Top
Image Alt

أنواع المتشابه، والحكمة من ذكر المتشابه

  /  أنواع المتشابه، والحكمة من ذكر المتشابه

أنواع المتشابه، والحكمة من ذكر المتشابه

1. أنواع المتشابه: يمكن تقسم المتشابه إجمالًا -من جهة كونه مما يمكن معرفته والاطلاع عليه، أو لا- إلى ثلاثة أنواع: النوع الأول: ما لا يستطيع البشر أن يصل إلى معرفته، كالعلم بذات الله تعالى وصفاته، وأوصاف القيامة، ووقتها وأنواع الغيب؛ من السمعيات التي استأثر الله بها، ويلحق به متشابه الصفات، وكذا فواتح السور بأحرف التهجي؛ فإنهما مَمَا استأْثَرَ الله بعلمه على الراجح. النوع الثاني: ما يستطيع كل إنسان أن يعرفه عن طريق البحث والدارسة، وهذا يشمل ما كان التشابه فيه راجعًا إلى الألفاظ الغريبة؛ فمعرفة الألفاظ يمكن الاطلاع عليها، ومن السهل الوقوف عليها. النوع الثالث: ما يختص بالعلماء والراسخون في العلم، ويدخل فيه ما كان متشابهًا من جهة اللفظ والمعنى معًا، فإن معرفته تحتاج إلى الفقه في الدين، والعلم بالتأويل، والإلمام بعلم الأصول، وهذا ما أشار إليه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن عباس: ((اللهم فقِّهْه في الدِّين وعلِّمه التأويل)). قال الراغب: المتشابه على ثلاثة أضرب، ضرب لا سبيل للوقوف عليه كوقت الساعة، وخروج الدابة، وضرب للإنسان سبيل إلى معرفته كالألفاظ الغريبة، والأحكام المغلقة، وضرب متردد بين الأمرين، يختص به بعض الراسخين في العلم، ويخفى على من دونهم، ومثّل له بحديث ابن عباس رضي الله عنهما. 2. الحكمة من ذكر المتشابه: لا شك أن لذكر المتشابه في القرآن الكريم حِكمًا، وفوائد تناقلها العلماء خلفًا عن سلف، وللفخر الرازي، والكرماني يد طولى في تجلية هذا الأمر، والمتشابه إما من النوع الذي يمكن معرفته والاطلاع عليه، وإما أنه مما استأثر الله –تعالى- بعلمه، ولكل نوع منهما حكمة عظيمة في إيراده. فالنوع الأول الذي يمكن معرفته له فوائد، أهمها: أولًا: أنه يدعو إلى البحث والدراسة للوصول إلى معرفته، وفي ذلك مشقة توجب زيادة الأجر، قال الرازي: متى كانت المتشابهات موجودة، كان الوصول إلى الحق أصعب وأشق، وزيادة المشقة توجب مزيد الثواب، كما قال سبحانه: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنّةَ وَلَمّا يَعْلَمِ اللّهُ الّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ} [آل عمران: 142] . ثانيًّا: أن بحث المتشابه بهدف الوقوف عليه ومعرفته، يستلزم تحصيل علوم كثيرة، ومعارف متنوعة، كعلوم اللغة والأصول؛ وهذا يستتبع التوسع في العلوم وفروعها، يقول الرازي: لاشتمال القرآن على المحكم والمتشابه، يضطر الناظر فيه إلى تحصيلِ علومٍ كثيرةٍ، مثل: اللغة، والنحو، وأصول الفقه، مما يعينه على النظر والاستدلال، فكان وجود المتشابه سببًا في تحصيل علوم كثيرة، ولا شك أن البحث وتحصيل هذه العلوم المتنوعة، سيحمل الباحث على النظر وإعمال الفكر، والاستدلال، والتحرر من ربقة التقليد، والارتقاء بالعقل إلى المستوى الرفيع. ويقول أيضًا: وباشتمال القرآن المحكم، والمتشابه يضطر الناظر فيه إلى الاستعانة بالأدلة العقلية؛ فيتخلص من ظلمة التقليد، وفي هذا تنويه بشأن العقل، والتعويل عليه، ولو كان القرآن كله محكمًا، لما احتاج إلى الدلائل العقلية، ولظل العقل مهملًا. ثالثًا: بالإضافة إلى البحث والدراسة، وَحَثَّ العلماء لمعرفة المتشابه، ففيه يظهر فضل العلماء ومكانتهم بين الخلق، وأنهم في أعلى المنازل. ذكر السيوطي، عن الكرماني، قوله: إن قيل: ما الحكمة في إنزال المتشابه ممن أراد لعباده البيان والهدى؟ قلنا: إن كان المتشابه مما يمكن علمه، فله فوائد، منها: حث العلماء على النظر الموجب للعلم بغوامضه، والبحث عن دقائقه، فإن استدعاء الهمم لمعرفة ذلك من أعظم القرب، ومنه الظهور والتفاضل وتفاوت الدرجات، إذ لو كان كله محكمًا لما حتاج إلى نظر وتأويل، ولاستوت منازل الخلق، ولم يظهر العالم على غيره. رابعًا: يضيف العلامة الزرقاني حكمة أخرى، وهي: تحقيق إعجاز القرآن وتيسير حفظه، فكل ما استتبع فيه خفاءً وتشابهًا واحتمالًا للمعاني المختلفة، والوجوه المتعددة له مدخل عظيم في بلاغة القرآن، وبلوغه الطرف الأعلى في البيان، وبخاصة أسرار الإيجاز والإطناب، والتأخير والتقديم، والذكر والحذف، والحقيقة والمجاز، وكله من الإعجاز، وما احتواه القرآن من هذه الأسرار التي طويت في المتشابه، واستلزم الخفاء، لو شرح هذا، وبسط في وضوح، وعبر عن كل هذه بألفاظ كثيرة، لخرج الكتاب الكريم في مجلدات واسعة، يتعذر معها حفظه، فمجيء القرآن على هذا فيه تيسير لحفظه، وبخاصة عندما يدرك القارئ دقة القرآن وعلو أسلوبه وبلاغة بيانه. النوع الثاني: ما استأثر الله –تعالى- بعلمه، فلإيراده حِكم كثيرة: أولًا: الابتلاء والاختبار للخلق: أيؤمنون بالغيب، أو لا؟ فالمؤمنون الصادقون، يؤمنون بالغيب؛ ثقة بخبر الصادق، ويقولون: آمنا به كل من عند ربنا، وأما الذين في قلوبهم مرض وزيغ، فيكفرون به، ويتبعون ما تشابه منه؛ ابتغاء الفتة، وابتغاء تأويله. قال الكرماني: من فوائد ذكر المتشابه مما استأثر الله بعلمه: ابتلاء العباد بالوقوف عنده، والتوقف فيه، والتفويض، والتسليم، والتعبد بالاشتغال به من جهة التلاوة، كالمنسوخ وإن لم يجز العمل بما فيه، وإقامة الحجة عليهم؛ لأنه لما نزل بلسانهم ولغتهم، عجزوا عن الوقوف على معناه مع بلاغتهم وأفهامهم، كل هذا يدل على أنه نزل من عند الله سبحانه وتعالى. ثانيًا: بيان رحمة الله بخلقه، فإنَّ الإنسانَ ضعيفٌ لا يطيق معرفة كل شيء، فصفات الله، وحقائقه، وأسمائِهِ، وأفعاله، أمور عظيمة فوق طاقة البشر، فمن رحمته أن حجب ذلك عنا، ولو تجلى بها سبحانه للإنسان لصعق، فإن نبي الله موسى، وكذا الجبل الأشم، ما تحمل ذلك عندما تجلى ربنا له، كما قال: {فَلَمّا تَجَلّىَ رَبّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرّ موسَىَ صَعِقاً} [الأعراف: 143]. وجاء الحديث في صفة الله: ((حجابه النور؛ لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ))، أخرجه مسلم. ومن هذا القبيل: أخفى الله على الناس معرفة الساعة، وحجب عنهم معرفة الآجال. وما يقع من المصائب في الغد؛ ليجتهدوا في أعمالهم من غير خوف ولا استسلام، ويؤمنوا بالقضاء والقدر، ويعيشوا في سلامة، وفي رحمة، وفي سعادة، ولو علم الإنسان انتهاء الأجل، أو ما يأتيه من مصائب الغد، لعاش في نكدٍ وفي، همًّ، وفي غم، وفي كرب لا حدود له. ثالثًا: إقامة دليل على عجز الإنسان وجهالته، مهما عظم استعداده، وغزر علمه، وإقامة شاهد على قدرة الله الخارقة، أنه وحده هو الذي أحاط بكل شيء علمًا، وهناك يخضع العبد ويخشع لله رب العالمين.

error: النص محمي !!