Top
Image Alt

أنواع الدماء الخارجة من الرحم، وعلامات الطهر والحيض والنفاس

  /  أنواع الدماء الخارجة من الرحم، وعلامات الطهر والحيض والنفاس

أنواع الدماء الخارجة من الرحم، وعلامات الطهر والحيض والنفاس

والآن نتكلم عن الأحكام الخاصة بالدِّماء الخارجة من الرَّحم.

فإذا كان ابن رشد وابن قدامة قد جمعا بين الحائض والجُنب في كثير من الأحكام، فإنه يبقى للحائض أحكام خاصة بها، ومثل الحيض النفاس والاستحاضة؛ ولذلك عقد ابن رشد بابًا خاصًّا بأحكام الدماء الخارجة من الرّحم فقال:

وأما أحكام الدماء الخارجة من الرّحم فالكلام المحيط بأصولها ينحصر في ثلاثة أبواب:

الباب الأول: معرفة أنواع الدماء الخارجة من الرّحم.

الباب الثاني: معرفة العلامات التي تدل على انتقال الطهر إلى الحيض، والحيض إلى الطهر أو الاستحاضة، والاستحاضة أيضًا إلى الطهر.

الباب الثالث: معرفة أحكام الحيض والاستحاضة، أعني: موانعهما وموجباتهما”.

يقول: “ونحن نذكر في كل باب من هذه الأبواب الثلاثة من المسائل ما يجري مجرى القواعد والأصول لجميع ما في هذا الباب، على ما قصدنا إليه من بيان ما اتّفقوا عليه أو اختلفوا فيه”.

بعد هذا التقسيم الجيّد للدماء الخارجة من الرّحم بين باب يُعرّف بأنواعها، وباب يُعرّف بعلامات كل نوع من هذه الأنواع، وباب يعرّف بالأحكام الخاصة بالحيض والاستحاضة، وليست التابعة لأحكام الجُنب كما مر”.

يبدأ ابن رشد بالحديث عن الباب الأول، وفيه:

أنواع الدِّماء الخارجة من الرّحم:

يقول: “اتفق المسلمون على أن الدماء التي تخرج من الرّحم ثلاثة: دم حيض -وهو الخارج على جهة الصحة-، ودم استحاضة -وهو الخارج على جهة المرض، وأنه غير دم الحيض؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((إنما ذلك عِرق، وليس بالحيضة))-، ودم نفاس -وهو الخارج مع الولد-“.

هذا الكلام المُجمل الذي ذكره ابن رشد تحت هذا العنوان: “أنواع الدماء الخارجة من الرّحم”، لا يشفي الغليل ولا يكفي في الوقوف على معرفة أنواع هذه الدماء الثلاثة؛ لذلك استعنّا بابن قدامة -رحمه الله- في بيان كلّ نوع من هذه الأنواع الثلاثة.

النوع الأول: دم الحيض:

وفيه قال ابن رشد: “هو الخارج على جهة الصحة”، وهناك تفصيل يأتي في مسائل أخرى، لكن نريد أن نتعرّف على دم الحيض؛ كيف يكون؟ وما صفاته؟ وما يتعلّق به؟ وهكذا…

يقول ابن قدامة -رحمه الله-: “الحيض دمٌ يُرخيه الرحم إذا بلغت المرأة” -يُرخيه: يعني يُطلقه ويفيض من الرحم-. “ثم يعتادها” -أي: يتكرّر عليها هذا الدم-، “في أوقات معلومة” -أي: أنه يتكرّر عليها في كلّ شهر. ومن حكمته تعالى أنه جعل ذلك كل شهر- يقول: “لحكمة تربية الولد” -أي: أن نزول الدم بهذه الكيفية لحكمة ربانية، هي: أن المرأة إذا كان عندها ولد، تستطيع أن تربّيه حتى لا تحمل مباشرة بعد الولادة. “فإذا حملت ينصرف ذلك الدم بإذن الله إلى تغذيته”؛ ولذلك لا تحيض الحامل. وأيضًا فطالما أنّ دم الحيض ينزل فإن المرأة لا تحمل. “فإذا وضعت الولد، قلبه الله تعالى بحكمته لبنًا يتغذى به الطفل” -ولذلك قلّما تحيض المرضع-. “فإذا دخلت المرأة من حمل ورضاع، بقي ذلك الدم لا مصرف له فيستقر في مكان، ثم يخرج في الغالب كلّ شهر ستة أيام أو سبعة”. وقد يزيد على ذلك أو يقل. ويطول شهر المرأة ويقصر على حسب ما ركّبه الله تعالى في الطباع.

يقول ابن قدامة: “سُمِّي الحيض حيضًا من قولهم: حاض السّيْل”، قال عمارة بن عقيل:

أجالت حصاهن الذراري وحيضت

*عليهن حيضات السيول الطواحمِ
 

“وقد علّق الشرع على الحيض أحكامًا، منها: أنه يَحرم وطء الحائض”. فابن قدامة قد بيّن لنا بصورة واضحة معنى “الحيض”، والحكمة من نزوله، والحكمة من انقطاعه، والحكمة من انصرافه -بإذن الله تعالى- إلى تغذية الجنين، والحكمة أيضًا من تواليه مرة أو في الغالب كل شهر حتى لا تحمل المرأة.

يضيف إلى ذلك هذه الأحكام الجميلة:

  • منها: أنه يحرم وطء الحائض لقوله تعالى: { فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ } [البقرة: 222].
  • ومنها: أنه يمنع فعْل الصلاة والصوم، بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أليست إحداكن إذا حاضت لا تصوم ولا تصلّي؟)).
  • ومنها: أنه يُسقط وجوب الصلاة دون الصيام -فالمرأة لا تقضي الصلاة، ولكنها تقضي الصيام- لِما رُوي أن معاذة قالت: “سألت عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنت؟” -يعني: من الخوارج نسبة إلى قرية حروراء- فقلت: لست بحرورية ولكني أسأل، فقالت: ((كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنُؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة))، متفق عليه.
  • ومنها: أنه يمنع قراءة القرآن” -كما سبق أن أشرنا منذ قليل-؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تقرأ الحائض ولا الجُنب شيئًا من القرآن)).
  • ومنها: أن يمنع اللّبث في المسجد، والطواف بالبيت”.
  • ومنها: أن يحُرّم الطلاق؛ لأن الله تعالى يقول: { إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1]، و((لما طلق ابن عمر امرأته وهي حائض أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يراجعها ويُمسكها حتى تطهر))، ويسمَّى الطلاق في الحيض طلاقًا بدعيًّا؛ لأنه خلاف السُّنّة.
  • ومنها: أنه يمنع صحة الطهارة، أي: أنه لا يجوز للحائض أن تغتسل بنية الطهارة وما زال الحيض قائمًا بها؛ لأن حدَثها مقيم.
  • ومنها: أنه يوجب الغسل عند انقطاعه، كما أمر الله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 222].
  • ومنها: أنه عَلمٌ على البلوغ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يقبل الله صلاةَ حائض إلا بخمار))، “ولا تنقضي العدّة في حق المطلّقة وأشبهاها إلَّا به”؛ لقوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]، “وأكثر هذه الأحكام مُجمعٌ عليها بين علماء الأمة”.

وإذا ثبت هذا، فالحاجة داعية إلى معرفة الحيض؛ ليُعلم ما يتعلق به من الأحكام، قال الإمام أحمد -رحمه الله-: “الحيض يدور على ثلاثة أحاديث: حديث فاطمة، وأم حبيبة، وحمنة”، وفي رواية: “حديث أم سملة” مكان حديث أم حبيبة، وسيأتي ذكر هذه الأحاديث في مواطنها -إن شاء الله-.

أما دم الاستحاضة فحوْله كلام كثير نرجئ الحديث عنه إلى محله في الكلام عند ابن رشد عنه.

وكذلك دم النفاس، وهو الخارج مع الولد، نرجئ الحديث عنه إلى حينه -إن شاء الله.

الباب الثاني من أبواب الدماء الخارجة من الرّحم: علامات الطهر والحيض والنفاس والاستحاضة:

بعد أن عرفنا أنواع الدماء الثلاثة: دم الحيض وهو الخارج على جهة الصحة، ودم الاستحاضة وهو الخارج على جهة المرض، ودم النفاس وهو الخارج مع الولد.

يقول في الباب الثاني: علامات الطهر والحيض والنفاس والاستحاضة.

ثم يعلِّق على ذلك بقوله: “أمّا معرفة علامات انتقال هذه الدماء بعضها إلى بعض، وانتقال الطهر إلى الحيض، وانتقال الحيض إلى الطُهر، فإن معرفة ذلك في الأكثر تنبني على معرفة أيام الدماء المعتادة، وأيام الأطهار، ونحن نذكر منها ما يجري مجرى الأصول وهي سبْع مسائل”.

آن لنا أن نشير ولو في عجالة إلى دم الاستحاضة، وإلى دم النفاس، يقول ابن قدامة:

“فمن أطبق بها الدم فكانت ممن تميّز فتعلم إقباله بأنه أسود ثخين مُنتن، وإدباره رقيق أحمر، تركت الصلاة في إقباله، فإذا أدبر اغتسلت وتوضأت لكلّ صلاة وصلّت”.

يعني: وكأنه يضيف إلى ما سبق من الكلام عن دم الحيض، يقول ابن قدامة:

“أطبق بها الدم”: يعني: امتدّ وتجاوز أكثر الحيض. “فهذه مستحاضة قد اختلط حيضها باستحاضتها، فتحتاج إلى معرفة الحيض من الاستحاضة؛ لترتّب على كلّ واحد منهما حُكمه.

ولا تخلو من أربعة أحوال:

أولًا: مميّزة لا عادة لها.

ثانيًا: ومعتادة لا تمييز لها.

ثالثًا: ومن لها عادة وتمييز.

رابعًا: ومن لا عادة لها ولا تمييز”.

ثم يفصّل الكلام في ذلك تفصيلًا كثيرًا يحتاج إلى مزيد من الوقت والتفصيل.

أمّا النفاس: فهو دم الولادة -كما أشرنا من قبل-.

المسألة الأولى: مدة الحيض ومدة الطهر:

يضيف ابن رشد إلى هذا الكلام، أو يدخل في المسائل المتعلقة بالحيض والنفاس، والاستحاضة، فيقول: “إنّ المسألة الأولى التي تجرى مجرى الأصول من المسائل السبعة في الدماء الخارجة من الرّحم، هي: معرفة مدة الحيض ومدة الطهر”.

يبدأ فيقول: “إن العلماء قد اختلفوا في أكثر أيام الحيض وأقلها، وأقلّ أيام الطهر؛ فرُوي عن مالك: أن أكثر أيام الحيض خمسة عشر (15) يومًا، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: أكثره عشرة أيام”. أي: مهما كانت الدماء مستمرة، فإن المدة لا يجوز أن تزيد عن خمسة عشر يومًا، أو تُحتسب حيضًا أكثر من خمسة عشر يومًا. معنى ذلك: أنه بعد خمسة عشر يومًا -وهي الحد الأقصى-، يجوز للمرأة أن تصلي وأن تصوم وأن تقرأ القرآن، وغير ذلك من الأحكام، كما سنعلم فيما بعد. “وبه -يعني: بهذا الرأي الذي رُوي عن مالك، وهو: أن أكثر أيام الحيض خمسة عشر يومًا-، قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: أكثره عشرة أيام”.

إذًا في تقدير مدة أكثر أيام الحيض، أو الحد الأقصى للحيض، هناك رأيان:

الرأي الأول: يقول: أكثره خمسة عشر يومًا، وهو رأي الإمام مالك، والشافعي، ومعهما أيضًا الإمام أحمد.

الرأي الثاني: بأن أكثر مدة الحيض عشرة أيام، وبالتالي تكون باقي الأيام طُهرًا. فإذا كانت مدة الحيض خمسة عشر يومًا، تكون مدة الطهر خمسة عشر يومًا أو أربعة عشر، بحسب الشهر العربي.

وبالمناسبة: فإن هذه الأيام تُحسب بالشهور العربية، كما يُحسب أيضًا نصاب الزكاة، أو المقدار الواجب في أداء الزكاة بالشهور العربية، “حَوَلان الحول على المال” أي: الحوْل العربي. هذا عن أكثر أيام الحيض.

أقلّ أيام الحيض: -يعني: الحد الأدنى-، فلا حدّ لها عند مالك، يعني يمكن أن تحيض المرأة ساعة أو بعض ساعة، بل قد تكون الدفعة الواحدة عنده حيضًا، إلَّا أنه لا يُعتدّ بها في الطلاق لقوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]، يعني: ثلاث حيضات. هذه الحيضة البسيطة عند الإمام مالك -الذي لم يجعل حدًّا لأقل أيام الحيض- هذه الدفعة البسيطة وإن كانت تعتبر حيضًا، إلَّا أنه لا يُعتد بها في أقراء الطلاق الثلاثة من باب الاحتياط؛ لأن الأحوط لبراءة الرحم أن تعتدّ المرأة بثلاثة حيضات كاملة.

“وقال الشافعي ومعه أيضًا الإمام أحمد: أقل الحيض -أي: أقل مدة للحيض-: يوم وليلة”.

أمّا أبو حنيفة فقال: “أقله ثلاثة أيام”.

إذًا، نحن أمام ثلاثة أقوال في أقلّ مدة للحيض: هناك قولان في أقصى مدة للحيض: خمسة عشر يومًا عند مالك والشافعي وأحمد، وعشرة أيام عند أبي حنيفة. أمّا أقل أيام الحيض، فلا حد لها عند الإمام مالك، وعند الشافعي وأحمد يوم وليلة، وعند أبي حنيفة ثلاثة أيام، هذا عن الحيضِ.

أما أقلُّ مدة للطهر، فاضطربت فيه الروايات عن مالك، فروي عنه عشرة أيام، -مع أن هذا متعارض مع القول السابق في أكثر أيام الحيض خمسة عشر يومًا؛ فيكون الباقي من الشهر إمّا أربعة عشر يومًا، وإمّا خمسة عشر. فكيف يقال: عشرة أيام أقل مدة للطهر؟ ولذلك قال ابن رشد -هذه العبارة الجيدة-: “اضطربت فيه الروايات عن مالك، فروي عنه عشرة أيام، وروي عنه ثمانية أيام”، وهذا يتعارض كما قلنا مع ما سبق. وروي: خمسة عشر -وهذا معقول- وإلى هذه الرواية مال البغداديون من أصحابه، وبها قال الشافعي، وأبو حنيفة”، ولعل هذا هو الراجح من الروايات.

“وقيل: سبعة عشر يومًا.

وقال الإمام أحمد: “ثلاثة عشر يومًا”.

والسبعة عشر هو أقصى ما انعقد عليه الإجماع كما يقول ابن رشد.

وأكثر أيام الطهر: فليس له عندهم حدّ.

لأنه إذا كان الإمام مالك يرى أن أقل أيام الحيض لا حد لها -يعني يمكن أن تكون دفعة واحدة في لحظة من اللحظات- فيكون معنى ذلك أن باقي الشهر كله طهر.

قال: “وأما أكثر الطهر فليس له عندهم حد”، بل قد يكون الطُهر دائمًا؛ لأن المرأة قد لا تحيض، كما قال الله تعالى: { وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ} [الطلاق: 4]، فهذه انتهت مدة الحيض ولم تعد تحيض، فهي طاهرة باستمرار.

“وأما أكثر الطُهر فليس له عندهم حد”، هذا الكلام الذي رويناه أو عرفناه من ابن رشد في أقلّ مدة الحيض، وأقلّ مدة الطهر، وأكثر مدة الحيض، وأكثر مدة الطهر، نجد قريبًا منه أو تفصيلًا له عند ابن قدامة -رحمه الله-.

المسألة الثانية: الحيضة المتقطّعة:

يقول ابن رشد عن الحيضة المتقطّعة: “ذهب مالك وأصحابه في الحائض التي تنقطع حيضتها، وذلك بأن تحيض يومًا أو يوميْن، وتطهر يومًا أو يوميْن، إلى أنها تجمع أيّام الدم بعضها إلى بعض، وتُلغي أيام الطهر، وتغتسل في كل يوم ترى فيه الطهر أوّل ما تراه، وتصلّي؛ فإنها لا تدري لعل ذلك طهر. فإذا اجتمع لها من أيام الدم خمسة عشر يومًا، فهي مستحاضة. وبهذا القول قال الشافعي”.

فنحن أمام رواية عن الإمام مالك وأصحابه، بأن المرأة تجمع أيام الدم بعضها إلى بعض، وتُلغي أيام الطهر الذي يتخلّل أيام الحيض، وتغتسل في كل يوم ترى فيه الطهر أوّل ما تراه وتصلي؛ فإنها لا تدري لعل ذلك طهر. فإذا اجتمع لها من أيام الدم خمسة عشر يومًا فهي مستحاضة.

رُوي عن مالك رواية أخرى: “أنها تُلَفِّق أيام الدم وتعتبر بذلك أيام عادتها”، أي: أنها تجمع الأيام المتفرّقة. “فإن ساوتْها استظهرت بثلاثة أيام. فإن انقطع الدم، وإلا فهي مستحاضة”. طبعًا إذا انقطع الدم تغتسل وتتطهّر، وتصلي بصورة اعتيادية، وإلَّا فهي مستحاضة؛ لأن الدم لم ينقطع.

وجَعْلُ الأيام التي لا ترى فيها المرأة الدم غير معتبرة في العدد لا معنى له، فإنها لا تخلو تلك الأيام أن تكون أيام حيض أو أيام طهر، فكيف لا يعتدّ بها؟ فإن كانت أيام حيض، فيجب أن تُلفِّقها -أي: تضمّها إلى أيام الدم- وإن كانت أيام طهر فليس يجب أن تلفّق أيام الدم إذ كان قد تخلّلها طهر.

والذي يجيء على أصوله -يعني: أصول الإمام مالك-: أنها أيام حيض لا أيام طهر، إذ أقل الطهر عنده محدود وهو أكثر من اليوميْن واليوم، فتدبّر هذا، فإنه بيّن!

والحق أنّ دم الحيض ودم النفاس، يجري ثم ينقطع يومًا أو يوميْن، ثم يعود، حتى تنقضي أيام الحيض أو أيام النفاس، كما يجري ساعة أو ساعتيْن من النهار، ثم تنقطع.

فابن رشد لم يعجبه كلام الإمام مالك في هذه القضية، وأرجع الأمر إلى الحق، وهو: أنّ دم الحيض ودم النفاس يجري أيامًا وينقطع أيامًا، ويعود بعد ذلك، كما يجري ساعة أو ساعتيْن من النهار ثم ينقطع، فليس هنالك إمكانية للتلفيق أو نحو ذلك.

المسألة الثالثة: مدّة النّفاس:

أقل مدة النفاس:

يقول ابن رشد: “اختلفوا في أقلّ النّفاس وأكثره -أي: كما مر في الحيض-:

فذهب مالك إلى أنه لا حد لأقلِّه، كما قال في الحيض، وبه قال الشافعي.

وذهب أبو حنيفة وقوم إلى: أنه محدود، فقال أبو حنيفة: هو خمسة وعشرون يومًا.

وقال أبو يوسف وصاحبه: أحد عشر يومًا.

وقال الحسن البصري: عشرون يومًا.

وأمّا مدة النفاس:

فقال مالك مرّة: هو ستون يومًا، ثم رجع عن ذلك فقال: يُسأل عن ذلك النساء. وأصحابه ثابتون على القول الأوّل -أي: ستون يومًا-. وبه قال الشافعي. وأكثر أهل العلْم من الصحابة على أنّ أكثر مدة النفاس أربعون يومًا. وبه قال أبو حنيفة، وأحمد، وهو رواية عن الإمام مالك أيضًا. وقد قيل: تعتبر المرأة في ذلك أيام أشباهها من النساء، فإذا جاوزتها فهي مستحاضة.

وفرّق قوم بين ولادة الذكر وولادة الأنثى، فقالوا: للذكر ثلاثون يومًا، وللأنثى أربعون يومًا”.

المسألة الرابعة: الدم الذي تراه المرأة الحامل:

يقول ابن رشد: اختلف الفقهاء قديمًا وحديثًا… -يعني: من قبل ابن رشد وفي زمن ابن رشد، من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وأصحابهم، إلى أن وصل الزمان إلى ابن رشد في أواخر القرن السادس الهجري-: هل الدم الذي تراه الحامل هو حيض أم استحاضة؟ -أي دمٌ غير معتاد-.

ذهب مالك، والشافعي -في أصح قوليْه- وغيرهما إلى: أنّ الحامل تحيض. أي: قد تحيض؛ لأن العادة أنها لا تحيض، لكنها قد تحيض؛ وبالتالي يكون الدم الذي ينزل عليها دم حيض.

ذهب أبو حنيفة، وأحمد، والثوري، وغيرهم إلى: أن الحامل لا تحيض، ومعنى ذلك: أن الدم الذي يخرج من رحمها ليس دم حيض، وإنما هو دم فساد وعلّة -أي: مرض، كما نسميه: “النزيف”، أو كما سمّاه الرسول صلى الله عليه وسلم: ((عِرْق))- إلَّا أن يصيبها الطلق -أي: الدم الذي ينزل مصحوبا بطلْق الولادة- فإنهم أجمعوا على أنّ الدم حينئذ يكون دم نفاس، وأن حُكمه حُكم الحيض -لأن النفاس يأخذ أحكام الحيض من حيث النجاسة، ومن حيث ما يجب الامتناع عنه من الصلاة، أو الجماع، أو الطواف، أو الصيام؛ هذا معنى أنّ حُكمه حُكم الحيض- في منعه الصلاة وغير ذلك من أحكامه.

ولمالك وأصحابه في معرفة انتقال الحائض الحامل، إذا تمادى بها الدم من حُكم الحيض إلى حُكم الاستحاضة، أقوال مضطربة.

المسألة الخامسة: هل الصّفرة والكُدرة حيض؟

الصُّفْرة: أن يكون الدم مائلًا إلى الاصفرار، وليس إلى الاحمرار كدم النزيف، وإلى السواد كدم الحيض، وإنما هو درجة الاصفرار.

الكُدرة: يعني الدم العكِر الذي ليس له لون ثابت، فلا هو أصفر، ولا هو أحمر، ولا هو أسود، ولكنه خليط من هذه الألوان تُسمَّى: “الكُدرة”.

هل الماء الأصفر الذي يخرج من رحِم المرأة، أو الماء المتكدّر الذي يخرج من رحم المرأة عقب الدورة الشهرية أو قبْلها، يلحق بالحيض، يلحق بالدورة الشهرية، أو لا يلحق بها؟

ابن رشد يعرض هذه القضية فيقول:

“اختلف الفقهاء في الصّفرة والكُدرة؛ هل هي حيض أم لا؟

فرأت جماعة: أنها حيض في أيام الحيض. أي: أنها إذا نزلت في أيام الحيض فهي حيض. وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة. ورُوي أيضًا مثل ذلك عن مالك. وفي (المدونة) عنه -أي عن الإمام مالك-: أنّ الصفرة والكدرة حيض في أيام الحيض، وفي غير أيام الحيض، رأت ذلك مع الدم أو لم ترَه.

وقال داود وأبو يوسف: إن الصّفرة والكُدرة لا تكون حيضة إلَّا بإثر الدّم.

المسألة السادسة: علامة الطّهر:

علامة طهر المرأة من الحيض، أو من النفاس، أو من الاستحاضة.

ويروي ابن رشد أو يحكي أيضًا اختلاف الفقهاء في علامة الطّهر فيقول:

رأى قوم أنّ علامة الطهر رؤية القصّة البيضاء -هذه علامة-، أو الجفوف -يعني: الجفاف، أي: انقطاع الدم وجفافه-؛ وبهذا القول قال ابن حبيب من أصحاب مالك. وسواء أكانت المرأة ممّن عادتها أن تطهر بالقصة البيضاء أو بالجفاف، أيَّ ذلك رأت طهرت به”. هذا رأي.

وفرّق قوم فقالوا: إن كانت المرأة ممّن ترى القصة البيضاء، فلا تطهر حتى تراها -يعني: أنها معتادة على ذلك، تميّز بين الأشياء-، وإن كانت ممن لا تراها -ليست هذه عادتها- فطُهرها الجفوف -أي: الجفاف-؛ وذلك في (المدونة) عن مالك أيضًا.

المسألة السابعة: المستحاضة.

في المستحاضة إشكال كبير؛ لأن الفقهاء من جميع المذاهب اختلفوا فيها اختلافًا كبيرًا لا حدود له.

والمستحاضة: هي المرأة التي ينزل عليها الدم، إما في غير أيام الحيض، أو يستمر بعد أيام الحيض.

فمثلًا: امرأة كانت عادتها الشهرية أسبوعًا، ثم ينقطع الدم وتغتسل وتصلّي وتصوم وتمارس كل الأمور الشرعية، ولكن بعد ذلك، أي: بعد الطهر بأسبوع أو أكثر، ينزل عليها الدم وهذا ليس أوان دم الحيض، ويكون لونه أيضًا مختلفًا عن لون دم الحيض؛ لأننا نحن عرفنا كما عرّفنا الرسول صلى الله عليه وسلم: أن دم الحيض ((دم أسود يُعرف))، وله رائحة خبيثة، وغليظ، وأما دم الاسحاضة فدم مرَضي، نزيف أحمر فاتح اللون. وهكذا، وقد تكون الاستحاضة استمرارًا لأيام الحيض، يعني: أن المرأة جاءتها الدورة الشهرية ثم لم ينقطع الدم واستمر عليها الدم باقي الشهر، فهل يعتبر الشهر كلّه حيضًا أو دورة شهرية؟

لا. فقد علمنا من المسألة الأولى: أنّ أقصى وأكثر مدّة للحيض: خمسة عشر يومًا عند مالك والشافعي، وعند أبي حنيفة عشرة أيام.

إذًا، فالمدة التي تزيد عن ذلك عن عشرة أو عن خمسة عشر يومًا ليست من فترة الحيض، قولًا واحدًا؛ وبالتالي سمّاها الفقهاء: المستحاضة.

وهذه المرأة المستحاضة، ما قول الفقهاء فيها؟

اختلف الفقهاء اختلافًا واسعًا في هذا الأمر: إذا تمادى بها الدم، متى يكون حُكمها حُكم الحائض؟ كما اختلفوا في الحائض إذا تمادى بها الدم، متى يكون حُكمها حُكم المستحاضة؟

إذًا، ابن رشد يطرح قضيّتيْن:

الأولى: أنّ المستحاضة قد يستمر عليها الدم حتى يأتي دم الحيض ملتصقًا بالاستحاضة، متى نفصل بين الأمرين؟

الثانية: الحائض التي يتمادى بها الدم ويستمر، متى ينتهي الحيض وتبدأ الاستحاضة؟ لأن نهاية الحيض وبداية الاستحاضة تترتّب على كلّ منهما أحكام شرعية معيّنة.

يعرض ابن رشد أقوال الفقهاء في ذلك على النحو التالي:

أولًا: قال مالك في المستحاضة أبدًا: حُكمها حُكم الطاهرة -أي: المرأة التي لا ينقطع الدم عنها، فتكون طاهرة إلى أن يتغيّر الدم إلى صفة الحيض. فصفة الحيض التي كانت يوميْن أو ثلاثة أو أكثر أو نحو ذلك، إنما فيما عدا ذلك فهي مستحاضة-، وذلك إذا مضى لاستحاضتها من الأيام ما هو أكثر من أقلّ أيام الطهر وهي: خمسة عشر يومًا -كما سبق أن أشرنا-. إذا كانت أقل أيام الطهر خمسة عشر يومًا، فيكون معنى ذلك أنّ الأيام الأخرى تكون أيام حيض؛ فحينئذ تكون حائضًا، فتكون الاستحاضة خمسة عشر يومًا، والحيض خمسة عشر يومًا. ولكل منهما ما يتعلّق به من الأحكام.

يقول ابن رشد: “إذا اجتمع لها هذان الشيئان: تغيّر الدم، وأن يمرّ لها في الاستحاضة من الأيام ما يمكن أن يكون طهرًا وهو خمسة عشر يومًا، وإلَّا فهي مستحاضة أبدًا”، هذا قول مالك، فماذا قال أبو حنيفة؟

ثانيا: يقول: “تقعد أيام عادتها -إذا كانت عادتها مثلًا خمسة أيام، أو ستة أيام، أو سبعة أيام- إن كانت لها عادة، وإن كانت مبتدأة قعدت أكثر الحيض -الذي هو عشرة أيام-، وما زاد عن أكثر أيام الحيض عند أبي حنيفة يكون استحاضة”.

ثالثًا: قال الشافعي: “تعمل على التمييز”. التمييز يعني: أن تفرّق بين دم الحيض الأسود الثخين النّتن، وبين دم الاستحاضة الخفيف الفاتح الأحمر الذي لا رائحة له. “فتعمل على التمييز إن كانت من أهل التمييز. وإن كانت من أهل العادة عملت على العادة. وإن كانت من أهل التمييز والعادة معًا، فله في ذلك قولان:

الأول: تعمل على التمييز وهو المعتمَد.

الثاني: تعمل على العادة.

رابعًا: وأحمد قريب من الشافعي في ذلك حيث يقول: “إن كان لها عادة رُدّت إليها، فإن عدمتْها رُدّت إلى التمييز. وإن عدمتهما -عدمت التمييز والعادة- فعنه في ذلك راويتان:

الأولى: تمكث الحيض.

الثانية: تنظر إلى غالب عادة النساء ستًّا أو سبعة أيام”.

error: النص محمي !!