعقِّب على كلام الخرقي، بقوله: “وزوال العقل على ضَربيْن: نوم، وغيره.

فأما غَير النوم، وهو: الجنون، والإغماء، والسُكْر، وما أشبهه من الأدوية المُزيلة للعقل، فينقض الوضوء يَسيره وكَثيره إجماعًا.

قال ابن المنذر: أجمع العلماء على وجوب الوضوء على المُغمَى عليه؛ ولأن هؤلاء حِسهم أبعَد من حِس النائم، بدليل أنهم لا يَنتبهون بالانتباه، ففي إيجاب الوضوء على النائم تَنبيه على وجوبه بما هو آكد منه.

وأما النوم: وهو ناقض للوضوء في الجُملة، في قول عامة أهل العِلم، فإذا كان زَوال العقل بجنون مُتقطّع ثم أفاق المُصاب، فالإفاقة من الجنون توجب الصلاة، والصلاة تَجب بعد الوضوء، فيَجب عليه أن يَتوضأ؛ لأن وضوءه قَبل زوال عقله يكون قد زال، ويجب الوضوء من جديد سواء كان هذا الزوال للعقل زوالًا يَسيرًا، أو زوالًا طويلًا”. وقد رأينا إجماع أهل العلْم على ذلك.

error: النص محمي !!