Top
Image Alt

أنواع المياه وأحكامها

  /  أنواع المياه وأحكامها

أنواع المياه وأحكامها

مقدمة:

الماءُ هو الأصل في الطهارة، سواء كانت الطهارة من الحَدث الأصغر بالوضوء، أو من الحَدث الأكبر بالغُسل. وإذا لم يوجد الماء، أو تَعذّر استعماله على شخص لمرض أو لأسباب أخرى، فإنّ البَديل هو: التيمم بالصعيد الطاهر.

وقد أوجب الله -تبارك وتعالى- هذه الطهارة بالآية الكريمة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 6].

الماء الطّاهر:

يقول ابن رشد: الأصل في وجوب الطهارة بالمياه: قوله تعالى: { وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال: 11]، وقوله تعالى: { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43]، وهي جُزء من الآية السابقة من سورة “المائدة”، كما أنها جُزء أيضًا من آية في سورة “النساء”.

ثم يَحكي ابن رشد إجماع العلماء على أنّ جَميع أنواع المياه صالحة للطهارة في نَفسها ولتطهير غيرها، فيقول:

وأجمع العلماء: على أنّ جميع أنواع المياه طاهرة في نفسها، مُطهِّرة لغيرها، إلَّا ماء البحر.

ما أجمع عليه العلماء في المياه:

أولًا: أجمعوا على: أنّ الأصل في وجوب الطهارة بالمياه هو: القرآن الكريم، والسُّنّة النبوية. وأجمعوا على أنّ جَميع أنواع المياه طاهرة في نَفسها مُطهِّرة لغيرها، حتى ماء البحر أيضًا داخل في هذا الحُكم، ولا عِبرة للخِلاف الشاذ الذي خَرج عن هذا الإجماع.

ثانيًا: أجمعوا أيضًا على: أنّ كل ما يُغيِّر الماء ممّا لا يُمكن فصْل الماء عَنه، لا يَسلبه صِفة الطهارة والتَّطهير.

ثالثًا: اتفقوا أيضًا على: أنّ الماء الذي غَيَّرت النجاسة أحَدَ أوصافه الأساسية: الطَّعم، أو اللون، أو الريح، أو كل هذه الأوصاف، لا يَجوز به الوضوء ولا الطَّهور.

رابعًا: واتفقوا أيضًا على: أنّ الماء الكَثير المُستبحر لا تَضرّه النجاسة التي تَقع فيه، إلَّا إذا غَيَّرت أحَد أوصافه.

تلك هي المسائل التي أجمعوا عليها في باب المياه.

الماء المُتنجِّس:

متى نُطلق صِفة التَّنجُّس على الماء؟

يقول ابن رشد: اختلفوا في الماء إذا خالطته نَجاسة ولم تُغيِّر أحَدَ أوصافه. فقال قوم: هو طاهر ما دام لم يَتغيَّر وَصف من أوصافه، وقد خالطتْه نجاسة، سواء كان الماء كثيرًا أو قليلًا. وهي إحدى الروايات عن الإمام مالك، وبهذا الرأي قال أهل الظاهر.

وقال قوم بالفَرْق بين القَليل والكَثير: فإذا كان الماء قليلًا فإن النجاسة تُنجِّسه، وأمّا إذا كان كثيرًا فإنّ النجاسة لا تُنجِّسه. وهذا القَول هو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد في إحدى روايتيْه.

وقال مالك وأحمد في رواية أخرى: إنه طاهر ما لم يَتغيَّر.

الماء المُتغيِّر بما خالطه من الطّاهرات:

سبقت الإشارة إلى أن العُلماء أجمعوا على أنّ الماء الذي تَغيَّر بما لا يَنفكّ عَنه غالبًا، مثل: الطحالِب، أو الحشائش، أو نحو ذلك، فإنه يَبقى على طهارته ولا يَسلبه ذلك التَّغير صِفة الطهارة.

وحديثنا الآن عن الماء المُتَغيِّر بما يُخالطه ممّا يَنْفكّ عنه غالبًا.

معني ذلك: إذا وقع شيء في الماء، وهو ليس من طَبيعته ولا في مَجراه، كالزَّعفران، ونحوه من الأشياء الطاهرة التي تَنْفكّ عنه غالبًا، أي: يُمكن إبعاد الماء عن هذه الأشياء، أو إبعاد هذه الأشياء عن الماء، هذه المُخالطة بالأشياء الطاهرة، إذا غَيَّرت أحَد أوصاف الماء، فإنه حينئذٍ يَبقى على طهارته، لكنه يُصبح غير مُطهِّر.

معنى ذلك: أنه لا يَجوز الوضوء ولا الغُسل به عند مالك، والشافعي، وأحمد، ويبقى مُطهِّرًا يَجوز به الوضوء والغُسل عند أبي حنيفة، ولكن أبا حنيفة يَشترط إلَّا يكون التَّغير بعد الطّبخ.

أي: إننا إذا أخذنا الماء الذي وقع فيه الزعفران وغلّيناه، فالزعفران سيتحلّل، مثله مثل غَيره من الأشياء المُخالطة؛ لذلك فالإمام أبو حنيفة يَشترط إلَّا يكون التَّغيّر ناتجًا عن الطبخ. وأمّا إذا كان التَّغير ناتجًا عن مُجرّد المُخالطة، فإن الماء يَبقى طاهرًا في نَفسه ومُطهِّرًا لغيره عند أبي حنيفة، ويجوز عنده الوضوء منه والغُسل.

الماء المُستَعمَل:

الماء المُستَعمَل في طهارة كالوضوء أو الغُسل، ما حُكم هذا الماء؟ هل تَجوز الطهارة به مرّة ثانية أو لا؟

يقول ابن رشد: الماء المُستَعمَل في الطهارة، اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال:

القول الأوّل: قوم لم يُجيزوا الطهارة به على كلّ حال، وهو مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد؛ لأنه ماء استُعمِل في طهارة، وأزال نجاسة، وبالتالي لم يَعُد صالحًا للاستعمال في طهارة أخرى.

القول الثاني: قَوم كَرهوا استخدامه في الوضوء والغُسل، ولم يُجَوِّزوا للإنسان أن يَنتقل إلى التيمم مع وجود هذا الماء المُستَعمَل.

يقول ابن رشد: “وقوم كَرِهوه ولم يُجيزوا التَّيمم مع وجوده. وهو مذهب مالك وأصحابه”.

القول الثالث: قوم لم يَروْا بينه وبين الماء المُطلق فرْقًا، فهو ماء مُطلق لم تُنزع عنه صِفة الإطلاق، وبالتالي يَجوز استخدامه مُطلقًا. وهذا قول أبي ثور، وداود وأصحابه.

فتَبيَّن لنا: أنّ الأقوال في المسألة ثلاثة، ولكن أضاف ابن رشد إلى ذلك: أنّ أبا يوسف -صاحب الإمام أبي حنيفة- شذَّ بقول رابع، وقال عن هذا الماء المُستَعمل: إنه نَجس.

أحكام الآسار، وأقوال الفقهاء فيها:

المقصود بالسُّؤْر:

السؤر هو: ما يَتبقّى من الماء في الإناء بعد الشّرب. أي: ما يَبقى من الماء بعد شُرب أو استخدام إنسان، أو حيوان له.

يقول ابن رشد في المسألة الرابعة: حُكم الآسار: والآسار: جمْع سؤر، وهو ما تبقَّى من الماء في الإناء بعد الشرب، أو بعد أخْذ مياه الوضوء أو الغُسل منه.

ويَعرض ابن رشد في هذه المسألة الرابعة من مسائل المياه، أقوالَ العلماء في أحكام الآسار.

أولًا: أنهم اتفقوا على طَهارة آسار المسلمين، وبهيمة الأنعام -وهي الحيوانات التي نأكل لحومها كالإبل، والبقر، والجاموس، والضأن، و الماعز- وطبعًا الطيور، كالدجاج، وغيره من الطيور، ما عَدا مَا له ناب من السِّباع، أو مِخْلب من الطيور.

ثانيًا: ثم اختلفوا فيما عدا ذلك اختلافًا كثيرًا.

يقول ابن رشد:

  • منهم: مَن زَعم أنّ كل حيوان طاهر السؤر، أي: جميع الحيوانات، لا بهيمة الأنعام فقط.
  • ومنهم: مَن استثنى من ذلك: الخِنزير فقط. وهذان القَولان مرويّان عن الإمام مالك.
  • ومنهم: مَن استثنى من ذلك: الخِنزير، والكلب، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة.
  • ومنهم: مَن استثنى من ذلك: السِّباع عامة: الحيوانات المُفترسة، كالأسود، والنمور ونحوها… وهو مذهب ابن القاسم من تلاميذ الإمام مالك، وهو الصحيح من مذهب الإمام أحمد بن حنبل.
  • ومنهم: مَن ذهب إلى أن الآسار تابعة للّحوم، فإن كانت اللحوم مُحرّمة فالآسار نَجسة، وإن كانت اللحوم مَكروهة فالآسار مَكروهة، وإن كانت اللحوم مُباحة، فالآسار طاهرة؛ ومن هنا يَدخل سؤر الهِرّة، فسؤرها مَكروه عند أبي حنيفة. أمّا سؤر البَغل فمَشكوك فيه عِنده؛ فمَن لم يَجد غَيره توضّأ به مع التيمم. أما عند أحمد فسؤره نَجس على الأصحّ.

اختلافهم في سؤر المُشرِك:

فقيل: إنه نَجس.

وقيل: إنه مَكروه إذا كان يَشرب الخَمر، وهو مذهب ابن القاسم. وقد عَرفنا أن ابن القاسم من تلاميذ الإمام مالك -رحمه الله-.

وكذلك عنده جَميع آسار الحيوانات التي لا تَتوقّى النجاسة غالبًا، مثل الدجاج المَتروك الذي يأكل ويَرعى ولا يتوقّى النجاسة، والإبل الجَلَّالة، أي: التي تمر في المناطق المُختلفة وتأكل الزِّبالة والقُمامة ونحوها، والكِلاب المُخلَّاة، أي: غير المَربوطة. فأمثال هذه الحيوانات، يقول ابن القاسم: إنها نَجسة؛ لأنها لا تَتوقّى النجاسة، فيكون سؤرها كذلك نَجسًا.

حُكم ما يَفضل من الماء بعد تََََََطهّر الرَّجل والمرأة منه:

يقول ابن رشد: إن العلماء قد اختلفوا في آسار الطُّهر، أو ما يبقى من الماء بعد الوضوء، أو الغُسل على خَمسة أقوال:

القول الأول: وهو أن آسار الطُّهر طاهرة بإطلاق، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأبي حنيفة.

القول الثاني: لا يَجوز للرَّجل أن يتَطَهّر بسؤر المرأة، ويَجوز للمرأة أن تَتطهّر بسؤر الرّجل والمرأة أيضًا، وهو مذهب أحمد.

القول الثالث: يجوز للرجل أن يَتطهّر بسؤر المرأة، ما لم تكن المرأة جُنبًا أو حائضًا.

القول الرابع: لا يَجوز لواحد منهما أن يَتطهّر بفَضل صاحِبه، إلَّا أن يَشرعَا معًا.

القول الخامس: لا يجوز وإن شرعَا معًا.

حُكم الوضوء بنَبيذ التَّمر:

وهو: الماء الذي يُرمى فيه التَّمر فيُصبح نَبيذًا؛ هذا إذا لم يَتخمّر بمُرور مُدّة، وإلا يُصبح خَمرًا ويُصبح حرامًا.

صار أبو حنيفة من بين مُعظم أصحابه وفقهاء الأمصار، إلى إجازة الوضوء بنَبيذ التمر في السفر، لحديث ابن عباس: أنّ ابن مسعود خَرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن -أي: الليلة التي قَرأ فيها النبي صلى الله عليه وسلم القرآن على الجن: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا} [الأحقاف: 29]، وقوله تعالى: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا} [الجن: 1]، فروي: ((أنَّ ابن مسعود كان مع النبي صلى الله عليه وسلم فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هل معك من ماء؟ فقال ابن مسعود: معي نَبيذ في إداوتي -أي: حقيبتي- فقال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: اصبُبْ. فتوضأ به، وقال: شَراب وطَهور))، وحديث أبي رافع مَولى ابن عمر عن عبد الله بن مسعود بمثله، وفيه: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ثَمرة طيِّبة، وماء طَهور)).

وزعموا -أي: مَن وافق أبا حنيفة في هذا الكلام-: أنّ هذا الرأي مَنسوب إلى بعض الصحابة، علي وابن عباس، وأنه لا مُخالف لهم من الصحابة؛ فكان كالإجماع عندهم.

وردَّ أهل الحديث هذا الخَبر، ولم يَقبلوه؛ لضَعْف رواته؛ ولأنه قد روي من طُرق أوثق من هذه الطُّرق، أن ابن مسعود لم يَكن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؛ روى ذلك: مسلم، وأبو داود، والترمذي، وقال الغماري: “وهذا الخَبر مُشكل جدًّا”.

احتَجَّ الجمهور لردّ هذا الحديث، والرد على أبي حنيفة، بقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا}، قال الجمهور: فلم يَجعلها هنا وسطًا بين الماء والصعيد -أي: لم يُضف النبيذ- فإمّا أن يكون الماء، وإمّا أن يكون التيمم بالتراب الطاهر.

كما احتجوا أيضًا بقوله صلى الله عليه وسلم: ((الصعيد الطيّب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء إلى عشر حِجج -أي: عشر سنوات-. فإذا وجد الماء فليُمِسّه بَشَرتَه)).

إذًا ليس هناك ثالث، فإمّا الماء الطاهر، وإمّا الصعيد الطاهر، ولهم أن يقولوا: إن هذا قد أطلق عليه في الحديث -أي: حديث ابن مسعود ليلة الجن- اسم الماء، والزيادة لا تَقتضي نسخًا فيعارضها الكتاب، لكن هذا مُخالف لقولهم: إنّ الزيادة نسخ. والراجح -كما قال جمهور العلماء-: أن الوضوء بنَبيذ التمر لا يجوز؛ لأنه ماء مقيّد بالتمر، والله أعلم.

error: النص محمي !!