Top
Image Alt

أمثلة للإعجاز العلمي من القرآن الكريم

  /  أمثلة للإعجاز العلمي من القرآن الكريم

أمثلة للإعجاز العلمي من القرآن الكريم

إليك بعضَ الآيات التي تحدث العلماء عمَّا فيها من حقائق علمية وإعجاز علمي، مع توضيح وشرح إجمالي لِمَا تضمنته من إعجاز مع الإيجاز، وإلا لو توسعنا فيما ذكره العلماء لتحولنا إلى الكلام عن الإعجاز العلمي، وتوسعنا فيما يقوله العلماء، إنما نكتفي بما ذكر على سبيل الإجمال. الآية الأولى: قول الله سبحانه وتعالى: {وَأَرْسَلْنَا الرّيَاحَ لَوَاقِحَ} [الحجر: 22]، تفيد هذه الآية: أن الله سبحانه جعل الرياح تقوم بعملية التلقيح، وأن الله هو الذي أرسلها لهذه المهمة، ولقد توصل العلم إلى أن التلقيح في النبات ذاتي وخلطي. فالذاتي: ما اشتملت زهرته على عضوي التذكير والتأنيث، والخلطي: ما كان عضو التذكير فيه منفصلًا عن عضو التأنيث كما نرى في النخيل. فالتلقيح يكون بنقل بعض الأشياء من نخلة إلى أخرى، والرياح من أعظم وسائل النقل؛ لإتمام هذه العملية -فسبحان من خلق فسوى، وقدر فهدى. الآية الثانية: قوله سبحانه: {فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقاً حَرَجاً كَأَنّمَا يَصّعّدُ فِي السّمَآءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرّجْسَ عَلَى الّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 125] تشير الآية إلى أن مَن يصعد في طبقات الجو العليا يشعر بضيق الصدر والحرج والألم، وهذه حقيقة علمية؛ فالأوكسجين الذي هو ضروري لتنفس الإنسان، والمتواجد بكثرة على وجه الأرض، ثبت علميًّا أنه يقل تدريجيًا في طبقات الجو العليا، وكلما ارتفع الإنسان إلى أعلى كلما أحس بضيق الصدر، وصعوبة التنفس؛ لقلته. الآية الثالثة: قوله سبحانه وتعالى : {أَوَلَمْ يَرَ الّذِينَ كَفَرُوَاْ أَنّ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلّ شَيْءٍ حَيّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء: 30]، وتدل الآية: على وحدة الكون، وأن جِرم السموات وجرم الأرض كانا شيئًا واحدًا ملتصقًا: {كَانَتَا رَتْقاً} ثم عملت قدرة العليم الخبير في فتقهما وفصلهما، والعلوم العصرية تصول الآن وتجول حول كون الأرض جزءًا من الشمس، ثم انفصلت منها، وبردت، وصلحت للحياة، ويثبتون أن كثيرًا من الكواكب والنجوم كانت أجسامًا متحدة، ثم تفتت، وانفصلت، وصارت تسير في أفلاكها بعوامل الجاذبية؛ وحقائق سوف تنكشف. عبارة القرآن عندما يقول: {أَنّ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا} لا بد أن السموات بجرمها فضلًا عن الكواكب والنجوم كانت مع الأرض شيئًا واحدًا، فعلمت فيها قدرة العليم الخبير، وهي آيات بينات، تدل على هذه الحقائق التي بدأ العلم ينقب عنها. كما تشير الآية إلى أهمية عنصر الماء وحاجة الحياة في كل أطوارها وألوانها، نعم؛ إنها حقائق القرآن. الآية الرابعة: قوله سبحانه: {وَمِن كُلّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلّكُمْ تَذَكّرُونَ} [الذاريات: 49]، نصت الآية على أن الله القدير خلق كل شيء مزدوجًا، وفَهِمَ الأوائلُ أن الازدواجية محمولةٌ على الأنواع المتقابلات بأشكالها وخصائصها؛ لتدل على قدرة الله. وليست خاصة بالذكورة والأنوثة، حتى أُثر عن بعضهم تفسير الزوجين بالليل والنهار، والسماء والأرض، والشمس والقمر، والبر والبحر، والحياة والموت، وهذا لا يمنع. إنما اكتشف المتأخرون في حقائق علمية يقينية أن جميع المخلوقات مزدوجة، ذكورة وأنوثة، فما من شيء في الوجود إلا منه الذكر والأنثى، في الإنسان والحيوان والنبات. وحتى قالوا في الجماد أيضًا هناك أشياء سيكتشفها الإنسان، وغير ذلك مما لا نعلم كما قال سبحانه: {وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 8]، وكما قال: {سُبْحَانَ الّذِي خَلَق الأزْوَاجَ كُلّهَا مِمّا تُنبِتُ الأرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمّا لاَ يَعْلَمُونَ} [يس: 36]. وانظر إلى ما اكتشفه العلماء، فَأَحْدَثُ نظرية في أصول الأكوان الآن تقرر أن أصول جميع الكائنات تتكون من زوجين ذكر وأنثى. حتى الجمادات التي فيها إلكترون وبروتون، وغير ذلك مما سيكشف عنه العلم. الآية الخامسة: هي قول الله -جل وعلا-: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاّ يَبْغِيَانِ} [الرحمن: 19، 20]، من أعظم الآيات التي لازال العلماء الآن يبحثون ويوقنون أنَّ ما ذكرته هذه الآية إعجاز فذٌّ لا نظير له، الآية صريحة في أن البحرين -العذب الفرات، والملح الأجاج- يلتقيان، وهذه حقيقة، فيختلط الماء فيهما؛ لأن الله بقدرته يحجز بينهما بحاجز من القدرة، فلا يغلب أحدهما الآخر، ويحوله إلى مثله، فلا يصيران بحرًا واحدًا ملحًا أجاجًا، ولا يتحولان بحرًا واحدًا عذبًا فراتًا، فلا بغيَ ولا عدوانَ. ومعنى الآية متحقق بكل معانيه، وقد آمن بها علماء الأمس على إجمالها وعمومها، وعلماء العصر لهم فيها كلام عظيم وكثير. ففي هذه الآية العجيبة نرى الآن بحوثًا فيَّاضة حول البحرين، والتقاء الماء العذب بالماء الملح؛ بل والتقاء البحرين المالحين أيضًا، فهناك الطائرات والأقمار الصناعية التي تصور أن الماء في هذا وذاك يختلف، وأن الكائنات الحية في هذا وذاك تختلف؛ بل إن الحاجز الذي بين البحرين تعيش فيه كائنات حية تختلف عمَّا في هذا البحر وذاك. وهناك من الاختلاف العظيم الذي بلغ بعلماء اليوم الذين قالوا: إن الاختلاف بينهم يصل إلى أكثر من عشرين عنصرًا في هذا البحر، وذاك يختلف كل منها عن الآخر، هناك المواد الجافة، والصلبة، والمواد السائلة، والمخلوقات الكائنة، حتى إنهم قالوا: إن بين البحرين حاجزًا، وهذا الحاجز له خصائصه، فترى في كل نوع من أنواع البحار له خواصه، له الكائنات الحية التي فيه، له الأجسام الصلبة والسائلة المختلفة تمامًا عن الآخر؛ بل إن الحاجز بين البحرين له خواص، وله خصائص تختلف عن البحرين هذا أو ذاك، وهناك من المخلوقات العجيبة التي رؤيت تعيش في هذه الأماكن. فسبحان من جعل البحرين: {وَهُوَ الّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَـَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَـَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مّحْجُوراً} [الفرقان:53]. ومن يتأمل ما ذكره العلماء يرى العجب العُجاب؛ فقد بينوا أن هناك حقائق عجيبة، وأن هناك عناصر تزيد عن العشرين عنصرًا، تميز بها كل موقع من الماء على وجه الأرض، وصدق الله إذ يقول: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاّ يَبْغِيَانِ}. الآية السادسة: قوله سبحانه وتعالى: {وَالسّمَآءِ ذَاتِ الرّجْعِ (11) وَالأرْضِ ذَاتِ الصّدْعِ} [الطارق: 11، 12]. إن القَسَم بما في الآيتين يدل على عظيم هذين الوصفين، وإذا كان المفسرون الأوائل قد قالوا: إن المراد من: {الرّجْعِ} هو المطر، والمراد من: {الصّدْعِ} هو انصداع الأرض وانشقاقها بالنبات، فما ذكروه هذا صحيح. لكن العلم قد جل جوانب جديدة في هذه الآيات، ومن العلماء البارزين في هذا المِضمار اليوم: “الأستاذ الدكتور زغلول راغب النجار” أستاذ الجيولوجيا المصري، حاصل على دكتوراه في الفلسفة… إلى آخره، من جامعة “ويلز” وزميل الأكاديمية الإسلامية للعلوم؛ له ما شاء الله كتب، وله بحوث، بدأت تنشر الآن، ويستفاد منها بحمد الله. له في هاتين الآيتين بحثٌ نُشر، وأنا قد اقتطفتُ منه هذه العبارات التي تبين لنا حقيقة الإعجاز، وعظمة هذا الكلام أو عظمة هذا القرآن العظيم، الذي فيه هذه الآية، يقول: إن من أعظم ما يعود إلينا من السماء هو المطر، وأصله خرج من الأرض، فصعد منها على هيئة أبخرة من قوة البراكين وأسطح البحار، فتتكثف عند اصطدامها بطبقة المناخ عند درجة 80 درجة مئوية، ناقص على ارتفاع حوالي 25 كيلو متر من سطح البحر، وبدون المطر لا تستقيم الحياة على الأرض، ولولا هذه الدورة لفسد ماء الأرض كله في فترة زمنية وجيزة، وإذا كان الأمر كذلك: فلماذا قال الله تعالى: {وَالسّمَآءِ ذَاتِ الرّجْعِ} ولم يقل: والسماء ذات المطر؟! وبدأ هذا العالم الجليل يذكر لنا باجتهادِهِ، ويبين أن هناك نعمًا، وأن هناك آيات للإعجاز في التعبير القرآني: {وَالسّمَآءِ ذَاتِ الرّجْعِ} يقول: إن الله قد جعل في الغلاف الغازي المحيط بالأرض عددًا من الطبقات: التي تردُّ إلى الأرض كلَّ مفيد، وتردُّ عنها كلَّ ضارٍّ ومهلك، ومن أمثلة ذلك: طبقة الدنيا من نطاق المناخ، السحب التي ترد إلى الأرض الحرارة، طبقة الأوزون، الطبقة المتآينة، النطاق الخارجي في الفضاء. وما شاء الله، تحدث عن هذه الأشياء، وبين الإعجاز فيها، يقول: الطبقة الدنيا -أي: القريبة من نطاق المناخ- ولها من الصفاتِ الكيماويةِ والفيزيائية ما يجعلها صالحة للحياة، وفي هذه الطبقة يتبادل كل من الإنسان والحيوان مع النبات وغيره غازي الأوكسجين وثاني أكسيد الكربون، ويصعد إليها بخار الماء، ويعود منها ماء، ولها من الكثافة ما يسمح بترجيع الصوت ورده إلى أهل الأرض. ثانيًا: السحب، والتي ترد إلى الأرض الحرارة التي تشعها صخور الأرض، لا الجو، بعد غياب الشمس، ولولا ذلك لتشتت تلك الحرارة إلى طبقات الجو العليا، وتجمدت الحياة على الأرض بالليل، فكأن السحب غطاء وغلاف عازل حافظ يحفظ للأرض حرارتها وبرودتها. ثالثًا: طبقة الأوزون، والتي تسمح بمرور ضوء الشمس الأبيض، وترد عنها ما يصاحب ذلك الضوء من إشعاعات ضارة كالأشعة فوق البنفسجية، وهي أشعة مهلكة. رابعًا: الطبقة المتآينة، لفظ المتآينة: بحثت عنه فوجدت عبارة: التآين الفتوني هو: عبارة عن هزات كهربائية شديدة، تصدر عنها أشعة، هناك طبقة خلقها اللهسبحانه وتعالى بعيدة عن سطح الأرض؛ للحفاظ والقيام بمهمات ووظائف عظيمة لخدمة المخلوقات الحية على الأرض، الطبقة المتآينة من الغلاف الغازي تسمى: نطاق الأينوسفير، طبقة مشحونة بالكهرباء، ما وظيفتها؟ ترد عن الأرض الجسيمات الكونية المتسارعة، وترد إلى الأرض الموجات الإذاعية والتلفازية، وموجات الاتصال اللاسلكي. وهي صور من الرجع لم تكن معروفة للإنسان وقت تنزل القرآن الكريم؛ بل ولا القرون التي بعد ذلك؛ فالإنسان ما عرف هذا إلا في القرن الأخير في العصر الحاضر بهذا النطاق المتآين الذي هو حول الأرض له حزامان محكمان؛ لحماية الأرض من الأجسام الكونية المتسارعة المنتشرة في الفضاء الكوني. يا لها نعمة عظيمة؛ طبقة لا نعرف حقيقتها، ولا كُنهها تسمى: الطبقة الأينوسفير، وظيفتها الكبرى: أنها ترد عن الأرض ما يضرها، وترجع للأرض الأصوات -الإذاعات- التي تُرسل إلى الفضاء، الاتصال اللاسلكي، الموجات التلفازية، وهكذا، فنحن نستطيع الآن أن نرى وقفة عرفات، ونرى شعائر الحج، ونرى المسلمين في رمضان في مكة والمدينة، ونرى هذه الأمور التي ترسل إلى الدنيا كلها إذاعة وتلفازًا واتصالات، وهذا استودعه في هذه الطبقة المتآنية من الغلاف الغازي حول الأرض. الآية السابعة: قوله سبحانه وتعالى: {وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ} أيضًا هذه الآية في جملة القسم: {وَالطّورِ (1) وَكِتَابٍ مّسْطُورٍ (2) فِي رَقّ مّنْشُورٍ (3) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4) وَالسّقْفِ الْمَرْفُوعِ (5) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (6) إِنّ عَذَابَ رَبّكَ لَوَاقِعٌ} [الطور: 1- 7]، جاء هذا القسم ضمن الآيات، أقسم الله بها في سورة “الطور”، على أن عذابه بالمكذبين واقع لا محالة. حول هذه الآية، يقول الدكتور زغلول النجار، في كتابه (الإعجاز العلمي في القرآن الكريم): {الْمَسْجُورِ}: في اللغة هو: المتقد نارًا، والماء والنار من الأضداد، وقد دفع ذلك بعدد من المفسرين إلى اعتبار: {وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ} من أمور الآخرة؛ استنادًا إلى الآية الأخرى التي تبين أنه في الآخرة ستنزل الكواكب وتتساقط: {إِذَا الشّمْسُ كُوّرَتْ} [التكوير: 1]، {إِذَا السّمَآءُ انفَطَرَتْ} [الانفطار: 1]، إلى أن قال: {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجّرَتْ} [التكوير:6]، التي في سورة “التكوير”، وهي تتحدث عن أمور الآخرة، وبعضهم قال: {وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ} الممتلئ ماءً؛ والبحرُ: قال: المشتعل نارًا… إلى آخره. ولكن بعدِ غَوْصِ الإنسان في أعماق البحار والمحيطات، وجد أن فيها ما يتسع قاعه بفعل شبكة الصدوع الأرضية، وما يندفع عبرها من حمم وطفوح بركانية في درجات حرارة تبلغ الألف درجة مئوية، قال: إن ذلك فيه آية عظيمة، مما يجعل قيعان البحار مسجرة بالنيران. وهي من أعظم الظواهر الأرضية التي لم تُعرف إلا في أواخر الستينيات من القرن الماضي؛ فالبحار فعلًا مسجورة، وفيها نار، وهي ما يخرج من باطن الأرض من الحمم والبراكين العالية الحرارة. الآية الثامنة: قوله: سبحانه وتعالى: {وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً} [النبأ: 7]، يصف القرآن الكريم الجبال في قرابة أربعين آية، ويبين أنها من آيات القدرة الإلهية، وآلائه سبحانه لخلقه، منها هذه الآية التي وصفت الجبال بالأوتاد. المعروف أن: الوتد الذي وظيفته التثبيت يُدق في الأرض، فيكون أغلبه مدفونًا في باطنها، والأقل منه ظاهر على السطح؛ ليُشد إليه الخيمة ونحوُها. وهكذا الجبال الشاهقة التي نشاهدها فوق سطح الأرض. الآية التاسعة: وهي قول الله -جل وعلا-: {وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (32) مَتَاعاً لّكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ} [النازعات: 32، 33]، وقال أيضًا: {وَأَلْقَىَ فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لّعَلّكُمْ تَهْتَدُونَ} [النحل: 15]. آيات قرآنية دالة على إرساء الأرض بالجبال أو إثبات الجبال فوق الأرض؛ لتحفظ الأرض من الميل والاضطراب كثيرة. يقول الدكتور النجار: وحقيقة هذا الأمر لم تعرف إلا مؤخَّرًا: إن هذه الحقيقة لم تُعرف إلا منذ ثلاثة عقود فقط، فَتَمَزُّق الغلاف الصخري للأرض بشبكة الصدوع يقسِّم ذلك الغلاف إلى عدد من الألواح واللوحات التي تطفو فوق طبقة الضعف الأرضي، وتتحرك مع دوران الأرض حول محورها حركة سريعة منزلقة فوق نطاق الضعف الأرضي، كما أنها تتحرك باتساع قِيعان البحار والمحيطات تحت كتل القارات. ممّا يجعلها تَميد وتضطرب بصورة لا تسمح لتربة أن تتجمع، ولا لماء أرضي أن يُخزن، ولا لنبات أو لثمر أو شيء أن يخرج، ولا لعمران أن يستقر أو يقام. ولا تهدأ هذه الحركة إلا بتكوّن الجبال التي تُثبِّت بأوتادها العميقة كتل القارات. هذه الجبال فعلًا لها دور عظيم، فإن دوران الأرض بباطنها الضعيف أو نطاق الضعف الداخلي الذي يتحرك وفيها الصدوع الداخلية، تجعل الأرض في حركتها في خطر. إذن لا تهدأ الحركة إلا بتكون الجبال التي تثبت بأوتادها العظيمة البالغة العمق كتل القارات في قيعان البحار والمحيطات؛ إذا تلاشى قاع البحر الفاصل بين القارتين تربط الجبال بأوتادها كتلي القارتين المتصادمتين، وتوقف حركتهما، وتحفظهما في هدوء يسمح لها بالحياة وبالعمران. فالجبال أوتاد، وهي ثوابت فوق الأرض تحفظها؛ لكي لا تميد وتضطرب بالمخلوقات والكائنات عليها. وفي القرآن الكريم آيات عديدة تنطق بالإعجاز العملي، وأخرى تشير إليه إشارات كثيرة، وكلها دلائل الإعجاز، وشواهد القدرة. ولعلنا نتذكر قول الله دائمًا حول هذه الآيات عندما نرى فيها الإعجاز: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الاَفَاقِ وَفِيَ أَنفُسِهِمْ حَتّىَ يَتَبَيّنَ لَهُمْ أَنّهُ الْحَقّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبّكَ أَنّهُ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت: 53]. نعود إلى آية أخرى نجعلها خاتمةَ الآيات فيما نذكر، وليس ما ذكرناه حصرًا للآيات، فلا يزال هناك آيات كثيرة في القرآن الكريم فيها الإعجاز. الآية العاشرة: هي قول الله سبحانه وتعالى: {وَالشّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرّ لّهَـا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [يس: 38]، عندما نتأمل هذه الآية: نرى أن القرآن الكريم -وهو يتحدث عن جريان الشمس في الفضاء الكوني- أشار إلى ذلك بآيات عديدة، هذه الآية والآيات الأخرى: {اللّهُ الّذِي رَفَعَ السّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمّ اسْتَوَىَ عَلَى الْعَرْشِ وَسَخّرَ الشّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلّ يَجْرِي لأجَلٍ مّسَمّـى يُدَبّرُ الأمْرَ يُفَصّلُ الاَيَاتِ لَعَلّكُمْ بِلِقَآءِ رَبّكُمْ تُوقِنُونَ} [الرعد: 2]، و{وَسَخّرَ الشّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلّ يَجْرِيَ إِلَىَ أَجَلٍ مّسَمّى وَأَنّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [لقمان: 29]، و{وَسَخّرَ الشّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلّ يَجْرِي لأجَلٍ مّسَمّى ذَلِكُمُ اللّهُ رَبّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ} [فاطر: 13]، و{وَسَخّـرَ الشّمْسَ وَالْقَمَرَ كُـلّ يَجْرِي لأجَـلٍ مّسَـمّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفّارُ} [الزمر: 5]. وللآيات نظائر. هيا بنا نقف مع سورة “يس”، ومع قوله -جل وعلا-: {وَالشّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرّ لّهَـا} الفعل: {تَجْرِي} ينطبق في أعين الناس على حركة الشمس، الشمس كل يوم تشرق من المشرق وتغرب في المغرب، فهي تتحرك من المشرق إلى المغرب، وهذه الحركة هي في حرفيتها تعبر عن حركة حقيقة للشمس أثبتها العلم، ولها سرعة فائقة الوصف، لها سرعة عظيمة؛ هذه السرعة في اتجاه مخصوص وفي فضاء الله سبحانه وتعالى. من الذين كتبوا في هذا الأمر الأستاذ الدكتور: “الغمراوي” في كتابه ( الإسلام في عصر العلم) وله كتابات موسعة في هذه الآية، أختصر منها هذه العبارات، يقول: ولقد تمكن العلماء استخدام ظاهرة “دوبلر” من تحديد سرعة هذه الحركة للشمس، ومعها النظام الشمسي، قالوا: إن سرعتها تسير بحوالي تسعة عشر كيلو مترًا في الثانية في الفضاء الكوني، نحو نقطة في كوكبة تسمى “هِرَقل” مساوية لنجم يسمَّى نجم: “فيجا” بالإنجليزية، أو “النسر الواقع” في العربية، وهذه النقطة يجعلون عندها استقرار الشمس. يقولون: إنها تجري بسرعة مائتين وثلاثين كيلو مترًا في الثانية حول مركز المجرة اللبنية، بالإضافة إلى جريانها مع المجرة ومجموعة المجرات المحلية كلها بسرعة 600 كيلو متر في الثانية في اتجاه يسمى بـ”الجاذب العظيم”. كلام علمي، وحقائق عظيمة؛ العلماء يسجلونها الآن بالوسائل العصرية الحديثة. ولكن انظر إلى التعبير القرآني: {وَالشّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرّ لّهَـا} ثبت علميًّا: أن الشمس كرة من الغازات، كتلة كبيرة متقدة، وقالوا: إن قطرها يصل إلى 864.600 ميل، وحجمها يفوق حجم الأرض أكثر من مليون مرة وربع مرة، وقالوا: إن كتلتها كذا وكذا هذه النسب قد تكون صوابًا، وقد تكون قريبة من الصواب. لكن ها هي الشمس مع حجمها العظيم، وكتلتها التي تفوق حجم الأرض، وتفوق كثيرًا من الكواكب والنجوم تفوقها بملايين وآلاف المرات، هذا الحجم الهائل يجري في ملكوت الله، وبسرعة تزيد على ضعف سرعة القمر الصناعي في دورته حول الأرض، يعني: لها سرعة رهيبة. قالوا: إن الشمس بهذا إعجاز وآية من آيات الله العظمى؛ ولذلك ترى كثيرًا ما يتحدث القرآن الكريم عن الشمس، وعن القمر، وعن الكواكب، والنجوم، ولا يخفى أن خلق هذه المخلوقات أكبر من خلق الإنسان بكثير، فحركة الشمس الآن لها حركة ذاتية، وحركة غير ذاتية. وقول الله -جل وعلا-: {تَجْرِي لِمُسْتَقَرّ لّهَـا} هذا الشطر الثاني من الآية، تدل الآية أن للشمس مستقر. والواضح أن لها مستقرًا زمنيًّا، ولها مستقر مكاني؛ فالمستقر الزماني الذي ينتهي إليه جري الشمس هذا أمر من أمور الغيب التي لا يعلمها إلا الله عز وجل العزيز العليم، الذي قدر ذلك الجري على هيئته، وجعله ينتهي إلى غايته في الوقت الذي استأثر سبحانه بعلمه. إذ هو فيما يبدو متعلق بالأشراط التي تكون في قيام الساعة، فالمستقر الزماني هذا هو الأجل الذي يعلمه الله وحده. الآيات الأخرى أثبتت أن الشمس لها جريانًا، والقمر كذلك يجري، ففي آخر الآيات يقول الله -جل وعلا-: {كُلّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [الأنبياء: 33]، لا يعلم حقيقة هذا إلا الله سبحانه وتعالى. هذا المستقر الزماني مآله إلى علم الله. فما المستقر المكاني؟ المستقر المكاني: هناك أحاديث صحت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي ذر الذي أخرجه البخاري ومسلم يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (( يا أبا ذر -في معنى الآية- أتدري أين مستقر الشمس؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: مستقرها تحت العرش، وأنها تذهب فتستأذن في السجود لربها فيُؤذن لها، وكأنها قد قيل لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع الشمس من مغربها…)) . الحديث فيه اختصار، تفصيل الحديث في روايات أخرى: أن الشمس كل يوم تسجد عن العرش وهذا مستقرها، فتستأذن في الطلوع فيُؤذن لها، إلى أن تستأذن ربها في قرب قيام الساعة فلا يأذن لها، ويقال لها: (( ارجعي من حيث جئت، فتطلع في مغربها)) . هذه السرعة للشمس سجلتها هذه الآية. وفي القرآن الكريم آيات كثيرة عديدة تنطق بالإعجاز العلمي أو تشير إليه، وكلها آيات دالة على عظمة الخالق سبحانه وتعالى.

error: النص محمي !!