Top
Image Alt

أنواع الدماء الخارجة من الرحم ومدة الحيض، ومدة الطهر، والحيضة المتقطعة، ومدة النفاس

  /  أنواع الدماء الخارجة من الرحم ومدة الحيض، ومدة الطهر، والحيضة المتقطعة، ومدة النفاس

أنواع الدماء الخارجة من الرحم ومدة الحيض، ومدة الطهر، والحيضة المتقطعة، ومدة النفاس

عقد ابن رشد بابًا خاصًا بأحكام الدماء الخارجة من الرّحم، فقال:

“وأما أحكام الدماء الخارجة من الرّحم فالكلام المحيط بأصولها ينحصر في ثلاثة أبواب:

الباب الأول: معرفة أنواع الدماء الخارجة من الرّحم.

الباب الثاني: معرفة العلامات التي تدل على انتقال الطهر إلى الحيض، والحيض إلى الطهر أو الاستحاضة، والاستحاضة أيضًا إلى الطهر.

الباب الثالث: معرفة أحكام الحيض والاستحاضة، أعني: موانعهما وموجباتهما”.

يبدأ ابن رشد بالحديث عن (الباب الأول)، وفيه:

أنواع الدِّماء الخارجة من الرّحم:

يقول: “اتفق المسلمون على أن الدماء التي تخرج من الرّحم ثلاثة: دم حيض -وهو الخارج على جهة الصحة-، ودم استحاضة -وهو الخارج على جهة المرض، وأنه غير دم الحيض، لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما ذلك عِرق، وليس بالحيضة»-، ودم نفاس -وهو الخارج مع الولد”.

ويفصل ابن قدامة  الكلام في كلّ نوع من هذه الأنواع الثلاثة.

النوع الأول: دم الحيض: كيف يكون؟ وما صفاته؟ وما يتعلّق به؟

يقول ابن قدامة -رحمه الله-: “الحيض دمٌ يُرخيه الرحم إذا بلغت المرأة” -يُرخيه: يعني يُطلقه ويفيض من الرحم-. “ثم يعتادها” -أي: يتكرّر عليها هذا الدم-، “في أوقات معلومة” -أي: أنه يتكرّر عليها في كلّ شهر. ومن حكمته تعالى أنه جعل ذلك كل شهر- يقول: “لحكمة تربية الولد” -أي: أن نزول الدم بهذه الكيفية لحكمة ربانية، هي: أن المرأة إذا كان عندها ولد، تستطيع أن تربّيه حتى لا تحمل مباشرة بعد الولادة. “فإذا حملت ينصرف ذلك الدم بإذن الله إلى تغذيته”، ولذلك لا تحيض الحامل. وما دام الحيض ينزل فإن المرأة لا تحمل. “فإذا وضعت الولد، قلبه الله تعالى بحكمته لبنًا يتغذى به الطفل” -ولذلك قلّما تحيض المرضع-. “فإذا دخلت المرأة من حمل ورضاع، بقي ذلك الدم لا مصرف له فيستقر في مكان، ثم يخرج في الغالب كلّ شهر ستة أيام أو سبعة”. وقد يزيد على ذلك أو يقل. ويطول شهر المرأة ويقصر على حسب ما ركّبه الله تعالى في الطباع.

يقول ابن قدامة: “سُمِّي الحيض حيضًا من قولهم: حاض السّيْل”، قال عمارة بن عقيل:

أجالت حصاهن الذراري وحيضت

*عليهن حيضات السيول الطواحمِ
 

 ويقول ابن قدامة: “وقد علّق الشرع على الحيض أحكامًا، منها: أنه يَحرم وطء الحائض”.

الأحكام الشرعية المتعلقة بالحيض:

ومنها: أنه – أي الحيض- يحرم وطء الحائض؛ لقوله تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222].

ومنها: أنه يمنع فعْل الصلاة والصوم، بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أليست إحداكن إذا حاضت لا تصوم ولا تصلّي؟».

ومنها: أنه يُسقط وجوب الصلاة دون الصيام -فالمرأة لا تقضي الصلاة، ولكنها تقضي الصيام- لِما رُوي أن معاذة قالت: “سألت عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنت؟” -يعني: من الخوارج نسبة إلى قرية حروراء- فقلت: لست بحرورية ولكني أسأل، فقالت: «كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنُؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة»، متفق عليه.

ومنها: أنه يمنع قراءة القرآن” -كما سبق أن أشرنا منذ قليل- لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تقرأ الحائض ولا الجُنب شيئًا من القرآن».

ومنها: أن يمنع اللّبث في المسجد، والطواف بالبيت.

ومنها: أن يحُرِّم الطلاق؛ لأن الله تعالى يقول: { إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1]، و«لما طلق ابن عمر امرأته وهي حائض، أمره النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يراجعها ويُمسكها حتى تطهر»، ويسمَّى الطلاق في الحيض طلاقًا بدعيًّا؛ لأنه خلاف السُّنّة.

ومنها: أنه يمنع صحة الطهارة، أي: أنه لا يجوز للحائض أن تغتسل بنية الطهارة وما زال الحيض قائمًا بها؛ لأن حدَثها مقيم.

ومنها: أنه يوجب الغسل عند انقطاعه، كما أمر الله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 222].

ومنها: أنه عَلمٌ على البلوغ، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاةَ حائض إلا بخمار»، “ولا تنقضي العدّة في حق المطلّقة وأشبهاها إلاّ به”؛ لقوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]، “وأكثر هذه الأحكام مُجمعٌ عليها بين علماء الأمة”.

وإذا ثبت هذا، فالحاجة داعية إلى معرفة الحيض، ليُعلم ما يتعلق به من الأحكام، قال الإمام أحمد -رحمه الله- : “الحيض يدور على ثلاثة أحاديث: حديث فاطمة، وأم حبيبة، وحمنة”، وفي رواية: “حديث أم سملة” مكان حديث أم حبيبة، وسيأتي ذكر هذه الأحاديث في مواطنها -إن شاء الله-.

أما دم الاستحاضة، وكذلك دم النفاس، فنرجئ الحديث عنهما إلى حينه -إن شاء الله.

الباب الثاني: علامات الطهر والحيض والنفاس والاستحاضة:

يقول ابن رشد: “أمّا معرفة علامات انتقال هذه الدماء بعضها إلى بعض، وانتقال الطهر إلى الحيض، وانتقال الحيض إلى الطُهر، فإن معرفة ذلك في الأكثر تنبني على معرفة أيام الدماء المعتادة، وأيام الأطهار، ونحن نذكر منها ما يجري مجرى الأصول وهي سبْع مسائل”.

آن لنا أن نشير ولو في عجالة إلى دم الاستحاضة، وإلى دم النفاس، يقول ابن قدامة:

“فمن أطبق بها الدم فكانت ممن تميّز فتعلم إقباله بأنه أسود ثخين مُنتن، وإدباره رقيق أحمر، تركت الصلاة في إقباله، فإذا أدبر اغتسلت وتوضأت لكلّ صلاة وصلّت”.

“أطبق بها الدم”: يعني: امتدّ وتجاوز أكثر الحيض. “فهذه مستحاضة قد اختلط حيضها باستحاضتها، فتحتاج إلى معرفة الحيض من الاستحاضة، لترتّب على كلّ واحد منهما حُكمه.

ولا تخلو من أربعة أحوال:

1- مميّزة لا عادة لها.

2- ومعتادة لا تمييز لها.

3- ومن لها عادة وتمييز.

4- ومن لا عادة لها ولا تمييز”.

أمّا النفاس: فهو دم الولادة يخرج مع المولود.

المسألة الأولى: مدة الحيض ومدة الطهر:

يقول ابن رشد: “إن العلماء قد اختلفوا في أكثر أيام الحيض وأقلها، وأقلّ أيام الطهر؛ فرُوي عن مالك: أن أكثر أيام الحيض خمسة عشر (15) يومًا، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: أكثره عشرة أيام”.

أكثرّ أيام الحيض: وبها رأيان:

الرأي الأول: يقول: أكثره خمسة عشر يومًا، وهو رأي الإمام مالك، والشافعي، ومعهما أيضًا الإمام أحمد.

والرأي الثاني: بأن أكثر مدة الحيض عشرة أيام، وبالتالي تكون باقي الأيام طُهرًا. فإذا كانت مدة الحيض خمسة عشر يومًا، تكون مدة الطهر خمسة عشر يومًا أو أربعة عشر، بحسب الشهر العربي.

ملاحظة: تُحسب أيام الحيض بالشهور العربية، مثل الزكاة.

أقلّ أيام الحيض-أي: الحد الأدنى-: وبها ثلاثة أقوال:

 عند مالك: لا حدّ لها، أي يمكن أن تحيض المرأة ساعة أو بعض ساعة، بل قد تكون الدفعة الواحدة عنده حيضًا، ولكنَّ هذه الدفعة البسيطة، وإن كانت تعتبر حيضًا عند الإمام مالك، إلاّ أنه لا يُعتد بها في أقراء الطلاق الثلاثة؛ لقوله تعالى: { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ }[البقرة: 228]، أي: ثلاث حيضات؛ فالأحوط لبراءة الرحم أن تعتدّ المرأة بثلاثة حيضات كاملة.

عند الشافعي والإمام أحمد: “أقل الحيض يوم وليلة”.

عند أبو حنيفة فقال: “أقله ثلاثة أيام”.

ولقد اضطربت الروايات في أقلّ مدة للطهر عند مالك، فروي عنه عشرة أيام، وهذا متعارض مع القول السابق في أكثر أيام الحيض خمسة عشر يومًا؛ فيكون الباقي من الشهر إمّا أربعة عشر يومًا، وإمّا خمسة عشر. فكيف يقال: عشرة أيام أقل مدة للطهر؟ ولذلك قال ابن رشد: “اضطربت فيه – أي في أقل مدة للحيض- الروايات عن مالك، فروي عنه عشرة أيام، وروي عنه ثمانية أيام”، وهذا يتعارض كما قلنا مع ما سبق. وروي: خمسة عشر -وهذا معقول-، وإلى هذه الرواية مال البغداديون من أصحابه، وبها قال الشافعي، وأبو حنيفة”، ولعل هذا هو الراجح من الروايات.

“وقيل: سبعة عشر يومًا.

وقال الإمام أحمد: “ثلاثة عشر يومًا”.

والسبعة عشر هو أقصى ما انعقد عليه الإجماع كما يقول ابن رشد.

وأكثر أيام الطهر: فليس له عندهم حدّ.

لأنه إذا كان الإمام مالك يرى أن أقل أيام الحيض لا حد لها -يعني يمكن أن تكون دفعة واحدة في لحظة من اللحظات- فيكون معنى ذلك أن باقي الشهر كله طهر.

قال: “وأما أكثر الطهر فليس له عندهم حد”، بل قد يكون الطُهر دائما؛ لأن المرأة قد لا تحيض، كما قال الله تعالى: { وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ} [الطلاق: 4]، فهذه انتهت مدة الحيض ولم تعد تحيض، فهي طاهرة باستمرار.

ويقول ابن قدامة في تعليقه على قول الخرقي: “وأقلّ الحيض: يوم وليلة، وأكثره: خمسة عشر يومًا” -وكنا قد عرفنا منذ قليل: أنّ أقل الحيض يوم وليلة عند الشافعي وأحمد، أما أكثره فخمسة عشر يومًا عند الشافعي أيضًا وأبي حنيفة، لكن قلنا: إن الإمام أحمد روي أنه قال: ثلاثة عشر يومًا. فلعل ابن قدامة يوضّح لنا هذا التعارض، هل هي خمسة عشر، أم ثلاثة عشر يومًا؟-.

قال ابن قدامة: “هذا الصحيح من مذهب أبي عبد الله”، أي: الخمسة عشر يومًا التي قال بها الشافعي، وأبو حنيفة، ومالك في رواية البغداديِّين عنه، وأحمد، هي الصحيحة من مذهب الإمام أحمد.

وقال الخلال: “مذهب أبي عبد الله لا اختلاف فيه: أنّ أقل الحيض يوم، وأكثره خمسة عشر يومًا”، وقِيل عنه: “أكثره سبعة عشر يومًا”.

وللشافعي قولان كالروايتيْن في أقلّه وأكثره.

وقال إسحاق بن راهويه: “قال عطاء: الحيض يوم واحد”، وقال سعيد بن جبير: “أكثره ثلاثة عشر يومًا”. وقال الثوري وأبو حنيفة وصاحباه: “أقله ثلاثة أيام وأكثره عشرة”، كما ذكرنا عند ابن رشد، لِما روى وائلة بن الأسقع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أقلّ الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة».

أما عن الطهر: فيقول أيضًا ابن قدامة: “أقل الطهر بين الحيضتيْن ثلاثة عشر يومًا؛ لأن كلام أحمد لا يختلف أن العدة تصح أن تنقضي في شهر واحد إذا قامت به البينة، وقال إسحاق: تَوْقيت هؤلاء بالخمسة عشر باطل. قال أبو بكر: أقل الطهر مبني على أكثر الحيض، فإن قلنا أكثر الحيض خمسة عشر يومًا، فأقل الطهر خمسة عشر، وإن قلنا أكثره سبعة عشر، فأقل الطهر ثلاثة عشر”،-وهذا كأنه بناه على أن شهر المرأة لا يزيد عن ثلاثين يومًا يجتمع لها فيه حيض وطهر-، “وأما إذا زاد شهرها على ذلك، تُصوّر أن يكون حيضها سبعة عشر، وطهرها خمسة عشر وأكثر. وقال مالك، والثوري، والشافعي، وأبو حنيفة: أقل الطهر خمسة عشر. وذكر أبو ثور أن ذلك لا يختلفون فيه، وهو الصحيح”.

بعد هذا البيان والتوضيح لأقل مدة الطهر، وأقل مدة الحيض، وأكثر مدة الطهر، وأكثر مدة الحيض، نأتي إلى كلام ابن رشد في تعليقه على هذه الأقوال عند هؤلاء الأئمة، فيقول:

“فإذا كان هذا موضوعًا من أقاويلهم، فمن كان لأقل الحيض عنده قدر معلوم، كان أقل من ذلك القدْر إذا ورد في سن الحيض عنده وجب أن يكون استحاضة”، أي: مادام هنالك تحديد ومدة محددة، فما زاد عن هذا القدر في الأكثر يكون استحاضة.

“ومن لم يكن لأقل الحيض عنده قدْر محدود، وجب أن تكون الدفعة عنده حيضًا. ومن كان أيضًا عنده أكثره -أكثر الحيض- محدودًا وجب أن يكون ما زاد على ذلك القدْر عنده استحاضة”.

يقودنا كلام ابن رشد إلى معرفة رأي الإمام مالك في هذه القضية:

يقول: “ولكن مُحصّل مذهب مالك في ذلك أن النساء على ضربيْن: مُبتدَأة، ومعتادة. فالمبتدأَة تترك الصلاة برؤية أول دم تراه إلى تمام خمسة عشر يومًا -لأنها ليس لها عادة، هي مبتدَأة بطروء الحيض عليها- فإن لم ينقطع -يعني: الدم- بعد الخمسة عشر يومًا، صلّت وكانت مستحاضة”. وهذا -كما علمنا- قال به الشافعي، إلا أن مالكًا قال: “تصلي من حين تتيقن الاستحاضة”. “وعند الشافعي: أنها تعيد صلاة ما سلف لها من الأيام، إلاّ أقل الحيض عنده وهو يوم وليلة”، وقيل عن مالك: “بل تعتدّ أيام لِداتها”، لداتها: يعني أقرانها، تنظر في أقاربها، في أخواتها، في أمها، في خالتها، كم تكون مدة الحيض عندهن، فتعدّ أيام لداتها، “ثم تستظهر بثلاثة أيام – تستظهر: تزيد من باب الاحتياط-؛ فإن لم ينقطع الدم فهي مستحاضة”. هذا عن المرأة المبتدئة –أي: التي لم تجرب الحيض قبل ذلك، وكان ذلك علامة بلوغها؛ وأما المعتادة -أي: التي اعتادت أن يأتيها الحيض في السنوات الماضية، أو في الأشهر السابقة: أربعة أو خمسة أو ستة أيام، وهكذا- ففيها روايتان عن مالك:

الرواية الأولى: بناؤها على عادتها، وما زاد على ذلك يكون استحاضة، لكن بعد فترة الاستظهار، وزيادة ثلاثة أيام ما لم تتجاوز أكثر مدة الحيض، يعني الخمسة عشر.

الرواية الثانية: “جلوسها إلى انقضاء أكثر مدة الحيض” -أي: أنها تبقى منتظرة ما دام الدم مستمرًا إلى أكثر مدّة الحيض، وهي كما عرفنا أنها في رواية البغداديِّين من أصحاب الإمام مالك خمسة عشر يومًا- “أو تعمل على التمييز إن كانت من أهل التمييز”، أهل التمييز: هي المرأة التي تفرّق بين دم الحيض، ودم الاستحاضة؛ لأن دم الحيض أسود ثخين له رائحة كريهة مُنتنة، بينما دم الاستحاضة كدم الجروح يكون نقيًّا، وفاتحًا، ومائل إلى الحمرة. وليس له ريح، وغير ذلك من الصفات… فإن كانت المرأة تستطيع التمييز؛ إذًا ما فات من دم الحيض وقد ميزته، وما بقي يكون استحاضة.

وقال الشافعي: “تعمل على أيام عادتها” يعني: إذا لم تكن من أهل التمييز.

– يعلق ابن رشد على كل هذه الأقاويل المختلفة: بأن سبب الاختلاف راجع إلى التجربة، وإلى العرف، وإلى أقوال الناس.

“هذه الأقاويل كلها المُختلف فيها عند الفقهاء، أقل الحيض وأكثره، وأقل الطهر وأكثره، لا مستند لها إلا التجربة والعادة، وكلٌّ -أي: أن كل رأي من الآراء التي سبق ذكرها-، كل قال من ذلك ما ظن أن التجربة أوقفته على ذلك، -أي أنها وصلته أو علمها من أهل الرأي والخبرة-، ولاختلاف ذلك في النساء عسُر أن يعرف بالتجربة حدود هذه الأشياء في أكثر النساء، ووقع في ذلك هذا الخلاف الذي ذكرنا؛ لأنه حتى طبائع النساء متعددة ومختلفة”.

ويبين ابن رشد أن العلماء قد أجمعوا بالجملة على أنّ الدم إذا تمادى أكثر من مدة أكثر الحيض –وهي خمسة عشر يومًا ولا تزيد عن ذلك-،إنما هو دمُّ استحاضة وليس حيضًا؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم الثابت عند الشيخين لفاطمة بنت أبي حُبيش: «إذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدْرها فاغسلي عنكِ الدم وصلِّي»، والمتجاوزة لأمد أكثر أيام الحيض يكون قد ذهب عنها قدْر مدة الحيضِ.

ويقول ابن رشد: “وإنما صار الشافعي ومالك -رحمهما الله تعالى- في المرأة المعتادة إلى أنها تبني على عادتها؛ لحديث أم سلمة الذي رواه مالك في (الموطأ)، ورواه كذلك أبو داود والنسائي، وقال البيهقي عنه: إنه حديث مشهور، -كأنه يريد أن العمدة على شهرته، لا على إسناده المضطرب- وهو: “أن امرأة كانت تهراق الدماء -أي: يسيل عليها الدم- على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتت لها أم سلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «لتنظرْ إلى عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها» -أي: أنه ردّها إلى عادتها السابقة- «فلتترك الصلاة قدْر ذلك من الشهر، فإذا خلَّفت ذلك، فلْتغتسلْ، ثم لتستثفرْ بثوب»، -أي: تضع وتشد خرقة على موضع خروج الدم، هذا معنى الاستثفار بثوب- «ثم لِتصلِّي»؛ فألحقوا حكم الحائض التي تشك في الاستحاضة بحكم المستحاضة التي تشكّ في الحيض”.

وإنما رأى أيضًا في المبتدئة أن يُعتبر أيام لِداتها -يعني: أقرانها- لأن أيام لداتها شبيهة بأيامها، فجعل حكمهما واحدًا.

وأمّا الاستظهار الذي قال به مالك بثلاثة أيام -أي: أن المرأة تضيف ثلاثة أيام بعد مدة الحيض، وسماه: استظهارًا حتى تحتاط؛ لأنه ربما تكون هذه الأيام من مدة الحيض قبل أن تُعتبر استحاضة- فهو شيء انفرد به مالك وأصحابه -رحمهم الله-. وخالفهم في ذلك جميع فقهاء الأمصار، ما عدا الأوزاعي.

لماذا يقول: إن هذا الكلام انفرد به مالك وأصحابه؟

قال: “إذ لم يكن لذلك ذكْر في الأحاديث الثابتة”، بل قد رُوي في ذلك أثر ضعيف، والضعيف لا يُعمل به حينئذ، وإنما العبرة بالحديث الصحيح الثابت، وهو لم يرد في هذا الاستظهار، كما يقول الإمام مالك وأصحابه”.

وفي كتاب (المغني) لابن قدامة، الذي ذكر فيه: “أن أقل الطهر بين الحيضتيْن ثلاثة عشر يومًا، لأن كلام أحمد لا يختلف أنّ العدة تصح أن تنقضي في شهر واحد، إذا قامت به البيّنة. وقال إسحاق: تَوْقيتُ هؤلاء بالخمسة عشر باطل. وقال أبو بكر: أقل الطهر مبنيّ على أكثر الحيض: فإن قلنا أكثره خمسة عشر يومًا، فأقلّ الطهر خمسة عشر، وإن قلنا أكثره سبعة عشر، فأقل الطهر ثلاثة عشر”. هذا الكلام الذي يذكره ابن قدامة يعقب عليه بقوله: “ولنا ما روي عن علي رضي الله عنه أنّ امرأة جاءته وقد طلّقها زوجها، فزعمت أنها حاضت في شهر ثلاث حيض، طهرت عند كل قرء وصلَّت، فقال علي لشريح: قل فيها؟ -يعني: أيعقل هذا الكلام؟- فقال شريح: إن جاءت ببيِّنة من بطانة أهلها ممّن يُرضى دينه وأمانته فشهدت بذلك. -يعني: قبِلْنا قولها-، وإلاّ فهي كاذبة، -وهذا معنى قول مالك والشافعي وابن رشد: “أنها ترجع إلى لِداتها أو إلى عادتها”-، فقال علي: قالون! -وهذا بالرومية، ومعناه: جيّد-. وهذا لا يقوله إلاّ توقيفًا،؛ ولأنه قول صحابي انتشر ولم نعلم خلافه، رواه الإمام أحمد بإسناده، ولا يجيء إلا على قولنا: أقلّه ثلاثة عشر، وأقلّ الحيض يوم وليلة” يعني: أقل الطهر ثلاثة عشر، وأقل الحيض يوم وليلة، وهذا في الطهر بين الحيضتيْن.

فأمّا الطهر في أثناء الحيضة، فلا توقيت فيه؛ فإن ابن عباس قال: أمّا ما رأت الدم البحراني فإنها لا تصلي، وإذا رأت الطهر ساعة فلتغتسلْ. ورُوي أنّ الطهر إذا كان أقل من يوم لا يلتفت إليه، لقول عائشة: “لا تعجَلْن حتى ترَيْن القصة البيضاء”، يعني السائل الأبيض بعد انتهاء دم الحيض الأحمر أو الأسود؛ ولأن الدم يجري مرة وينقطع أخرى، فلا يثبت الطهر بمجرد انقطاعه كما لو انقطع أقل من ساعة أو بعض اليوم.

المسألة الثانية: الحيضة المتقطّعة:

يقول ابن رشد عن الحيضة المتقطّعة: “ذهب مالك وأصحابه في الحائض التي تنقطع حيضتها، وذلك بأن تحيض يومًا أو يوميْن، وتطهر يومًا أو يوميْن، إلى أنها تجمع أيّام الدم بعضها إلى بعض، وتُلغي أيام الطهر، وتغتسل في كل يوم ترى فيه الطهر أوّل ما تراه، وتصلّي؛ فإنها لا تدري لعل ذلك طهر. فإذا اجتمع لها من أيام الدم خمسة عشر يومًا، فهي مستحاضة. وبهذا القول قال الشافعي”.

فنحن أمام رواية عن الإمام مالك وأصحابه، بأن المرأة تجمع أيام الدم بعضها إلى بعض، وتُلغي أيام الطهر الذتي تتخلّل أيام الحيض، وتغتسل في كل يوم ترى فيه الطهر أوَّل ما تراه وتصلي؛ فإنها لا تدري لعل ذلك طهر. فإذا اجتمع لها من أيام الدم خمسة عشر يومًا فهي مستحاضة.

رُوي عن مالك رواية أخرى: “أنها تُلَفِّق أيام الدم وتعتبر بذلك أيام عادتها”، أي: أنها تجمع الأيام المتفرّقة. “فإن ساوتْها استظهرت بثلاثة أيام. فإن انقطع الدم، وإلا فهي مستحاضة”. طبعًا إذا انقطع الدم تغتسل وتتطهّر، وتصلي بصورة اعتيادية، وإلاّ فهي مستحاضة؛ لأن الدم لم ينقطع.

وجَعْلُ الأيامِ التي لا ترى فيها المرأة الدم غير معتبرة في العدد لا معنى له، فإنها لا تخلو تلك الأيام أن تكون أيام حيض أو أيام طهر، فكيف لا يعتدّ بها؟ فإن كانت أيام حيض، فيجب أن تُلفِّقها -أي: تضمّها إلى أيام الدم-، وإن كانت أيام طهر فليس يجب أن تلفّق أيام الدم إذ كان قد تخلّلها طهر.

والذي يجيء على أصوله -يعني: أصول الإمام مالك-: أنها أيام حيض لا أيام طهر؛ إذ أقل الطهر عنده محدود وهو أكثر من اليوميْن واليوم، فتدبّر هذا، فإنه بيّن!

والحق أنّ دم الحيض ودم النفاس، يجري ثم ينقطع يومًا أو يوميْن، ثم يعود، حتى تنقضي أيام الحيض أو أيام النفاس، كما يجري ساعة أو ساعتيْن من النهار، ثم تنقطع.

فابن رشد لم يعجبه كلام الإمام مالك في هذه القضية، وأرجع الأمر إلى الحق، وهو: أنّ دم الحيض ودم النفاس يجري أيامًا وينقطع أيامًا، ويعود بعد ذلك، كما يجري ساعة أو ساعتيْن من النهار ثم ينقطع، فليس هنالك إمكانية للتلفيق أو نحو ذلك.

ويوضح ابن قدامة الأمر، ويزيده بيانًا وتوضيحًا، بقوله في تعليقه على كلام الخرقي: “ومن كانت لها أيام، فرأت الطهر قبل ذلك -يعني: قبل تلك الأيام التي ينزل فيها الدم- فهي طاهر تغتسل وتصلّي، فإن عاودها الدم لم تلتفت إليه حتى تجيء أيامها”.

يقول ابن قدامة: “الكلام في هذه المسألة في فصليْن:

الأول: في الطهر بين الدّميْن -وهو: التقطيع-.

والثاني: في حُكم الدم العائد بعده. -أي: بعد الطهر-.

أما الأول: فإن المرأة متى رأت الطهر فهي طاهر تغتسل وتلزمها الصلاة والصيام؛ سواء رأته في العادة أو بعد انقضائها. ولم يفرق أصحابنا بين قليل الطهر وكثيره؛ لقول ابن عباس: “أمّا ما رأت الطهر ساعة فلتغتسل”. ويتوجه أنّ انقطاع الدم متى نقص عن اليوم فليس بطهر، -بناء على الرواية التي حكيناها في النفاس: أنها لا تلتفت إلى ما دون اليوم، وهو الصحيح -إن شاء الله- لأن الدم يجري مرة وينقطع أخرى، وفي إيجاب الغسل على من تطهر ساعة بعد ساعة، حرج ينتفي بقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]؛ ولأننا لو جعلنا انقطاع الدم ساعة طهرًا ولا نلتفت إلى ما بعده من الدم، أفضى ذلك إلى أن لا يستقر لهذه المرأة حيض. فعلى هذا لا يكون انقطاع الدم أقلّ من يوم طهرًا، إلاّ أن ترى ما يدل عليه، مثل: أن يكون انقطاعه في آخِر عادتها، أو أن ترى القصة البيضاء وهي شيء يتبع الحيض أبيض يُسمّى “التريّة” رُوي ذلك عن إمامنا. ورُوي عنه: أن القصة البيضاء هي القطنة التي تحشوها المرأة إذا خرجت بيضاء كما دخلت، لا تغيّر عليها، فهي: القصة البيضاء.

ورُوي عن إمامنا أيضًا، وقال أبو حنيفة: ليس النقاء بين الدميْن طُهرًا، بل لو صامت فيه فرضًا لم يصحّ، ولزمها قضاؤه، ولا يجب عليها فيه صلاة، ولا يأتيها زوجها، فيكون الدمان وما بينهما حيضًا، وهو أحد قولي الشافعي؛ لأن الدم يسيل تارة وينقطع أخرى؛ ولأنه لو لم يكن من الحيض لم يُحتسب من مدته.

يقول ابن قدامة:

“ولنا قول الله تعالى: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى } [البقرة: 222]، فقد وصف اللهُ تعالى الحيضَ بكونه أذى، فإذا ذهب الأذى وجب أن يزول الحيض”. وقال ابن عباس: “أما من رأت الدم البحراني فإنها لا تصلي، وإذا رأت الطهر ساعة فلتغتسلْ”. وقالت عائشة رضي الله عنها: “لا تعجلْن حتى تريْن القصة البيضاء”. ولأنها صامت وهي طاهر، فلم يلزمها القضاء كما لم يعد الدّم. فأما قولهم: إن الدم يجري تارة وينقطع أخرى، قلنا: لا عبرة بالانقطاع اليسير، وإنما إذا وجد انقطاع كبير يمكن فيه الصلاة والصيام وتتأدى العبادة فيه، وجبت عليها لعدم المانع من وجوبها. هذا هو النوع الأول.

وإذا عاودها الدم، فلا يخلو إمّا أن يعاودها في العادة أو بعدها، فإن عاودها في العادة ففيه روايتان:

الرواية الأولى: أنه من حيضها لأنه صادف زمن العادة، فأشبه ما لو لم ينقطع، وهذا مذهب الثوري، وأصحاب الرأي، والشافعي.

الرواية الثانية: ليس بحيض، وهو ظاهر كلام الخرقي، واختيار ابن أبي موسى، ومذهب عطاء؛ لأنه عاد بعد طهر صحيح، فأشبه ما لو عاد بعد العادة.

أيضًا تعرّض ابن رشد فيما رواه أو حكاه من روايات عن الإمام مالك إلى قضية التلفيق، -تلفيق أيام الحيض مع أيام الطهر التي تتخلّل أيام الحيض-.

ما معنى التلفيق؟

يقول ابن قدامة: “التلفيق معناه: ضمُّ الدم إلى الدم الذين بينهما طُهْر. وقد ذكرنا أنّ الطُّهْرَ في أثناءِ الحيضةِ طُهْرٌ صحيحٌ، إذا كان أكمل يومًا، فإذا رأت يومًا طُهْرًا ويومًا دمًا، ولم يجاوز أكثر الحيض -أي: الخمسة عشر يومًا-، فإنها تضم الدم إلى الدم فيكون حيضًا، وما بينهما من النقاء طهر على ما قررناه. ولا فرق بين أن يكون زمن الدم أكثر من زمن الطهر، أو مثله، أو أقل منه، مثل: أن ترى يوميْن دمًا ويومًا طهرًا، أو يوميْن طهرًا ويومًا دمًا، أو أقل من ذلك أو أكثر، فإن جميع الدم حيض إذا تكرّر، وإن تفرق ولم يجاوز مدة أكثر الحيض. فإن كان الطهر أقلّ من يوم، مثل: أن ترى نصف يوم دمًا ونصفه طهرًا أو ساعة وساعة، فقد قال أصحابنا: هو كالأيام، يضم الدم إلى الدم فيكون حيضًا، وما بينهما طهر إذا بلغ المجتمع منه أقل الحيض، فإن لم يبلغ ذلك فهو دم فساد، هذا وجه.

وفيه وجه آخر بألَّا يكون الدم حيضًا إلاّ أن يتقدّمه حيضٌ صحيحٌ متّصلٌ، وهذا كلّه مذهب الشافعي. وله قول في النقاء بين الدّميْن أنه حيض؛ فعلى هذا، متى نقص النقاء عن يوم كان الدم وما بينه حيضًا كله، فإن جاوز الدم أكثر الحيض بأن يكون بين طرفيْه أكثر من خمسة عشر يومًا، مثل أن ترى يومًا دمًا ويومًا طهرًا إلى ثمانية عشر يومًا، فهي مستحاضة، لا تخلو من أن تكون معتادة، أو مميّزة، أو لا عادة لها ولا تمييز، أو يوجد في حقها الأمران على تفصيل في ذلك.

المسألة الثالثة: مدّة النّفاس:

أقل مدة النفاس:

يقول ابن رشد: “اختلفوا في أقلّ النّفاس وأكثره:

فذهب مالك إلى أنه لا حد لأقلِّه، كما قال في الحيض، وبه قال الشافعي.

وذهب أبو حنيفة وقومٌ إلى: أنه محدود، فقال أبو حنيفة: هو خمسة وعشرون يومًا.

وقال أبو يوسف وصاحبه: أحد عشر يومًا.

وقال الحسن البصري: عشرون يومًا.

وأمّا أكثره -يعني: أكثر مدة النفاس-:

 فقال مالك مرّة: هو ستون يومًا، ثم رجع عن ذلك فقال: يُسأل عن ذلك النساء. وأصحابه ثابتون على القول الأوّل -أي ستين يومًا-. وبه قال الشافعي. وأكثر أهل العلْم من الصحابة على أنّ أكثر مدة النفاس أربعون يومًا. وبه قال أبو حنيفة، وأحمد، وهو رواية عن الإمام مالك أيضًا. وقد قِيل: تعتبر المرأة في ذلك أيام أشباهها من النساء، فإذا جاوزتها فهي مستحاضة.

وفرّق قوم بين ولادة الذكر وولادة الأنثى، فقالوا: للذكر ثلاثون يومًا، وللأنثى أربعون يومًا”.

سبب الخلاف:

يقول ابن رشد: “سبب الخلاف: عُسر الوقوف على ذلك بالتجربة، لاختلاف أحوال النساء في ذلك، ولأنه ليس هناك سُنّة يُعمل عليها، كالحال في اختلافهم في أيام الحيض والطّهر”.

error: النص محمي !!