Top
Image Alt

أنواع البيع الفاسد

  /  أنواع البيع الفاسد

أنواع البيع الفاسد

البيع الفاسد في اصطلاح الحنفية: ما كان مشروعًا بأصله لا بوصفه ويفيد الملك للقبض، وعند غير الحنفية: البيع إما صحيح وإما باطل، وغير الصحيح لا يفيد الملك الصحيح.

وهاك بعض نماذج للبيع الفاسد، كما يرى الحنفية:

بيع الشيء المجهول: قال الحنفية: إذا كان البيع أو الثمن مجهولًا جَهالةً فاحشةً، وهي التي تُفضي إلى المنازعة؛ فَسَدَ البيع؛ لأن هذه الجهالة مانعة من التسليم والتسلم، فلا يحصل مقصود البيع، فإن كان مجهولًا جهالة يسيرة وهي التي لا تؤدي إلى المنازعة؛ لا يفسد البيع؛ لأن هذه الجهالة لا تَمنع من التسليم والتسلم، فيحصل مقصود البيع.

والعرف هو الحكم، أي: عرف الناس، والمقصود بالناس هنا: التجار، فهم الذين يقررون: أن هذه جَهالة فاحشة، أو جهالة يسيرة.

ومن الجهالة اليسيرة، أن يبيع شخص قدرًا محددًا من كومة معينة بدراهم، كان يقول: أنا أبيع لك القدح، أو الكيلة بدرهم، أو عدلًا من الثياب بكذا؛ يعني: يبيع الثوب من عدة أثواب بكذا، ولا يعرف عددها، جاز البيع؛ لزوال الغرر؛ لأن الجهالة هنا مغتفرة لا تفضي إلى المنازعة عادة.

ومثله: أن يبيع أحد الشيئين أو الثلاثة دون ما زاد عليها، مع اشتراط المشتري الخيارَ لنفسه بين أن يأخذ واحدًا ويرد الباقي، فهذا ممكن وجائز، وهو المعروف بخيار التعيين، فيصح البيع استحسانًا، والقياس أن يفسد البيع، ووجه القياس هو أن المبيع مجهول، فيمنع صحة البيع، وعليه فلا يجيز مَن رأى ذلك هذا البيع وهو زُفر، فلا يجيز خيار التعيين، لكن الاستحسان يجيز هذا؛ لأن الناس في حاجة إلى ذلك؛ ولأن الخيار يرفع هذه الجهالة، ويمنع هذا الضرر، فيزيل ذلك الغبن، وكل واحد من الخيارين طريق إلى دفع الغبن، فورود الشرع في خيار الشرط يكون ورودًا ههنا، والحاجة تتحقق بالتحري في ثلاثة أشياء؛ لاقتصار الأشياء في العادة على الجيد، والوسط، والرديء، ويبقَى الحكم في الزيادة مردودًا في أصل القياس، وهو أن يكون المبيع معلومًا.

ثانيًا: لأن الناس تعاملوا بهذا البيع لحاجتهم إليه؛ يعني: هذا وجه آخر للاستحسان، فإن كل أحد لا يمكنه أن يدخل السوق فيشتري ما يحتاج إليه مباشرةً، وعلى التخصيص الأكابر -يعني: كبار السن، والسيدات- لا يحتاج الواحد من هؤلاء إلى أن يكلف غيرَه بشراء شيء، ولا تحتاج حاجته بشراء شيء واحد معين من جنس ما؛ لأنه قد لا يوافق حاجته أو رغبته، فيحتاج إلى أن يشتري أحد اثنين من الجنس، فيحملهما الشخص إلى مَن كلفه بالشراء، فيختار أيهما شاء بالثمن المذكور ويرد الباقي، فجاز الشراء؛ لتعامل الناس به، ولا تعامل فيما زاد على الأشياء الثلاثة، ويبقى الحكم فيه على أصل القياس.

ويلاحظ: أن الأصح عند الحنفية في هذه الحالة، عدم اشتراط تعيين مدة للخيار، كما في المدة المشترطة في خيار الشرط، وهي ثلاثة أيام فما دونها عند أبي حنيفة، وعند الصاحبين: ثلاثة أيام، وما زاد عليها بعد أن يكون الوقت معلومًا، فيصح البيع من غير ذكر المدة.

وقال بعض الحنفية: لا يجوز هذا البيع إلَّا بذكر مدة خيار الشرط؛ يعني: ثلاثة أيام.

ومن الجهالة الفاحشة: أن يبيع الإنسان أحد الأشياء على أن يشتري واحدًا منها، ولم يذكر فيه الخيار، فلا يجوز، ويكون البيع فاسدًا؛ لجهالة المبيع؛ لأن ذلك يُفضي إلى المنازعة.

وفي الجملة: أن الجهالة الفاحشة ترجع غالبًا إلى أربع جهات:

أولًا: جهالة المبيع جنسًا أو نوعًا أو قدرًا بالنسبة للمشتري لأنه هو الذي لا يعلم.

ثانيًا: جهالة الثمن كما إذا باع الفرس بمائة شاة من هذا القطيع ونحوه، فيكون العقد فاسدًا لجهالة الثمن، وكذا إذا باع هذا الثوب بقيمته يكون البيع فاسدًا؛ لأنه جعل ثمنه قيمتَه، والقيمة تختلف باختلاف المقومين، فكان الثمن مجهولًا، وكذا لو اشترى شخص بحكم البائع أو المشتري، أو بحكم فلان؛ يكون البيع فاسدًا؛ لأنه لا يدري بماذا يحكم فلان، فكان الثمن مجهولًا.

وإذا قال: بعتك هذا بقفيز حنطة، أو بقفيزي شعير، يكون البيع فاسدًا؛ لأن الثمن مجهول. وقيل: إنه البيعان في بيعة، وقد نَهَى الرسول صلى الله عليه  وسلم عن البيعتين في بيعة، وكذا البيع برأس المال المجهول أو بالرقم، والرقم معناه: أن يكون هناك “كتالوج” لكنه مغلق أو داخل صندوق، فهذا لا يعرف حقيقة ما فيه، وهذا أمر متفق عليه بين المذاهب؛ لجهالة الثمن، فإذا عُلِمَ الثمن فقد اتفقوا على أنه لا بأسَ أن يبيع بالرقم، بمعنى أن يقول: بِعتك هذا الثوب برقمه، والرقم هو الثمن المكتوب عليه، إذا كان معلومًا لهما حال العقد.

ثالثًا: جهالة الأجل، كما إذا باع إلى أجل كذا أو كذا، فيفسد البيع؛ لأن الأجل مجهول. وكذا الجهالة في مدة خيار الشرط؛ تفسد البيعَ، ولو باع إلى قدوم الحاج والحصاد والدباس -أو الدراس؛ يعني: دَرْس الحب في الجرن- والجذاذ -جذ الصوف من الغنم- فلو باع شخص إلى هذه الآجال ثم تراضَا الطرفان على إسقاط الأجل قبل أن يأخذ الناس في الحصاد والدباس، فهو بيع صحيح؛ لأنه أصلح ما فيه من فساد، وقيل: وقبل قدوم الحاج؛ جاز البيع؛ لأن الفساد للمنازعة، وقد ارتفعت هذه المنازعة بتراضيهما على أجل محدد.

رابعًا: الجهالة في وسائل التوثيق، كما لو اشترى البائع بشرط تقديم كفيل أو رهن بالثمن مؤجل، ولم يعين مَن هو هذا الكفيل، ولا ما هو الشيء المرهون؟ فإذَا لم يعين؛ فسد البيع، وإذا عين صحَّ وجاز.

هذا هو تفصيل مذهب الحنفية في بيع المجهول، قال المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية: لا يجوز بيع عين مجهولة، كثوب من ثوبين، أو أثواب، ولا بيع بثمن مجهول، ولا بثمن مؤجل إلى أجل مجهول، ونحو ذلك، ويكون البيع حينئذٍ باطلًا؛ لوجود الغرر بسبب جهالة المبيع، وقد نهَى رسول الله صلى الله عليه  وسلم عن بيع الغرر.

ومن هنا قرر المالكية في شروط صحة البيع، أن يكون المبيع معلومًا للمتعاقدين، لا من كل وجه، بل عينًا في المعين، وقدرًا وصفةً فيما في الذمة، وأن يكون الثمن معلومَ الصفة، والقابض، والأجل، فلا يجوز تعليق البائع على شرطٍ مستقبلٍ، كمجيء الشهر وقدوم الحاج؛ لأنه بيع غرر.

إلَّا أن المالكية أجازوا البيعَ إلى الحصاد، أو الجَذاذ، أو العصير، أو خروج الحاج، أو النيروز؛ لأنها آجال معروفة عند الناس، وأجازوا أيضًا البيعَ مع خيار التعيين؛ يعني: أبيع لك شيئًا من أشياء، إذا أَنَا قرنتُ ذلك بأن لك خيار التعيين تختار أيها شئتَ، وسموه بيعَ الاختيار، لكنهم اشترطوا اتحاد جنس المبيعين، وصنفهما، واتحاد الثمن؛ يعني: ثوبين من جنس واحد، وثمن كل منهما واحد، ولو وجد اختلاف؛لم يصح البيع.

الفرق بين الغرر والجهالة:          

الغرر أعم من الجهالة، فكل مجهول غرر، وليس كل غرر مجهولًا، فقد يوجد الغرر بدون الجَهالة، كما في شراء الآبق المعلوم الصفة؛ فهو معلوم لكنه فيه خطر هل يتسلمه المشتري، أو لا يقدر البائع على تسليمه إياه؟ ولكن لا توجد الجهالة بدون غرر.

أيضًا من نماذج البيع الفاسد عند الحنفية: البيع المعلق على شرط، والبيع المضاف:

البيع المعلق على شرط، أو العقد المعلق عمومًا: هو ما علق وجوده على وجود أمر آخر ممكن الحصول، بإحدى أدوات التعليق، نحو: إن وإذا ومتى ونحوها، مثال ذلك: أن يقول شخص لآخر: بعتك داري هذه بكذا، إن باع لي فلانٌ دارَه، أو إن جاء والدي من السفر. هذا هو البيع المعلق على شرط.

البيع المضاف، غير البيع المعلق:

البيع المضاف، أو العقد المضاف عمومًا: هو ما أضيف فيه الإيجاب إلى زمن مستقبل، كأن يقول شخص لآخر: بعتك هذه السيارة بكذا، أول الشهر القادم.

والفرق بين هذين النوعين عند الحنفية: أن العقد المعلق لا يعد موجودًا ولا ينعقد سببًا في الحال، وإنما هو معلق على وجود الشرط، والشرط قد يوجد وقد لا يوجد، وأما العقد المضاف فهو عقد تام يترتب عليه حكمه وآثاره، إلَّا أن هذه الآثار يتأخر سريانها إلى الوقت الذي عينه العاقدان لها.

حكمهما:

اتفق الفقهاء على عدم صحة البيع المعلق، أو المضاف، لكن يسمى ذلك فاسدًا في اصطلاح الحنفية، وعند غيرهم هو باطلٌ، وعلى ذلك فلا يصح تعليق البيع، ولا إضافته إلى زمن في المستقبل؛ لأنه من عقود التمليكات للحال، وهي لا تَقبل الإضافة للمستقبل، كما لا تُعلَّق بالشرط؛ لِمَا فيه من المقامرة؛ أي: التعليق بالخطر.

بهذا يظهر أن علة فساد هذين النوعين من البيوع، هي ما اشتملا عليه من الغرر، إذ لا يدري العاقدان في البيع المعلق: هل يحصل الأمر المعلق عليه أو لا؟ كما لا يدريان موعد حصوله؟ وفي البيع المضاف، لا يدري العاقدان: كيف يكون المبيع في المستقبل؟ هل يظل كما هو؟ أو أنه يتغير؟

error: النص محمي !!