Top
Image Alt

أمثلة على أثر العرف في مسألة تغيير الحكم، ومناقشة بعض لأحكام الاجتهادية البارزة التي يَظنُّ البعضُ أن فيها مخالفةً للنُّصوص

  /  أمثلة على أثر العرف في مسألة تغيير الحكم، ومناقشة بعض لأحكام الاجتهادية البارزة التي يَظنُّ البعضُ أن فيها مخالفةً للنُّصوص

أمثلة على أثر العرف في مسألة تغيير الحكم، ومناقشة بعض لأحكام الاجتهادية البارزة التي يَظنُّ البعضُ أن فيها مخالفةً للنُّصوص

الفكرة الثالثة: أثَر العرف في تغيُّر الفتوى:

وهذه الفكرة بمعنى أنه: هل يمكن تغيُّر الفتوى بتغيُّر أعراف الناس وعوائدهم فقط، أم أنَّ ذلك التَّغيُّر مرتبطٌ أوَّلًا وآخرًا بالمصلحة؟

نماذج من الأحكام التي دارت مع المصلحة، ورُوعي فيها العُرف الجاري:

أولًا: من عهد الصحابة رضي الله عنهم:

قد روي أن الإمام عليًَّا بدَّل حُكمًا يتَّصل بتضمين الصُّنَّاع، فقال بجواز التَّضمين ما لم يَقُم الصانع ببيِّنة على أنه لم يتعدَّ, أو لم يفرِّط في الأمانة, أو في حفظ الشيء المستصنَع، وهو الذي طلب منه تصنيعه, ثم ضاع أو احترق أو تلف بأيِّ شكل من الأشكال. وكان الحُكم قبل ذلك بعدم تضمين الصناع؛ لأنَّ يدَهم يدُ أمانة، ويد الأمين غير ضامنة, وإنما عدل الإمامُ عليٌّ عن ذلك؛ لأنَّه رأى النَّاس لا يحتاطون في حفظ الأمانات، وربما أدَّى ذلك إلى ضياع بعض الأموال، وإيجاد العداوة والشَّحناء بين النَّاس.

كما روي أنَّ عثمان بن عفان أمَر بالتقاط ضوالِّ الإبل وبيْعها؛ فإذا جاء صاحبها أُعطي ثمنَها, كما أنَّ الرَّسولَ صلى الله عليه وسلم كما ورَد في البخاريِّ: “سُئل عن ضالَّة الإبل: هل يلتقطُها من يراها؟ فنهى صلى الله عليه وسلم عن التقاطها؛ لأنَّه لا يُخشى عليها، وأمر بترْكها تردُ الماء, وترعَى الكلأ”.

وكان الحُكم على ذلك حتى خلافة عثمان, فلما رأى النَّاسَ قد دبَّ إليهم فسادُ الأخلاق، وامتدَّت أيديهم إلى الحرام، بدَّل الحُكم. وهو في الحقيقة لم يترك النَّصَّ ولم يُعطِّلْه تقديمًا للمصلحة عليه، وإنَّما بنى الحُكم على مقصود النَّص؛ فلو أبقى الحُكمَ على ما كان، مع ما لاحظه من فساد أخلاق الناس؛ لآل الأمرُ إلى عكس المقصود من النَّصِّ، الذي يتَّضح أنَّه مبنيٌّ على رعاية أحوال النَّاس وأخلاقهم في ذلك الحين.

ثانيًا: من عصر التّابعين:

وقد درج التَّابعون على ذلك، فأفتَوا بجواز التَّسعير, مع نهي الرَّسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك.

وقالوا: إنَّ النَّاس فجروا أو طغَوا وبغَوا بما أصابهم من الجشع، فأراد الفقهاء مقاومةَ ذلك، عملًا بالحديث الشريف: ((لا ضَررَ, ولا ضِرارَ)) الذي يقتضي بعمومه العملَ على رفْع الغبْن ومقاومته.

كما أفتَوا بردِّ شهادة الآباء للأبناء، والأخ لأخيه، وأحد الزوجيْن للآخَر، مع تجويز هذه الشهادة من قبْل. وإنما قالوا ذلك؛ لمَّا ظهر التَّزوير، وظهرت المحاباة في الشَّهادة من هؤلاء لهؤلاء. 

ثالثًا: من أحكام الأئمّة المجتهدين:

ثم جاء الأئمّة المجتهدون بعد ذلك، فدرجوا عليه وساروا في نهجه:

فأفتى أبو حنيفة ومالك بجواز دفع الزكاة لبني هاشم، وفهموا أنَّ النَّصّ الذي يُحرِّم الزَّكاة عليهم لم يكن على إطلاقه، ولكنَّه مقيَّدٌ بأخذ نصيبهم من بيت المال, فلمَّا زال القيدُ زال التَّحريم؛ منعًا للضَّرر وتطبيقًا لحديث: ((لا ضرَرَ ولا ضِرارَ)), وليس في هذا تقديمٌ للمصلحة على النَّصّ، وإنَّما هو تصرُّف في تفسير النَّصّ.

ثم جاء بعض تلاميذ الأئمَّة, فأفتَوا في كثير من المسائل الفقهيَّة بعكس ما أفتى به أئمَّتُهم، وقالوا: إنَّه اختلافُ عصر وزمان، لا حجَّة وبرهان، أو إنَّه اختلاف الزَّمان وفساد الأخلاق؛ حتَّى وضع الفقهاءُ قاعدةً تقول: “لا ينُكر تغيُّر الأحكام بتغيُّر الأزمان”, ويتضح ذلك كما في مسألة اختلافهم فيمن يكونُ منه الإكراه, واختلاف الإمام أبي حنيفة وصاحبيْه في عدالة الشهود, وغير ذلك.

مناقشة بعض الأحكام الاجتهادية البارزة, التي يَظنُّ البعضُ أنَّ فيها مخالفةً للنُّصوص:

على أنَّ طائفةً من الكاتبين أو الباحثين في هذا المقام -قديمًا أو حديثًا- يوردون بعض جزئيَّات من صوَر التَّبدُّل، ويذكرون في بعضها أنَّه جاء على خلاف ما تقتضيه النُّصوص. والواقع -كما يبدو لنا- أنَّه يمكن ردُّ ذلك إلى تفسيرٍ في النصوص, على مقتضى ما تدعو إليه من دلالات الألفاظ, التي تختلف باختلاف ظروفها وقرائنها، كدلالة المفاهيم والصيغ والمصطلحات وما إليها، ممَّا يمكن أن يوجد في ألفاظ الكتاب والسُّنَّة ثروة تسمح للمجتهد, أن يتصرَّف في فهمها في دائرة تلك الدِّلالات, الَّتي بيّنت مواضعَها كتبُ أصول الفقه أو كثير منها، حسب طريقة كلّ منهم في التأليف في علْم الأصول.

وبناءً على هذا، نستطيع القولَ بأنَّ من ذكَر خلافًا في هذا المقام، فإنَّ نظرتَه إليه نظرةٌ ظاهريَّة, غير فاحصة ولا عميقة.

نذكر من هذه الأمثلة ما يلي:

المثال الأول: شرب الوليد بن عقبة الخمرَ، وهو أميرٌ على جيشٍ في أرض الروم، وثبَت ذلك عليه؛ فأشار بعضُهم بإقامة الحدِّ عليه, فتصدَّى لهم حذيفةُ بن اليمان، وقال: “أتحُدُّون أميرَكم، وقد دنوْتم من العدوِّ؛ فيطمع فيكم؟”’ فكَفّوا عمَّا كانوا يفكِّرون فيه.

وليس في هذه الواقعة ما يدلُّ على المدَّعَى من تبدُّل لِحُكم منصوص عليه؛ لأنَّه لم يثبت امتناعُهم عن إقامة الحدِّ نهائيًَّا؛ إذ من الجائز أن يكون قد أُرجِئ لأنَّه هو الأميرُ الَّذي يَملك إقامة الحدِّ، ولأنَّه في أرض العدوِّ؛ وقد نهى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عن إقامة حدِّ السرقة في أرض العدو، حيث قال: ((لا تُقطعُ الأيدي في الغزو)).

وعلَّله كبار الصحابة بأنَّ المنع؛ لِما يترتَّبُ على فعْله من ضررٍ أكبر، كلحوق مرتكب الجريمة بالعدو حميّة وغضبًا, فلْيكُنْ حدُّ الشّرب مقيسًا على حدِّ السرقة في هذا؛ للاشتراك في العلّة.

فالنبي خَصَّص من عموم إقامة الحدِّ نوعًا خاصًَّا, بما كان في أرض العدوِّ أثناء الغزو, وذلك التَّخصيص -وإن كان في جزئيَّة السرقة- فإنَّه يُقاس عليها ما يُشبهها؛ فكان ذلك قياسًا مُخَصِّصًا لِما أجمع عليه الصحابة من إقامة الحد على شارب الخمر، لا مخالفًا لهم، بل هو في الحقيقة عملٌ بالإجماع, الذي دلَّ على أنه لا تُقام الحدود في أرض العدو. كما أفاد ذلك كلام ابن القيم في أحد نقْولاته.

المثال الثاني: أسقط عمر بن الخطاب حدَّ السرقة عن السارق عام المجاعة؛ وهذه المسألة تدخل تحت قاعدة الضَّرورة, التي أجمع المسلمون على اعتبارها, وترتُّب الأحكام عليها.

يقول ابن القيِّم في ذلك: إنَّ سقوط القطع في المجاعة محضُ القياس، ومقتضى قواعد الشرع؛ لِما يَغلب على الناس من الحاجة والضرورة؛ وهذه شبهة قوية تدرأ القطع عن المحتاج. ويمكن القول بأن عدم القطع هنا يرجع إلى نصِّ وقول الرَّسول صلى الله عليه وسلم: ((ادْرَءوا الحدود بالشُّبُهات ما استطعْتم)) أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

فكأنَّ سقوط القطع في المجاعة؛ لِشُبهة الحاجة والضَّرورة التي تدفع الإنسان لأن يأخذ مقدارَ ما يُغيث به نفسَه، أو ما يسدُّ به رمَقه، ولا يكون سارقًا؛ بل يجب على صاحب المال بذلُ ذلك له، إمَّا بالثمن أو مجانًا على خلاف في ذلك, والصَّحيح: وجوبُ بذْله مجانًا؛ لوجوب المواساة، وإحياء النُّفوس مع القدرة على ذلك، والإيثار بالفضل مع ضرورة المحتاج – كما قال ابن القيم الذي أضاف: وهذه شبهة قويَّة تدرأ القطع عن المحتاج؛ وهي أقوى من كثير من الشُّبَه التي يَذكرها كثير من الفقهاء.

بل إذا وازنت بين هذه الشُّبهة وبين ما يَذكُرونه؛ ظهر ذلك التفاوت, فأين شبهةُ كونِ المسروق ممَّا يُسرع إليه الفساد؟ وكوْن أصله على الإباحة كالماء, وشبهة القطع به مرةً؟ وشبهة دعوى ملْكه بلا بيِّنة؟ وشبهة إتلافه في الحرز بأكل أو احتلاب من الضرع؟ وشبهة نقصان ماليته في الحرز بذبح أو تحريق ثم إخراجه؟ وغير ذلك من الشُّبَه الضعيفة جدًّا، إلى هذه الشُّبهة القويَّة؟ لا سيَّما وهو مأذون له في مغالبة صاحب المال, على أخْذ ما يسُدُّ به رمَقه.

وعام المجاعة يكثر فيه المحاويج والمضطرُّون، ولا يتميز المستغني منهم والسارق لغير حاجة من غيره، فاشتبه مَن يجب عليه الحدُّ بمَن لا يجب عليه، فدُرئ. نعم، إذا بان أن السارق لا حاجة به وهو مستغنٍ عن السرقة، قُطع.

كلُّ هذا يُبيِّن لنا: أنَّ الأمر -في نظر عمر- لم يخرج عن النص، وليس فيه إبطالٌ له، ولا نسخٌ ولا تعديل؛ وإنَّما هو تطبيق دقيق للنص الشرعي، مع ملاحظة رغبة الشَّارع الصَّريحة في درء الحدود بالشُّبهات.

ومعنى هذا كلِّه: أنَّ عمر لم يوقف حدًَّا وجَب، ولم يكن له أن يفعل؛ فالحدُّ لم يجب ولم يستوْفِ شروطه ولم تنتفِ موانعه؛ بل الواقع أنَّ الحدَّ لم يجب أصلًا بوجود الشُّبهة العامة التي أوجبت درْءه، وهي المجاعة.

المثال الثالث: يرى بعضُ الفقهاء جوازَ إخراج زكاة الفطر من غير ما ورد النَّصُّ عليه، كغالب قوت البلد عند الشافعية، أو القيمة عند الأحناف.

والتَّحقيق: أنّ هذا من قبيل القياس، وليس فيه تبديل الحُكم، فضلًا عن مخالفة النَّصِّ؛ فإنَّ العلة من إخراج صاعٍ من تمر أو شعير أو زبيب: إغناءُ الفقير عن السُّؤال في هذا اليوم، بسدِّ حاجته في ذلك اليوم، كما بيَّن النَّبيُّ العظيم الرحيم بأمّته صلى الله عليه وسلم. وهذا المعنى متحقِّق بإخراج ما عدا هذه الأصناف ممَّا تتجدَّد مع الزمان، وتختلف باختلاف المكان والأحوال، وممَّا يحصل معه ذلك الغرض بما يناسب الزَّمان، وإن اختلفت وجهة نظر الفقهاء في ذلك، توسعةًً في دائرته وتضييقا.

وهذا يثبت فكرة الاجتهاد في فهْم النصوص وتطبيقها, بما لا يُعدُّ تبديلًا أو مخالفةًً لها.

تعقيب على مسألة تغيير الحُكم بتغيّر المصلحة:

يُفرِّع العلماء على مراعاة المصلحة أو العرف قاعدةً مهمّة، هي: أنَّ المسائل المبنيَّة عليهما تتغيَّر أحكامها بتغيُّر العرف والعوائد، زمانًا ومكانًا وحالةً أو أحوالًا؛ وهي من القواعد التي لا يصحّ إغفالُها في مثْل هذه المسائل عند التَّنظير والتَّطبيق, وهذا من المتقرِّر عند من فقَّهه الله في الدِّين. ولغفلة كثيرٍ من المُقلِّدة عنهم، نبَّه عليه عددٌ من العلماء المحقِّقين، وشدَّدوا النَّّكير فيه على من يُفتون النَّاس بمجرّد المنقول في الكتب، دون اعتبار لاختلاف الأعراف والعوائد زمانًا ومكانًا وحالًا؛ وكلامهم في هذا كثير.

ومن هؤلاء العلماء القرافي, الذي قال على سبيل المثال: “الأحكام المترتِّبة على العوائد تدور معها كيفما دارت، وتبطل معها إذا بطلت، كالنقود في المعاملات، والعيوب في الأعراض في البياعات، ونحو ذلك. فلو تغيَّرت العادة في النَّقد والسكة إلى سكة أخرى؛ لحُمل الثمن في البيع عند الإطلاق على السكة التي تجدَّدت العادةُ بها دون ما قبلها. وكذلك إذا كان الشيء عيبًا في الثياب في عادةٍ، رددْنا به المبيع؛ فإذا تغيَّرت العادة وصار ذلك المكروه محبوبًا موجبًا لزيادة الثَّمن، لم تُرَدَّ به – أي: لم تُردَّ به السِّلعة أو الثِّياب- وبهذا القانون تُعتبر جميع الأحكام المرتّبة على العوائد، وهو تحقيق مجمَع عليه بين العلماء، لا خلاف فيه…

وعلى هذا القانون تُراعى الفتاوى على طول الأيام؛ فمهما تجدّد في العرف اعتبره، ومهما سقط أسقطه…

فهذا هو الحقُّ الواضح، والجمود على المنقولات أبدًا ضلالٌ في الدين، وجهل بمقاصد علماء المسلمين، والسَّلف الماضين.

كما عقد ابن القيّم فصلًا في كتابه (إعلام الموقِّعين) في تغيّر الفتوى واختلافها, هذا الفصل عنوانه: “في تغيّر الفتوى واختلافها، بحسب تغيُّر الأزمنة والأمكنة والأحوال والنِّيَّات والعوائد”, ووصَفه ابن القيِّم بقوله: “هذا فصل عظيم النفع جدًّا، وقع بسبب الجهل به غلطٌ عظيم على الشَّريعة، أوجبَ من الحرج والمشقَّة وتكليفِ ما لا سبيل إليه, ما يُعلم أنَّ الشَّريعة الباهرة التي في أعلى رُتب المصالح لا تأتي به؛ فإنَّ الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد, وهي عدلٌ كلُّها، ورحمة كلُّها، ومصالحُ كلُّها، وحكمةٌ كلُّها.

فكل مسألةٍ خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرَّحمة إلى ضدِّها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث؛ فليست من الشَّريعة، وإن أدخلت فيها بالتَّأويل؛ فالشريعة عدلُ الله بين عباده، ورحمتُه بين خلْقه، وظلُّه في أرضه”.

حيث أطال القرافي الكلامَ في تقرير هذه القاعدة، وذكَره في مواضع كثيرة.

وقال ابن القيم أيضًا -بعد نقله كلامًا في قاعدة التَّغيُّر هذه، نسَبه للمالكيَّة يُشبه كلام القرافي السابق-: “وهذا محضُ الفقه -يعني: تغيُّر الفتوى بتغيُّر العوائد، أو الأعراف، أو المصالح- ومن أفتى النَّاس بمجرّد المنقول في الكتب، على اختلاف عُرفهم وعوائدهم, وأزمنتهم وأمكنتهم, وأحوالهم وقرائن أحوالهم، فقد ضلَّ وأضلَّ، وكانت جنايتُه على الدين أعظم من جناية مَن طبَّب الناس كلّهم, على اختلاف بلادهم وعوائدهم, وأزمنتهم وطبائعهم بما في كتب الطب على أبدانهم؛ بل هذا الطبيب الجاهل وهذا المفتي الجاهل أضرُّ على الناس وأبدانهم, والله المستعان”. وهو يعني بقوله: “وهذا المفتي الجاهل أضرُّ على الناس وأبدانهم” أنه أكثر ضررًا عليهم.

والحقُّ: أنَّ هذه المسألة من المسائل, التي قد زادت أهميتُها في هذا العصر، حيث تعدُّد الأقاليم الإسلامية في بلاد المسلمين، وتناثر الجاليات الإسلامية في غيرها.

ومهما يكن من شيء، فمن العلماء من يقول باعتبار المصلحة متوسِّعًا في اعتبارها، ومقدِّمًا لها في بعض الأحيان على ظاهر النَّصِّ، اجتهادًا منه في أنّ ذلك هو مقصد الشريعة. فإذا كانت هناك فروع في بعض كتب الفقه, يظنُّ فيها أنَّها مخالفةٌ لبعض النصوص تأويلًا, ربّما زلَّ في بعضها، وقد يكون هو أو إمامه لم يطَّلع على النص المخالف، أو لم يثبت عنده، أو ثبت عنده نص آخَر معارض له في الظاهر. والحقُّ: أنَّ الأحكام الشرعية التي تتبدَّل بتبدُّل الزَّمان، مهما تغيَّرت بتغيُّره؛ فإنّ المبدأ الشرعي فيها واحدٌ وهو: إحقاق الحق، وجلْب المصالح، ودرء المفاسد، وتحقيقُ ما فيه نفعٌ للمجتمع الإسلاميِّ، في ضوء مبادئ الإسلام وقواعده العامة, والله سبحانه وتعالى أعلى وأعلم.

وهناك من المصادر والقواعد الأخرى التي يُمكن أن يلجأ الحاكم المسلم أو وليّ الأمر إليها, وتُعينه في الوصول إلى حُكم الشرع فيما يستجدّ من قضايا الناس, وأحوال المجتمع الإسلامي في أي زمان ومكان.

ومن هذه المصادر والقواعد: القياس، والاستحسان، والعُرف، وقول الصحابي ولا سيما سُنّة الخلفاء الراشدين، ثم قاعدة الذرائع أو سدّ الذرائع، وأيضًا الأصل في المنافع الإباحة وفي المضارّ التحريم.

error: النص محمي !!