Top
Image Alt

أنواع الشفاعة المثبتة والشفاعة المنفية

  /  أنواع الشفاعة المثبتة والشفاعة المنفية

أنواع الشفاعة المثبتة والشفاعة المنفية

أولًا: الشفاعة المثبتة:
وبعد أن عرفنا الشفاعة في اللغة، وفي الاصطلاح يحسن بنا أن نبين:
أن الشفاعة، نوعان: شفاعة مثبتة، وشفاعة منفية.
فأما المثبتة: فهي التي ثبتت بالنصوص الشرعية.
وأما المنفية: فهي الشفاعة التي يذكرها الغلاة والمدافعون عن الشرك، وهي التي لم يصح شرعًا ثبوتها، وهي التي ذكرها أصحاب هذه الشبهة.
أنواع الشفاعة المثبتة:
أما الشفاعة المثبتة: فهي الشفاعة يوم القيامة، فقد ثبت أن النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم يشفع يوم القيامة، ومرة يشفع غيره من الشفعاء؛ كالملائكة والنبيين، والمؤمنين، وتارة يشفع القرآن والصيام.
ولهذه الشفاعة شرطان: إذن الله للشافع. ورضاه عن المشفوع.
وفيما يلي بيان لهذه الشفاعات الصحيحة:
أ) شفاعات النبي صلى الله عليه وسلم:
للنبي صلى الله عليه وسلم شفاعات في الآخرة بعضها خاص به صلى الله عليه وسلم، ويشاركه الملائكة والنبيون -عليهم السلام- في بعضها الآخر.
وفيما يلي بيان لتلك الشفاعات:

  1. الشفاعة العظمى:
    وهذه الشفاعة خاصة بخاتم النبيين صلى الله عليه وسلم من بين سائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين، وذلك حين يجمع الله الخلائق في عرصات القيامة، ويشتد الموقف فتفزع الأمم إلى الأنبياء تطلب منهم التوسل من أجل الشفاعة عند الله تعالى؛ ليقضي بينهم ويريحهم من مقامهم ذلك، وما هم فيه من شدة وكرب، فتفزع إلى آدم، ونوح ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى -عليهم الصلاة والسلام- فيتدافع الشفاعة -بعد آدم- أولو العزم من الرسل -عليهم الصلاة والسلام-؛ حتى ينتهي الأمر إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فيقول: ((أنا لها))، ويشفع لأهل الموقف عند ربه عز وجل، وهذه الشفاعة هي أعظم الشفاعات؛ ولهذا تسمى الشفاعة العظمى؛ لأنها شاملة لجميع الأمم على اختلاف أديانهم، وهذه الشفاعة هي المقام المحمود -على رأي جمهور العلماء-، الذي وعد الله عز وجل به خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا} [الإسراء:79]، والدليل على هذه الشفاعة ما أخرجه البخاري ومسلم في (صحيحيهما) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((أُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بلحم، فرفع إليه الذراع، وكانت تعجبه فنهس -أخذ اللحم بأطراف الأسنان- منها نهسة، فقال: أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهَلْ تَدْرُونَ مِمَّ ذَلِكَ؟ يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ يُسْمِعُهُمْ الدَّاعِي وَيَنْفُذُهُمْ الْبَصَرُ، وَتَدْنُو الشَّمْسُ فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنْ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ وَلَا يَحْتَمِلُونَ، فَيَقُولُ النَّاسُ: أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ؟ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: عَلَيْكُمْ بِآدَمَ فَيَأْتُونَ آدَمَ عليه السلام فَيَقُولُونَ لَهُ: أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ آدَمُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ نَهَانِي عَنْ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ؛ نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ إِنَّكَ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، وَقَدْ سَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا؛ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ؛ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّي عز وجل قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُهَا عَلَى قَوْمِي نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُونَ: يَا إِبْرَاهِيمُ أَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيه؟ِ فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَدْ كُنْتُ كَذَبْتُ ثَلَاثَ كَذِبَاتٍ فَذَكَرَهُنَّ أَبُو حَيَّانَ فِي الْحَدِيثِ نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى، فَيَأْتُونَ مُوسَى، فَيَقُولُونَ: يَا مُوسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّه،ِ فَضَّلَكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ عَلَى النَّاسِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَدْ قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا؛ نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَم،َ فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُونَ: يَا عِيسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ؛ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ عِيسَى: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ قَطُّ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ ذَنْبًا، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي؛ اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّد؛ٍ فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَخَاتِمُ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَأَنْطَلِقُ فَآتِي تَحْتَ الْعَرْشِ فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي عز وجل ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، سَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَقُولُ: أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْبَابِ الْأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْأَبْوَابِ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَحِمْيَرَ، أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى)).
    المصراع: أحد شقي الباب، إذا كان له شقان.
    هجر: قصبة بلاد البحرين.
  2. الشفاعة في استفتاح باب الجنة لأهلها:
    ورد في بعض الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم هو أول من يشفع لأهل الجنة في دخولها من ذلك ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أَنَا أَوَّلُ شَفِيعٍ فِي الْجَنَّةِ لَمْ يُصَدَّقْ نَبِيٌّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ مَا صُدِّقْتُ، وَإِنَّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيًّا مَا يُصَدِّقُهُ مِنْ أُمَّتِهِ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ)). رواه مسلم.
    وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أيضًا، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((آتِي بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَسْتَفْتِحُ فَيَقُولُ الْخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ، فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ)). رواه مسلم.
    فيستدل بهذه الأحاديث ونحوها على أن النبي صلى الله عليه وسلم أول الشفعاء، حيث يشفع لأهل الجنة في دخولها، وعليه فهذه الشفاعة -أيضًا- خاصة به صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- عن هذه الشفاعة والتي قبلها: “وهاتان الشفاعتان خاصتان به صلى الله عليه وسلم”. انتهى.
  3. الشفاعة في تخفيف العذاب عمن يستحق:
    وهذه الشفاعة خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب، ودليلها ما جاء في الصحيحين عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال: ((يا رسول الله، مَا أَغْنَيْتَ عَنْ عَمِّكَ؟ فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ، وَيَغْضَبُ لَكَ، قَالَ: هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَار، وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرَكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ)).
    وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذُكِرَ عِنْدَهُ عَمُّهُ فَقَالَ: ((لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ النَّارِ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ)). رواه البخاري ومسلم.
  4. الشفاعة في رفع درجات أقوام من أهل الجنة:
    ودليل هذا النوع ما ثبت في (الصحيحين) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ((أن أبا عامر عم أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أمر أبا موسى الأشعري أن يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له، فأخبر أبو موسى النبي صلى الله عليه وسلم دَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أَبِي عَامِرٍ، وَرَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ مِنْ النَّاسِ فَقُلْتُ: وَلِي، فَاسْتَغْفِرْ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ذَنْبَهُ، وَأَدْخِلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُدْخَلًا كَرِيمًا)).
    وذهب بعض أهل العلم إلى أن هذه الشفاعة خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم وقيل: إنها ليست خاصة به؛ لكنه المقدم فيها.
  5. الشفاعةُ في دخول الجنة بلا حساب:
    ودليل هذا النوع من الشفاعة:
    ما رواه البخاري ومسلم في (صحيحيهما) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ فَجَعَلَ النَّبِيُّ وَالنَّبِيَّانِ يَمُرُّونَ مَعَهُمْ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ حَتَّى رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ، قُلْتُ: مَا هَذَا أُمَّتِي هَذِهِ؟ قِيلَ: بَلْ هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ، قِيلَ: انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ؛ فَإِذَا سَوَادٌ يَمْلَأُ الْأُفُقَ ثُمَّ قِيلَ لِي: انْظُرْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا فِي آفَاقِ السَّمَاءِ فَإِذَا سَوَادٌ قَدْ مَلَأَ الْأُفُقَ، قِيل:َ هَذِهِ أُمَّتُكَ وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ، ثُمَّ دَخَلَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ فَأَفَاضَ الْقَوْمُ وَقَالُوا: نَحْنُ الَّذِينَ آمَنَّا بِاللَّهِ، وَاتَّبَعْنَا رَسُولَهُ، فَنَحْنُ هُمْ أَوْ أَوْلَادُنَا الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَامِ، فَإِنَّا وُلِدْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَبَلَغَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَخَرَجَ فَقَالَ: هُمْ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ فَقَالَ عُكَاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ: أَمِنْهُمْ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: أَمِنْهُمْ أَنَا؟ قَالَ: سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ)).
  6. الشفاعة لأهل الكبائر:
    المراد بأهل الكبائر: العصاة من أهل التوحيد الذين يدخلون النار بسبب ذنوبهم، فيشفع فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم لإخراجهم من النار بعد دخولها.
    ودليل هذا النوع من الشفاعة: حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: حدثنا محمد صلى الله عليه وسلم قال: ((إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ لَهُ: اشْفَعْ لِذُرِّيَّتِكَ؛ فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِإِبْرَاهِيمَ عليه السلام فَإِنَّهُ خَلِيلُ اللَّهِ، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُوسَى عليه السلام فَإِنَّهُ كَلِيمُ اللَّهِ فَيُؤْتَى مُوسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِعِيسَى عليه السلام فَإِنَّهُ رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ؛ فَيُؤتَى عِيسَى فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فَأُوتَى فَأَقُولُ: أَنَا لَهَا فَأَنْطَلِقُ فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي، فَيُؤْذَنُ لِي، فَأَقُومُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَأَحْمَدُهُ بِمَحَامِدَ لَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ الْآنَ، يُلْهِمُنِيهِ اللَّهُ ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ لِي: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ: انْطَلِقْ فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ بُرَّةٍ أَوْ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجْهُ مِنْهَا فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَرْجِعُ إِلَى رَبِّي فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ لِي: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ لِي: انْطَلِقْ فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجْهُ مِنْهَا، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ إِلَى رَبِّي فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ لِي: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ لِي: انْطَلِقْ فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِنْ مِثْقَالِ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَخْرِجْهُ مِنْ النَّارِ فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ )) . رواه البخاري ومسلم.
    وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي)) رواه أبو داود والترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، ورواه الإمام أحمد والحاكم في ( المستدرك).
    قال ابن كثير: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وصححه الشيخ الألباني.
    يقول ابن أبي العز –رحمه الله-:
    “ثم إن الناس في الشفاعة على ثلاثة أقوال:
    ‌أ. فالمشركون والنصارى، والمبتدعون من الغلاة في المشايخ، وغيرهم يجعلون شفاعة من يعظمونه عند الله؛ كالشفاعة المعروفة في الدنيا.
    ‌ب. والمعتزلة، والخوارج أنكروا شفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم وغيره في أهل الكبائر.
    ‌ج. أما أهل السنة والجماعة: فيقرون بشفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم في أهل الكبائر، وشفاعة غيره، لكن لا يشفع لأحد حتى يأذن الله له ويجد له حدًّا”. انتهى.
    وبعد أن ثبتت شفاعة نبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم ينبغي التنبيه هنا على أنه لا يجوز أن نتوجه إليه صلى الله عليه وسلم الآن بطلبها منه في الدنيا، وإنما نتوجه إلى المولى عز وجل في طلبها فنقول: “اللهم شفع فينا نبيك وخاتمة رسلك محمدًا صلى الله عليه وسلم واجعلنا نَرِدُ حوضه، ونشرب منه شربةً هنيئةً لا نظمأ بعدها أبدًا، واجزه عنا أفضل ما جزيت نبيًّا عن أمته، وصلى اللهم عليه أفضل وأكمل ما صليت على أحد من النبيين والمرسلين من قبله وسلم تسليمًا”.
    ب) شفاعة غير النبي صلى الله عليه وسلم من الملائكة والنبيين والمؤمنين:
    والدليل على شفاعة الملائكة الكرام عليهم السلام: قوله تبارك وتعالى: {وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى} [النجم:26]، ونحوها من الآيات.
    أما الدليل على شفاعة الملائكة والنبيين والمؤمنين من السنة، ما جاء في (الصحيحين) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الطويل مرفوعًا، وفيه: ((فَيَقُولُ اللَّهُ عز وجل: شَفَعَتْ الْمَلَائِكَةُ، وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)).
    ومما يستدل به على شفاعة المؤمنين -أيضًا- ما ورد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إِنَّ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَشْفَعُ لِلْفِئَامِ مِنْ النَّاسِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْفَعُ لِلْقَبِيلَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْفَعُ لِلْعَصَبَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْفَعُ لِلرَّجُلِ حَتَّى يَدْخُلُوا الْجَنَّةَ))..
    الفئام: الطائفة. والعصبة: ما دون العشرة.
    رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن. والإمام أحمد في (مسنده) وابن خزيمة في (كتاب التوحيد).
    وعن عبد الله بن أبي الجدعاء رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَةِ رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَكْثَرُ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ سِوَاكَ؟ قَالَ: سِوَايَ)). رواه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب، وابن ماجه في سننه والإمام أحمد في المسند والحاكم في ( المستدرك). وصححه ووافقه الذهبي كما صححه الشيخ الألباني.
    ج) شفاعة الشهداء:
    جاء في بعض السنة أن الشهداء يشفعون يوم القيامة لأقاربهم، فعن المقدام بن معديكرب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ -وذكر منها:- وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ)). رواه الترمذي، وقال هذا حديث حسن صحيح غريب. وابن ماجه في سننه، والإمام أحمد في ( المسند ) وصححه الشيخ الألباني.
    د) شفاعة أولاد المؤمنين:
    أولاد المسلمين إذا ماتوا قبل الحُلُم شفعاء وأفراط لوالديهم يوم القيامة؛ لطلب المغفرة لهم والتجاوز عنهم، وبإدخالهم الجنة مع أولادهم. فعن أبي هريرة رضي الله عنه ((أن رجلًا قال له: أنه قد مات لي ابنان، فهل أنت محدثي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بحديثٍ تطيب له أنفسنا عن موتانا؟ قال: نعم، قَالَ: مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَمُوتُ بَيْنَهُمَا ثَلَاثَةُ أَوْلَادٍ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ إِلَّا أَدْخَلَهُمَا اللَّهُ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ الْجَنَّةَ، قَالَ: يُقَالُ لَهُمْ: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ، فَيَقُولُونَ: حَتَّى يَدْخُلَ آبَاؤُنَا، فَيُقَالُ: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ)).
    رواه الإمام أحمد في (المسند) والنسائي في “سننه” والبيهقي في “الشعب”، وصححه الشيخ مقبل الوادعي.
    يقول الشيخ السفاريني –رحمه الله-: “يجب أن يعتقد أن غير النبي صلى الله عليه وسلم من سائر الرسل والأنبياء والملائكة والصحابة والشهداء والصديقين والأولياء على اختلاف مراتبهم ومقاماتهم عند ربهم يشفعون، وبقدر جاههم ووجاهتهم يشفعون؛ لثبوت الأخبار بذلك وترادف الآثار على ذلك هو أمر جائز غير مستحيل فيجب تصديقه والقول بموجبه لثبوت الدليل”. انتهى كلامه.
    ثانيًا: الشفاعة المنفية:
    وبعد أن بينا المراد بالشفاعة المثبتة، وذكرنا أنواعها وشرطاها: نذكر هنا المراد بالنوع الثاني من الشفاعة، وهي الشفاعة المنفية.
    أي: التي نفاها القرآن الكريم ودل النقل الصحيح والعقل الصريح على نفيها. وهي التي يتشبث بها الغلاة من القبوريين ومن شابههم وكذلك الشفاعة التي يدعيها أهل الشرك لأصنامهم، وهي المذكورة أيضًا في هذه الشبهة التي نحن بصدد دحضها والرد على القائلين بها.
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- عند بيان افتراق الناس في مسألة الشفاعة: “وهذا الموضوع افترق الناس فيه ثلاث فرق: طرفان ووسط. فالمشركون ومن وافقهم من مبتدعة أهل الكتاب؛ كالنصارى، ومبتدعة هذه الأمة أثبتوا الشفاعة التي نفاها القرآن”. انتهى كلامه.
    وقد أخبرنا الله تعالى عن المشركين الذين زعموا أن أصنامهم وتماثيلهم تشفع لهم عند الله تعالى، كما قال تعالى: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر:3]، وقال تعالى: {هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ} [يونس:18].
    وهذه الشفاعة تختلف عن الشفاعة المثبتة؛ لأن الشفاعة عند الله ليست كالشفاعة عند البشر؛ لأن الشفاعة عند البشر قد تحصل بدون إذن المشفوع إليه أو دون رضاه عن المشفوع له لسبب من الأسباب بخلاف الشفاعة عند الله تعالى كما سبق بيان ذلك. كما أن الله تعالى نفى هذا النوع من الشفاعة بقوله تعالى: {وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُون} [الأنعام:51]. وبقوله عز وجل: {قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} [الزمر:44]. إلى غير ذلك من الآيات، هذا، والله أعلم.
error: النص محمي !!