Top
Image Alt

أنواع الوضاعين عند الحاكم وابن عدي في الكامل

  /  أنواع الوضاعين عند الحاكم وابن عدي في الكامل

أنواع الوضاعين عند الحاكم وابن عدي في الكامل

شرح أنواع المجروحين عند الحاكم، مع ذكر أمثلة لكل صنف:

في كتاب: (المدخل إلى الإكليل) للإمام الحاكم -رحمه الله تعالى- تكلم عن الموضوعات، وفي صفحة 126 وما بعدها تكلم تحت هذا العنوان: “ذكر أنواع الجرح وصفته، وطبقات المجروحين” قال: والمجروحون على عشر طبقات:

قال الحاكم -رحمه الله-: أول أنواع الجرح وضع الحديث على رسول الله صلى الله عليه  وسلم وقد صحّت الرواية عنه صلى الله عليه  وسلم أنه قال: ((من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار)) ثم روى بإسناده إلى عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه  وسلم قال: ((بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، وحدثوا عني ولا تكذبوا علي، فمن كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار)).

قال الحاكم -رحمه الله-: فممن ارتكب هذه الكبيرة جماعة -هو الآن بدأ في ذكر أنواع الوضاعين- فمنهم قوم من الزنادقة، مثل: المغيرة بن سعيد الكوفي، ومحمد بن سعيد الشامي المصلوب في الزندقة، تشبهوا بالعلماء، فوضعوا الأحاديث، وحدثوا بها؛ ليوقعوا في قلوبهم الشك، وذكر أيضًا أبا عبد الرحيم الكوفي، وذكر مثالًا قال: فمما روى محمد بن سعيد المصلوب عن حميد عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه  وسلم قال: “أنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، إلا أن يشاء الله” فوضع هذا الاستثناء لما كان يدعو إليه من الإلحاد والزندقة.

وروى بسنده إلى ابن المبارك يقول: “الإسناد من الدين” قال عبدان الذي سمع ابن المبارك يقول هذا: ذكر عبد الله هذا عند ذكر الزنادقة وما يضعون من الأحاديث.

الصنف الثاني من الوضاعين عند الحاكم -رحمه الله- قال: ومنهم قوم وضعوا الحديث لهوى يدعون الناس إليه.

ثم روى بسنده إلى ابن عباس رضي الله  عنه قال: “إنا كنا نحدث عن رسول الله صلى الله عليه  وسلم إذ لم يُكذب عليه، فلما ركب الناس الصعب والذلول تركنا الحديث عنه”.

ومن هذه الطبقة جماعة منهم من أقر على نفسه بذلك، ثم روى بسنده إلى ابن لهيعة قال: “سمعت شيخًا من الخوارج تاب ورجع، وهو يقول: إن هذه الأحاديث دين فانظروا عمّن تأخذون دينكم، فإنا كنا إذا هوينا أمرًا صيرناه حديثًا” نحن ناقشنا هذه الرواية ونحن نتكلم عن أسباب الوضع، وعن دور الفرق في الوضع، وهل الخوارج وضعوا؟ …إلى آخره، لا نعيدها الآن، لكن أيضًا روى بسنده إلى سليمان بن حرب قال: دخلت على شيخ وهو يبكي فقلت له: ما يبكيك؟ قال: وضعت أربعمائة حديثٍ وأدخلتها في برنامج الناس، فلا أدري كيف أصنع؟

الصنف الثالث: قال الحاكم -رحمه الله-: ومنهم جماعة وضعوا الحديث حسبة فيما زعموا، يدعون الناس إلى فضائل الأعمال، مثل: أبي عصمة نوح بن أبي مريم المروزي، ومحمد بن عكّاش الكرماني، وأحمد بن عبد الله الجويباري، ومحمد بن القاسم الطيكاني، ومأمون بن أحمد الهروي، وغيرهم.

ثم روى بسنده إلى يحيى بن سعيد يقول: “ما رأيت الكذب في أحد أكثر منه فيمن ينسب إلى خير” ثم روى بسنده إلى سفيان يقول: “إن هم الرجل أن يكذب في الحديث وهو في جوف بيت أظهر الله عليه” هذه روايات تبين أن الله عز وجل يفضح الكذابين، ولا يتركهم لكذبهم؛ صيانة لدينه سبحانه وتعالى ولسنة نبيه صلى الله عليه  وسلم.

ثم روى الحاكم -رحمه الله- بسنده إلى أبي عمار المروزي يقول: قيل لأبي عصمة: “من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة، وليس عند أصحاب عكرمة هذا؟ فقال: إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن إسحاق، فوضعت هذا الحديث حسبة”.

الصنف الرابع: ومنهم جماعة وضعوا الحديث للملوك في الوقت مما تقربوا به إليهم.

ثم روى بسنده إلى داود بن رشيد يقول: دخل غياث بن إبراهيم على المهدي، وكان يعجبه الحمام -القصة التي ذكرناها قبل- روى له الحديث: ((لا سبق إلا في خف، أو حافر، أو نصل)) فزاد هذا الوضاع -غياث بن إبراهيم-: “أو جناح” تقربًا للخليفة الذي يحب اللعب بالحمام. وروى رواية أخرى: “أن المهدي بعد أن خرج الرجل ذبح الحمام، فقيل له: يا أمير المؤمنين وما ذنب الحمام؟ قال: من أجلهن كذب هذا على رسول الله صلى الله عليه  وسلم”.

وروى بسنده أيضًا إلى هارون بن أبي عبيد الله عن أبيه قال: “قال لي المهدي: ألا ترى ما يقول هذا -يعني مقاتلًا-؟ قال -مقاتل قال للمهدي-: إن شئت وضعت لك أحاديث في العباس، قال: فقلت: لا حاجة لي فيها” كنا قد أشرنا إلى هذا، ونقلنا تعقيب الشيخ مصطفى السباعي -عليه رحمة الله- في موقف الحكام الذين لم يعاقبوا هؤلاء بشدة.

ثم انتقل إلى النوع الخامس من أنواع الوضاعين: قوم وضعوا الحديث في الوقت لحاجتهم إليه.

فهو هنا فرق بين هذا الصنف والذي قبله، وإن كان قال: في الوقت، هؤلاء وضعوا للملوك في الوقت يعني: في المناسبة التي وقع فيها الوضع، لكنهم وضاعون، أما هؤلاء فوضعوا الحديث في الوقت لحاجتهم إليه، يعني مثل حديث سعد بن طريف لما جاءه ابنه يبكي من الكتاب فقال: لأخزينهم اليوم، وذكر: حدثني عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم: “معلمو صبيانكم شراركم، أقلهم رحمة لليتيم، وأغلظهم على المسكين”.

ثم ذكر أيضًا الحاكم -كمثال على هذا- الوضّاع مأمون بن أحمد الهروي، الذي روى الحديث: “يكون في أمتي رجل يقال له محمد بن إدريس أضر على أمتي من إبليس، ويكون في أمتي رجل يقال له أبو حنيفة هو سراج أمتي” وأيضًا قيل لمحمد بن عكاش الكرماني: إن قومًا عندنا يرفعون أيديهم في الركوع وبعد رفع الرأس من الركوع، فروى حديثًا بإسناده إلى أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم: “من رفع يديه في الركوع فلا صلاة له”.

ثم ذكر الصنف السادس: قال -يعقب على الأصناف الخامسة الماضية-: وكل من رُزق الفهم في نوع من العلم، وتأمل هذه الأحاديث علم أنها موضوعة على رسول الله صلى الله عليه  وسلم.

ثم انتقل إلى النوع السادس قال: ومنهم قوم من السُّؤال والمكدين -السؤال أي الذين يسألون الناس، والمكدين أي الذين يتكسبون من ذلك، مثل من يتعب في عمله، يعني: هذه مهنتهم ويتكسبون منها، وهو يقصد القصاص الذين تكلمنا عنهم كثيرًا، السؤَّال والمكدين يقفون في الأسواق والمساجد والمحافل، فيضعون في الوقت على رسول الله صلى الله عليه  وسلم بأسانيد صحيحة قد حفظوها، فيذكرون الموضوعات بتلك الأسانيد، ثم شرع يضرب أمثلة على ذلك، فذكر القصة المشهورة عن الإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين -رحمهما الله- لما دخلا مسجد الرصافة.

وذكر أيضًا بإسناده إلى مؤمل بن إهاب قال: قام رجل يُحدث، ويزيد بن هارون قاعد، فجعل يسأل الناس فلم يعط، فقال: حدثنا يزيد بن هارون، عن شريك، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: “إذا سأل السائل ثلاثًا فلم يعط، فليكبر عليهم ثلاثًا” وجعل يقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ثم مر، فذكرناه ليزيد بن هارون، فقال: كذب عليّ الخبيث ما سمعت بهذا قط، وضرب أيضًا أمثلة أخرى لهذا النوع من الحديث أو من الوضاعين وهم القصاص.

وانتهى الحاكم -رحمه الله- إلى قوله: فهذه الطائفة بأنواعها كلها كذبت على رسول الله صلى الله عليه  وسلم” كل هذه الأصناف الستة الذين ذكرهم الحاكم هم الوضاع الذين كذبوا على رسول الله صلى الله عليه  وسلم.

ثم انتقل الحاكم -رحمه الله- إلى الطبقة الثانية من المجروحين، وفيهم أيضًا وضاع للأحاديث بشكل آخر:

قال -رحمه الله-: والطبقة الثانية من المجروحين: قوم عمدوا إلى أحاديث مشهورة عن رسول الله صلى الله عليه  وسلم بأسانيدَ معروفة، وضعوا لها غير تلك الأسانيد، فركبوها عليها؛ ليستغرب الحديث بتلك الأسانيد، منهم: إبراهيم بن اليسع من أهل مكة، يُحدث عن جعفر بن محمد الصادق وهشام بن عروة، فيركب حديث هذا على حديث ذاك، وكذلك حماد بن عمرو النصيبي، وبهلول بن عبيد، وأصرب بن حَوشب، وغيرهم.

الطبقة الثالثة من المجروحين: قوم من أهل العلم حملهم الشره على الرواية عن قوم ماتوا قبل أن يُولدوا، مثل إبراهيم بن هدبة، قال: روى الحاكم بسنده إلى يحيى بن معين يقول: كان شيخ عند درب أبي الطيب يروي عن الأوزاعي يقول: ثنا أبو عمرو -رحمه الله- فاختلفنا إليه، فقعد يومًا في الشمس، فنظرنا في صحيفته، فإذا في أعلى الصحيفة: حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن سمّاعة عن الأوزاعي، فطرحنا صحيفته وتركناه.

هذا النوع من المجروحين الذين حملهم الشره على الرواية عن قوم ماتوا قبل أن يولدوا، إنما يظهر كذبهم بمعرفة التواريخ، ونحن نعلم أن معرفة التواريخ نوع من أنواع علوم الحديث، وهي مهمة جدًا؛ لأنها من الأدوات التي يتحقق بها العلماء من لقاء الشيوخ والرواة بعضهم ببعض.

الطبقة الرابعة من المجروحين: قوم عمدوا إلى أحاديث صحيحة عن الصحابة فرفعوها إلى رسول الله صلى الله عليه  وسلم كأبي حذافة أحمد بن إسماعيل السهمي، روى عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه  وسلم قال: “الشفق: الحمرة” هو نسبه إلى رسول الله صلى الله عليه  وسلم وهو في الموطأ من كلام مالك -رحمه الله-، قال الإمام مالك: “الشفق: الحمرة التي في المغرب” أي: التي في جهة الغرب.

الطبقة الخامسة من المجروحين: قوم عمدوا إلى أحاديث مروية عن التابعين أرسلوها عن رسول الله صلى الله عليه  وسلم فزادوا فيها رجلًا من الصحابة فوصلوها، مثل: إبراهيم بن محمد المقدسي روى عن الفريابي، عن الثوري، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن سلمان أن النبي صلى الله عليه  وسلم قال: “ليس شيءٌ خيرًا من ألف مثله إلا الإنسان” والحديث في كتاب الثوري عن الأعمش عن إبراهيم عن رسول الله صلى الله عليه  وسلم مرسلًا، وقال: إن هذا المثال يستشهد به على الجملة.

الطبقة السادسة من المجروحين: قوم الغالب عليهم الصلاح والعبادة، لم يتفرغوا إلى ضبط الحديث وحفظه والإتقان فيه، واستخفوا بالرواية فظهرت أحوالهم.

ثم روى بسنده إلى خلف بن سالم يقول: “من استخف بالحديث استخف به الحديث” قال الحاكم -رحمه الله-: هذه الطبقة فيهم كثرة، وأكثرهم زهاد وعباد، وهذا ثابت بن موسى الزاهد دخل على شريك بن عبد الله القاضي والمستملي بين يديه، وشريك يقول: حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم: …” ولم يذكر المتن، فلما نظر إلى ثابت بن موسى قال: “من كثر صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار” وإنما أراد شريك بهذا القول ثابت بن موسى لزهده وورعه، فظن ثابت بن موسى أنه روى الحديث مرفوعًا بهذا الإسناد، فكان ثابت بن موسى يحدث به عن شريك، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، وليس لهذا الحديث أصل إلا من هذا الوجه، وقوم من المجروحين سرقوه من ثابت بن موسى، فرووه عن شريك.

ثم ذكر الحاكم أيضًا قصة عبد الله بن المبارك في أنه قال: “لو خيرت بين أن أدخل الجنة وبين أن ألقى عبد الله بن المحرر لاخترت أن ألقاه ثم أدخل الجنة، فلما لقيته كانت بعرة أحب إلي منه” ربما لضعفه في الحديث.

وذكر أيضًا قصة وكيع عن وهب عن إسماعيل: “ذاك رجل صالح, وللحديث رجال”.

ثم انتقل الحاكم إلى نوع آخر من أنواع المجروحين، وهي الطبقة السابعة فقال: قوم سمعوا من شيوخٍ وأكثروا عنهم، ثم عمدوا إلى أحاديث لم يسمعوها من أولئك الشيوخ، فحدثوا بها، ولم يميزوا بين ما سمعوا وبين ما لم يسمعوا، وهذا يوضح الصنف الذي ذُكر عند ابن أبي حاتم -رحمه الله- هؤلاء قوم سمعوا من شيوخ وأكثروا عنهم، وعمدوا إلى أحاديث لم يسمعوها من أولئك الشيوخ، ولم يعلموا بها عنهم -كما ذكر عند ابن حبان- إلا بعد وفاتهم فحدثوا عنها أو حدثوا بها، لكنهم لم يميزوا ما هي الأحاديث التي أخذوها من شيوخهم مباشرة وما هي الأحاديث التي لم يأخذوها عنهم، بل سمحوا لأنفسهم أن يرووا تلك الأحاديث عن الشيوخ مباشرة، وربما استعملوا لفظ السماع الذي يفيد التأكيد من أخذ الشيخ من لفظه، يعني: حتى لم يستعملوا ألفاظ التدليس على ما ذكره ابن حبان -رحمه الله تعالى- حين تحدث عنهم؛ ولذلك يقول الحاكم: ولم يميزوا بين ما سمعوا وبين ما لم يسمعوا، فرووا للجميع على أنه سماع من رسول الله صلى الله عليه  وسلم وتلك طامّة كبرى.

ووصلنا إلى الطبقة السابعة من المجروحين وهم: قوم سمعوا من شيوخ وأكثروا عنهم، ثم عمدوا إلى أحاديث لم يسمعوها من أولئك الشيوخ فحدثوا بها، ولم يميزوا بين ما سمعوا وبين ما لم يسمعوا، هؤلاء قوم سمعوا من بعض الشيوخ بعض الأحاديث ولم يسمعوا منهم بعض الأحاديث الأخرى، فرووا الجميع عنهم من غير أن يُميزوا بين ما أخذوه سماعًا وما لم يأخذوه منهم أصلًا.

يقول الحاكم: “وقد ورد خراسان جماعة من هذه الطبقة كإبراهيم بن إسحاق الغسيلي، وأحمد بن محمد بن عمر المنكدري، وغيرهما غابوا عن أوطانهم واستوطنوا بلاد خراسان، فكلما رأوا في هذه البلاد حديثًا عن شيخٍ قد كانوا كتبوا عنه سرقوه وحدثوا به فظهر ذلك في حديثهم.

ثم ينتقل الحاكم إلى قوم آخرين: هم الطبقة الثامنة من المجروحين يقول عنهم: إنهم قوم سمعوا كتبًا مصنفة عن شيوخ أدركوهم، ولم ينسخوا سماعاتهم عند السماع، وتهاونوا بها، يعني: سمعوا كتبًا من شيوخ لكنهم لم ينسخوها عند سماعهم إياها، وإنما تهاونوا بها إلى أن طعنوا في السن، وسئلوا عن الحديث فحملهم الجهل والشره على أن حدثوا بتلك الكتب من كتب مشتراة، يعني: ليست من نسخهم التي دونوا فيها عن شيوخهم؛ لأنهم أصلًا لم يكتبوا عند سماعهم، حملهم الجهل والشره على أن حدثوا بتلك الكتب من كتب مشتراة ليس لهم فيها سماع ولا بلاغ، وهم يتوهمون أنهم في رواياتها صادقون، وهذا النوع مما كثر في الناس، وتعاطاه قوم من أكبار العلماء والمعروفين بالصلاح، ثم ذكر له مثالًا فقال: ابن لهيعة، ترك العلماء الاحتجاج بروايته مع جلالته لتساهله.

وانتقل الحاكم بعد ذلك إلى الطبقة التاسعة من المجروحين: وهم قوم ليس الحديث من صناعتهم، ولا يرجعون إلى نوع من الأنواع العشرة التي يحتاج المحدِّث إلى معرفتها، ولا يحفظون حديثهم، فيجيئهم طالب العلم فيقرأ عليهم ما ليس في حديثهم، فيجيبون ويقرون بذلك وهم لا يدرون، قوم ليسوا من أهل الحديث، وليسوا من أهل الصناعة فيه، ولا يعرفون الأنواع العشرة، ولا يرجعون إليها التي يحتاج المحدث إلى معرفتها.

ثم ذكر مثالًا على هذا بسنده إلى يحيى بن سعيد يقول: “كنا عند شيخ من أهل مكة أنا وحفص بن غياث فإذا أبو شيخ جارية بن هرم يكتب عنه، فجعل حفص يضع له الحديث، ويقول: حدثتك عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين بكذا وكذا، فيقول: حدثتني عائشة بنت طلحة عن عائشة بكذا وكذا، فيقول حفص بن غياث: حدّثك القاسم بن محمد عن عائشة بكذا فيقول: حدثني القاسم بن محمد عن عائشة بكذا، فيقول: حدثك سعيد بن جبير عن ابن عباسٍ بمثله …إلى آخره، فيقول: يكرر هذا، فلما فرغ ضرب حفص بيده إلى ألواح جارية هذا ابن هرم فمحاها فقال جارية: تحسدوني؟ فقال له حفص: لا ولكن هذا كذب، فقلت ليحيى: من الرجل؟ فلم يسمه، فقلت له يومًا: يا أبا سعيد لعلي كتبت عن هذا الشيخ ولا أعرفه، فقال: هو موسى بن دينار” إنما وقع في هذا الخطأ؛ لأنه ليس من أهل صناعة الحديث، وأخذ يكرر ما يسمعه بدون أن يتدبر، وأن يتفحص.

ومثال آخر عن ابن أبي حاتم قال: سمعت أبي يقول: دخلت الكوفة فحضرني أصحاب الحديث، وقد تعلقوا بورّاق سفيان بن وكيع فقالوا: أفسدت علينا شيخنا وابن شيخنا، قال: فبعثت إلى سفيان بتلك الأحاديث التي أدخلها عليه وراقَهُ ليرجع عنها، فلم يرجع عنها فتركته.

ويسوق الحاكم أمثلة أخرى لهذا النوع، ثم ينتقل إلى الطبقة العاشرة من المجروحين، فيقول عنهم: إنهم قوم كتبوا الحديث، ورحلوا فيه، وعرفوا به، فتلفت كتبهم بأنواع من التلف مثل: الحرق، أو النهب، أو الهدم، أو الغرق، أو السرقة، فلما سئلوا عن التحديث حدثوا من كتب غيرهم، أو من حفظهم على التخمين فسقطوا بذلك، منهم: عبد الله بن لهيعة الحضرمي المصري على جلالة محله وعلو قدره، ثم روى بسنده إلى قتيبة بن سعيد يقول: حضرت موت ابن لهيعة فسمعت الليث بن سعد يقول: ما خلف بعده مثله.

وروى أيضًا بإسناده إلى إبراهيم بن إسحاق القاضي بمصر قال: أنا حملت رسالة الليث بن سعد إلى مالك بن أنس، فجعل مالك يسألني عن ابن لهيعة وأخبره بحاله، فجعل يقول: فابن لهيعة ليس يذكر الحج، يعني: كأنه يتمنى أن يسعى ابن لهيعة للحج ليلتقي به مالك؛ ولذلك يقول إبراهيم بن إسحاق القاضي الذي حمل الرسالة إلى الإمام مالك، لما سمع هذه الكلمة من مالك، مالك يقول: فابن لهيعة ليس يذكر الحج؟ فسبق إلى قلبي أنه يريد مشافهته والسماع منه، يعني هذا يدل على منزلة ابن لهيعة عند الإمام مالك، وهو كان رجلًا فاضلًا، لكنه احترقت كتبه فجعل يحدث فخلط في حديثه؛ ولذلك ترك لهذا السبب، والإمام مالك عنده في الموطأ حديث عن ابن لهيعة -حديث رقم ألف ومائتين وواحد وسبعين- عن مالك عن الثقة عنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، حكى ابن عبد البر أن هذا الثقة هو: ابن لهيعة، وقيل: ابن وهب حدثه عن ابن لهيعة كما في (تهذيب التهذيب).

أصناف الوضاعين عند ابن عدي في كتابه (الكامل):

الآن ننتقل إلى أصناف الوضاعين عند ابن عدي -رحمه الله تعالى- في كتابه (الكامل).

في كتاب (الكامل) لابن عدي في المقدمات التي ذكرها، وقدّم فيها كثيرًا من الموضوعات قبل أن ينتقل إلى تراجم الرواة، لم يعقد -في حدود ما قرأت- بابًا أو فصلًا يتكلم فيه عن أنواع الوضع، لكنه ذكر ضمن كلامه بعض الأنواع التي من الممكن أن ُتدرج في الوضع، على أنه في أثناء التراجم ترجم لأناس كثيرين من الوضاعين من الممكن أن يصنفوا في الأنواع أو ضمن الأنواع المختلفة للوضاعين التي كنا قد تكلمنا عنها مثل الزنادقة وغيرها، وسنذكر بعض هذه التراجم من كتاب (الكامل) لابن عدي إن شاء الله -تبارك وتعالى.

لكنه على كل حال في المقدمات التي يتعرض لها يقول مثلًا تحت عنوان: الباب الحادي والعشرون: من قال التلقين هو الذي يكذب فيه الراوي، وذِكر بعض من لُقن، ثم ذكر بسنده إلى أبي الأسود الدُّؤلي: إن سرك أن يكذب صاحبك فلقنه، وأيضًا روى بسنده إلى قتادة قال: إذا أردت أن يكذبك صاحبك فلقنه، روى عن ابن سيرين قال: إذا أردت أن أكذب فلقني، وروى بسنده إلى أيوب قال: قال لي ابن أبي مليكة: يا أيوب إذا سرك أن يكذب العالم فلقنه، وعن علقمة مثل هذا القول… إلى آخره. فهذه كلها أقوال تدل على أن التلقين نوع من أنواع الكذب، ونوع من أنواع الوضع في حديث رسول الله صلى الله عليه  وسلم.

ثم ذكر ابن عدي -رحمه الله- بعض الأمثلة على ذلك منها، أنه روى بسنده إلى سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه  وسلم قال: “لو كان هذا القرآن في إهاب ما مسته النار” يقول: سمعت عبدان الأهوازي يقول: وذكرت له هذا الحديث فقال: رأيت البغداديين يلقنونه عبد الوهاب فمنعتهم، هو يقصد أن عبد الوهاب بن الضحاك أحد رجال الإسناد في هذا الحديث كان يتلقن فلقنوه أياه فلم يلتفت أو لم ينتبه إلى هذا، ولكن الذي منعهم -كما يقول عبدان الأهوازي- رأيته والبغداديون يلقنونه عبد الوهاب فمنعتهم.

وذكر مثالًا آخر يقول: أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى نا -أنبأنا- عبد الغفار بن عبد الله بن الزبير حدثنا علي بن مسهر عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه  وسلم قال: “من أتى البهيمة فاقتلوه، واقتلوا البهيمة” قال الشيخ: قال لنا ابن المثنى: ثم بلغني أن عبد الغفار رجع عنه, عبد الغفار الذي هو شيخ ابن عدي رجع عنه؛ لأنه كان قد لقنه, وهكذا ذكر ابن عدي بعض الأمثلة لمن تلقنوا إما أنهم لم يرجعوا، وإما أنهم رجعوا، لكنه يتكلم عن هذا النوع على أنه من أنواع الوضع، والكذب على رسول الله صلى الله عليه  وسلم.

أيضًا عقد فصلًا يقول فيه: ما يُذكر عن الصالحين من الكذب ووضع الحديث.

روى بسنده إلى يحيى بن سعيد قال: “ما رأيت الصالحين في شيء أشد فتنة منهم في الحديث” وأيضًا إلى يحيى بن سعيد في قول آخر: “ما رأيت الكذب في أحد أكثر منه فيمن ينسب إلى الخير” ويقول يحيى بن سعيد أيضًا: “ما رأيت الصالحين أكذب منهم في الحديث” ويقول أبو عاصم النبيل: “ما رأيت الصالح يكذب في شيء أكثر مما يكذب في الحديث” رجل من أهل الأهواء المنذر بن الحُميم، وكان قد دخل في الأهواء، ثم رجع فسمعته يقول: “اتقوا الله، وانظروا عمن تأخذوا هذا العلم، فإنا كنا نرى الأجر في أن نروي لكم ما نتكلم به”.

ثم ينتقل ابن عديٍ إلى نوع رَغَّب ورغِب في الكذب واستحله.

يروي بسنده إلى الأصمعي، نصر بن علي يسأل الأصمعي يقول: قلت للأصمعي: ما تحفظ من كلام العرب في الكذب؟ قال: قلت لأعرابي ما حملك على الكذب؟ قال: “لو ذقت حلاوته ما نسيته”.

وأيضًا عن الأصمعي يقول: قيل لكذاب: ما يحملك على الكذب؟ قال: لو تغرغرت به ما نسيت حلاوته.

هؤلاء أصناف ثلاثة ذكرهم ابن عدي في مقدماته الأولى في الكتاب: الصالحون وكذبهم، الذين لقنوا فتلقنوا، والذين -على حد قولهم- ذاقوا حلاوة الكذب والعياذ بالله فأوغلوا فيه، ووقعوا فيه بشدة فهؤلاء قوم كذابون.

لكن عند انتقاله إلى تراجم الرجال ذكر أصنافًا كثيرة ممن وقعوا في الوضع لأسباب متعددة، وهي الأسباب التي كنا قد تعرضنا لها حينما كنا نتكلم عن أنواع الوضاعين وأنواع الوضع مثل الكذب حسبة، أو بقصد الارتزاق، أو الزندقة… إلى آخره، وسنذكر بعض الذين ذكرهم ابن عدي وسنحاول أن نأتي بنماذج متنوعة تشمل الوضاعين الذين وضعوا لأغراض متعددة.

ففي (الكامل) يتكلم ابن عدي عن إبراهيم بن زكريا المعلم العبدستاني العجلي الضرير يكنى أبا إسحاق، قال ابن عدي: حدث عن الثقات بالبواطيل، ومن أحاديثه التي ذكرها عنه، ذكر حديثًا نسبه لأنس بنمالك رضي الله  عنه: “أن النبي صلى الله عليه  وسلم حبس رجلًا في تهمة…”.

وذكر حديثًا نسبه لعلي بن أبي طالب قال: “كنت قاعدًا عند رسول الله صلى الله عليه  وسلم بالبقيع في يوم مطير، فجاءت امرأة على حمار فهوى بها الحمار في وهدة من الأرض، فسقطت المرأة، فأعرض النبي صلى الله عليه  وسلم بوجهه عنها، قالوا: يا رسول الله إنها متسرولة -تلبس السروال- فقال: اللهم اغفر لمتسرولات أمّتي، يقولها ثلاثًا: يا أيها الناس اتخذوا السراويل فإنها من أستر ثيابكم وخصوا بها نساءكم إذا خرجن” أحاديث من هذا.

يقول ابن عدي: وهذه الأحاديث مع غيرها يرويها إبراهيم بن زكريا هذه كلها أو عامتها غير محفوظة، والضعف بادٍ عليها يعني على رواية حديثه، وهو من جملة الضعفاء. إذن هو يحدث عن الثقات بالبواطيل.

وذكر أسماء أخرى: أحمد بن هارون بن موسى بن هارون، وأشياء أخرى، ونماذج، وأدلة، من روايته عن الثقات يدخل عليهم ما ليس من حديثهم.

أيضًا ينتقل ابن عدي -رحمه الله- إلى نوع آخر يقول: “من حكم عليه بالوضع، وهو في عداد أصحاب الفرق من القدرية والمعتزلة”.

فيترجم لإبراهيم بن محمد بن أبي يحيى أبو إسحاق الأسلمي، مديني، ذكر فيه قول مالك بن أنس: إبراهيم بن أبي يحيى كذاب، وقال أيضًا مالك: إبراهيم بن أبي يحيى: ليس بذاك في دينه. وسئل مالك أيضًا عن إبراهيم بن أبي يحيى قال أكان ثقة في الحديث؟ قال: لا، ولا ثقة في دينه. وقال يحيى بن سعيد: يحيى بن أبي يحيى كذّاب. وقالوا: كان قدريًا معتزليًا، وكان يروي أحاديث منكرة ليس لها أصل، وقال يزيد بن زريع: ورأى إبراهيم بن يحيى هذا يحدث فقال: لو ظهر لهم الشيطان لكتبوا عنه.

وقال البخاري: إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي المدني تركه ابن المبارك والناس.

وقال بشر بن عمر: نهاني مالك عنه، قلت: من أجل القدر تنهاني عنه؟ قال: ليس في دينه بذاك. وقال البخاري بعد أن عرفه: كان يرى القدر، وكان جهميًا، تركه ابن المبارك والناس.

وقال أحمد بن حنبل -رحمه الله-: إبراهيم بن أبي يحيى المدني لا يكتب حديثه، كان يقول بالقدر، ويقال: إنه كان يروي أحاديث منكرة، وكان يأخذ أحاديث الناس.

أيضًا من حكم عليه ابن عدي بالوضع من في عداد من وضعوا أحاديث في شيوخ لم يرووا عنهم، أو عُرف بسرقة الحديث، ترجم من هؤلاء أو لواحد منهم وهو أحمد بن عبد الله الهروي، يُعرف بالجوباري من هراة، حدث عن جرير والفضل بن موسى وغيرهما بأحاديث وضعها عليهم، وكان يضع الحديث لابن كرَّام على ما يريده، وكان ابن كرام يضعها في كتبه عنه، ويسميه أحمد بن عبد الله الشيباني، يعني: ينسبه إلى غير نسبه، أو إلى التمويه، وهذا نوع من التدليس معروف عند المحدثين، قال: سمعت محمد بن أحمد بن حماد يقول: أحمد بن عبد الله الهروي كان يضع الحديث، وذكر من أحاديثه الموضوعة التي ركّب عليها أسانيد صحيحة ما نقله عن السعدي إبراهيم بن عبد الله بن يعقوب الجوزقاني أبو إسحاق قال: حدثنا أحمد بن حفص حدثنا أحمد بن بهرام حدثنا أحمد بن عبد الله الهروي -هذا المقصود- عن أبي البختري عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم: “من امتشط قائمًا ركِبه الدَّين” قال الشيخ: وهذا الحديث منكر بهذا الإسناد، وقد حدث به عن أبي البختري، وأبو البختري لعله أشر منه.

وروى أيضًا أحاديث أخرى عن هذا الرجل. وذكر غيره من الوضاعين.

الرابع عند ابن عدي: منهم من حُكم عليه بالوضع، وهو من جملة المتشيعة الذين وضعوا أحاديث في فضل علي وآل البيت، وذكر مثالًا لذلك: أحمد بن عبد الله بن يزيد المؤدب، قال ابن عدي: كان بسُرَّ مَنْ رأى -يقصد سامراء- يضع الحديث، ثم روى بسنده إلى جابر بن عدي يروي بسنده بإسناد فيه هذا الرجل، يقول: سمعت جابرًا يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه  وسلم يقول يوم الحديبية عن علي بن أبي طالب: “هذا أمير البررة، قاتل الفجرة، منصور من نصره، مخذول من خذله، ثم مد بها صوته، وقال: أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد الدار فليأت الباب” قال الشيخ: وهذا حديث منكر موضوع، لا أعلم رواه عن عبد الرزاق إلا أحمد بن عبد الله المؤدب هذا، الذي هو وضّاع لأنه متشيع، ويضع أحاديث في فضل آل البيت.

ومنهم: إسحاق بن إبراهيم بن يعقوب بن عباد بن العوام أبو إبراهيم، قال ابن عدي: كان بواسط ،أتيته إلى مكتبه، فسمعته يحدث عن عفان بأحاديث مشاهير، ويحدث عن عمرو بن عون عن هشيم عن يونس بن عبيد عن الحسن عن أنس إلى آخره بهذا الإسناد أحاديث موضوعة، أقول -يعني إضافة-: إسحاق بن إبراهيم هذا ذكره ابن الجوزي، وذكر له حديثًا وضعه في حب علي رضي الله  عنه هذا في كتاب (الموضوعات)، رواه هذا الوضاع عن يزيد بن هارون حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن البراء قال: قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم: “من أحب أن يستمسك بالقضيب الرطب الذي غرسه الله بيده فليستمسك بحب علي بن أبي طالب عليه السلام”.

وذكر أيضًا أسماء آخرين ممن كانوا يضعون الحديث في التشيع.

الخامس: ثم ينتقل ابن عدي -رحمه الله تعالى- إلى نوع آخر من الوضاعين، وهم الذين حكم عليهم بالوضع، وهو في عداد من كان يتلقن فيلَقن، ووضعوا أيضًا أحاديث في الأمور العقدية من ذلك: ما قاله في أحمد بن محمد بن حرب أبو الحسن الملحمي مولى سليمان بن علي الهاشمي، قال عنه: يتعمد الكذب، ويلقَّن فيتلقن، ويروي بأحاديث هذا بأسانيده عن النبي صلى الله عليه  وسلم: “ليس الخبر كالمعاينة” قال ابن عدي: وهذا حديث باطل بهذا الإسناد، وأيضًا: “الندم توبة” ويقول الشيخ بعد ذلك: “وهذان الإسنادان في الندم والتوبة باطلان”.

ويذكر نماذج أخرى لهذا الرجل للأحاديث التي يضعها في العقائد، فيقول: “القرآن كلام الله، لا خالق ولا مخلوق، وهو كلام الله، ومن قال غير ذلك فهو كافر”. نصٌ آخر: “الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، وهو قول وعمل، ومن قال غير ذلك فهو مبتدع” قال ابن عدي: وهذان الحديثان باطلان، وأيضًا يقول: حدثنا أحمد بن محمد بن حرب -هذا الذي نتكلم عنه- حدثنا عبيد الله القواريري عن حماد بن زيد, عن ثابث عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم: “ساقي القوم آخرهم” قال الشيخ -أي ابن عدي-: وكذب على القواريري، وإنما يروي هذا الحديث عبد الله بن أبي بكر المقدمي وهو ضعيف عن حماد بن زيد، فألزقه هذا الرجل على القواريري، والقواريري ثقة.

ويذكر نماذج أخرى، ثم يختم الكلام ويقول: “وأحمد بن محمد بن حرب هذا مشهور بالكذب، ووضع الحديث” قال الشيخ: “وكان أحمد بن محمد يحدث مثل هذه البواطيل التي ذكرت بعدها”.

السادس: من حكم عليه بالوضع، وهو في عداد من وضع أحاديث حسبة يرقق بها قلوب العامة، ويذكر أمثلة لهم، ومنهم: أحمد بن محمد بن غالب بن مرداس أبو عبد الله مولى باهلة، بصري يُعرف بغلام الخليل، قال ابن عدي: سمعت أبا عبد الله النهاوندي بحران في مجلس أبي عروبة يقول: قلت لغلام الخليل: “هذه الأحاديث الرقائق التي تحدث بها، قال: وضعناها لنرقق بها قلوب العامة” ثم يقول ابن عدي أيضًا: سمعت عبدان الأهوازي يقول: قلت لعبد الرحمن بن خراش: هذه الأحاديث التي يتحدث بها غلام الخليل لسليمان بن بلال من أين له؟ قال: سرقها من عبد الله بن شبيب، وسرقها عبد الله بن شبيب من النضر بن سلمة شاذان، ووضعها شاذان.

ثم يذكر بعض النماذج لهذه الأحاديث المكذوبة على رسول الله صلى الله عليه  وسلم التي وضعها بعض هؤلاء: “من قَبّل غلامًا لشهوة لعنه الله، وإن صافحه لشهوة لم تقبل منه صلاته، فإن عانقه لشهوة ضرب بسياط من نار يوم القيامة، فإن فسق به أدخله الله النار” هذا من كلام أحمد بن محمد بن غالب الذي نتحدث عنه الآن، قال ابن عدي: “وهذا الحديث باطل بهذا الإسناد وبغير هذا الإسناد، وغلام الخليل أحاديثه مناكير لا تحصى كثرة، وهو بيَّنُ الأمر في الضعفاء”.

النوع السابع عند ابن عدي -رحمه الله تعالى-: من حُكم عليه بالضعف والنكارة، وهو في عداد من وضعوا أحاديث في فضائل البلدان، ومنهم بشير بن ميمون أبو صيفي واسطي، روى ابن عدي بسنده إلى يحيى بن معين قال: “اجتمع الناس على طرح حديث هؤلاء النفر فذكر منهم بشير بن ميمون”.

وقال البخاري: “بشير بن ميمون أبو صيفي واسطي، سمع عكرمة، وسعيد المقبري، ومجاهد، منكر الحديث”. ويقول عبد الله بن أحمد: كل هذه الروايات رواها ابن عدي بأسانيده إلى أصحابها، عبد الله بن أحمد -رحمه الله- يقول: سألت أبي عن أبي صيفي يحدث عن مجاهد قال: كتبنا عنه عن مجاهد وعن سعيد المقبري، ثم قدم علينا بعد فحدثنا عن الحكم بن عتبة، ليس بشيء. سمعت حماد يقول: قال السعدي: “بشير بن ميمون وأظنه بمكة غير ثقة” إلى آخر ما ذكر فيه، ثم ذكر بعض أحاديثه منها ما زعمه: “أول سابق إلى الجنة مملوك أطاع الله عز وجل ومولاه أو قال سيده”.

وبإسناده قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم: “ما من صدقة يتصدق بها أفضل من صدقة يتصدق بها على مملوك عند مليك سوء”. وأيضًا يروي بإسناده: “إن من السنة إذا دعوت الرجل إلى منزلك فخرج أن تخرج معه إلى باب الدار”.

بعد هذه النماذج يقول ابن عدي: “وأبو صيفي هذا قد روى عن سعيد المقبري أيضًا أحاديث غير محفوظة، وعامة ما يرويه غير محفوظ، روى عن مجاهد وعكرمة وعطاء، وغيرهم أحاديث يرويها عنهم، لا يتابعه أحد عليها وهو ضعيف، كما ذكر أحمد والبخاري والنسائي وغيرهم”.

ينتقل ابن عدي إلى نوع آخر من أنواع الوضاعين ممن وضعوا أحاديث في مناقب الصحابة، ومن هؤلاء بشير بن زازان قال ابن عدي نقلًا عن ابن معين: “بشير بن زازان ليس بشيء” وروى بإسناد فيه بشير هذا: “إن في الجنة غرفًا يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله لمن أطعم الطعام، وأفشى السلام، وقام والناس نيام”.

وأيضًا بإسناد فيه هذا الوضّاع: “من صلى المغرب في جماعة، ثم العشاء الآخرة، فهو صلاة الأوابين، وهي صلاة الغفلة، وأعطي في الآخرة قصرين من جوهر بينهما مسيرة عام للراكب المسرع… إلى آخر ما ذكر” قال ابن عدي بعد كل ذلك: “وبشير بن زازان هذا أحاديثه ليس عليها نور، وهو غير ثقة، وضعيف، ويحدث عن ضعفاء جماعة، وهو بين الضعف، وأحاديثه عامتها عن الضعفاء”.

ابن عدي رغم أنه يذكر النماذج التي ذكرها على أنها ليست أحاديث إنما يحكم عليه بالضعف، ولكن ابن الجوزي ذكره أيضًا في الموضوعات، وذكره ضمن من وضع أحاديث في مناقب الصحابة، ومن ذلك حديثه: “أبو بكر أوزر أمتي وأوجهها، وعمر بن الخطاب خير أمتي وأكملها، وعثمان بن عفان أعدلها، وعلي بن أبي طالب ولي أمتي وأوسمها، وعبد الله بن موسى أمين أمتي وأفضلها، وأبو ذر أزهد أمتي وأرأفها، وأبو الدرداء أعدل أمتي وأرحمها، ومعاوية بن أبي سفيان أحلم أمتي وأجودها”.

يقول ابن الجوزي في (الموضوعات): “هذا حديث موضوع على رسول الله صلى الله عليه  وسلم، وفي الطريقين جماعة مجروحون، والمتهم به عندي بشير بن زاذان، إما أن يكون من فعله أو من تدليسه عن الضعفاء، وقد خلط في إسناده”.

وذكر ابن عدي أيضًا أُنموذجًا آخر، وهو الحسين بن عبيد الله العجلي، وذكر بإسناد فيه هذا الرجل، إلى سهل بن سعد قال: “وصف لنا رسول الله صلى الله عليه  وسلم ذات يوم الجنة فقام إليه رجل، فقال يا رسول الله، أفي الجنة برق؟ قال: نعم، والذي نفسي بيده إن عثمان ليتحول من منزل إلى منزل فتبرق له الجنة”.

قال ابن عدي: وهذا باطل بهذا الإسناد.

error: النص محمي !!