Top
Image Alt

أنواع المصالح والمفاسد ومشروعية جلب المصالح والمفاسد

  /  أنواع المصالح والمفاسد ومشروعية جلب المصالح والمفاسد

أنواع المصالح والمفاسد ومشروعية جلب المصالح والمفاسد

فتنقسم المصالح والمفاسد إلى نوعين؛ دنيوية، وأخروية. 1. المصالح والمفاسد الدنيوية: ويعبَّر عنها بالمصالح والمفاسد العاجلة، والمصالح الدنيوية كل ما تدعو إليه ضرورة المكلفين وحاجاتهم وتحسيناتهم، ويدخل في هذا التمتع بالمباحات، والتلذُّذ بالطيبات، فمن هذه المصالح، ما هو واقع الحصول، وهذا ما تقتضيه المآكل، والمشارب، والمساكن، والمراكب، ويدخل في هذا جميع المعاملات الناجزة العواض، وكذا المباح الذي وقعت حيازته، كالاصطياد والاحتطاب، ومنها ما هو متوقع الحصول وغير مقطوع به، كالمكاسب المرجوَّة من التجارة والمنفعة المنتظرة من التعليم، والذي تجد الإشارة إليه هنا أن تحصيل مصالح الدنيا في حق أنفسها، يقتصر فيه على حدِّ الكفاية، ولا يتنافس في تحقيق الأصلح، ويقدم الأصلح فالأصلح، في كل من لنا عليه ولاية عامة أو خاصة -إن أمكن- لأننا مسئولون عن توفير الأحسن لهم ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا، وإلى مثل هذا ذهب الإمام البقوري. أما المفاسد الدنيوية فهي ما يقع به انخرام ضرورات المكلفين وحاجاتهم وتكميلاتهم، أو فواتها على وجه الجزء أو الكل، ومن هذه المفاسد ما هو واقع الحصول ومقطوع به في محل الحادثة، كالكفر، والجهل الواجب الإزالة، وكذلك حصول الجوع والعطش المفضيان إلى الهلاك، وهناك من المصالح ما هو متوقع الحصول مظنون في وقوعه عند محل الواقع، كقتال من يقصدنا من الكفار، والبغاة، وكذلك إيقاع ولي الأمر الحدود مع وجود الشبهات؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة)). وفي الأخير نشير إلى أن تحديد المصالح والمفاسد الدنيوية، يجب أن يتم وفق الضوابط الشرعية السالفة الذكر، وذلك امتثالًا لقوله تعالى: {وَمَآ آتَاكُمُ الرّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ} [الحشر: 7]، وقوله تعالى: {وَأَنّ هَـَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتّبِعُوهُ وَلاَ تَتّبِعُواْ السّبُلَ فَتَفَرّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153]. 2. المصالح والمفاسد الأخروية: ويُطلق عليها المصالح والمفاسد الآجلة، فالمصالح الأخروية: هي النجاة من العقاب، والحصول على الثواب، وهذا متوقع الحصول، وغير مقطوع به؛ لتوقفه على العاقبة التي يختم بها الله سبحانه وتعالى لعباده، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن: ((فإن الرجل منكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع، فيسبق عليه كتابه، فيعمل بعمل أهل النار، ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة)). يقول العز بن عبد السلام: “إذ لا يعرف أحد بما خُتِمَ له، ولو عرف ذلك لم يقطع بالقبول، ولو قطع بالقبول لم يقطع بحصول ثوابها ومصالحها؛ لجواز ذهابهما بالموازنة والمقاصَّة”. وعلى أيِّ وجه فإن الشريعة تراعي في جميع تصرفاتها مصالح المكلفين؛ الدنيوية، والأخروية معًا، أما مفاسدها، فهي حصول العقاب، وفوات الثواب، وهي متوقعة الحصول أيضًا، فلا جزم فيها؛ لإمكانية سقوطها بالتوبة، أو العفو، أو الشفاعة، أو الموازنة، والذي نلاحظه على المصالح والمفاسد الأخروية أنها خالصة -لا امتزاج فيها- بين الطرفين، وهذا ما دلت عليه النصوص الواردة في هذا الشأن، فقد قال الله تعالى -في شأن مفاسد الآخرة مع بيان تجردها من المصلحة: {لاَ يُفَتّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} [الزخرف: 75]، وقال تعالى: {فَالّذِينَ كَفَرُواْ قُطّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مّن نّارِ} [الحج: 19]. وقال في شأن المصالح الأخروية المجردة عن المفاسد: {إِنّ الْمُتّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ}(45) {ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ}(46) {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مّنْ غِلّ إِخْوَاناً عَلَىَ سُرُرٍ مّتَقَابِلِينَ}(47) {لاَ يَمَسّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مّنْهَا بِمُخْرَجِينَ} [الحجر: 45: 48]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ما سبق. المصالح الدنيوية خادمة للمصالح الأخروية: لقد نَظَّمَتِ الشريعة تصرفاتِهَا وأحكامَها على نمط يكون فيه اكتساب المكلف لمصالحه الدنيوية، مسلكًا لتحقيق سعادته الأخروية وضمانها، وهذا يتطلب من المكلف جعل جميع مقوماته، وأسباب قوته، وسعادته الدنيوية، واسطة لبلوغ السعادة الأبدية، ويحصل هذا عندما يشعر الإنسان أن كل كيانه وما يصدر عنه هو لله تعالى كما قال عز وجل: {قُلْ إِنّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162]، وقال تعالى: {وَمَنْ أَرَادَ الاَخِرَةَ وَسَعَىَ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مّشْكُوراً} [الإسراء: 19]. 3. مشروعية جلب المصالح: يقول الله تعالى في كتابه الكريم: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرّةٍ خَيْراً يَرَهُ} [الزلزلة: 7]، هذه الآية الكريمة تدل على عناية الشارع في تحقيق الصلاح في الخلق وحثّهم على أن تكون أعمالهم جالبة للخير، حتى لو كان ذلك في وزن ثمرة، فعلى المرء ألا يحقرَ من المعروف شيئًا. يقول ابن عبد السلام في تعليقه على هذه الآية: وهذا حثّ على جلب المصالح ودرئها؛ دقها، وجليلها، قليلها، وكثيرها، وهذا الخطاب لم يكن خاصًّا بأمة محمد صلى الله عليه وسلم وبرسالة الإسلام فحسب، بل كان هو الوصف الأعظم والأساس المتين الذي قامت عليه الرسائل السماوية السابقة، فهذا شعيب -عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام- يقول: {إِنْ أُرِيدُ إِلاّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيَ إِلاّ بِاللّهِ} [هود: 88]. وهذا موسى عليه السلام يحثّ أخاه هارون على جلب الصلاح وتجنب سبل الفساد، وذلك عندما طلب منه أن يخلفه في قومه: {وَقَالَ مُوسَىَ لأخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} [الأعراف: 142]، وأبعد من هذا فإن الله سبحانه وتعالى ربط مقدار السعادة الدنيوية التي يكتسبها الإنسان في حياته، وقوة الجزاء الحسن الذي يلقاه في آخرته بقدر الصلاح الذي يجلبه ذلك الشخص تحت راية الإيمان أثناء وجوده الدنيوي؛ حيث قال الله تعالى في ذلك: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىَ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنّهُ حَيَاةً طَيّبَةً وَلَنَجْزِيَنّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [النحل: 97]. بينما نجده سبحانه وتعالى يصف الذين يصدون عن أسباب جلب الخير والصلاح إلى أسباب الشر والفساد، كالذي بدل نعمة الله كفرًا، وهذا نتيجته البوار؛ حيث قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ بَدّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْراً وَأَحَلّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ} [إبراهيم: 28] ويقول المولى -جل وعلا: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ للّهِ وَلِلرّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24]. ويقول الله تعالى -في هذا السياق: {إِنّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي الْقُرْبَىَ وَيَنْهَىَ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلّكُمْ تَذَكّرُونَ} [النحل: 90]. إن هذه الآية جمعت في مضمونها أسباب المصالح الواجب جلبها وأسباب المفاسد الواجب دفعها، وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه في هذا الشأن: هذه أجمع آية في القرآن لخير يمتثل وشر يجتنب. ومن ثَمَّ فهي لم تقتصر على الجانب التكليفي فقط، بل امتدت إلى أبعد من ذلك؛ لتشمل الجانب الأخلاقي والآداب التي ترسخ إرادة تحقيق المصالح وتقوي عزيمة دفع المفاسد، ومن هنا قال الإمام الرازي: “جمع في هذه الآية ما يتصل بالتكاليف؛ فرضًا ونفلًا، وما يتصل بالأخلاق والآداب؛ عمومًا وخصوصًا”. إن أعظم مصلحة أمر بتحقيقها في هذه الآية هي التزام المكلف في جميع تصرفاته بالتوسط والإنصاف؛ سواء كان جالبًا لمصلحة أو دافعًا لمفسدة، وهو ما ذهب إليه جمهور المفسرين؛ لأن الإفراط في أحدهما هو التفريط في الآخر، طرفان ينتهي كل واحد منهما إلى ما هو فساد من جهة الخصوص والعموم، ولذا بدأت الآية الكريمة بقوله تعالى: {إِنّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ} الذي حقيقته المعادلة والموازنة بين شيئين -أي: التزام التوسط بينهما- إلا أن الإمام ابن العربي يعطي لكلمة العدل الواردة في هذه الآية أبعد مما سبق ذكره، فيقول: “العدل بين العبد وبين ربه إيثار حقه تعالى على حظ نفسه، وتقديم رضاه على هواه، والاجتناب للزواجر والامتثال للأوامر”. انتهى. وما هو في النهاية إلا إقبال على المصالح المطلوبة شرعًا، واجتناب للمفاسد المدفوعة شرعًا، ومن هذا القبيل قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((إن الدين بدأ غريبًا، ويرجع غريبًا، فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي)) في هذا الحديث نلاحظ أن الرسول -صلوات الله وسلامه عليه- قد أطلق صفة الصلاح على أولئك الغرباء الذين يتمسَّكون بالدين، ويحافظون على سنته صلى الله عليه وسلم في وقت دب فيه الفساد، وشاع بين الناس، وإضفاء هذه الصفة على أولئك الغرباء، وجعلها السمة المميزة لهم عن الغير، دليل قوي على مدى حرص الشريعة على تحقيق المصالح للخلق، وإقامتها؛ تمكينًا لدين الله تعالى الذي هو الحق. 4. مشروعية درء الفساد: لقد حسمت الشريعة الإسلامية الفساد ومسالكه، فطلبت من المكلفين اجتنابه؛ ناهية عنه تارة، ومرهِّبة منه تارة أخرى، ومن ذلك قول الله تعالى: {وَإِذَا تَوَلّىَ سَعَىَ فِي الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبّ الفَسَادَ} [البقرة: 205]، لقد خصَّت الآية القرآنية الكريمة الحرث والنسل بالذكر؛ لأن في هلاكهما وقوعًا في أعظم وجوه الفساد؛ لأن هذا العمل فيه عبث بما تقوم به معايش الناس ومصالحهم، قال ابن عطية: والظاهر أن الآية عبارة عن مبالغة في الإفساد؛ إذ كل فساد في الدنيا فعلى هذين الفعلين يدور، وفي الجملة فالآية تعم جميع ما يطلق عليه الفساد، وتدخل فيه المعاصي بجميع أنواعها، طالما أنها جارية على خلاف مراده سبحانه وتعالى. ويقول الإمام الطبري: “وقد يدخل في الإفساد جميع المعاصي، وذلك أن العمل بالمعاصي إفساد في الأرض، فلم يخصص الله وصفه ببعض معاني الإفساد دون بعض، وآخر الآية دالة دلالة واضحة على رفض الشريعة للفساد مطلقًا -مهما كان نوعه، ومهما كان حجمه: {وَاللّهُ لاَ يُحِبّ الفَسَادَ} [البقرة: 305] قال تعالى -مؤكدًا لهذا المعنى: {وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ} [البقرة: 60]، وعلق الإمام البيضاوي على هذه الآية فقال: وفائدة الحال إخراج كل ما يقصد به الإصلاح، ومن هذا القبيل قوله تعالى: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} [الأعراف: 56]، إذ النهي الوارد في هذه الآية يتناول منع جميع أنواع الفساد وأصنافه من إدخال ماهيتها في الوجود، وذلك صيانة لما أقامه الله سبحانه وتعالى وهيأه لعمارة الأرض على وجه يخدم مصالح المكلفين، ويحقق لهم منافعهم من غير فساد يلحقهم، وهذا ما يؤكده قوله تعالى: {بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} [الأعراف: 56]”. وذهب ابن عطية وأبو حيان الأندلسي إلى أن الآية عامة في جميع أنواع الفساد، وأن محاولة تخصيصها بنوع معين تحكُّم، إلا أن يقال على سبيل المثال، وقد شدَّد الرسول صلى الله عليه وسلم على وجوب دفع الفساد بكل وجوهه، ومن ثَمَّ فقد نفى عن المسلمين كل ضرر بأنفسهم أو بغيرهم، وجعله أمرًا ممنوعًا في دينهم، فقال: ((لا ضرر ولا ضرار))، وَفُسِّرَ أيضًا هذا الحديث بأنه: لا تضر ابتداءً، ولا تضر على سبيل المقابلة. وإذا كان هذا النص دالًّا على نفي الفساد بصيغة العموم، فقد وردت عنه نصوص تنهى عن الفساد في جزئيات خاصة؛ تعضيدًا لمقام العموم، منها قوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أتيت على حائط فناد صاحبه ثلاث مرات، فإن أجابك وإلا فكل من غير ألا تفسد، وإن أتيت على راعٍ فناده ثلاث مرات، فإن أجابك فكل واشرب من غير ألا تفسد))، وهذا استجابة لقوله تعالى: {وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُوَاْ إِنّهُ لاَ يُحِبّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31]، وهو عام في جميع ما يُؤكل ويشرب بمنع الإسراف فيه؛ لأنه من باب الإفساد في المال. ولم تكتف الشريعة الإسلامية بالنهي عن الفساد وبيان مضاره، بل عمدت إلى أسلوب الترهيب، وذلك بالحديث عن الجزاء الذي يلقاه المكلف بارتكابه ما يؤدِّي إلى الفساد أو محاولة الاقتراب منه، يقول تعالى: {مَن يَعْمَلْ سُوَءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123]، وهذا عام، ويؤكد هذا قوله تعالى: {وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرّةٍ شَرّاً يَرَهُ} [الزلزلة: 8]، وعلق العز بن عبد السلام على هذه الآية، فقال: وهذا زجر عن المفاسد كلها؛ دقها وجلها، قليلها وكثيرها؛ لأن أسبابها من جملة الشرور. ولقد وعد الله سبحانه وتعالى الذين يقترفون الفساد، بحلول لعنته عليهم في الدنيا، فقال: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي الأرْضِ وَتُقَطّعُوَاْ أَرْحَامَكُمْ}(22) {أَوْلَـَئِكَ الّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ فَأَصَمّهُمْ وَأَعْمَىَ أَبْصَارَهُمْ} [محمد: 22-23]، وكذلك زيادة العذاب في الآخرة، فقال تعالى: {زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ} [النحل: 88]، وأبعد من هذا أن الله سبحانه وتعالى حرمهم من متاع الدار الآخرة ونعيمها فقال تعالى: {تِلْكَ الدّارُ الاَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتّقِينَ} [القصص: 83]. وإن من أعظم المفاسد في نظر الشريعة: هو الخروج عن الحق وتحكيم الهوى، وذلك لما يفضي إليه من فساد في السماء والأرض ومن فيهن، وهذا أمر خطير على وجه العموم؛ حيث قال تعالى: {وَلَوِ اتّبَعَ الْحَقّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السّمَاوَاتُ وَالأرْضُ وَمَن فِيهِنّ} [المؤمنون: 71]، وفي هذا النص بيان واضح يبين أن من أعظم مظاهر اجتناب الفساد والمفاسد، هو الالتزام بشرعه سبحانه وتعالى أفرادًا وأمة. ومن هنا يتضح لنا طريق النظر في المصالح المتعددة إذا لم يمكن تحصيل جميعها، وفي المفاسد المتعددة إذا لم يمكن درء جميعها، وقد بين عز الدين بن عبد السلام -رحمه الله- في كتاب (القواعد) أن تقديم أرجح المصلحتين هو الطريق الشرعي، وأن درأ أرجح المفسدتين كذلك، فإذا حصل التساوي من جميع الوجوه فالحكم التخيير، ولقد مثل في أصول الفقه بمن سقط على جماعة من الجرحى؛ بحيث إذا وطأ على واحد قتله، فإذا انتقل على غيره قتله أيضًا، فقيل: يبقى واطئًا لمن نزل عليه، وقيل: يخيَّر. ويظهر التخيير واضحًا في تصرفات وُلاة الأمور عند تعارض المصلحتين العامتين، كتوسيع طريق بين جبلين يفضي إلى بلد بتضييق طريق بينهما يُفضي إلى بلد آخر، ومما يجب التنبيه له أن التخيير لا يكون إلا بعد استفراغ الوسع في تحصيل مرجح ما تمَّ العجز عن تحصيله، وفي طرق الترجيح قد يحصل اختلاف بين العلماء، فعلى الفقيه تحقيق الأمر في ذلك، ويُعْرَفُ الترجيح بوجوه منها: أهمية ما يترتب على المصلحة على ما يترتب على غيرها، كتقديم مصلحة الإيمان على مصلحة الأعمال، وتقديم إنقاذ الأنفس عند الأخطار على إنقاذ الأموال، وتقديم ما حض الشارع على طلبه على ما طلبه طلبًا غير محسوس، وتقديم الأصل على فرعه. ومن طرق الترجيح الخفية عن المدركات الشائعة آثارها في المعاملات؛ ترجيح إحدى المصلحتين الفرديتين على مساويتها بمرجَّح -وهو مراعاة الأصل- فإن كثيرًا من أنواع التجارات إذا احترف بها التاجر لجلب مصلحته فدخل بمقدار إضراره على مماثله في التجارة، فمصلحة أحد التاجرين في الاحتراف بالتجارة، ومصلحة الآخر في ترك غيره ذلك الاحتراف، وهما متساويتان، لا يمكن الجمع بينهما، فَرَاعَتِ الشريعة الإسلامية طريق الترجيح في مثل هذا؛ بأن الأصل إرسال الناس في ميدان الاختيار والجلب، فتترجح إحدى المصلحتين باختيار جالب تلك المصلحة لنفسه؛ ولذلك أباحت الشريعة الإسلامية أن يشتغل أحد بالتجارة في ضرب من ضروب السلع مع وجود مماثل له في تلك التجارة، سابق له، فإذا قصد بذلك الإضرار كان آثمًا على نيته، ولم يكن ممنوعًا من العمل. فالشريعة تسعى إلى تحقيق المقاصد في عموم طبقات الأمة بدون حرج ولا مشقَّة، فتجمع بين مناحي مقاصدها في التكاليف والقوانين مهما تيسر الجمع، فهي تترقب الأمة من الأدوَنِ من نواحي المقاصد إلى الأعلى بمقدار بما تسمح به الأحوال وتيسر حصولها، وإلا فهي تتنازل من الأصعب إلى الذي يليه مما فيه تعليق الأهم من المقاصد. 5. جلب المصالح ودرء المفاسد مطلقًا: يقول الدكتور أحمد الريسوني: “أي: حيثما تحققت المصلحة مصلحة فيجب العمل على جلبها ورعايتها، وحيثما تحققت المفسدة مفسدةً فيجب العمل على دفعها وسدّ أبوابها، وإن لم يكن في ذلك نص خاص فحسبنا النصوص العامة الواردة في الحثّ على الصلاح والإصلاح والنفع والخير، وحسبنا النصوص العامَّةِ في ذم الفساد والإفساد والمفسدين وفي النهي عن الشر والضرر، وحسبنا الإجماع المنعقد على أن المقصد الأعم للشريعة: هو جلب المصالح ودرء المفاسد في العاجل والآجل”، وهذا هو باب المصالح المرسلة -الذي تضاربت فيه الأقوال الأصولية- ولكن التطبيق الفقهي أخذ به في جميع المذاهب المتبعة، كما أن الأصوليين المعاصرين أجمعوا على تأييد حجية المصالح المرسلة وعلى تأكيد أهميتها للفقه الإسلامي. 6. الترجيح بين المصالح والمفاسد المتعارضة: أ. تعريف الترجيح لغةً واصطلاحًا: فالترجيح لغة من: رَجَحَ الشيء بيده، أو رجّح الشيء بيده: وَزَنَهُ وَنَظَرَ مَا ثِقَله، فالترجيح في اللغة هو الميل والثقل. اصطلاحًا: هو اقتران أحد الصالحين للدلالة على المطلوب، مع تعارضهما بما يوجب العمل به وإهمال الآخر. يقول الشوكاني -رحمه الله: “والترجيح هو إثبات الفضل في أحد جانبي المتقابلين، أو جعل الشيء راجعًا، ويقال مجازًا لاعتقاد الرجحان. وفي الاصطلاح: اقتران الأمارة بما تقوى بها معارضتها”. أما الإمام الرازي في (المحصول) فيقول: “الترجيح تقوية أحد الطرفين على الآخر، فيُعلم الأقوى فيُعمل به، ويُطرح الآخر”، وإنما قلنا: “الطرفين”؛ لأنه لا يصحّ الترجيح بين الأمرين إلا بعد تكامل كونهما طرفين، والقصد منه تصحيح الصحيح، وإبطال الباطل. يقول الزركشي في (البحر المحيط): “إذا ثبت أن المعتبر في الأحكام الشرعية الأدلة الظنية؛ فقد تتعارض في الظاهر بحسب جلائها وخفائها، فوجب الترجيح”. ومن شروط الترجيح التي لا بد من اعتبارها: أنه لا يمكن الجمع بين المتعارضين بوجه مقبول، فإن أمكن ذلك تعيّن المصير إليه، ولم يَجُزِ المصير إلى الترجيح. ولبيان أهمية الترجيح بين المصالح والمفاسد، يقول الإمام ابن تيمية -رحمه الله: “فتفطّن لحقيقة الدين، وانظر ما اشتملت عليه الأفعال من المصالح الفردية والمفاسد؛ بحيث تعرف ما ينبغي من مراتب المعروف ومراتب المنكر؛ حتى تقدِّمَ أهمها عند المزاحمة؛ فإن هذا حقيقة العمل بما جاءت به الرسل، فالتمييز بين جنس المعروف وجنس المنكر، وبين الدليل وجنس الدليل، وغير الدليل، يتيسر كثيرًا، فأما مراتب المعروف والمنكر، ومراتب الدليل، بحيث تقدم عند التزاحم، أعرف المعروفين، فندعو إليه، وننكر أنكر المنكرِين، وترجح أقوى الدليلين؛ فإن هذا هو خاصّة العلماء بهذا الدين”. والذي يقصده الإمام ابن تيمية أنه عند اجتماع المصالح والمفاسد، والمنافع والمضار، وتعارضها، يُحتاج إلى فرقان، ثم يقول بأن الحكيم هو الذي يقدِّم أعلى المصلحتين، ويدفع أعظم المفسدتين. ويقول العز بن عبد السلام -رحمه الله: “وتقديم المصالح الراجحة على المرجوحة محمود الحسن”. ب. تعارض المصالح وطرق الترجيح بينها: إذا تعارضت مصلحتان، وكان لا بد من تقديم إحداهما، يتم التعامل معهما كما يلي: أولًا: إذا تعارضت مصلحتان من نفس الجهة، كأن تكون عامتين، أو خاصتين، أو دنيويتين، أو أخرويتين معًا، يتبع المنهج التالي في التعامل معها: فإما أن يصار إلى الجمع بين المصلحتين ما أمكن ذلك؛ لأن الجمع بينهما أحسن من تفويت إحداهما مع القدرة على تحصيلها. يقول ابن عبد السلام -رحمه الله: “فمن قدر على الجمع بين الأمر بمعروفين في وقت واحد لزمه ذلك؛ لما ذكرناه من وجوب الجمع بين المصلحتين، وأما إذا استُحكم التعارض، وتعذر الجمع بين المصلحتين، وظهر تساويهما من كل وجه؛ يصار إلى التخيير، وقد يقرع بينهما”. ونبّه الإمام ابن عاشور، على أنه لا يصار إلى التخيير إلا إذا استفرغ الفقيه وسعه في تحصيل المرجحات. ومثال ذلك: ما إذا لو كان تعبيد طريق إلى بلد بين جبلين يفضي إلى تضييق طريق آخر بينهما، فلولي الأمر الاختيار في ذلك للتساوي. أما إذا استحكم التعارض، وتعذّر الجمع، وظهر التفاوت بين المصلحتين؛ يصار إلى أعظمهما نفعًا بتفويت أدناها، وهو المطلوب من جهة الشرع، قال الله تعالى في كتابه الكريم: {فَبَشّرْ عِبَادِ}(17) {الّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَـتّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} [الزمر: 17- 18]، وبناءً على هذا قُدِّمت مصلحة القصاص على مصلحة احترام النفس المقتص منها؛ لعظمها في إيقاع السلامة، بتسكين ثائرة أولاد القتيل من الثأر لقتيلهم، وكذلك انزجار الجناة عن القتل. ثانيًا: إذا تعارضت مصلحة عامّة مع مصلحة خاصة: يصار إلى أحد أمرين: إما الجمع بين المصلحتين العامة والخاصة ما أمكن؛ حتى لا تقدّم إحداهما على الأخرى، فالشريعة اعتبرت الفرد ومصلحته، وكذلك الأمة ومصلحتها، وجعلت الواقع الاجتماعي مكونًا منهما، فإنكار أحد مكونات هذا الواقع أو إهماله بتفويته مع إمكانية تحصيله، يعتبر ظلمًا لا تسير الشريعة نحوه. وبناءً عليه فإن المجتهد أو الحاكم إذا تمكّن من إيجاد مسلك يتمّ بواسطته تحصيل المصالح العامة، دون التعرض للمصالح الخاصة بالإلغاء أو الانخرام، وجب عليهما العدول من كل مسلك يفضي إلى التعرّض للمصالح الخاصة، والالتزام بما ليس في طريقه، وذلك جمعًا بين المصلحتين. أما إذا استُحْكِم التعارض واستحال رفعه، قُدِّمت المصلحة العامة على المصلحة الخاصة؛ لشمولها وعمومها، وتفوّت المصلحة الخاصة لضيقها وانحصارها؛ لأنه لا يعقل أن يُهدر ما تتحقّق به فائدة جمهورٍ من الناس لحفظ مصلحة شخصٍ أو فئة قليلة؛ لأن في فوات المصلحة العامّة يلحق الضرر بالعموم، وفي فوات المصلحة الخاصة لا يلحق الضرر بالخصوص؛ لانتفاعه بتلك المصلحة إذا كانت من جنسها؛ وذلك باعتباره فردًا من أفراد العموم. ومن أمثلة هذا: صيرورة الثروات الطبيعية للمنفعة العامة، وإن كان وجودها في عقار ذي ملكية خاصة؛ لأن رعاية المصلحة العامة مقدّم على المصلحة الخاصة. ثالثًا: إذا تعارضت مصلحة أخروية مع مصلحة دنيوية؛ فعلى ذلك تقدّم المصلحة الأخروية، والنظر الشرعيّ جارٍ على هذا. قال الإمام الشاطبي -رحمه الله: “المصالح والمفاسد الأخروية مقدّمة في الاعتبار على المصالح والمفاسد الدنيوية باتفاق؛ إذ لا يصحّ اعتبار مصلحة دنيوية تخلّ بمصالح الآخرة، فمعلوم أن ما يخلّ بمصالح الآخرة غيرُ موافق لمقصود الشارع؛ فكان باطلًا”، ومن هنا جاء النهي عن البيع وقت الصلاة، قال تعالى: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ إِذَا نُودِيَ لِلصّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَىَ ذِكْرِ اللّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [الجمعة: 9]، ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن البيع والشراء في المسجد؛ لكون العبد داخلًا في عبادة الله، طالبًا تحصيل مصلحة أخروية؛ فوجب سقوط المصلحة الدنيوية أمامها، والمتمثلة في البيع والشراء؛ حيث قال صلى الله عليه وسلم: ((إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك)). رابعًا: تُقدّم المصلحة المؤكّدة على المصلحة الموهومة أو المشكوكة، مهما كان عِظمها وعمومها، وهذا مبنيٌّ على القاعدة الكلية: “اليقين لا يزول بالشك”، وفي هذا المقام تنزّل المصلحة التي غلب الظن على وقوعها منزلةَ المصلحة المتيقنة والمقطوع بها؛ لأن الشرع قد اعتبر غلبة الظنّ كالقطع في الأحكام. ومن أمثلة هذه القاعدة: إذا تعارضت مصلحة المحافظة على مال اليتيم مع مصلحة الاتّجار به دَيْنًا ودون توثيق تُقَدّم الأولى؛ لتأكّدها، وحصول القطع في وقوعها على الثانية؛ وذلك لتطرق الشكِّ إلى جهة الوقوع في هذه الأخيرة، وإن كانت أعظم نفعًا لليتيم عند الوقوع. جـ. تعارض المفاسد وطرق الترجيح بينها: أولًا: إذا تعارضت مفسدتان من نفس الجهة، يتّبع المنهج الآتي في التعامل معها: فإما أن يدرأ الجميع ما أمكن ذلك؛ فإن في الخروج منهما سلامة من الضرر للجميع، ومن توفّرت لديه أسباب دفع المفسدتين لزمه ذلك، ولا يجوز له ارتكاب أخفِّهما. يقول ابن عبد السلام -رحمه الله- في ذلك: “وإن قدر على دفع المكروه لسببٍ من الأسباب لَزِمَه ذلك لقدرته على درء المفسدة”. ومثال هذا ما قرّره علماؤنا: أن من حَلَفَ على ألّا يدخل بيتًا في المدينة، لا يحنث بدخوله المسجد، وإن كان المسجد يسمّى بيتًا من بيوت الله؛ وذلك حملًا على العرف الشرعيّ درءًا للمفسدتين: مفسدة عدم الدخول بفوات أجر الجماعة في الصلاة، ومفسدة حنث اليمين بالدخول. أما إذا استُحكم التعارض، واستحال الدرء لهما معًا، وتساوت المفسدتان من كل وجه؛ فقد ذهب البقوري إلى التخيير في الدرء، فقال: “وإن تعذّر درؤهما وتساوت، تخيّرنا، وقد يقرع بينهما”. وتردّد ابن عبد السلام -رحمه الله- بين التخيير والتوقّف فقال: “فإذا تساوت فقد يُتَوَقّف وقد يُتَخَيّر، والراجح هنا هو التخيير؛ لاتفاقهما عليه”. قال المقري: “وقد تُرجّح المفسدةُ على المفسدةِ، فيسقط اعتبارها ارتكابًا لأخفِّ الضررين عند تعذّر الخروج عنهما”. والأمثلة على هذا كثيرة جدًّا: كقطع الأعضاء المتآكلة، فإنّ ارتكاب مفسدة قطعها واقعة؛ لدفع مفسدة فوات النفس بسبب بقائها في الجسد. ودرء المفاسد في هذه المواقع، يتنزّل دائمًا على رعاية أصول المقاصد: الضروريات، والحاجيات، والتحسينيات، واعلم أن المفسدة الأخفّ التي يسمح بارتكابها لدفع ما هو أثقل منها، يجب ألّا تتعدّى مواقع الضرورة في حالة الأفراد ومواقع الحاجة في حالة العموم. قال المزري: “إن البيع مجازفة فيه غَرَرٌ، ورخّص فيه للارتفاق ورفع المشاق، وما جرى على هذا الأسلوب يجب ألّا يوسّع فيه للغرر إلا بمقدار حسب الحاجة إليه”. ثانيًا: إذا تعارضت مفسدةٌ عامّةٌ مع مفسدة خاصّة، يُصار إلى أحد أمرين: إما أن يدفعان معًا ما أمكن، ولا يفرّط في واحدة منهما مع القدرة على دفعهما معًا، كأخذ عقار من شخص لبناء مسجد أو مدرسة، فإذا تمسّك صاحب العقار بملكيّته، حصلت المفسدة للعموم بفوات الاجتماع في العبادة، وببقاء الجهل بين الناس، وإذا تنازل عنه حصلت له مفسدة بفقده، ولدفع المفسدتين معًا يُؤخذ العقار لفائدة العموم، ويعوّض المالك بعقار آخر حتى لا يتضرّر بفقد عقاره الأصلي، وأما إذا استُحْكِمَ التعارض وتعذّر دفعهما معًا، يُصار إلى دفع المفسدة العامة مع حصول المفسدة الخاصة. وقد قرَّر علماؤنا في هذا الباب قاعدةً جليلةً: “يُتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام”. ومثاله: قتل قاطع الطريق إذا قتل غيره بأيّ كيفية كانت، ولا يُقبل عفو وليّ القتيل في الاقتصاص منه؛ لأن مفسدته في بقائه سارية على جميع أفراد العموم، وفي قتله مفسدةٌ في تفويت نفس فردٍ واحدٍ كان لزامًا إتلافها، فدفعنا الأعم بارتكاب الأخص. ثالثًا: لا تُدفع مفسدة بمثلها ولا بأكبر منها، وبناءً على هذا قرّر الفقهاء القاعدة القائلة: “الضرر لا يزال بمثله”. ويقول المقري في ذلك: “لدرء المفسدة شروط: بألّا يؤدي إلى مثلها أو أعظم منها، وهذا وجوبًا باتفاق، كما نقل ذلك”. ومثاله: كالمضطر الذي لم يجد ما يدفع به الهلاك جوعًا إلا طعامًا لمضطرٍ مثله، أو بدن آدميٍّ حيٍّ؛ فإنه لا يباح له؛ لأن مفسدته لا تدفع بإلحاق مثلها بالغير. ومنه أيضًا: إكراه المرأة على قتل مسلم، أو تعرضها للفاحشة، فهذه المرأة لا يجوز لها الإقدام على القتل لدفع الزنا عن نفسها؛ لأنه لا يجوز طبقًا للقاعدة دفع ما هو أخفّ بما هو أثقل، كالموت. رابعًا: تدفع المفسدة بقدر الإمكان، وبناءً على هذا قرّر الفقهاء القاعدة القائلة: “الضّرر يُدفع بقدر الإمكان”، وعلّق الشيخ أحمد الزرقا -رحمه الله- على هذه القاعدة، بقوله: “فإن أمكن دفعه بالكلية فبها، وإلا فبقدر ما يمكن، فإن كان مما يقابل بعوض جُبِرَ به”. ومن هنا جاء دفع الحدود بالشبهات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ادرءُوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم))، وأُسْقِطَ القصاص بالعفو. د. الاقتصار على المكلف وعدم لزوم ضرر منه للغير: إذا تعارض جلب المصالح مع دفع المفاسد، يُنظر إليه من حيث الآثار المترتبة على ذلك الجلب والدفع. وهو قسمان: القسم الأول: أن يقتصر على المكلف ولا يلزم منه ضرر للغير. القسم الثاني: أن يتعدّى المكلف ويلزم عنه ضرر للغير. أما القسم الأول، فينظر فيه من حيث مقدار النفع والضرر اللَّاحقين بالمكلف، ويحدّد الحكم على طبيعة الجهة الراجحة. وهو ثلاثة أقسام: القسم الأول: الجمع بين جلب المصالح ودفع المفاسد ما أمكن. القسم الثاني: تساوي جلب المصالح مع دفع المفاسد. القسم الثالث: تفاوتهما برجحان إحدى الجهتين. وبيان كل واحدة منهما بالتفصيل كما يأتي: أولًا: يجمع المكلَّف بين جلب مصلحته ودفع مفسدته قدر الإمكان؛ لأنه مطالب بذلك إذا قَدَرَ عليه؛ يقول الله تعالى في كتابه الكريم: {فَاتّقُواْ اللّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]، ومثله كالذي يسعى لتحصيل العلم الشرعي في بلدٍ لا بدّ من الهجرة إليه، مع القصور عن النفقة التي يدفع بها مفسدة الجوع والبرد والمسكن، فيجمع بين الأمرين بالقيام بعمل يستجلب به ما يدفع المفسدة السابقة، ويجلب بذلك منفعة العلم الحاصلة بالتعلّم، وذلك بتحقيق إقامته في ذلك البلد. ثانيًا: مساواة المصلحة التي يُرجى جلبها للمفسدة المراد فعلها في نفس الفعل، وهذا ما وَقَعَ فيه الخلاف، فقد أثبته قوم ونفاه آخرون، ومن الّذين أثبتوه عز الدين ابن عبد السلام -رحمه الله- حيث قال: “وإن استوت المصالح والمفاسد فقد يُتخيّر بينهما، وقد يتوقف فيهما، وقد يقع الاختلاف في تفاوت المفاسد”. كما أثبت الشيخ ابن عاشور إمكانية استواء المصالح والمفاسد في نفس الفعل، ولكن وجود ما يعضد إحدى الجهتين من المرجِّحات الخارجية عنهما، والداخلة في جنسهما، يدفع ذلك التساوي، فقال: “أن يكون أحد الأمرين من النفع أو الضر مع كونه مساويًا لضده معضدودًا بمرجّح من جنسه، مثل: تغريم الذي يتلف مالًا عمدًا قيمةَ ما أتلفه؛ فإن في ذلك التغريم نفعًا للمتلَف عليه، وفيه ضررٌ للمتلف، وهما متساويان، ولكنّ النفع قد رُجِّحَ بما عضّده من العدل والإنصاف الذي يشهد أهل العقول والحكماء بأحقيته”. ومن الذين نفوا حصول الاستواء بين المصالح والمفاسد في الفعل الواحد من جهة الشرع الإمام الشاطبي -رحمه الله- فهو يرجِّح عدم وقوع هذا الأمر في الشريعة الإسلامية، وإن فُرِضَ وقوعه فليس للمكلّف ترجيح لأحد الطرفين على الآخر؛ لأن هذا يعدّ حكمًا بالتشهِّي، وهو باطل في الشريعة باتفاق، وإنما واجبه التوقف؛ حتى يأتي الدليل من الشرع الذي يأذن في ترجيح أحد الطرفين، وهو ما يرفع التساوي، ويجعله لاغيًا لا عبرة له. يقول الشاطبي -رحمه الله: “فإن تساوتا فلا حكم من جهة المكلّف بأحد الطرفين دون الآخر، وإن ظهر التساوي بمقتضى الأدلة، ولعل هذا غير واقع في الشريعة الإسلامية، وإن فُرض وقوعه فلا ترجيح إلا بالتشهّي من غير دليل، وذلك في الشرعيات باطل باتفاق، وأما إن قصد الشارع متعلّق بالطرفين معًا -طرف الإقدام وطرف الإحجام- فغير صحيح؛ لأنّه تكليفٌ بما لا يطاق؛ إذ قد فرضنا تساوي الجهتين على الفعل الواحد، فلا يمكن أن يؤمر بهما معًا، ولا يكون أيضًا القصد غير متعلِّق بواحد منهما؛ إذ فقد فرضنا أن توارد الأمر والنهي معًا هما علمان على الجملة؛ إذ لا أمر ولا نهي من غير اقتضاء، فلم يبقَ إلا أن يتعلّق بإحدى الجهتين دون الأخرى، ولم يتعيّن ذلك للمكلف، فلا بدّ من التوقف”. ثالثًا: إذا تعذر الجمع بين جلب المصالح، ودفع المفاسد، واستحكم التعارض بينهما، ينظر للجهة العظمى منهما. والنظر هنا قائم من جهتين: الجهة الأولى: إذا كان التفاوت لصالح جهة المفسدة؛ فكانت هي الغالبة؛ فإنه يجب دفعه؛ ولهذا قال المقري: “عناية الشرع بدرء المفاسد أشد من عنايته بجلب المصالح؛ فإن لم يظهر رجحان الجلب؛ قدم الدرء”. وقال الإمام الشاطبي رحمه الله: وكذلك المفسدة إذا كانت هي الغالبة فالنظر إلى المصلحة في حكم الاعتياد؛ فرفعها هو المقصود شرعًا، ولأجله وقع النهي ليكون رفعها على أتم الإمكان العادي في مثلها حسب ما يشهد له عقل كل مسلم، فإذا تبعتها مصلحة أو لذة؛ فليست هي المقصودة بالنهي عن ذلك الفعل، بل المقصود ما غلب في المحل، وما سوى ذلك ملغي في مقتضى النهي كما كانت جهة المفسدة ملغاة في جهة الأمر. ومن أمثلة هذا: أن من أراد أداء فرض الحج مع وجود المهالك في طريقه؛ فإنه يقدم درء المفسدة للإلقاء باليد إلى التهلكة على جلب مصلحة الحج، أي: بمنزلة تقديم الحرام على الواجب. أما ما قرره الأصوليون، والفقهاء في القاعدة القائلة: درء المفاسد أولى من جلب المصالح عند تعارضهما؛ فإنه ينصرف إلى المفسدة التي لا يتوقف ضررها على نفس الفاعل، بل يتعدَّاه إلى الغير؛ فمثل هذا الفعل تقدم دفع مفسدته على جلب مصلحته، ولو كانت المصلحة فيه تربوا على المفسدة، قال أحمد الزرقا -رحمه الله: “أما إذا كانت المفسدة عائدة إلى غيره؛ فإنه يمنع منها لمجرد وجود الضرر للغير، وإن كانت المنفعة تربوا كثيرًا على المفسدة”. الجهة الثانية: وهي إذا كانت جهة المصلحة هي الغالبة كان الحكم لها بالتقديم على المفسدة، قال المقري: “تقدم المصلحة الغالبة على المفسدة النادرة، ولا تترك لها”، وقال الإمام الشاطبي: “المصلحة إذا كانت هي الغالبة عند مناظرتها مع المفسدة في حكم الاعتياد؛ فهي المقصودة بالشرع، ولتحصيلها وقع الطلب على العباد ليجري قانونها على أقوم طريق وأهدى سبيل، وليكون حصولها أتم وأقرب وأولى بنيل المقصود على مقتضى العادات الجارية في الدنيا؛ فإن تبعها مفسدة، أو مشقة فليست بمقصودة في شرعية ذلك الفعل وطلبه”. ويحصل هذا إذا كانت تلك المفسدة المرجوحة عائدة إلى نفس الفاعل، أما إذا كانت عائدة إلى الغير فالمسألة غير هذا، ومن أمثلة هذا، قول العلماء: نبش الأموات محرم، وذلك لما يترتب عليه من مفسدة انتهاك حرمتهم، ولكنه قد يصبح واجبًا إذا دفنوا بغير غسل، أو وجهوا إلى غير جهة القبلة بأن مصلحة غسلهم وتوجيههم إلى القبلة أعظم من مفسدة نبش قبرهم وانتهاك حرمتهم بذلك. هـ. ما لا يقتصر على المكلف، ويلزم عنه إضرار الغير: وهو سبعة أقسام: القسم الأول: أن يقصد الجالب، أو الدافع ذلك الإضرار؛ فهذا القصد من الجالب، محسوم من جهة الشريعة، ولا إشكال في منعه؛ لأن الأدلة الشرعية تضافرت على نفي الضرر أيًّا كان مصدره وطبيعته؛ فقد قال الله تعالى في كتابه الكريم: {لاَ تُضَآرّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لّهُ بِوَلَدِهِ} [البقرة: : 233] وقال تعالى: {وَلاَ يُضَآرّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ}. ويعضد نفي الضرر الواقع في هذه الجزئيات المبدأ العام الذي قرره الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: ((لا ضرر ولا ضرار))، والنظر في هذا الفعل حاصل من وجهين: الوجه الأول: ينقل الجالب، عن عمله الأول إلى عمل آخر يضمن له تحقيق جلب مصلحته الأولى، ويمنعه من قصده الإضرار بالغير، كالمرخص في سلعته من الخضر طلبًا لمعاشه، مع قصد الإضرار بالباعة الآخرين في السوق، فهذا من ينقل من عمله إلى عمل آخر كبيع الفواكه بدل الخضر، أو غيرها من السلع الأخرى؛ فيحصل له طلب معاشه، ويمنع بذلك من بلوغ قصده، وهو الإضرار بباقي الباعة للخضر بالسوق. الوجه الثاني: في حالة رفضه الانتقال عن عمله الأول؛ فيمنع من ذلك العمل حسمًا للإضرار بالغير الذي هو قاصده، وقد تبين ذلك من رفضه الانتقال عن عمله الأول مع توفر مصلحته -من جهة- أخرى لا إضرار فيها بالغير، كما منع من عمله إذا كان قاصدًا الإضرار بالغير ابتداء، وليس له محيص من تلك الجهة التي يستضرّ منها الغير. القسم الثاني: ألا يقصد الدافع بعمله إضرار الغير، لكنه يلزم من عمله إضرار للعموم، ولو منع من عمله للزم عن ذلك المنع إضرار به هو؛ فالنظر في هذه المسألة يكون -من جهة- جبر الإضرار المترتب على منعه من عمله، وعدم جبره، وهما وجهان: الوجه الأول: فإن كان من الممكن جبر الضرر الذي يلحق الجالب بمنعه من عمله؛ منع منه، وذلك رعاية للعموم؛ لأن دفع الضرر العام واعتباره أولى. ومثاله: ما عمله السلف بتضمين الصناع، مع أن الأصل فيهم الأمانة، وبناء على هذا وجب رعاية مصلحة العموم على مصلحة الخصوص، بحيث لا يلحق الخصوص مضرة. الوجه الثاني: إذا كان الضرر الذي يلحق الجالب بمنعه من عمله، لا يجبر؛ فلا يمنع منه، وقد قال الإمام الشاطبي بتقديم حقه على الإطلاق. القسم الثالث: ألا يقصد الجالب، والدافع من عمله الإضرار بالغير، ولكن يلزم عنه ضرر لغيره على جهة الخصوص، كالإضرار بشخص آخر مثله، ولو منع الجالب من عمله للزمه ضرر؛ بسبب هذا المنع، وذلك لاحتياجه لهذا العمل، والنظر في هذه المسألة أيضًا يكون من وجهين: الوجه الأول: النظر فيه يعود لإثبات الحظوظ واعتبارها، وذلك كدفع الشخص مظلمة عن نفسه هو في يقين من وقوعها عليه، وفي شكّ من وقوعه على غيره إذا دفعها هو عن نفسه، ومثل السبق إلى شراء طعام، أو ما يحتاج إليه؛ عالمًا أنه إذا حازه استضر غيره بعدمه، ولو أخذ من يده استضر هو، ومثل هذا الحق ثابت شرعًا، ولا مخالفة فيه. وبذلك ظهر أن تقديم حق المسبوق على حق السابق، ليس بمقصود شرعًا إلا مع إسقاط لحقه، وذلك لا يلزمه، بل قد يتعين عليه حق نفسه في الضروريات؛ فلا يكون له خيَرة في إسقاط حقه؛ لأنه من حقه على بينة، ومن حق غيره على ظن وشك، وذلك في دفع الضرر واضح، وكذلك في جلب المصلحة إن كان عدم المصلحة يضر به هو. الوجه الثاني: والنظر فيها عائد إلى إسقاط حظوظ النفس، وعدم اعتبارها. وهو راجع إلى جهتين: الجهة الأولى: وإسقاط الحظ هنا متمثل في إسقاط الاستبداد، والاستئثار بالحق، والدخول في المساواة، والمواساة مع باقي أفراد العموم، وهو سلوك من أسمى مكارم الأخلاق يحمد فاعله عليه؛ فيصبح غيره في نظره مثل نفسه؛ فهو على ذلك واحد منهم، وإذا آل الأمر إلى هذا؛ فإنه يصبح غير قادر على الاستئثار لنفسه، دون غيره ممن هو مثله. ونظير هذا التصرف وارد في قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، أو قل طعام عيالهم بالمدينة جعلوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية؛ فهم مني وأنا منهم))، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((إن في المال حقًّا سوى الزكاة)). وعلى هذا تُحمل مشروعية الزكاة، والإقراض، والعارية، وغير ذلك. الجهة الثانية: وإسقاط الحظ من هذه الجهة، يعني: إيثار غيره على نفسه، وقد قال فيه الإمام الشاطبي: وهو أعرق في إسقاط الحظوظ، وذلك أن يترك حظه لحظ غيره؛ اعتمادًا على صحة اليقين، وإصابة لعين التوكل، وتحملًا للمشقة في عون الأخ في الله على المحبة من أجله. وهذا سلوك قد حرصت الشريعة الإسلامية على الدعوة إليه على وجه العموم، وذلك كما في قوله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىَ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9]، وعلى وجه الخصوص في وقائع كثيرة، منها قول الله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطّعَامَ عَلَىَ حُبّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} [الإنسان: 8]. ومنها أيضًا ما نقل عن خلقه صلى الله عليه وسلم أنه كان أجود الناس بالخير، وأجود ما يكون في شهر رمضان، وقد قالت له صلى الله عليه وسلم السيدة خديجة رضي الله عنها: ((والله إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق)). القسم الرابع: أن لا يقصد الجالب، أو الدافع من عمله الإضرار بالغير، ولكن يلزم عنه إضرار بالغير على وجه الخصوص، فيفضي إلى مفسدة قطعية في تلك الجهة، ولو منع الجالب، أو الدافع من عمله لا يتضرر هو بتركه، وهذا له نظران، كما يرى ذلك الإمام الشاطبي: النظر الأول: إذا كان الجالب، أو الدافع قد قصد عملًا جائزًا، فهو من هذه الجهة جائز لا معذور فيه. النظر الثاني: لو علم الجالب، أو الدافع بلزوم الضرر للغير من عمله الذي قصده مع عدم استضراره هو بتركه ذلك العمل؛ فإنه من هذه الجهة مظنة لقصد الإضرار بالغير. القسم الخامس: إن العمل الذي دخل فيه الجالب أو الدافع لا يُفضي إلى مضرة ذات مفسدة قطعية بالغير، وإنما يفضي إلى مضرة ذات مفسدة نادرة بالغير، ولو منع الجالب، أو الدافع من ذلك العمل لا يتضرر بتركه، مثل هذا العمل يجوز للجالب أو الدافع الدخول فيه؛ حتى وإن كان عالمًا بحصول المفسدة النادرة للغير، كما أنه لا يعد قاصدًا تلك المفسدة في عمله؛ إذ النظر هنا متجه إلى المصلحة الغالبة؛ فهي المعتبرة في الشريعة، ولا عبرة بالندور في انخرامها. ويقول الإمام الشاطبي في هذا المجال: “إذ لا توجد في العادة مصلحة عارية عن المفسدة جملة إلا أن الشارع، إنما اعتبر في مجال الشرع غلبة المصلحة، ولم يعتبر ندور المفسدة إجراء للشرعيات مجرى العاديات في الوجود، ومن أمثلة هذا النوع: القضاء بالشهادات في الدماء والفروج، والأموال مع إمكانية تطرق الكذب إليها، واحتمال حصول الوهم فيها، وكذا تطرق الغلط إليها؛ فإن هذه العوارض تُفضي إلى مفاسد نادرة؛ فكان الحكم لصالح الجهة الغالبة، وهي قبولها في القضاء بها”. ومن هذا القبيل: حفر البئر في مكان لا يؤدي غالبًا إلى وقوع الناس فيه لبعده عن ممرهم؛ فهذا مفسدته نادرة؛ فلا عبرة بها. القسم السادس: إذا دخل الجالب، أو الدافع في عمل لزم عنه إضرار بالغير أفضى إلى مفسدة غالبة فيهم، ولو منع الجالب، أو الدافع من ذلك العمل لم يتضرر بتركه؛ فالمفسدة هنا جارية مجرى الظن، والنظر فيها بين أمرين: إما أن يلحق الظن بالعلم؛ فتلحق المفسدة الغالبة بالمفسدة القطعية، وتأخذ أحكامها، أو لا تلحق بها؛ لجواز تخلف تلك المفسدة الغالبة عن المصلحة المغلوبة، وهو نادر الوقوع. والراجح في هذه المسألة: هو إلحاق المفسدة الغالبة بالمفسدة القطعية فتأخذ أحكامها، وقال الإمام الشاطبي -معللًا ذلك- بأن الظن في أبواب العمليات جارٍ مجرى العلم؛ فالظاهر جريانه هنا، وبناء على ما سبق، يمنع بيع السلاح لأهل الحرب، وقطاع الطرق، وبيع العنب للخمار، وأعم من هذا: يمنع بيع جميع ما يغش به لمن شأنه الغش. ولنفس الغرض كان النبي صلى الله عليه وسلم يكفّ عن قتل المنافقين؛ لأنه ذريعة للكافرين كي يقولوا: إن محمدًا صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه. القسم السابع: إذا دخل الجالب، أو الدافع في عمل يلزم منه إضرار الغير، وتلحقهم به مفسدة كثيرة، لا غالبة، ولا نادرة، ولو منع من ذلك العمل لم يتضرر، والناس في هذا مذهبان: المذهب الأول: لقد ذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه ومن وافقه إلى عدم منعه، وجواز دخوله في ذلك العمل، واستدل على ذلك من وجهين: الوجه الأول: أن العلم والظن بوقوع المفسدة منتفيان، وغير حاصلين؛ إذ ليس هناك احتمال مجرد بين الوقوع وعدمه، ولا توجد هناك قرينة ترجح بها إحدى الجهتين على الأخرى، واحتمال القصد للمفسدة، والإضرار لا يقوم مقام نفس القصد، ولا يقتضيه لوجود العوارض من الغفلة وغيرها عن كونها موجودة، أو غير موجودة. الوجه الثاني: كما أن الجالب أو الدافع لا يصح اعتباره هنا مقصرًا، ولا قاصدًا كما هو شأنه في العلم والظن؛ لأن حمله على القصد إليهما ليس أولى من حمله على عدم القصد إلى واحد منهما، وإذا كان الأمر كذلك، فلا بد في الدخول في العمل المأذون فيه؛ فلا يمنع منه. المذهب الثاني: ذهب الإمام مالك رضي الله عنه إلى المنع، وعدم جواز الدخول في العمل، واستدل -رحمه الله- على ذلك من ثلاثة وجوه: الوجه الأول: كثرة النصوص الواردة بالمنع في هذا القسم، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: ((من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته، وتفضي إليه، ثم ينشر سرها))، وهذا يعود لكثرة الفساد الذي يترتب على إفشاء ذلك السر. الوجه الثاني: اعتبر الإمام مالك -رحمه الله- هذا النوع داخلًا ضمن باب سد الذرائع، وهذا بناءً على كثرة القصد وقوعًا، وإن كان القصد لا ينضبط في نفسه؛ لأنه من الأمور الباطنة الخفية التي لا سبيل لقيامها، إلا أن له جهة يدرك بها وهي كثرة الوقوع في الوجود، أو مظنة ذلك الوقوع، وكما اعتبرنا جهة المظنة مع علمنا بصحة التخلف، وإمكانية وقوعه، فكذلك تعتبر الكثرة لكونها مجالًا للقصد. الوجه الثالث: إن تشريع الأحكام يكون بناء على عللها، مع حدوث فوات تلك العلل كثيرًا في بعض الأحكام؛ فحدّ الخمر مثلًا مشروع للزجر، وحصول الازدجار به واقع في الوجود من جهة الكثرة، لا الغلبة؛ فاعتبرت الكثرة في الحكم بما هو على خلاف الأصل، وأن الأصل عصمة الإنسان عن الإضرار به وإيلامه، كما أن الأصل في مسألتنا الإذن؛ فخرج عن الأصل هناك لحكمة الزجر عن الأصل هنا من الإباحة لحكمة سد الذريعة للممنوع. و. التفسير المصلحي للنصوص: هذا المسلك يستمد شرعيته مما تقرر إجماعًا من كون الشريعة وضعت لمصالح العباد، وأن الأصل في أحكامها هو التعليل المصلحي، والأمثلة على هذا أكثر من أن تُحصى. فحيثما تنقلنا في كتب الفقه، سنجد التفسير المصلحي، والتوجيه المصلحي لنصوص القرآن أو السنة، من ذلك حديث التسعير الذي رواه أنس رضي الله عنه قال: ((غلا السعر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله سعر لنا؛ فقال: إن الله هو القابض الرازق الباسط المسعر، وإني لأرجو أن ألقى الله، ولا يطالبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال)). فمقتضى هذا الحديث أن التسعير ظلم، وأنه ليس للحاكم أن يسعر على الناس، وأن الأمر بيد الله، ليس لأحد أن يتدخل فيه، وليس فيه تفريق بين تسعير وآخر، ومع هذا رأى عدد من الفقهاء، أن هناك حالات يجوز فيها التسعير، أو يجب، وليس هذا إلا تفسيرًا مصلحيًّا للحديث؛ فقد رأوا أن الحديث يعتبر التسعير ظلمًا، ثم وجدوا حالات يكون عدم التسعير فيها هو الظلم، ويكون التسعير فيها عدلًا، ومصلحة عامة؛ ففسروا الحديث على أساس أنه إنما قيل في شأن حالات معينة من التسعير، وأن الحالات التي يناسبها ليست بداخلة في مقتضى الحديث، بل هي داخلة في مقتضى أدلة أخرى تمنع الظلم، والتعسف في استعمال الحق، وتأمر بإقامة القسط، والتوازن بين المصالح. يقول ابن العربي -رحمه الله: “والحق التسعير وضبط الأمر على قانون لا تكون فيه مظلمة على أحد، وما قاله النبي صلى الله عليه وسلم حق، وما فعله حكم، ولكن على قوم صح ثباتهم، واستسلموا إلى ربهم، وأما قوم قصدوا أكل الناس، والتضييق عليهم؛ فباب الله أوسع، وحكمه أمضى”. ومن هذا القبيل أيضًا ما صح في عدة أحاديث، من النهي عن بيوع الغرر، ومن ذلك نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر، وعن بيع الحصاة. ويقول الشاطبي: “فالأوامر، والنواهي من جهة اللفظ على تساوٍ في دلالة الاقتضاء، والتفرقة بين ما هو منها أمر وجوب أو ندب، وما هو نهي تحريم، أو كراهة لا تعلم من النصوص، وإن علم منها بعض فالأكثر منها غير معلوم، وما حصل لنا الفرق بينها إلا باتباع المعاني، والنظر في المصالح، وفي أي مرتبة تقع، ويمكن أن نمثل لهذا بنشر العلم وبثه، وتعليمه للناس؛ فقد تواترت النصوص الكثيرة على طلب ذلك والحث عليه ترغيبًا وترهيبًا؛ فيؤخذ من مجموعها، وبصفة عامة: أن من واجب أهل العلم أن يبثوا علمهم، ويعلموه للمحتاجين إليه. ولكن النظر المصلحي اقتضى أن تعليم الناس قد يكون فرض عين، وقد يكون فرض كفاية، وكما يكون واجبًا؛ قد يكون مندوبًا، وذلك حسب نوع العلم ودرجته، وحسب المتعلم ومدى حاجته، بل ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتحاشى الإكثار بالتعليم على أصحابه؛ ففي صحيح البخاري: ((أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كان يذكر الناس في خميس فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن لوددت أنك ذكرتنا كل يوم قال: أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملكم، وإني أتخولكم بالموعظة كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا بها في الأيام؛ مخافة السآمة علينا)). وأكثر من هذا؛ فقد تكون هناك أمور من العلم تقتضي المصلحة عدم بثّها بين جميع الناس في ظرف ما، وقد امتنع عدد من الصحابة بإشارة من النبي صلى الله عليه وسلم عن التحديث بما سمعوه منه، من أن مات لا يشرك بالله شيئًا حرم الله عليه النار، وذلك حتى لا يتخلى الناس عن العمل، ولم يحدثوا بذلك إلا عند احتضارهم خشية ضياع العلم، وضياع الحديث نهائيًّا، وهذا مروي في صحيح مسلم عن عبادة بن الصامت، وعن معاذ بن جبل، وعن أبي هريرة أن عمر هو الذي منعه من إخبار الناس، وأقره رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال النووي: “وفيه -أي: في هذا الحديث- جواز إمساك بعض العلوم التي لا حاجة إليها للمصلحة، أو خوف المفسدة”.  

error: النص محمي !!