Top
Image Alt

أنواع التوقف وشبهتهم والرد عليها

  /  أنواع التوقف وشبهتهم والرد عليها

أنواع التوقف وشبهتهم والرد عليها

أ. بيان حقيقة التوقف وذكر أنواعه:

حقيقة التوقف لا بد أن نعرفها ولا بد أن أذكر أنواعها؛ ذلك أن بعض الناس يلجأ بسبب القصور في العلم أو البصيرة أو بسبب الورع إلى التوقف في الأمور المشتبهات عليه، وهؤلاء يعرفون باسم الواقفة والواقفية، وهو مسلك معروف في الأصول والفروع، ولهذا يطلق هذا اللقب على فرق عدة اختارت التوقف بين أمرين متعارضين لم يسعفها فيه الجمع ولا الترجيح.

ولئن ساغ هذا المسلك في بعض المسائل الفرعية بعد استفراغ الجهد في البحث وتحري الصواب، فإنه غير سائغ في أمر الاعتقاد الذي بينه الله غاية البيان؛ لما ينطوي عليه من الشك والتردد، وعدم الجزم المنافي لليقين، الذي هو عمدة الاعتقاد، وقد ذكر ابن تيمية -رحمه الله تبارك وتعالى- أن التوقف عند القائلين به وقع منهم على ضربين، فقوم يقولون: يجوز أن يكون ظاهرها المراد اللائق بجلال الله، ويجوز أن لا يكون المراد صفة الله وغير ذلك، وهذه طريقة كثير من الفقهاء وغيرهم.

وقوم يمسكون عن هذا كله، ولا يزيدون على تلاوة القرآن وقراءة الحديث معرضين بقلوبهم وألسنتهم عن هذه التقديرات، والفرق بين القولين أن توقف الطائفة الأولى قائم على الحكم بجواز الأمرين الإثبات والنفي، لكن دون ميل إلى أحدهما. هذا هو قول الطائفة الأولى.

أما توقف الطائفة الثانية، فهو قائم على عدم الحكم بشيء أبدًا، فتوقف الأولى من جهة الإيجاب، وتوقف الثانية من جهة السلب، وكلاهما توقف.

ولعل ممن يندرج في القول الأول قول الواقفة الذين يجوزون إثبات صفات زائدة؛ أي عن الصفات السبعة التي أثبتها متكلمة الصفاتية؛ لأنه كما نعلم بأن المتكلمين أو أن بعض المتكلمين في الصفات كالكلابية والأشاعرة يثبتون سبع صفات فقط، وقد سبق أن بيَّنت لكم ذلك، لكنهم مع هذا يقولون: لم يقم عندنا دليل على نفي ذلك ولا إثباته، وهذه طريقة محققي من لم يثبت الصفات الخبرية، وهو اختيار الرازي والآمدي وغيرهما، رحم الله تبارك وتعالى الجميع.

كما يدخل في النوع الثاني ما حكاه شيخ الإسلام عن بعض الملاحدة الذين قالوا: نحن لا ننفي النقيضين، بل نسكت عن إضافة واحد منهما إليه، فلا نقول: هو موجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل. ولعلي بذكري لهذين الضربين، وهذا التفصيل أكون قد بيَّنت حقيقة التوقف، وأن أصحابه ذكروا قولين فيه أو ذهبوا مذهبين فيه.

ب. أصل شبهتهم والرد عليهم:

بعد أن بيَّنت نوعي التوقف الذين بهما يظهر معناه وحقيقته، أبيِّن هنا أصل الشبهة التي دفعتهم إلى هذا التوقف، فأقول: مدار شبهة الواقفة ممن يجوزون النفي أو الإثبات أو ممن يسكتون عنهما معًا، وقد فصلت هذا في النقطة السابقة، مدار هؤلاء جميعًا راجع إلى اعتقادهم أن ليس في النصوص ما يقطع بأحد الأمرين، ومن ثَم ساغ لهم أن يرتضوا الشك والحيرة في هذا الأمر الجلل العظيم، بل ربما استحسنوا ذلك وطلبوه، بل قد نسبوا إليه صلى الله عليه وسلم أنه قال: “زدني فيك تحيرًا”، وهذا كذب باتفاق أهل العلم بالحديث، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت عنه أنه قال هذا المعنى بحال، كيف وقد كان واثقًا في معتقده مطمئنًا إلى ربه سبحانه وتعالى جل في علاه.

هذه أصل شبهتهم، ولأني ذكرتها الآن، فلا بد أن أرد عليهم هذا الادعاء، ولا بد أن أنسف هذه الشبهة حتى لا يكون لها وجود، وردي عليهم في هذا المقام أن أبين فساد مذهبهم بنوعيه، وهذا أمر ضروري، وسأجمل الرد عليهم وعلى شبهتهم في الأمور التالية:

أولًا: أن مسلك التوقف مخالف لما أنزل الله القرآن من أجله، وهو التدبر والذكرى، كما قال تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَاب} [ص: 29] ومن جوَّز الأمرين أو أعرض لم يشتغل بأجل مقاصد القرآن الكريم، فالذين يقولون بأن ظاهر الصفات ليس مرادًا أو الذين يمسكون عن هذا كله، ولا يزيدون على تلاوة القرآن والحديث، هؤلاء في الحقيقة لم يحققوا ما أنزل الله عز وجل القرآن لأجله، والله تبارك وتعالى أنزل القرآن لنتدبره وليدلنا على الخير العميم الذي نلقى به الرب الكريم يوم أن نلقاه، سبحانه وتعالى ومعنا خير عميم.

ثانيًا: من الرد عليهم أن أقول لهؤلاء الواقفة: إن مسلككم مخالف لما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم ولما كان عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان من اعتقاد الإثبات مع التنزيل، فالنبي صلى الله عليه وسلم قرأ القرآن على أصحابه، وسمعوا منه صلى الله عليه وسلم سنته، وأثبتوا كل ذلك، وهذا هو مسلكهم، ولم يحفظ عنهم توقف في هذه المسألة بل أو استشكال فيها.

ثالثًا: إن الذي كان يحب الله منا أن لا نثبت ولا ننفي، بل نرقى في الجهل البسيط، وفي ظلمات بعضها فوق بعض، لا نعرف الحق من الباطل، ولا الهدى من الضلال، ولا الصدق من الكذب، بل نقف بين المثبتة والنفاة موقف الشاكّين الحيارى مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، لا مصدقين ولا مكذبين، ولو كان الأمر كذلك للزم من هذا أن يكون الله تبارك وتعالى يحب منا عدم العلم بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ويحب منا عدم العلم بما يستحقه رب العالمين -جل في علاه- من الصفات التامات الكاملات، ومن المعلوم أن الله لا يحب الجهل ولا الشك ولا الحيرة ولا الضلال، وإنما يحب الدين والعلم واليقين.

والواقفة يلزمهم في ردي عليهم ذلك؛ أن الله لا يحب منا أن نثبت الصفات التي أثبتها لنفسه ولا أن ننفي عنه ما لا يليق بجلاله وكماله، وهذه حيرة، بل شك وظلمات بعضها فوق بعض، والله تبارك تعالى قد ذم الحيرة بقوله {قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَىَ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِين * وَأَنْ أَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُون} [الأنعام: 71- 72].

وقد أمرنا الله -تبارك وتعالى- أن نطلب منه الهداية، وأن نسأله السداد إلى الصراط المستقيم والتوفيق إليه، فقال سبحانه: {اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيم * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّين} [الفاتحة: 6- 7].

وفي (صحيح مسلم) وغيره عن عائشة رضي الله عنها أن صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يصلي يقول: ((اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط المستقيم)) فهو صلى الله عليه وسلم يسأل ربه أن يهديه لما اختلف فيه من الحق، فكيف يكون محبوب الله عدم الهدى في مسائل الخلاف؟!.

وقد قال الله -تبارك وتعالى- آمر نبيه صلى الله عليه وسلم الازدياد في العلم فقال: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114] فالوقوف إذًا فيما ثبت لله من أسماء وصفات هو في الحقيقة جهل وضلال مع أن الرب تبارك وتعالى وصف لنا نفسه بهذه الصفات لنعرفه بها، فوقوفنا عن إثباتها ونفيها عدول عن المقصود منه في تعريفنا إياه، فما وصف لنا نفسه إلا لنثبت ما وصف به نفسه ولا نقف في ذلك، وهو سبحانه وتعالى أعلم بنفسه، وهو الذي أخبرنا بهذه الصفات، ولا يجوز لنا أن نتجاوز القرآن الكريم والحديث.

وبهذا يتبين فساد مسلك الواقفة، وأنه مبني على الجهل والشك والحيرة، وأنهم أبعد الناس عن اليقين والجزم الذي هو الأصل في الاعتقادات.

error: النص محمي !!