Top
Image Alt

أنواع الذكاة، وصفتها، وشروطها، وأصناف المذكين، ومن تحل ذبيحته

  /  أنواع الذكاة، وصفتها، وشروطها، وأصناف المذكين، ومن تحل ذبيحته

أنواع الذكاة، وصفتها، وشروطها، وأصناف المذكين، ومن تحل ذبيحته

الباب الثاني: أنواع الذكاة:

وهو الباب الذي خصصه ابن رشد للكلام عن الذكاة، وتحت هذا العنوان الذكاة قال: وفي قواعد هذا الباب مسألتان:

المسألة الأولى: في أنواع الذكاة المختصة بصنفٍ صنفٍ من بهيمة الأنعام -يعني: كيف تذبح البقرة أو الجاموس أو الإبل أو الضأن.

المسألة الثانية: في صفة الذكاة وكيفيتها.

وبدأ ابن رشد -رحمه الله- في شرح هاتين المسألتين كلٌّ على حدة:

المسألة الأولى: في أنواع الذكاة المختصة بصنفٍ صنفٍ من بهيمة الأنعام:

بالنسبة للمسألة الأولى -وهي عن أنواع الذكاة المختصة بكل صنفٍ من بهيمة الأنعام- فقد قال فيها: إن الفقهاء اتفقوا على أنّ الذكاة -الوسيلة الشرعية لتحليل اللحوم في بهيمة الأنعام-: نحرٌ وذبحٌ، وهي تكون في بهيمة الأنعام إما نحرٌ للإبل أو ذبحٌ لغيرها، والنحر يكون في أسفل العنق، والذبح يكون في أعلى العنق، وهذا هو الفرق بين الإبل وغيرها.

اتفق الفقهاء على أن الذكاة في بهيمة الأنعام نحرٌ -أي: للإبل- وذبح -أي: لغيرها- وأنّ من سنة الغنم والطير الذبح وكذا البقر، وأنّ من سنة الإبل النحر، وأنّ البقر يجوز فيها الذبح والنحر؛ إذن تلك هي الذكاة الشرعية نحر الإبل -يعني: إراقة دمها من أسفل العنق، وذبح غيرها من بهيمة الأنعام: كالبقر، والجاموس، والضأن، والماعز، والطيور، وأنّ هذه هي السُّنة، السُّنة في الإبل النحر، والسُّنة في البقر، وما عداها الذبح، وقيل: يجوز في البقر الذبح والنحر، لكن تلك هي السّنة.

ولكن هل يجوز النحر في الغنم والطير؟ وهل يجوز الذبح في الإبل؟ وإذا حدث هل تكون الذكاة شرعية ويكون اللحم حلالًا أو لا تكون ذكاة؟:

القول الأول: ذهب مالك إلى أنّه لا يجوز النحر في الغنم والطير، ولا الذبح في الإبل إلّا في الضرورة. يقول ابن رشد: وذلك في غير موضع الضرورة، أما في الضرورة فيجوز التذكية بأي كيفية. هذا قول مالك.

القول الثاني: وقال قومٌ: يجوز جميع ذلك من غير كراهة، وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة، والثوري، وجماعة من العلماء.

القول الثالث: قال أشهب: إن نُحِرَ ما يُذبح، و ذُبِحَ ما يُنحر أُكل -يعني: تكون تذكية شرعية واللحم حلال- ولكنه يكره، وفرّق ابن بكير بين الغنم والإبل فقال: يؤكل البعير بالذبح، ولا تؤكل الشاة بالنحر، ولم يختلفوا في جواز ذلك في موضع الضرورة.

وفي سبب اختلافهم يقول ابن رشد -رحمه الله-: معارضة الفعل للعموم. أما العموم: فقوله صلى الله عليه وسلم: ((ما أنهر الدم وذُكِرَ اسم الله عليه فكلوا)) يعني: أي وسيلة لإسالة الدم من الذبيحة مع ذكر الله تعالى عليها؛ فهي ذكاة شرعية دون أن يُفصّل النبي صلى الله عليه وسلم بين نحرٍ أو ذبحٍ أو بين إبلٍ أو غيرها.

وأما الفعل فهو فعله صلى الله عليه وسلم فإنّه ثبت أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر الإبل روى ذلك مسلم وأصحاب السنن، وقد نحر صلى الله عليه وسلم من إبله ستين في حجة الوداع، وأعطى عليًّا الباقي فنحرها وكانت مائة، ونحر البقر أيضًا. روى الجماعة عن أنس رضي الله عنه قال: ((ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين فرأيته واضعًا قدمه على صفاحهما يسمي ويكبر فذبحهما بيده)) هذا عن الغنم.

أما عن نحر البقر؛ ففي (الصحيحين): ((أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى عن نسائه البقر)) إذن ثبت أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر الإبل والبقر، وذبح الغنم، ومن هذا يتبين أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم معارض للعموم في قوله صلى الله عليه وسلم: ((ما أنهر الدم وذُكِرَ اسم الله عليه فكلوا)) من غير تفصيل أو تفريق بين إبلٍ أو غيرها.

يقول ابن رشد: وإنّما اتفقوا على جواز ذبح البقر لقوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً} [البقرة: 67] وعلى ذبح الغنم لقوله تعالى في الكبش الذي فدى به إسماعيل-: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيم} [الصافات: 107].

المسألة الثانية: صفة الذكاة؛ أو كيف تكون الذكاة الشرعية؟:

يقول -رحمه الله-: وأما صفة الذكاة فإنهم اتفقوا على أنّ الذبح الذي يُقطع فيه الودجان -عرقان كبيران في الرقبة- والمريء -مجرى الطعام- والحلقوم مبيحٌ للأكل، واختلفوا من ذلك -يعني: في صفة الذكاة الشرعية- في مواضع:

أحدها: هل الواجب قطع الأربعة كلها أو بعضها؟

ثانيًا: هل الواجب في المقطوع منها قطع الكلِّ أو الأكثر؟

ثالثًا: هل من شرط القطع ألا تقع الجوزة إلى جهة البدن بل إلى جهة الرأس؟

رابعًا: هل إن قطعها من جهة العنق جاز أكلها أم لا؟

خامسًا: هل إن تمادى في قطع هذه الأعضاء حتى قطع النخاع جاز ذلك أو لا؟

سادسًا: هل من شرط الذكاة ألا يرفع يده حتى يتم الذكاة أو لا؟

يقول ابن رشد -رحمه الله-: فهذه ست مسائل في عدد المقطوع، وفي مقداره، وفي موضعه، وفي نهاية القطع، وفي جهته -يعني: من الأمام و الخلف- وفي صفته، وكلُّ ذلك في صفة الذكاة، يعني: يمكن أن يُعتبر كل ذلك مسألةً واحدةً إلا أنّ ابن رشد لحرصه على الفهم والإيضاح فصل كل ذلك وجعل لكل جزئية مسألة، قال: أما المسألة الأولى والثانية؛ فإن المشهور عن مالك في ذلك هو قطع الودجين -العرقين الكبيرين في الرقبة- والحلقوم، وأنّه لا يجزئ أقل من ذلك، وقيل أيضًا عن مالك: بل الأربعة -يعني: ومعها المريء- وقيل: بل الودجين فقط، ولم يختلف المذهب في أنّ الشرط في قطع الودجين هو استيفاؤهما، واختُلف في قطع الحلقوم -وهو مجرى النّفَس- على القول بوجوبه؛ فقيل: كله -أي: يقطع كله- وقيل: أكثره، وأما أبو حنيفة فقال: الواجب في التذكية هو قطع ثلاثة غير معينة من الأربعة إما الحلقوم والودجان، وإما المريء والحلقوم وأحد الودجين أو المريء والودجان. كل ذلك جائز.

وقال الشافعي: الواجب قطع المريء والحلقوم فقط. وقال محمد بن الحسن: الواجب قطع أكثر كل واحدٍ من الأربعة، والذي يبدو لي أن الجميع صحيح، وأنّ الجميع محقق للتذكية الشرعية سواءٌ قُطع من ذلك اثنان أو ثلاثة أو الأربعة؛ فيكون تمام التذكية بقطع الأربعة، ويكون أقل التذكية بقطع اثنين عملًا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((ما أنهر الدم وذُكِرَ اسم الله عليه فكلوا)) فالعبرة بإنهار الدم وإسالته.

أما عن سبب الاختلاف بين الفقهاء فيما يقطع أو مقدار ما يقطع من هذه الأربعة؛ فهو أنّه لم يأتِ في ذلك شرط منقول، ولو وجد شرط منقول لوقفنا عنده، فما دام الأمر على السعة فهذا ما قلناه: إنّه يكفي من ذلك ما يريق الدم، وإنّما جاء في ذلك أثران:

أحدهما: يقتضي إنهار الدم فقط، والآخر: يقتضي قطع الأوداج مع إنهار الدم، ولم يذكر الحلقوم، ولا المريء، ففي حديث رافع بن خديج أنّه قال صلى الله عليه وسلم: ((ما أنهر الدم وذُكِرَ اسم الله عليه فكل)) وهو حديث متفق على صحته، ولم يَرِدْ فيه إنهار الدم من هذه الأربعة أو من بعضها، وروي عن أبي أُمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما فرى الأوداج فكلوا ما لم يكن رد نابٍ أو نخر ظفر)) والفري، أي: القطع، يعني: ما لم يكن بهذا القطع للأوداج بسبع أو بظفر، فظاهر الحديث الأول يقتضي قطع بعض الأوداج فقط لإنهار الدم؛ لأن إنهار الدم يكون بذلك، وفي الثاني قطع جميع الأوداج، فالحديثان -والله أعلم- متفقان على قطع الودجين، وهذا القدر كافٍ في التذكية.

أما أحدهما أو البعض من كليهما أو من واحد منهما؛ ولذلك وجه الجمع بين الحديثين أنْ يُفهم من لام التعريف في قول صلى الله عليه وسلم: ((ما فرى الأوداج)) البعض لا الكل إذ كانت لام التعريف في كلام العرب قد تدل على البعض، وهذا هو القدر الكافي في التذكية.

أما من أضاف إلى ذلك اشتراط قطع الحلقوم أو المريء أو كليهما فليس له حجة من السماع. هكذا يقول ابن رشد وهو على حق، وأكثر من ذلك من اشترط المريء والحلقوم دون الودجين؛ ولهذا ذهب قوم إلى أن الواجب هو قطع ما وقع الإجماع على جوازه؛ لأنّ الذكاة لما كانت شرطًا في التحليل ولم يكن في ذلك نص فيما يجري وجب أن يكون الواجب في ذلك ما وقع الإجماع على جوازه إلا أنْ يقوم الدليل على جواز الاستثناء من ذلك هو ضعيف؛ لأن ما وقع الإجماع على اجزائه ليس يلزم أن يكون شرطًا في الصحة.

المسألة الثالثة: فهي موضع القطع؛ هل يكون من الحنجرة أم يكون من أعلاها أو يكون من أسفلها؟:

يقول -رحمه الله-: وأما المسألة الثالثة في موضع القطع، وهي: إن لم يقطع الجوزة في نصفها وخرجت إلى جهة البدن فقد اختلف فيه المذهب، فقال مالك، وابن القاسم، والشافعي: “لا تؤكل”. وقال أشهب، وابن عبد الحكم، وابن وهب: “تؤكل”. والصحيح أنها تؤكل؛ لأننا سبق أن ذكرنا في المسائل قبل ذلك أن النحر جائز لغير الإبل، والنحر يكون في أسفل العنق -يعني: من وراء الحنجرة- كما قلنا أيضًا: إنه يجوز في الإبل الذبح، وهذا يكون فوق الحنجرة؛ إذن لا معنى للاختلاف في هذه المسألة وأنها تؤكل أو لا تؤكل؛ ولهذا الصحيح من أي موضع كان القطع في الرقبة وكان إنهارًا الدم؛ فإنها تذكية شرعية.

قال ابن رشد: سبب الخلاف: هل قطع الحلقوم شرط في الذكاة؟ سبق أن بيّنا أنه ليس شرطًا أو ليس بشرط، فمن قال: إنه شرط قال: لا بد أن تقطع الجوزة؛ لأنه إذا قطع فوق الجوزة فقد خرج الحلقوم سليمًا، ومن قال: إنه ليس بشرط قال: إن قطع فوق الجوزة جاز، وهذا هو الصحيح.

المسألة الرابعة: أن قطع أعضاء الذكاة من ناحية العنق: فإن المذهب لا يختلف أنه لا يجوز -والمقصود بالمذهب هنا المذهب المالكي- وهو مذهب سعيد بن المسيب، وابن شهاب، وغيرهم، وأجاز ذلك الشافعي، وأبو حنيفة، وإسحاق، وأبو ثور، وأحمد؛ إذن هو رأي الجمهور وهو الصحيح، ورُوي ذلك عن ابن عمر، وعلي، وعمران بن الحصين.

والسبب في اختلافهم: هل تعمل الذكاة في المنفوذة المقاتل أم لا تعمل؟ وقد سبق أن ذكرنا أن جمهور العلماء على أنها تعمل، وذلك أن القاطع لأعضاء الذكاة من القفا لا يصل إليها بالقطع إلا بعد قطع النخاع، وهو مقتل من المقاتل فترد الذكاة على حيوانٍ قد أصيب مقتله، وهذا غير سليم؛ لأن القطع للودجين وبقطعهما تتحقق الذكاة الشرعية سواء كان ذلك من هنا أو من هناك.

المسألة الخامسة: نهاية القطع:

فبعد أن اتفقنا على قطع الودجين أو بعضهما إلى أي موضع منهما ينتهي؟ يقول: وأما المسألة الخامسة، وهي: أن يتمادى الذابح بالذبح حتى يقطع النخاع أو يتوقف قبل النخاع، فإن مالكًا كره ذلك إذا تمادى في القطع ولم ينو قطع النخاع من أول الأمر؛ لأنه إن نوى ذلك فكأنه نوى التذكية على غير الصفة الجائزة، وقال مطرف، وابن الماجشون: “لا تؤكل إن قطعها متعمدًا دون جهل، وتؤكل إن قطعها ساهيًا أو جاهلًا” والصحيح جواز القطع وجواز التمادي فيه، ثم أضاف -رحمه الله- صفة القطع.

الباب الثالث:  فيم تكون به الذكاة؟

يعني: الآلة أو الآلات أو الوسيلة التي تتم بها الذكاة الشرعية، وتحت هذا العنوان بين -رحمه الله- أن العلماء أجمعوا على أن كل ما أنهر الدم وفرى، أي: قطع الأوداج -وهما العرقان على جانبي العنق- من حديد أو صخر أو عود أو قضيب أن التذكية به جائزة.

وقد عرفنا أن الذكاة، أو التذكية الشرعية تتطلب قطع الودجين والحلقوم والمريء، أو بعض هذه الأعضاء حتى ينهر الدم، وتزهق الروح، لكن بعد أن أجمع العلماء على أن كل ما أنهر الدم: أجراه وأساله وقطع الأوداج؛ سواء كان ذلك من حديد، أو صخر، أو عود، أو قضيب؛ أن التذكية الشرعية به جائزة.

بعد هذا الإجماع اختلفوا -رحمهم الله- في ثلاثة أنواع قد تنهر الدم، وقد تقطع الأوداج، لكن من العلماء من قال: إن التذكية بها جائزة، ومنهم من قال: إن التذكية بها غير جائزة.

هذه الأنواع الثلاثة هي السن، والظفر، والعظم. هل يجوز أن نذبح ذبائحنا بسن أو ظفر أو عظم؟ هل يجوز أن ننهر الدم ونفري الأوداج بهذه الأنواع؟ هذا هو السؤال، وهذا هو محل الاختلاف؛ فمن الناس من أجاز التذكية بالعظم عموما، ومنعها بالسن والظفر، والذين منعوها بالسن والظفر منهم من فرّق بين أن يكونا منزوعين من أماكنهما، أو لا يكونا منزوعين؛ فأجاز التذكية بهما إذا كانا منزوعين، يعني: منفصلين عن اللحم، ولم يجزها إذا كانا متصلين، وعلى هذا القول أبو حنيفة، أما بقية الأئمة؛ فمنعوا هذين النوعين مطلقًا: السن والظفر، ومنهم من قال: إن الذكاة بالسن والعظم مكروهة وليست ممنوعة.

وبعد أن حكى اختلاف العلماء في هذه الثلاثة: السن، والظفر، والعظم؛ انتقل إلى بيان ما في مذهب مالك؛ فقال: لا خلاف في المذهب أن الذكاة بالعظم جائزة إذا أنهر الدم، وعليه أحمد أيضًا، واختلف في السن، والظفر فيه -في المذهب- على الأقاويل الثلاثة، التي منها المنع مطلقًا، ومنها الكراهية وليس المنع، ومنها التفريق بين أن يكونا منزوعين؛ فيجوز، أو غير منزوعين؛ فلا يجوز -كما قال أبو حنيفة.

وفي سبب اختلاف الفقهاء على هذا النحو في هذه الثلاثة، أو في السن والظفر على وجه الخصوص يقول ابن رشد -رحمه الله-: سبب اختلافهم: اختلافهم في مفهوم النهي الوارد في قوله صلى الله عليه وسلم في حديث رافع بن خديج، وفيه: ((قال: يا رسول الله، إنا لاقو العدو غدًا، وليس معنا مدًى  أفنذبح بالقصب  فقال صلى الله عليه وسلم: ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه؛ فكل، ليس إلا السن والظفر، وسأحدثكم عنه أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة)). -أي: سكاكين-

إذن رافع بن خديج يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عند ملاقاة الأعداء غدًا، وليس معهم سكاكين ليذبحوا بهائمهم للطعام؛ الذبح بالقصب -بالنبات- فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم: نعم؛ كل ما أنهر الدم فأجراه وأساله، وذكر اسم الله عليه من البهائم -بهائم الأنعام- فكل؛ إلا السن والظفر، مع أنهما قد يجريان الدم، ثم بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم لماذا منع السن والظفر؟ قال: ((وسأحدثكم عنه)) أي: عن سبب المنع؛ ((أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة)) والحديث رواه الجماعة.

من الناس من فهم من هذا النهي أن ذلك لمكان أن هذه الأشياء ليس في طبعها أن تنهر الدم غالبًا، ومنهم من فهم من ذلك أنه شرع غير معلل، يعني: من العلماء من فهم أن النهي والمنع في السن والظفر لما بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن السن عظم، وأن الظفر مدى الحبشة، وأن هذه الأشياء ليس في طبعها أن تنهر الدم غالبًا؛ فخشي من زهوق روح البهيمة دون أن ينهر الدم، ومنهم من فهم أن هذا التحريم غير معلل؛ وإنما هو شرع تعبدي، والذين فهموا من نهي النبي صلى الله عليه وسلم أنه شرع غير معلل -أي: لا يعرف منه الحكمة فهو تعبدي- منهم من اعتقد أن النهي في ذلك يدل على فساد المنهي عنه، ومنهم من اعتقد أنه لا يدل على فساد المنهي عنه، ومنهم من اعتقد أن النهي في ذلك على وجه الكراهة، لا على وجه الحظر.

فمن فهم أن المعنى في ذلك أنه لا ينهر الدم غالبًا -السن أو الظفر- قال: إذا وجد منهما ما ينهر الدم جاز؛ فالمطلوب هو إنهار الدم؛ ولذلك رأى بعضهم أن يكونا منفصلين؛ إذ كان إنهار الدم منهما إذا كانا منفصلين أمكن من أن يكونا متصلين بالأصابع أو نحوها، وهو مذهب أبي حنيفة.

ومن رأى أن النهي عنهما هو مشروع غير معلل، أي: لا تعرف الحكمة من النهي عنه، وأنه يدل على فساد المنهي عنه، قال: إن ذبح بهما لم تقع التذكية، حتى وإن أنهر الدم، ومن رأى أنه لا يدل على فساد المنهي عنه قال: إن فعل وأنهر الدم؛ أثم، وحلت الذبيحة؛ فيكون المنهي عنه غير فاسد؛ ولذلك يتحقق الإثم، ولكن تحل الذبيحة؛ حيث تحقق إنهار الدم وإزهاق الروح.

ومن رأى أن النهي على وجه الكراهة؛ كره ذلك ولم يحرمه.

ثم قال: ولا معنى لقول من فرّق بين العظم والسن؛ لأن السن عظم؛ فكيف يفرق بينهما؟: فإنه صلى الله عليه وسلم قد علل المنع في السن بأنه عظم؛ فكيف نقول: إن العظم يجوز التذكية به، أما السن والظفر فلا يجوز؟ مع أن السن عظم، وكذلك الظفر نوع من العظم.

ثم قال: ولا يختلف المذهب أنه يكره غير الحديد من المحدودات -مع وجود الحديد- لقوله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء؛ فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة؛ وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته)) أخرجه مسلم.

من هذا نعلم أن الآلة التي تكون بها الذكاة الشرعية هي كل ما ينهر الدم ويفري الأوداج ويقطعها، سواء كان حديدًا، أو صخرًا، أو عودًا، أو قضيبًا، أو نحو ذلك، وهذا محل إجماع، ولكن الحديد -كما علمنا الآن- هو أفضل هذه الأنواع، وأن غيرها يكون مكروها عند وجود الحديد؛ لأن الحديد من الإحسان الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم ويجب أن يكون ذلك الحديد محدودًا، وقاطعًا حتى تستريح الذبيحة.

أما الأنواع الثلاثة: السن، والظفر، والعظم؛ فمن الناس من أجاز التذكية بالعظم، ومن الناس من منع التذكية بهذه الأنواع الثلاثة.

الباب الرابع: شروط الذكاة:

قال ابن رشد -رحمه الله-: وفي هذا الباب ثلاث مسائل نتعرف عليها أولا عند ابن رشد، ثم نبين ما قاله كل من ابن قدامة، والخطيب الشربيني في هذه الأمور أو الشروط.

قال -رحمه الله-: وفي هذا الباب -أي: شروط الذكاة الشرعية- ثلاث مسائل:

المسألة الأولى: اشتراط التسمية، هل التسمية على الذبيحة أو المذكاة شرط لحلها، أو ليست شرطًا؟.

المسألة الثانية: اشتراط البسملة، هل بسم الله، أو بسم الله الرحمن الرحيم شرط في تحقق التذكية الشرعية، أو ليست شرطا؟.

المسألة الثالثة: اشتراط النية، هل نية الذبح شرط للتذكية، أو ليست شرطًا، وكذلك توجيه الذبيحة نحو: القبلة -الاستقبال- هل هو شرط، أو ليس شرطًا؟.

المسألة الأولى: التسمية:

اختلف الفقهاء في حكمها على ثلاثة أقوال:

القول الأول: أن التسمية فرض على الإطلاق. وهو قول أهل الظاهر، وابن عمر، والشعبي، وابن سيرين.

القول الثاني: بل هي فرض مع الذكر، ساقطة مع النسيان. وهو قول مالك، وأبي حنيفة، والثوري، وأحمد، وهذا هو قول الجمهور.

القول الثالث: هي سنة مؤكدة. وهو قول الشافعي، وأصحابه، وهو مروي عن ابن عباس، وأبي هريرة.

والذي نميل إليه هو قول الجمهور أنه عند التذكر تجب التسمية، فإذا نسي؛ فقد رفع عن الأمة الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. وتكون التذكية صحيحة، والذبيحة حلال.

وسبب اختلافهم: معارضة ظاهر الكتاب في ذلك للأثر؛ فأما الكتاب فقوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} [الأنعام: 121].

وأما السنة المعارضة لهذه الآية؛ فما رواه مالك عن هشام عن أبيه أنه قال: ((سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل: يا رسول الله إن ناسًا من البادية يأتوننا بلحمان -يعني: لحوم- ولا ندري أسموا الله عليها أم لا؛ فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم سموا الله عليها ثم كلوها)) رواه البخاري، وأبو داود، و الترمذي.

إذن الآية تنهى عن الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه، ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه، والحديث يجيز لنا أن نسمي على أي لحم ونأكله؛ سواء كان أهله قد سموا عليه، أو لم يسموا.

وأمام هذا التعارض بين ظاهر الآية وظاهر الحديث؛ اختلف العلماء؛ فذهب مالك إلى أن الآية ناسخة لهذا الحديث؛ فلا بد من التسمية، وتأوَّل أن هذا الحديث كان في أول الإسلام، أما الشافعي القائل بأن التسمية سنة فلم يرَ ذلك؛ لأن هذا الحديث ظاهره أنه كان بالمدينة، وآية التسمية مكية؛ لأنها من “سورة الأنعام”؛ فذهب الشافعي لمكان هذا مذهب الجمع بأن حمل الأمر بالتسمية في الآية على الندب؛ ليجمع بينها وبين الحديث.

وأما من اشترط الذكر والعفو في النسيان؛ فمصيرًا إلى قوله صلى الله عليه وسلم: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) وحول هذه المسألة -مسألة التسمية- وأقوال العلماء فيها يقول: الخرقي -رحمه الله-: ومن ترك التسمية على الصيد عامدًا أو ساهيًا لم يؤكل. وإن ترك التسمية على الذبيحة عامدًا لم تؤكل، وإن تركها ساهيًا أكلت، كما قال ابن رشد عن الجمهور.

المسألة الثانية: استقبال القبلة -اشتراط الاستقبال-:

يقول: ابن رشد: وأما استقبال القبلة بالذبيحة؛ فإن قومًا استحبوا ذلك، ومنهم الشافعي، وأحمد، وقومًا أجازوا ذلك، وقومًا أوجبوه، وقومًا كرهوا ألا يستقبل بها القبلة.

والكراهية والمنع موجودان في المذهب المالكي، وهي مسألة مسكوت عنها.

إذن هناك أربعة أقوال: القول الأول الاستحباب، القول الثاني: الجواز دون استحباب، القول الثالث: الوجوب، القول الرابع: الكراهة -كراهة عدم الاستقبال.

قال ابن رشد: وهي مسألة مسكوت عنها، والأصل فيها الإباحة إلا أن يدل الدليل على اشتراط ذلك، وليس في الشرع شيء يصلح أن يكون أصلًا تقاس عليه هذه المسألة، يعني: تبقى على الأصل، وهو الإباحة إلا أن يستعمل فيها قياس مرسل -مصلحة- وهو القياس الذي لا يستند إلى أصل مخصوص عند من أجازه -وهو المصالح المرسلة- أو قياسُ شبهٍ بعيد، وذلك أن القبلة هي جهة معظمة، وهذه هي عبادة؛ فوجب أن يشترط فيها الجهة.

إن عملية الذكاة الشرعية نوع من العبادة؛ فوجب أن تشترط في الذبيحة كنوع من التعظيم، قال ابن رشد: لكن هذا ضعيف؛ لأنه ليس كل عبادة تشترط فيها الجهة ما عدا الصلاة؛ فالصيام عبادة، ولا تشترط فيه جهة الكعبة، أو عند نيته، وكذلك الذكاة، وقياس الذبح على الصلاة بعيد، وكذلك قياسه على استقبال القبلة بالميت.

المسألة الثالثة: اشتراط النية؛ هل النِّيَّة شرط في التذكية، أو ليست شرطًا؟:

قال ابن رشد: وأما اشتراط النِّيَّة فيها فقيل في المذهب بوجوب ذلك، ولا أذكر فيها خارج المذهب في هذا الوقت خلافًا في ذلك، ويشبه أن يكون في ذلك قولان: قول بالوجوب، وقول بترك الوجوب؛ فمن أوجب النِّيَّة قال: هي عبادة لاشتراط الصفة فيها والعدد؛ فوجب أن يكون من شرطها النية، ومن لم يوجبها قال: فعل معقول يحصل عنه فوات النفس، وإزهاق الروح الذي هو المقصود منه؛ فوجب ألا تشترط فيها النية، كما يحصل من غسل النجاسة إزالة عينها.

إذن شروط الذكاة ثلاثة، وهي محل اختلاف: الشرط الأول: التسمية، الشرط الثاني: استقبال القبلة، الشرط الثالث: النية.

الباب الخامس: معرفة الذابح والناحر:

هل يجوز الذبح من أي إنسان؟ أو يجوز من إنسان ولا يجوز من آخر؟:

في صدر هذا الباب قال ابن رشد: والمذكور في الشرع ثلاثة أصناف: صنف اتفق على جواز تذكيته، وصنف اتفق على منع ذكاته، وصنف اختلف فيه.

فأما الصنف الذي اتفق على جواز تذكيته؛ فمن جمع خمسة شروط: الإسلام، والذكورية، والبلوغ، والعقل، وترك تضييع الصلاة، والأولى أن تكون المحافظة على الصلاة فهو مسلم بالغ عاقل ذكر محافظ على الصلاة.

تلك هي الشروط التي يجب أن تجتمع في الشخص الذي يقوم بالذكاة الشرعية، وتجوز تذكيته، وهو الصنف المتفق على ذكاته.

أما الصنف الآخر المتفق على منع تذكيته فهو: المشرك عابد الصنم لقوله تعالى: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} [المائدة: 3] وقوله: {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ} [البقرة: 173].

ثم انتقل إلى الصنف الثالث المختلف فيه: وأما الذين اختلف فيهم فأصناف كثيرة، لكن المشهور منها عشرة: أهل الكتاب، والمجوس، والصابئون، والمرأة، والصبي، والمجنون، والسكران، والذي يضيع الصلاة، والسارق، والغاصب.

وابن رشد -رحمه الله- بيَّن أن المختلف على جواز تذكيتهم أصناف كثيرة، لكن المشهورة من هذه الأصناف عشرة: أهل الكتاب وهم: اليهود، والنصارى -كما هو معلوم- والمجوس وهم: عبدة النار، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب)) والصابئون وهم: عبدة الكواكب، والمرأة، والصبي، والمجنون، والسكران، والذي يضيع الصلاة، والسارق، والغاصب.

وبعد أن ذكر هذه الأصناف العشرة بدأ في تفصيل كل نوع منها لبيان أقوال الفقهاء، وسبب الاختلاف فيها: فأما أهل الكتاب فالعلماء مجمعون على جواز ذبائحهم لقوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ} [المائدة: 5] إذ كان المفروض أن يكون ذلك مع الصنف الأول المتفق على ذكاته ما دام العلماء مجمعين على جواز ذبائحهم.

إلا أن ابن رشد وضعهم ضمن الصنف المختلف عليه لاختلاف العلماء بعد هذا الاجماع في بعض التفاصيل؛ حيث اتفقوا على أنه إذا لم يكونوا من نصارى بني تغلب ولا مرتدين وذبحوا لأنفسهم، وعلم أنهم سموا الله تعالى على ذبيحتهم، وكانت الذبيحة مما لم تحرم عليهم في التوراة، ولا حرموها هم على أنفسهم؛ أنهم يجوز منها ما عدا الشحم.

اختلفوا في مقابلات هذه الشروط، يعني: إذا ذبحوا لمسلم باستنابته -يعني: أناب أحدًا منهم- أو كانوا من نصارى بني تغلب، أو من المرتدين، أو لم يعلم أنهم سموا الله، أو جهل مقصود ذبحهم، أو علم أنهم سموا غير الله مما يذبحونه لكنائسهم وأعيادهم، أو كانت الذبيحة مما حرمت عليهم في التوراة كقوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} [الأنعام: 146] أو كانت مما حرموها على أنفسهم مثل الذبائح التي تكون عند اليهود فاسدة من قبل خلقة إلهية. وكذلك اختلفوا في الشحوم.

وهذا الكلام المجمل يحتاج إلى تفصيل، وهذا ما جعل ابن رشد -رحمه الله- يقسم هذا الباب إلى عدة مسائل يندرج تحت كل مسألة منها بعض الاختلافات بين العلماء:

ذبيحة الكتابي ومسائلها:

المسألة الأولى: ذبيحة الكتابي باستنابة مسلم: مسلم أناب كتابيًّا عنه ليذبح له؛ فما وجه الخلاف في ذلك؟ يبين ابن رشد -رحمه الله- أن أهل الكتاب إذا ذبحوا استنابة مسلم؛ فقد قيل في المذهب عن مالك: يجوز، وقيل: لا يجوز.

وسبب الاختلاف: هل من شرط ذبح المسلم اعتقاد تحليل الذبيحة على الشروط الإسلامية في ذلك، أم لا؟

فمن رأى أن النِّيَّة شرط في الذبيحة، قال: لا تحل ذبيحة الكتابي لمسلم؛ لأنه لا يصح منه وجود هذه النية، ومن رأى أن ذلك ليس بشرط وغلب عموم الكتاب، يعني الآية الكريمة في قوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ} قال: يجوز، وكذلك من اعتقد أن نية المستنيب -أي: المسلم الذي أناب الكتابي- تجزي، وهو أصل لقول ابن وهب.

تلك هي المسألة الأولى -ذبيحة الكتابي باستنابة مسلم- ولم يذكر ابن رشد فيها غير قولي المذهب: قول بالجواز؛ لأن النِّيَّة ليست مشترطة، وقول بعدم الجواز؛ لأن النِّيَّة لا تصح من الكتابي.

المسألة الثانية: ذبائح نصارى بني تغلب والمرتدين؛ فإن الجمهور على أن ذبائح النصارى من العرب حكمها حكم ذبائح أهل الكتاب، وهذا هو الصحيح، وهو قول ابن عباس، لكن من العلماء من لم يجز ذبائح نصارى بني تغلب؛ حيث لهم معاملة خاصة في الذكاة والجزية، وهو أحد قولي الشافعي، وهو مروي عن علي رضي الله عنه.

وسبب الخلاف بين العلماء في اعتبار نصارى بني تغلب كسائر النصارى، أو عدم اعتبارهم: هل يتناول العرب المتنصرين والمتهودين اسم الذين أوتوا الكتاب كما يتناول ذلك الاسم الأمم المختصة بالكتاب -وهم بنو إسرائيل، والروم- أو لا يتناولون؟.

من قال: إن الاسم -اسم أهل الكتاب- يتناول الجميع؛ قال بجواز تذكيتهم وطعامهم، ومن قال: إن الاسم لا يشملهم؛ لم يُجز ذبائحهم، وأما المرتد؛ فإن الجمهور على أن ذبيحته لا تؤكل؛ فإنه خرج عن الملة، قال إسحاق: ذبيحته جائزة، وقال الثوري: مكروهة.

وسبب الخلاف: هل المرتد لا يتناوله اسم أهل الكتاب؛ إذ كان ليس له حرمة أهل الكتاب، أو يتناوله؟ وتلك مسألة اختلف فيها العلماء، وليس مجرد الذبيحة. تلك هي المسألة الثانية.

المسألة الثالثة: إذا لم يعلم أن الكتابي سمى الله على الذبيحة؛ فهل تكون ذبيحته جائزة، أو ليست جائزة.

قال الجمهور: تؤكل لعموم الآية هو مروي عن علي، ولست أذكر فيه في هذا الوقت خلافًا -هذا كلام ابن رشد- ويتطرق إليه الاحتمال بأن يقال: إن الأصل هو ألا يؤكل من تذكيتهم إلا ما كان على شروط الإسلام.

فإذا قيل على هذا: إن التسمية من شرط التذكية، وجب ألا تؤكل ذبائحهم بالشك في ذلك، وأما إذا علم أنهم ذبحوا ذلك لأعيادهم، وكنائسهم؛ فإن من العلماء من كرهه، وهو قول مالك، ومنهم من أباحه، وهو قول أشهب، ومنهم من حرمه هو الشافعي، وسبب اختلافهم: تعارض عمومي الكتاب في هذا الباب، وهو قوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ} حيث يحتمل أن يكون مخصصًا لقوله تعالى: {وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ} كما يحتمل أن يكون قوله تعالى: {وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ} مخصصًا لقوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ}إذ كان كل واحد منهما يصح أن يستثنى من الآخر.

فمن جعل قوله تعالى: {وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ} مخصصًا لقوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ} قال: لا يجوز ما أهل به للكنائس والأعياد.

ومن عكس الأمر، وجعل الآية على عمومها {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ}قال: يجوز أكل هذه الذبائح، وأما إذا كان الذبيحة مما حرمت عليهم فقيل: أيضًا يجوز، وقيل: لا يجوز، وقيل: بالفرق بين أن تكون محرمة عليهم في التوراة، أو من قبل أنفسهم أعني بإباحة ما ذبحوا مما حرموا على أنفسهم، ومنع ما حرم الله عليهم، وقيل: يكره، ولا يمنع، والأقاويل الأربعة موجودة في المذهب -أي: مذهب الإمام مالك-: المنع عن ابن القاسم عبد الرحمن بن القاسم، والإباحة عن ابن وهب، وابن عبد الحكيم، والتفرقة عن الأشهب، وكلهم من أصحاب الإمام مالك، وأصل الاختلاف أيضًا معارضة عموم الآية: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ} لاشتراط نية الذكاة، يعني: اعتقاد تحليل الذبيحة بالتذكية.

فمن قال: إن النِّيَّة شرط في التذكية، قال لا تجوز هذه الذبائح؛ لأن النِّيَّة منهم لا تصح؛ لأنهم لا يعتقدون تحليلها بالتذكية، ومن قال: ليست النِّيَّة شرطًا فيها، وتمسك بعموم الآية المحللة، قال تجوز هذه الذبائح، وهذا الذي قلناه، أو الذي قاله العلماء فيما كان محرما عليهم بالتوراة، أو من قبل أنفسهم هو سبب اختلافهم أيضًا في أكل الشحوم من ذبائحهم، ولم يخالف في ذلك أحد غير مالك وأصحابه؛ فمنهم من قال: إن الشحوم محرمة، وهو قول أشهب، ومنهم من قال مكروهة، والقولان عن مالك، ومنهم من قال: مباحة، وهذا بالنسبة لنا.

ويدخل في الشحوم سبب آخر من أسباب الخلاف سوى معارضة العموم لاشتراط اعتقاد تحليل الذبيحة بالذكاة، وهو: هل تتبعض التذكية فيكون بعضها حلالًا وبعضها حراما، أو لا تتبعض؟:

من قال: إن التذكية تتبعض، قال: لا تؤكل الشحوم، أي: يكون اللحم حلالًا، وتكون الشحوم حرامًا، ومن قال: لا تتبعض، قال: يؤكل الشحم كما يؤكل اللحم، ويدل على تحليل شحوم ذبائحهم حديث عبد الله بن مغفل إذ أصاب جراب الشحم يوم خيبر، وقد سبق ذكره في باب الجهاد، ومعنى أنه أصابه، أي: أنه حلال.

المسألة الرابعة: وهي ذبح الكتابي لما حرم عليه في التوراة، أو ما حرمه على نفسه؛ فمن فرق من العلماء بين ما حرم عليهم من ذلك في أصل شرعهم، وبين ما حرموا على أنفسهم، قال: ما حرم عليهم هو أمر حق فلا تعمل فيه الذكاة، ويبقى على تحريمه، وما حرموا على أنفسهم هو أمر باطل فتعمل فيه التذكية، ويكون حلالًا.

قال القاضي: والحق أن ما حرم عليهم، أو حرموا على أنفسهم هو في وقت شريعة الإسلام أمر باطل؛ إذ كانت شريعة الإسلام ناسخة لجميع الشرائع؛ فيجب ألا يراعى اعتقادهم في ذلك، ولا يشترط أيضًا أن يكون اعتقادهم في تحليل الذبائح كاعتقاد المسلمين، ولا اعتقاد شريعتهم؛ لأنه لو اشترط ذلك لما جاز أكل ذبائحهم عموما بوجه من الوجوه؛ لكون اعتقاد شريعتهم في ذلك منسوخة، واعتقاد شريعتنا لا يصح منهم، وإنما هذا حكم خصهم الله تعالى به؛ فذبائحهم -والله أعلم- جائزة لنا على الإطلاق، وإلا ارتفع حكم آية التحليل جملة فتأمل هذا فإنه بيِّنٌ.

ومن هذا نعلم أن ذبائح أهل الكتاب عموما حلال سموا الله، أو لم يسموا، أو سموا غير الله، أو ذبحوا في أعيادهم، أو في كنائسهم، أو في محلات عامة، أو باستنابة المسلم، أو بغير استنابته هذا هو الصحيح والذي نميل إليه ونرجحه، وهو أن ذبائح أهل الكتاب حلال لنا؛ عملًا بعموم الآية الكريمة: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ}.

error: النص محمي !!