Top
Image Alt

أنواع النسخ في القرآن الكريم, ودفع شبهات المانعين

  /  أنواع النسخ في القرآن الكريم, ودفع شبهات المانعين

أنواع النسخ في القرآن الكريم, ودفع شبهات المانعين

1. ذِكْرُ أنواع النسخ في القرآن الكريم:

أ. نسخ الحكم والتلاوة جميعًا:

فقد أجمع عليه القائلون بالنسخ من المسلمين، ويدل على وقوعه سمعًا ما ورد عن أم المؤمنين عائشة, أنها قالت: ((كان فيما أنزل من القرآن عَشْر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، وتُوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهنَّ فيما يُقرأ من القرآن)) وهو حديث صحيح وإن كان موقوفًا عن أم المؤمنين عائشة, إلا أن له حكم المرفوع؛ لأن مثله لا يقال بالرأي، بل لا بد فيه من توقيف، وأنت خبير بأن جملة: ((عشر رضعات معلومات يحرمن)) ليس لها وجود في المصحف حتى تتلى، وليس العمل بما تفيده من الحكم باقيًا، وإذن يثبت وقوع نسخ التلاوة والحكم جميعًا، وإذا ثبت وقوعه ثبت جوازه؛ لأن الوقوع أول دليل على الجواز، وبطل مذهب المانعين لجوازه شرعًا كأبي مسلم وأضرابه.

ب. نسخ الحكم دون التلاوة:

فيدل على وقوعه آيات كثيرة؛ منها: أن آية تقديم الصدقة أمام مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم وهي قول الله -تبارك وتعالى-: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ الرّسُولَ فَقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لّكُمْ وَأَطْهَرُ} [المجادلة: 12] هذه الآية منسوخة بقوله سبحانه: {أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ وَتَابَ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُواْ الصّلاَةَ وَآتُواْ الزّكَاةَ} [المجادلة: 13] على معنى: أن حكم الآية الأولى منسوخ بحكم الآية الثانية، مع أن تلاوة كلتيهما باقية.

ومنها: أن قوله سبحانه وتعالى: {أَيّاماً مّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مّرِيضاً أَوْ عَلَىَ سَفَرٍ فَعِدّةٌ مّنْ أَيّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184] هذا منسوخ بقوله سبحانه: {وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَىَ سَفَرٍ فَعِدّةٌ مّنْ أَيّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدّةَ} [البقرة: 185] على معنى: أن حكم تلك منسوخ بحكم هذه مع بقاء التلاوة أيضًا في كلتيهما.

جـ. نسخ التلاوة دون الحكم:

فيدل على وقوعه: ما صحت روايته عن عمر بن الخطاب, وأُبي بن كعب أنهما قالا: “كان فيما أنزل من القرآن: “الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة”، وأنت تعلم أن هذه الآية لم يعد لها وجود بين دفتي المصحف ولا على ألسنة القراء، مع أن حكمها باقٍ على إحكامه لم ينسخ.

ويدل على وقوعه أيضًا: ما صح عن أُبي بن كعب أنه قال: “كانت سورة “الأحزاب” توازي سورة “البقرة” أو أكثر”، وقد ذكر هذا عن أبي الحافظ ابن كثير -رحمه الله تبارك وتعالى- في تفسيره وحسنه.

ويدل على وقوعه أيضًا: الآية الناسخة في الرضاع -وقد سبق ذكرها قبل قليل في النوع الأول.

ويدل على وقوعه أيضًا: ما صح عن أبي موسى الأشعري: ((أنهم كانوا يقرءون سورةً على عهد رسول الله  في طول سورة “براءة”، وأنها نسيت إلا آية منها وهي: لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغَى واديًا ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على مَن تاب))، وقد ذكر هذا الحديث الإمام مسلم -رحمه الله تبارك وتعالى- في كتاب الزكاة من صحيحه، تحت باب من بعنوان: “لو أن لابن آدم واديين لابتغَى ثالثًا”.

وإذا ثبت وقوع هذين النوعين -كما ترى- ثبت جوازهما؛ لأن الوقوع أعظم دليل على الجواز كما هو مقرر.

وإذن بطل ما ذهب إليه المانعون من ناحية الشرع كأبي مسلم ومَن لف لفه، ويبطل كذلك ما ذهب إليه المانعون له من ناحية العقل، وهم فريق من المعتزلة شذ عن الجماعة، فزعم أن هذين النوعين الأخيرين مستحيلان عقلًا.

ويمكنك أن تفحم هؤلاء الشذاذ من المعتزلة بدليل على الجواز العقلي الصرف لهذين النوعين، فنقول: إن ما يتعلق بالنصوص القرآنية من التعبد بلفظها وجواز الصلاة بها وحرمتها على الجنب في قراءتها ومسها شبيهٌ كل الشبه بما يتعلق بها من دلالتها على الوجوب والحرمة، ونحوهما، في أن كلًّا من هذه المذكورات حكم شرعي يتعلق بالنص الكريم، وقد تقتضي المصلحة نسخ الجميع.

وقد تقتضي نسخَ بعض هذه المذكورات دون بعض، وإذن يجوز أن تنسخ الآية تلاوةً وحكمًا، ويجوز أن تنسخ تلاوةً لا حكمًا، ويجوز أن تنسخ حكمًا لا تلاوةً، وإذا ثبت هذا بطل ما ذهب إليه أولئك المانعون والذين ذهبوا إلى استحالة نسخ الحكم دون التلاوة، أو نسخ التلاوة دون الحكم.

2. شبهات المانعين، ودفعها:

وهذا تتميمًا للفائدة، بعد أن أشرت -فيما مضى- إلى أن بعض مَن استخدموا العقل وقدموه على النقل، وكذلك المعتزلة منعوا بعضَ أنواع النسخ الواقع في القرآن الكريم، وقد ذكروا شبهات استندوا إليها في هذا المنع؛ ولذلك سأستعرض هنا الشبهات التي ذكروها، ثم أتناولها بالرد والإبطال شبهةً شبهةً -إن شاء الله تبارك وتعالى.

الشبهة الأولى:

إن الآية والحكم المستفاد منها متلازمان تلازمًا المنطوق والمفهوم، فلا يمكن انفكاك أحدهما عن الآخر.

دفع هذه الشبهة:

إن التلازم بين الآية وحكمها مشروط فيه انتفاء المعارض وهو الناسخ، أما إذا وجد الناسخ فلا تلازم، والأمر حينئذٍ للناسخ؛ إن شاء رفع الحكم وأبقى على التلاوة، وإن شاء عكس، وإن شاء رفعهما معًا، على حسب ما تقتضيه الحكمة أو المصلحة، ونظير ذلك: أن التلازم بين منطوق اللفظ ومفهومه مشروط فيه انتفاء المعارض، أما إذا وُجد منطوق معارض للمفهوم فإن المفهوم حينئذٍ يعطل، ويبقى العمل بالمنطوق وحده.

الشبهة الثانية:

إن نسخ الحكم دون التلاوة يستلزم تعطيل الكلام الإلهي وتجريده من الفائدة. وهذا عَيْب لا يرضى به عاقل لأقل نوع من كلامه، فكيف يرضى به الله لأفضل كلامه؟!.

دفع هذه الشبهة:

إننا لا نسلم هذا اللزوم، بل الآية بعد نسخ حكمها دون تلاوتها تبقى مفيدةً للإعجاز، وتبقى عبادة للناس، وتبقى تذكرة بعناية الله ورحمته بعباده، حيث سن لهم في كل وقت ما يساير الحكمة والمصلحة من الأحكام، يضاف إلى ذلك: أن الآية بعد نسخ حكمها لا تخلو غالبًا من دعوة إلى عقيدة، أو إرشاد إلى فضيلة، أو ترغيب في خير، ومثل ذلك لا ينسخ بنسخ الحكم، بل تبقى الآيات مفيدة له؛ لأن النسخ لا يتعلق به -كما مر.

الشبهة الثالثة:

إن بقاء التلاوة بعد نسخ الحكم يوقع في روع المكلف بقاء هذا الحكم، وهذا تلبيس وتوريط للعبد في اعتقاد فاسد، ومحال على الله أن يشكك أو يورط عبده.

دفع هذه الشبهة:

إن ذلك التلبيس وهذا التوريط كان يصح ادعاؤهما واستلزام نسخ الحكم دون التلاوة لهما لو لم يَنصب الله دليلًا على النسخ، أما وقد نصب عليه الدلائل فلا عذرَ لذلك، ولا محل لتوريط ولا تلبيس؛ لأن الذي أعلن الحكم الأول بالآية وشرعه هو الذي أعلن الحكم بالناسخ أنه نسخه ورفعه، ولا يمكننا في هذه الشبهة -وهذا الكلام الباطل الذي ذكروه- إلا أن نردد قول الحق -تبارك وتعالى-: {قُلْ فَلِلّهِ الْحُجّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنعام: 149] والله عز وجل بما هو عليه من صفات الجلال والكمال، والحكم العظيمة البليغة، لا يمكن بحال أن يوقع العبد في تلبيس أو توريط، وقد بين له البيان الشافي، فعندما يرفع حكمًا وينسخه يأتي بخير منه أو مثله، وهذا ليس فيه تلبيس، بل فيه حكم عظيمة أشرت إليها في اللقاء السابق.

الشبهة الرابعة:

إن الآية دليل على الحكم، فلو نسخت دونه لأشعر نسخها بارتفاع الحكم، وفي ذلك ما فيه من التلبيس على المكلف والتوريط له في الاعتقاد الفاسد.

دفع هذه الشبهة:

ولا شك أن هذه الشبهة شبيهة تمامًا بالشبهة السابقة، ولذلك ندفعها بأن نقول لهم:

إن تلك اللوازم الباطلة التي ذكرتموها تحصل لو لم ينصب الشارع دليلًا على نسخ التلاوة وعلى إبقاء الحكم، أما وقد نصب الدليل على نسخ التلاوة وحدها وعلى إبقاء الحكم وتقرير استمراره، كما في رجم الزناة المحصنين، فلا تلبيسَ من الشارع على عبده ولا توريط.

الشبهة الخامسة:

إن نسخ التلاوة مع بقاء الحكم عبثٌ لا يليق بالشارع الحكيم؛ لأنه من التصرفات التي لا تعقل لها فائدة.

دفع هذه الشبهة بجوابين:

أحدهما: أن نسخ الآية مع بقاء الحكم ليس مجردًا من الحكمة ولا خاليًا من الفائدة حتى يكون عبثًا، بل فيه فائدة أي فائدة، وهي حصر القرآن في دائرة محدودة تيسر على الأمة حفظه واستظهاره، وتسهل على سواد الأمة التحققَ فيه وعرفانه، وذلك سور محكم، وسياج منيع، يحمي القرآن من أيدي المتلاعبين فيه بالزيادة أو النقص؛ لأن الكلام إذا شاع وذاع وملأ البقاع، ثم حاول أحد تحريفه سرعان ما يعرف، وسرعان ما يظهر كذبه، وبذلك يبقى الأصل سليمًا من التغيير والتبديل؛ مصدقًا لقول الله -تبارك وتعالى-: {إِنّا نَحْنُ نَزّلْنَا الذّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9].

والخلاصة: أن حكمة الله -تبارك وتعالى- قضت أن تنزل بعض الآيات في أحكام شرعية عملية، حتى إذا اشتهرت تلك الأحكام نسخ سبحانه هذه الآيات في تلاوتها فقط؛ رجوعًا بالقرآن إلى سيرته من الإجمال، وطردًا لعادته في عرض فروع الأحكام من الإقلال؛ تيسيرًا لحفظه، وضمانًا لصونه، والله يعلم وأنتم لا تعلمون.

ثانيهما: أنه لو فُرِضَ عدم علمنا بحكمة ولا فائدة في هذا النوع من النسخ، فإن عدم العلم بالشيء لا يصلح حجةً على العلم بعدم ذلك الشيء، وإلا فمتى كان الجهل طريقًا من طرق العلم؟ ثم إن الشأن في كل ما يصدر عن العليم الحكيم الرحمن الرحيم، أَيَصْدُرُ لحكمة أو لفائدة، نؤمن بها وإن كنا لا نعلمها على التعيين؟ وكم في الإسلام من أمور تعبدية استأثر الله -تبارك وتعالى- بعلم حكمتها ونحن نؤمن بما قال الحق -تبارك وتعالى-: {وَفَوْقَ كُلّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف: 76] وقال سبحانه: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرّوحِ قُلِ الرّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّي وَمَآ أُوتِيتُم مّن الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً} [الإسراء: 85] وبالتالي لا حرج في هذا أبدًا، فرب البيت قد يأمر أطفاله بما لا يدركون فائدته؛ لنقص عقولهم، على حين أنه في الواقع مفيد، هم يأتمرون بأمره وإن كانوا لا يدركون فائدتَه، والرئيس قد يأمر مرءوسيه بما يعجزون عن إدراك سره وحكمته، على حين أن له في الواقع سرًّا وحكمةً، وهم ينفذون أمرَه وإن كانوا لا يفهمون سره وحكمته، كذلك شأنُ الله -تبارك وتعالى- مع خلقه فيما خفي عليهم من أسرار تشريعه، وفيما لم يدركوا من فائدة نسخ التلاوة دون الحكم، ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم.

3. النسخ ببدل وبغير بدل، وأمثلته:

الحكم الشرعي الذي ينسخه الله -تبارك وتعالى- إما أن يحل سبحانه محله حكمًا آخر أو لا، فإذا أحل محله حكمًا آخر فذلك هو النسخ ببدل، وإذا لم يحل محله حكمًا آخر فذلك هو النسخ بغير بدل، وكلاهما جائزٌ عقلًا، وواقعٌ سمعًا على رأي الجمهور.

مثال النسخ ببدل: أن الله تعالى نَهَى المسلمين -أول الأمر- عن قتال الكفار ورغبهم في العفو والصفح، بمثل قوله سبحانه: {وَدّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدّونَكُم مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفّاراً حَسَداً مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مّن بَعْدِ مَا تَبَيّنَ لَهُمُ الْحَقّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتّىَ يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ} [البقرة: 109].

ثم نسخ الله هذا النهي وأذن لهم بالجهاد؛ فقال: {أُذِنَ لِلّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنّ اللّهَ عَلَىَ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقّ إِلاّ أَن يَقُولُواْ رَبّنَا اللّهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لّهُدّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسمُ اللّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنّ اللّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنّ اللّهَ لَقَوِيّ عَزِيزٌ (40) الّذِينَ إِنْ مّكّنّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُواْ الصّلاَةَ وَآتَوُاْ الزّكَـاةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلّهِ عَاقِبَةُ الاُمُورِ} [الحج: 39- 41].

ثم شدد سبحانه وتعالى وعزَم عليهم في النفير للقتال بعد أن أذن لهم فيه، وتوعدهم إن لم ينفروا؛ فقال سبحانه: {إِلاّ تَنفِرُواْ يُعَذّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرّوهُ شَيْئاً وَاللّهُ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39) إِلاّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيّدَهُ بِجُنُودٍ لّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الّذِينَ كَفَرُواْ السّفْلَىَ وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 39، 40].

مثال النسخ بلا بدل: أن الله تعالى أمر بتقديم الصدقة بين يدي مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ الرّسُولَ فَقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} [المجادلة: 12] ثم رفع هذا التكليف عن الناس من غير أن يكلفهم بشيء مكانه، بل تركهم في حِل من ترك الحكم الأول دون أن يوجه إليهم حكمًا آخر، فقال: {أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ وَتَابَ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُواْ الصّلاَةَ وَآتُواْ الزّكَاةَ} [المجادلة: 13].

وهنا شبهةٌ لا بد أن أذكرها وأدفعها أيضًا، وما ذكرته سابقًا هو مذهب الجمهور من العلماء -أعني: النسخ ببدل وبغير بدل- إلا أن بعض المعتزلة والظاهرية يقولون: إن النسخ بغير بدل لا يجوز شرعًا، وشبهتهم في هذا: أن الله تعالى يقول: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106] ووجه اشتباههم: أن الآية تفيد أنه لا بد أن يؤتَى مكان الحكم المنسوخ بحكم آخر، هو خير منه أو مثله، ولكنها شبهة مدفوعة بما ذكرنا من النصين السابقين في تقديم الصدقات بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم.

واحتجاجهم بآية: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} على الوجه الذين ذكروه احتجاز داحض؛ لأن الله تعالى إذا نسخ حكم الآية بغير بدل، فَهمنا بمقتضى حكمته أو رعايته لمصلحة عباده أن عدم الحكم صار خيرًا من ذلك الحكم المنسوخ في نفعه للناس، وصح أن يقال حينئذٍ: إن الله نسخ حكم الآية السابقة وأتى بخير منها في الدلالة على عدم الحكم الذي بات في وقت النسخ، أنفعَ للناس وخيرًا لهم من الحكم المنسوخ.

ومعنى آية: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} لا يأبى هذا التأويل بل يتناوله كما يتناول سواه، والنسخ فيها أعم من نسخ التلاوة والحكم مجتمعين ومنفردين ببدل وبغير بدل، والخيرية والمثلية فيها أعم من الخيرية والمثلية في الثواب وفي النفع، وقد مر بيان ذلك فيما سبق عند الكلام عن أدلة النسخ عقلًا.

4. حكم النسخ بالأخف، والمساوي، والأثقل:

نسخ الحكم ببدل هو أخف من المنسوخ، قد اتفق على جوازه، كنسخ عدة المتوفَّى عنها من الحول إلى أربعة أشهر وعشرة أيام، ونسخ الحكم ببدل مثله في التخفيف والتثقيل والتشديد كنسخ استقبال بيت المقدس بالكعبة، قد اتُّفق على جوازه.

ونسخ الحكم ببدل أثقل منه قد اختلف فيه على مذهبين:

المذهب الأول: يجوز نسخ الحكم من الأخف إلى الأثقل، وهذا هو مذهب الجمهور، وهو الحق للأدلة التالية:

الدليل الأول: أنه لا يمتنع عقلًا أن تكون المصلحة في نسخ الحكم من الأخف إلى الأثقل، وهذه المصلحة هي التدرج والترقي من الأحكام الخفيفة إلى الأحكام الثقيلة والشديدة، فالناس حديث عهد بكفر، لو نزلت عليهم الأحكام الثقيلة في أول الأمر لنفروا وما دخلوا في الإسلام، ولكن الله عز وجل رأى وهو أعلم بعباده، أن المصلحة تقتضي التدرج بهم في الأحكام؛ لتلافي ذلك، فالله عز وجل كان ينزِّل بعض الأحكام الخفيفة في أول الأمر حتى تتمرن النفوس عليها وتتهيأ لقبول غيرها بما هو مثلها أو أثقل منها، كما حصل في ابتداء التكاليف الشرعية، ومن ذلك: تحريم الخمر، فقد حرمت على مراحل بالتدريج.

الدليل الثاني: الوقوع، والوقوع دليلٌ وقد وقع نسخ الحكم من الأخف إلى الأثقل، والوقوع دليلٌ على الجواز، ومن أمثلة ذلك: أنه كان في أول الإسلام يجوز تأخير الصلاة في حالة الخوف إلى وقت آخر أكثر أمنًا، ونُسخ ذلك إلى وجوب الإتيان بها في حالة الخوف، قال تعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مّنْهُمْ مّعَكَ وَلْيَأْخُذُوَاْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَىَ لَمْ يُصَلّواْ فَلْيُصَلّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} [النساء: 102] ولا شك أن الصلاة حالة الخوف أشد.

مثال آخر: رب العباد سبحانه وتعالى أوجب صيامَ رمضان في ابتداء الإسلام مخيرًا بينه وبين الفداء بالمال، الثابت في قول الله -تبارك وتعالى-: {أَيّاماً مّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مّرِيضاً أَوْ عَلَىَ سَفَرٍ فَعِدّةٌ مّنْ أَيّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184]، ثم نسخ الله -تبارك وتعالى- ذلك بتعيين الصيام فقط، بقوله: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَىَ سَفَرٍ فَعِدّةٌ مّنْ أَيّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185] ومعلوم أن تعيين الصيام أشد.

مثال ثالث: الصحابة -رضوان الله تبارك وتعالى عليهم أجمعين- أمروا في أول الإسلام بترك القتال والإعراض عن ذلك، قال تعالى: {أُولَـَئِكَ الّذِينَ يَعْلَمُ اللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لّهُمْ فِيَ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً} [النساء: 63] وقال سبحانه: {اتّبِعْ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رّبّكَ لآ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 106] ثم نسخ ذلك بإيجاب الجهاد في سبيل الله -تبارك وتعالى- ومعلوم أن وجوب الجهاد أثقل من عدمه.

الدليل الثالث: إذا جاز ألا يكلف الله عباده ابتداءً، ثم بعد ذلك يكلفهم العبادات الشاقة، جاز أن ينتقل من الأخف إلى الأثقل ولا فرقَ بينهما لمن تدبر.

المذهب الثاني: هو أنه لا يجوز نسخ الحكم من الأخف إلى الأثقل، وقد ذهب إلى ذلك بعض الظاهرية كأبي بكر بن داود، ونسب إلى كل الظاهرية أيضًا كما نسب إلى بعض الشافعية، وقد استدل هؤلاء بخمسة أدلة؛ سأسوق كل دليل منها على حدة، ثم أجيب عنه -إن شاء الله تبارك وتعالى- حتى لا يقع طالب العلم في شبهة من هذا الأمر:

الدليل الأول: ما جاء في قوله الله -تبارك وتعالى-: {شَهْرُ رَمَضَانَ الّذِيَ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لّلنّاسِ وَبَيّنَاتٍ مّنَ الْهُدَىَ وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] وقالوا: وجه الدلالة من هذا الدليل أن الله -تبارك وتعالى- نفى إرادة العسر -والعسر هو الأشق والأثقل- ولو قلنا: بأن الله -تبارك وتعالى- ينقل عباده من حكم أخف إلى حكم أثقل لَكَان فيه من المشقة ما فيه، وبالتالي قالوا: لا يجوز نسخ الحكم من الأخف إلى الأثقل.

ونجيب على هذا الدليل، فنقول: إن الآية وردت في سورة خاصة، حيث وردت في سياق تخفيف الصوم عن المريض والمسافر، والخاص لا يُستدل به لإثبات قاعدة أصولية تعم كثيرًا من الأحكام.

جواب آخر على هذا الدليل: وهو أن نقول لهم: على فرض أنها عامة، فإنا نحملها على ما فيه اليسر والعسر بالنظر إلى المآل، ولا يخفى أن التكليف بما هو أشق في الدنيا إذا كان ثوابه المآلي أكثر وأدفع للعقاب، أنه يسر لا عسر فيه أبدًا.

والجواب الثالث: أنه لو صح أن الله تعالى لا يريد العسر، لما كلف الخلق بعبادة فيها مشقة، وهذا لا يقوله أحد.

الدليل الثاني: قول الله -تبارك وتعالى-: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة:106] ووجه الدلالة من هذه الآية: أنه ليس المراد منه أن يأتي بخير من الآية في نفسها؛ لأن القرآن كله خير، وإنما المراد به ما هو خير بالنسبة إلينا، ومعروف أن الأصعب والأشق والأثقل ليس خيرًا من الأخف والأسهل، وليس مثلًا له، وعليه فلا يجوز نسخ الحكم من الأخف إلى الأثقل.

الجواب الأول: إن ظاهر هذه الآية أنه نسخ للتلاوة.

والجواب الثاني: أن الخير المذكور في الآية هو ما كان خيرًا في الدين، ولعل الأصعب في العبادات هو الخير في الدين من الأخف؛ لأن ثوابه أكثر، وقد أخرج البخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: ((ثوابك على قَدْر نصبك)).

الدليل الثالث: ما جاء في قول الله -تبارك وتعالى-: {الّذِينَ يَتّبِعُونَ الرّسُولَ النّبِيّ الاُمّيّ الّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلّ لَهُمُ الطّيّبَاتِ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلاَلَ الّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: 157] وقالوا: بأن وجه الدليل في هذه الآية: أن الله -تبارك وتعالى- أخبر أنه يضع عنهم الثقلَ الذي حمله للأمم قبلهم، فلو نسخ ذلك بما هو أثقل منه كان هذا تكذيبًا لخبر الله -تبارك وتعالى- وهو محالٌ.

ونرد على هذا الدليل بالجواب التالي، فنقول: إنه لا يلزم من وضع الإصر والثقل -الذي كان على مَن قبلنا- امتناع ورود نسخ الأخف بالأثقل في شرعنا.

الدليل الرابع: أن الله -تبارك وتعالى- أخبر عن نفسه بأنه رءوف رحيم بعباده، قال تعالى: {هُوَ الّذِي يُنَزّلُ عَلَىَ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيّنَاتٍ لّيُخْرِجَكُمْ مّنَ الظّلُمَاتِ إِلَى النّورِ} [الحديد: 9] وقد جاءت آيات كثيرة حول هذا المعنى، قالوا: وخبر الله تعالى صدق لا شك في ذلك، ونسخ الحكم من الأخف إلى الأثقل ينافي تلك الرحمة والرأفةَ، مما يؤدي إلى أن يكون خبرُ الله -تبارك وتعالى- كذبًا، وهذا محالٌ.

ونجيب على هذا الدليل الرابع، فنقول: إن كون الله -تبارك وتعالى- يتصف بالرحمة والرأفة لا يمنع من نسخ الشيء من الأخف إلى الأثقل؛ قياسًا على التكاليف ابتداءً، وقياسًا على تسليط الأمراض أو الفقر، وغير ذلك من أنواع المؤذيات.

وبيان ذلك في التالي: رب العالمين سبحانه قد كلف عباده ابتداءً بإقامة العبادات الشاقة الشديدة بعد أن لم يكونوا مكلفين بشيء، وهو مع ذلك متصفٌ سبحانه وتعالى بالرحمة والرأفة، فإذا جاز ذلك جاز أن ينقل الحكم من الأخف إلى الأثقل، ولا فرقَ بينهما في المعنى.

وكذلك الله -تبارك وتعالى- قد سلط بعض الأمراض والفقر والهمومَ والغموم، وغير ذلك من أنواع العذاب والمؤذيات على بعض المؤمنين، ومع ذلك فهو سبحانه وتعالى رحيم رءوف بهم، وإنما يصيبهم بما ذكر ابتلاءً وامتحانًا لهم وتكفيرًا لذنوب قد اقترفوها في دنياهم، فهو سبحانه وتعالى لا يصيب أي عبد من عبيده بأي مصيبة إلا وفيها مصلحة له، فأمر المؤمن كله خير، إن أصابته سراء شكر وفيه أجر، وإن أصابته ضراء صبر وفيه أجر، كذلك هنا ينسخ الحكم من الأخف إلى الأثقل؛ ابتلاءً وامتحانًا للمكلفين ولمصالح يعلمها رب العباد سبحانه وتعالى.

الدليل الخامس: إن النسخ والتخفيف والحط بمعنى واحد، فلو قال قائل: خففت عليك ولكن إلى شيء هو أثقل، كان تناقضًا، فكذلك إذا قال: نسخت إلى ما هو أثقل.

ونجيب على هذا الدليل الأخير، فنقول: إنا لا نسلم ذلك؛ لأن النسخ ليس بمعنى التخفيف والحط في اللغة، بل النسخ في اللغة هو الرفع والإزالة، وقد بينت ذلك في أول حديث عن الناسخ والمنسوخ.

وبهذا يظهر صحة مذهب الجمهور، وهو جواز النسخ بالأخف والمساوي والأثقل أيضًا، بخلاف ما ذهب إليه أبو بكر بن داود من الظاهرية وغيره من أنه لا يجوز نسخ الأخف بالأثقل، ولقد ذكرت – فيما مضى- الأدلة على جوازه ووقوعه، وناقشت مَن عارض ذلك.

error: النص محمي !!