Top
Image Alt

أنواع الصرف

  /  أنواع الصرف

أنواع الصرف

وأنواع الصرف كثيرة، أهمها وأكثرها شيوعًا:

النوع الأول: هو بيع أحد النقدين بجنسه، الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة، وهذا النوع من الصرف، اتفق الفقهاءُ فيه على أن بيع أحد النقدين بجنسه يمنع فيه التفاضل، ويمنع فيه كذلك النَّساء، يعني: يمنع الزيادة ويمنع التأجيل، وحتى نتلاشَى ربا الفضل، وربا النساء؛ لا بد من التسليم والتسلم في مجلس العقد، مع التساوي بين النقدين في القدر، والوزن.

والواقع أن هذا هو صريح نص حديث: سيدنا عبادة بن الصامت، وكذلك نص حديث: أبي سعيد الخدري، وكذلك روي عن عثمان بن عفان، مرفوعًا: ((لا تبيعوا الدينارَ بدينارين، ولا الدرهمَ بدرهمين))، أخرجه مسلم.

كذلك نص حديث أبي هريرة في: (صحيح مسلم): ((لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الفضة بالفضة، إلا مثلًا بمثلٍ))، وفي آخره: ((فَمَن زاد أو استزاد فقد أربى))، يعني: مَن زاد وطلب الزيادة من الطرف الآخر؛ فقد أربى، يعني: وقع في الربا، ومعناه: عند اتحاد الجنس بين البدلين، يحذر ربا الفضل، ويحذر ربا النَّساء، فلا تأجيل، ولا بد من التسليم والتسلم في الحال.

ولكن هل هناك أي اعتبار للجودة والرداءة؟

يعني: هب أن أحد العوضين أو البدلين رديء والآخر جيد، العقل يقول: لا بد أن يكون الرديء أكثر، لكن جمهور العلماء على أنه لا عبرةَ بالجودة ولا بالرداءة، يعني: لوبادلنا جيدًا برديء، فلا بد من التساوي أيضًا، وعدم التساوي يؤدي إلى ربا الفضل، وعدم القبض يؤدي إلى ربا النساء، والجمهور على أنه لا عبرةَ بالصياغة، يعني: لو بعنا ذهبًا على شكل سبيكة أو على شكل تبرٍ، بذهب مصوغ على شكل إسورة، أو على شكل قرط، هل للصنعة دخل أو اعتبار؟

الجمهور على أنه لا عبرةَ بالصياغة، يعني: أن يكون وزن العقد مساويًا لوزن السبيكة، فإذا زاد أحدهما فهذا ربا، وربا الفضل ممنوع، فكذلك الصنعة، يعني: لو أن في أحد البدلين صنعةً، فهل يراعى قيمة الصنعة؟

الجمهور على أنه لا تراعَى الصياغة، ولا تراعَى قيمة الصنعة، فيدخل المصوغ بالمصوغ، والتبر بالآنية، ولا بد من التساوي والتقابض.

وفي رواية عن الإمام أحمد بن حنبل: أنه يجوز بيع الصالح بالمكسر؛ ولأن للصناعة قيمة، يعني: في رأي الإمام أحمد هذا مخالف لرأي الجمهور، فلا بد أن تراعى قيمة الصناعة في هذا.

وأما المالكية: فتفردوا بأن سموا بيع النخل بجنسه وزنًا، سموه مراطلةً، فعندهم بيع العين بالعين ثلاثة أقسام: إما مراطلة، وإما مبادلة، وإما صرف.

فالمراطلة: بيع النقد بمثله وزنًا.

والمبادلة: بيع النقد بمثله عددًا.

والصرف: بيع النقد بغير جنسه كبيع الذهب بالفضة، أو العكس.

ويَحرُم التفاضل والنسيئة عند اتحاد الجنس، ولا يحرم التفاضل عند اختلاف الجنس، بل تحرم النسيئة فقط.

النوع الثاني: بيع أحد النقدين بالآخر، كالذهب بالفضة، أو الفضة بالذهب.

اتفق الفقهاء على جواز بيع أحد النقدين بالآخر، متفاضلًا في الوزن والعدد، أو متساويًا أو جزافًا، إن لم يعلم أحد العاقدين، أو كلاهما قدر ووزن أحد البدلين؛ وذلك لعموم المجانسة، يعني: مِثلية.

إذًا هذا النوع يجوز فيه التفاضل، والممنوع فيه هو النسيئة، أي: التأجيل، لكن ليس من الضرورة أن يكونَا متساويين.

ويدل على صحة ذلك: قول النبي صلى الله عليه  وسلم: ((فإذا اختلفت هذه الأجناس، فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد))، ((فبيعوا كيف شئتم)) يعني: بأن يكون أحد البدلين أكثر والآخر أقل، والعكس أو التساوي أو الجزاف، حتى بأن أحد المتعاقدين أو كليهما لا يعلم بالتساوي، فلا يُمنع هذا؛ لأن التساوي هنا ليس مطلوبًا، فالتفاضل جائز هنا، وليس في ذلك ربا، بشرط: أن يكون يدًا بيد، يعني: يمنع النسيئة، والحكمة في هذا أن النسيئة ستؤدي إلى اختلاف قيمة الصرف؛ لأن تبادل العملات بعضها ببعض من الممكن أن يتغير كل يوم، فإذا كان هناك أجل، فربما أدَّى إلى النزاع والخلاف، خصوصًا عند تغير الثمن -يعني: ثمن الصرف- ومثاله: أن يكون الدينار بعشرة دراهم -اليوم- وتبادلنا على هذا، وحدث تأجيل لغد أو لبعد غد، فيمكن أن يكون الدينار بأحد عشر درهمًا، ويمكن يكون بتسعة دراهم، فمن الممكن أن يدخل المتبايعان في نزاع.

والشريعة الإسلامية، تريد ألَّا يكون هناك أيّ سبب للنزاع والخلاف بين المتبايعين، وبين المجتمع كله؛ ليعمه الصلاح والتعاون على البِر والتقوى.

النوع الثالث: بيع النقد بالنقد، ومع أحدهما أو كليهما شيء آخر.

يعني: بيع نقدٍ بنقد، ذهبًا بفضة مثلًا، أو ذهبًا بذهب، أو فضة بفضة، لكن مع أحد النقدين شيء من العرض -يعني: من العروض- كأن يكون مع أحدهما مد عجوة بدينار، أو درهم ومنديل بدرهمين فهل هذا جائز؟ على أساس أن الدرهم الآخر هو ثمن المنديل، أو أن ذلك لا يجوز؟

فإذا اختلفت الأجناس، كأن بعنا ذهبًا بفضة أو فضة بذهب، ومع أحدهما شيء، فيجوز التفاضل والجزاف، فيلزم التقابض كبيع مد، ودرهم، هذا في المجلس، يعني: يجوز التفاضل ويجوز الجزاف، ويلزم التقابض في المجلس، أما إذا كان النقد بنقد من جنسه ذهب بذهب، أو فضة بفضة، ومع أحدهما شيء كبيع مد، ودرهم بدرهمين، ففي ذلك خلاف بين الفقهاء.

يبقى إذًا هذا النوع، وهو بيع النقد بالنقد ومع أحدهما أو كليهما شيء آخر، إذا اختلفت هذه الأجناس فلا مانعَ من التفاضل والجزاف والتساوي، ويلزم التقابض، وهذا تقابض في المجلس، أما إذا كان نقدًا بنقد من جنسه، ذهبًا بذهب أو فضةً بفضة، ومع أحدهما عرض من العروض، ففي هذا خلاف، كبيع درهم وكتاب بدرهمين.

ذهب الشافعية والحنابلة إلى عدم الجواز، فلا يجوز أن نبيع درهمًا وكتابًا بدرهمين، أو درهمًا ومُدَّ عجوةٍ بدرهمين.

واستدلوا: بما رواه فُضالة بن عبيد، أحد أصحاب النبي صلى الله عليه  وسلم ورضوان الله عليهم أجمعين- حاكيًا عن نفسه: أنه أتى رسولَ الله صلى الله عليه  وسلم يوم فتح خيبر بقلادة -بعِقد- فيه خرز، يعني: بعقد من الذهب، فيه خرز وذهب، الخرزات وراء كل مجموعة قطع من الذهب، خرز وذهب، وخرز وذهب، وهكذا، أتى به النبي صلى الله عليه  وسلم ليبيعه ويضم الثمن إلى الغنيمة، فأمر رسول الله صلى الله عليه  وسلم بالذهب الذي في القلادة فَنُزع، يعني: قال: اخلع هذا الذهب، انزع هذا الذهب وحده، فَنُزع، ثم قال صلى الله عليه  وسلم: ((الذهب بالذهب -يبيع ذهبًا بذهب- وزنًا بوزنٍ))، رواه مسلم.

ويُفهم من هذا أن النبي صلى الله عليه  وسلم رفض أن تُباع القلادة التي هي عبارة عن عقد مِن ذهب وفيه خَرز، بذهب، وحتى يكون هناك تساو في الوزن والقدر، أمر بنزع الذهب وحده، وقال: ((ذهبًا بذهب، وزنًا بوزن))، وهذا الحديث رواه مسلم.

إذًا الشافعية والحنابلة يرفضون هذه المسألةَ، التي يقول عنها العلماء: أنها مسألة درهم، ومُد عجوة بدرهم.

أما الحنفية فقد ذهبوا إلى الجواز، أجازوا مسألة مد عجوة، يعني: نقد ومعه عرض بنقد من جنسه، الحنفية أجازوا هذا، بشرط زيادة النقد المفرد على النقد المضموم إليه، يعني: نحن عندنا ذهب مفرد أو فضة مفردة، يشترط فيه أن يكون أزيدَ عن المضموم إليه، يعني: عن الذهب الآخر الذي معه العجوة ومعه الكتاب، أو الفضة التي معها العجوة ومعها الكتاب، أو معها الثوب، أو معها منديل، وما إلى ذلك، يكون المفرد أكثرَ، يعني: يشيرون إلى أن هذه الزيادة، مقابل العَرَض الموجود في العوض الآخر أو البدل الآخر.

أما إذا تساويَا وكان المفرد أقل؛ بطل البيع؛ لأن فيه زيادة في أحد العوضين؛ ولتحقق التفاضل المحرم الذي نَهى عنه النبي صلى الله عليه  وسلم.

أما المالكية، فالأصل عندهم في بيع المحلَّى -يعني: بيع الشيء المطلي بالذهب أو الفضة، أو المزين بالذهب أو الفضة- أن هذا ممنوع، إلا في بعض الأشياء، وبعض الأشياء رخصوا فيها وذلك في المصحف أو السيف.

إذا الأصل عندهم – أي: المالكية- في بيع المحلى بالذهب أو الفضة، المنع؛ لأن في بيعه بصنعة -يعني: مع صنعة- بيع ذهب وعرض بذهب، أو بيع فضة وعرض بفضة، لكن رخصوا فيه للضرورة. يعني: عند الضرورة يجوز هذا، بشرط: أن تكون التحلية مباحةً كتحلية سيف أو مصحف، فعند المالكية يجوز تحلية المصحف بالذهب أو بالفضة، وكذلك تزيين السيف بالذهب أو الفضة.

فالأشياء التي أجازوا تحليتها وتزيينها بالذهب أو بالفضة يجوز فيها ذلك، يعني: يجوز بيع المحلى فيها بذهب أو فضة، بذهب أو فضة، حتى لو كان في أحدهما زيادة، وبشروط أخرى: الشرط الأول: أن تكون التحلية مباحةً، الشرط الثاني: أن يكون في نزع الحلية فساد أو غُرم دراهم، يعني: لو نزعنا الحلية سيؤدي ذلك إلى فساد المحلى، أو يؤدي ذلك إلى دفع غرامة أو دفع نقود؛ لنزع هذه الحلية، فتُترك إذا توافرت هذه الشروط، وشرط آخر: أن تكون الحلية قدر الثلث، أو أقل، يعني: على الثلث من المحلى، لا تكون نصف المحلى ولا تكون ثلثيه، ولا تغلب عليه، إنما تكون في حدود الثلث.

والمعتمد عندهم، هل يكون هذا الثلث بالقيمة، أوبالقدر، أو بالوزن، أوبأيِّ شيء؟

المعتمد في مذهب المالكية: أن يكون تقدير الثلث بالقيمة، يعني: قيمة الحلية تساوى ثلث قيمة الشيء المحلى بها.

وهذه الأنواع الثلاثة، هي أهم أنواع الصرف.

ولكن ماذا عن المعاملات المالية المعاصرة؟  

في المعاملات المالية المعاصرة الصرف موجود، وبيع العملات والأثمان بعضها ببعض موجود، وله أسواق رائجة في أنحاء العالم، وله صيارفته، فماذا نصنع بالنسبة للعملات المعاصرة، إذ المعروف أن العملات المعاصرة -الآن- أصبحت لا بالذهب ولا بالفضة، إنما أصبحت عملات ورقية تصدرها كل دولة، وتضمن رَواجَها، والناس يتعاملون بها، وفيها تُحفظ قيم الأشياء والغرامات والديات، وأروش الجنايات، والمهور، وانتهى الأمر إلى أنها أصبحت وقد حلت محل الذهب والفضة اللذان كانا يُستعملان قديمًا، وأصبح لبعض البلاد عملات تروج أكثر من غيرها، ومن أشهر العملات الموجودة، الدولار، الريال، الدينار الكويتي، الين الياباني، الفرنك الفرنسي، الجنيه الإنجليزي، الجنيه المصري، فماذا عن هذه العملات؟

ينبغي أن ننزل كل عملة بمنزلة الجنس الواحد من النقود، فمثلًا: كان قديمًا الذهب الفضة، والآن أصبح الين الياباني جنسًا، وأصبح الدولار الأمريكي جنسًا، وأصبح الريال جنسًا، وهكذا.

فعند الصرف ماذا نصنع؟

إذا أردنا صرفَ عملة بعملة من جنسها، كأن نصرف دولارًا بدولار؛ ينبغي أن يكون هناك تماثل وتساوي، يدًا بيد، يعني: يمنع فيها ربا الفضل، وربا النساء، فلا بد من التساوي، فلا يزيد الثمن عن المثمن.

لكن عند الاختلاف في الجنس، كيف يكون التوجيه عند الصرف؟

نعتبر كلًّا منهما جنسًا خاصًّا بنفسه، فإذا صرفنا دولارًا بريالات مثلًا يجوز التفاضل، ويجوز أن تكون الدولارات أكثر، ويجوز أن تكون الريالات أكثر، حسب السوق، وحسب ما نتفق، لكن يمنع التأجيل؛ حتى لا يحدث نزاع وخلاف.

وعلى هذا،  فإذَا أردنا استبدال دولار بريالات، يجوز الزيادة، ويجوز التساوي، ويجوز النقص في أحدهما، أو الزيادة في الآخر، حسب العَرْض والطلب، وحسب ما يخضع له سوق المال.

error: النص محمي !!