Top
Image Alt

أنواع التكفير، وشروطه

  /  أنواع التكفير، وشروطه

أنواع التكفير، وشروطه

أولًا: أنواع التكفير:

قسم العلماء الكفر إلى قسمين:

أ. كفر مخرج من الملة: وينقل صاحبه من ديانة الإسلام، وحظيرة الشريعة إلى دائرة الكفر ودوامة الردة.

ب. وكفر غير مخرج من الملة: وهو دون الأول.

ويمكن أن نقول: إن الكفر نوعان:

  1. كفر اعتقادي: وهو المخرج من الملة.
  2. وكفر عملي: غير مخرج من الملة، وهو الذي عبر عنه بعض العلماء بقوله: “كفر دون كفر”، وهذا التقسيم للكفر تبع لتقسيم أهل العلم للشرك؛ فإنهم قسموه إلى قسمين:

أ. شرك أكبر: وهو المخرج من الملة.

ب. شرك أصغر: كيسير الرياء، وهو غير مخرج من الملة.

فإذا طبقنا هذا التقسيم على الناقض التالي: وهو من اعتقد أن هدي غير النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه؛ يقول الدكتور حسن العواجي: “فإن كان تحكيمه لغير الرسول صلى الله عليه وسلم مع الاعتقاد أنه أفضل من حكم الرسول أو يساويه؛ فهذا كفر اعتقادي مخرج من الملة. وإن كان تحكيمه لغير حكم الرسول لهوى في نفسه أو لغرض دنيوي مع الإيمان بأن حكم الرسول حق، وأنه أفضل من غيره من القوانين، فهذا كفر عملي تقام الحجة على صاحبه، ويبين له الحق، فإن أصرّ حُكم على صاحبه بالكفر الاعتقادي، وكل الأنواع متوعدة بالعذاب؛ لأنه إقدام على كفر سواء اعتقد كذب الرسول الذي جاء بهذا الهدي أو لم يعتقد، ولكن استكبر عن الإيمان به، أو أنه أعرض عنه اتباعًا لهواه، أو ارتاب فيما جاء؛ فكل مكذب ما جاء به فهو كافر، ويدل على ذلك فهم السلف لقول تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُون} [المائدة: 44] حيث قال ابن عباس رضي الله عنهما: “ليس بكفر ينقل عن الملة”، بل إذا فعله فهو به كفر، وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر، وقال طاوس مثله، وقال عطاء: “كفر دون كفر”، ونقل ابن عبد البر إجماع العلماء على أن من دفع شيئًا أنزله الله مع الاعتراف بما أنزل الله أنه كافر، ومعلوم أن المراد بالكفر هنا: إما أن يكون الكفر الاعتقادي، أو العملي، فإن كان معترفًا بما أنزله الله، وأنه حق، ثم كابر، ودفع عن علم ومعرفة؛ فإنه يحكم عليه بالكفر الاعتقادي، وإن كان معترفًا بما أنزله الله، وأنه حق إلا أنه يحكم بغيره لشهوة أو هوى أو نحو ذلك؛ فإنه كفَرَ كُفْرًا عمليًّا يبين له وتقام عليه الحجة، فإن أصر؛ حكم بكفره اعتقاديًّا”. انتهى كلامه.

إذًا؛ فالعلماء بيَّنوا أنواع الكفر التي يحكم بها على من تلبس بشيء من النواقض؛ لئلا يشتبه الأمر على الناس فيقعون في بدعة التكفير: وهي التسرع في إصدار أحكام الكفر على الآخرين، وادعاء وقوعهم في الردة، وخروجهم من دائرة الإسلام لأتفه سبب، فقد يكون المرء صدر منه أمر منهي عنه وقبيح في الشرع إلا أنه لا يصل درجة الكفر المخرج من الملة، فيكون من الظلم والتجرؤ الحكم على أنه خرج من دائرة الإسلام، وهدم إيمانه ونقض توحيده، ونفض يديه من اتباع الرسول محمد صلى الله عليه وسلم. 

ثانيًا: شروط التكفير وموانعه:

لما كان الحكم على الشخص بأنه كافر، مما يعني: أنه قد خرج من دائرة الإسلام، ودخل في دائرة الردة والكفر -والعياذ بالله- وهذا أمر في غاية الخطورة، أقول:  لما كان الأمر كذلك؛ فإن أهل العلم استنبطوا من نصوص الكتاب والسنة شروطًا لا بد من توفرها للحكم على الشخص المعين بالكفر، وقد صرح بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وكثير من أهل العلم -رحمهم الله.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -في كلامه عن تكفير من يترك شيئًا من الأركان الخمسة: “ولهذا تنازع العلماء في تكفير من يترك شيئًا من هذه الفرائض الأربع بعد الإقرار بوجوبها، فأما الشهادتان: إذا لم يتكلم بهما مع القدرة؛ فهو كافر باتفاق المسلمين، وهو كافر باطنًا وظاهرًا عند سلف الأمة وأئمتها، وجماهير علمائها، وذهبت طائفة من المرجئة -وهم جهمية المرجئة: كجهم، والصالحي، وأتباعهما- إلى أنه إذا كان مصدقًا بقلبه؛ كان كافرًا في الظاهر دون الباطن، وقد تقدم التنبيه على أصل هذا القول، وهو قول مبتدع في الإسلام لم يقله أحد من الأئمة، وقد تقدم أن الإيمان الباطن يستلزم الإقرار الظاهر وغيره؛ بل وإن وجود الإيمان الباطن تصديقًا وحبًّا وانقيادًا بدون الإقرار الظاهر ممتنع، وأما الفرائض الأربع، فإذا جحد وجوب شيء منها بعد بلوغ الحجة فهو كافر، وكذلك من جحد تحريم شيء من المحرمات الظاهرة المتواتر تحريمها؛ كالفواحش، والظلم، والكذب، والخمر، ونحو ذلك، وأما من لم تقم عليه الحجة مثل: أن يكون حديث عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة لم تبلغه فيها شرائع الإسلام المتواتر تحريمها؛ كالفواحش، والظلم، والكذب، أو نشأ ببادية بعيدة لم تبلغه فيها شرائع الإسلام، ونحو ذلك، أو غلط فظن أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات؛ فإنهم يستتابون وتقام الحجة عليهم، فإن أصروا كفروا حينئذٍ ولا يحكم بكفرهم قبل ذلك، كما لم يحكم الصحابة بكفر قدامة بن مظعون وأصحابه لما غلطوا فيما غلطوا فيه من التأويل، وأما مع الإقرار بالوجوب إذا ترك شيئًا من هذه الأركان الأربعة؛ ففي التكفير أقوال للعلماء هي روايات عن أحمد.

أحدها: أنه يكفر بترك واحد من الأربعة حتى الحج، وإن كان في جواز تأخيره نزاع بين العلماء؛ فمتى عزم على تركه بالكلية كفر، وهذا قول طائفة من السلف وهي إحدى الروايات عن أحمد اختارها أبو بكر.

الثاني: أنه لا يكفر بترك شيء من ذلك مع الإقرار بالوجوب، وهذا هو المشهور عند كثير من الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وهو إحدى الروايات عن أحمد، واختارها ابن بطة.

الثالث: أنه لا يكفر إلا بترك الصلاة، وهي الرواية الثالثة عن أحمد، وقول كثير من السلف وطائفة من أصحاب مالك والشافعي، وطائفة من أصحاب أحمد.

الرابع: أنه يكفر بترك الصلاة ، وترك الزكاة فقط.

الخامس: أنه يكفر بترك الصلاة وترك الزكاة إذا قاتل الإمام عليها دون ترك الصيام والحج، وهذه المسألة لها طرفان:

  • في إثبات الكفر الظاهر.
  • في إثبات الكفر الباطن”. انتهى كلامه.

وقال في موضع آخر وهو ينهى عن التسرع في التكفير: “هذا مع أني دائمًا -ومن جالسني يعلم ذلك مني- أني من أعظم الناس نهيًا عن أن يُنسب معين إلى تكفير أو تفسيق ومعصية، إلا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرًا تارة، وفاسقًا أخرى، وعاصيًا أخرى، وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية العلمية”. انتهى كلامه. وإذا نحن أمعنَّا النظر في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله-، نجد أنه يشترط للحكم بالكفر على المخالف بأن يبين له الحق ويوضح له الدليل، وتزال عنه الشبهة وتقام عليه الحجة، فإن أصر بعد ذلك حُكم عليه بالكفر؛ لأنه -والحالة هذه- أصبح في عداد المعاندين للحق والمتكبرين عن الهدى، والصادين والمعرضين عن ذكر الله تعالى، فإن وجد مانع من التكفير؛ بأن وُضِّح الحق لشخص وأزيلت عنه الشبهة ورجع؛ فلا نحكم حينئذٍ بكفره، أو كان ممن لم تبلغه الدعوة، وبالجملة فإن وجدنا مانع من التكفير؛ لم يحكم على الشخص بالكفر، حتى تتوافر الشروط وتنتفي الموانع.

error: النص محمي !!