Top
Image Alt

أنواع بيع التورق، وصوره، وأحكامه

  /  أنواع بيع التورق، وصوره، وأحكامه

أنواع بيع التورق، وصوره، وأحكامه

كما سبق أن أشرنا لم يذكر الفقهاء تعريفًا للتورق؛ بل إن الجمهور لم يذكروا التورق إلا عند بيع العِينة، أما الحنابلة فقد ذكروه، وهم أول من ذكر هذا المصطلح؛ فهذا المصطلح شائع عند الحنابلة دون غيرهم من أهل العلم، ومرادهم بهذا المصطلح: أن يشتري المرء سلعة بثمن مؤجل، وبعد أن يشتريها يقوم ببيعها نقدًا لشخص آخر، بسعر أقل من سعرها الذي اشتراها به بالتقسيط؛ فمثلًا: اشترى شيئًا بمائة مقسّطة على سنة باع هذا الشيء بثمانين نقدًا، فهو استفاد بهذه السيولة النقدية، وسيسدد الأقساط بطريقة مريحة، هذا يسمى بيع التورق؛ لأنه أراد الحصول على الدراهم وهو لا يريد السلعة، فهو يريد أن يحصل على شيء يبيعه نقدًا وقد كان، فهو عبارة عن أن يشتري المرء السلعة نسيئة ثم يبيعها نقدًا لغير البائع، بأقل مما اشتراها به ليحصل بذلك على النقد؛ ومثال ذلك: أن يشتري سلعة بثمن مؤجل ثم يبيعها لآخر نقدًا، ويحصل على ثمنها الحالي لحاجته إلى النقود الآن أو اليوم، والأشهر أن تسمى هذه المعاملة: زرنقة.

قال في (الزاهر): “وأما الزرنقة فهو: أن يشتري الرجل سلعة بثمن إلى أجل، ثم يبيعها لغير بائعها -أي: لشخص آخر- بالنقد، وهو جائز عند جميع الفقهاء”.

وقال في (الفائق): “الزرنقة هي العينة؛ وهي أن يبيع الرجل شيئًا بأكثر من ثمنه سَلَفًا”.

وفي (النهاية): “الزرنقة وهي العينة؛ وذلك بأن يشتري الشيء بأكثر من ثمنه لأجَل، ثم يبيعه منه أو من غيره بأقل مما اشتراه”.

ومن هنا يبدو أن هناك خلطًا بين التورق وبيع العينة؛ فللعينة في كلام الفقهاء معانٍ كثيرة، فهي قد تعني البيع بثمن مؤجل كقول صاحب (المغني): “وقد روي عن أحمد أنه قال: العينة أن يكون عند الرجل المتاع، فلا يبيعه إلا بنسيئة، وقال: أكره للرجل ألا يكون له تجارة غير العينة، لا يبيع بنقد”.

ومن معانيها: بيع ما لا يملك الإنسان كقول ابن رشد الحفيد، وقد يدخل في هذا الباب إجماع الفقهاء على منع بيع الرجل شيئًا لا يملكه وهو المسمى عينة، وقد يسمى التورق نفسه عينة كقول السرخسي: “وصورة العينة: أن يشتري عينًا بالنسيئة بأكثر من قيمته؛ ليبيعه بقيمته بالنقد، فيحصل على المال”.

لكن معناها في لغة أكثر الفقهاء إنما تقع إذا باع لرجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل معلوم، ثم اشتراها منه بأقل من الثمن الذي باعها به، فنفس الشخص الذي باعها بالتقسيط بمائة يشتريها منه نقدًا بثمانين.

وقد يسمي البعض هذه الصيغة العينة القبيحة، وهي كذلك فعلًا للتفريق بينها وبين سائر المعاني؛ فالعينة تفترق عن التورق في أنها تقع بين طرفين بائع ومشترٍ، ثم يأخذ كل منهما دور الآخر؛ أي: إن صاحب السلعة بائع باعها للمشتري بثمن مؤجل نسيئة، ثم قام المشتري بدور البائع فباعها لمن اشتراها منه بثمن نقدي أقل مما اشتراها به؛ وهذا هو القبيح، حيث يبيع للبائع الأول متواطئين على عقدين؛ بيع عاجل وآخر آجل في صفقة واحدة، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صفقتين أو بيعتين في بيعة.

أما التورق فهو عقدان منفصلان -حيث إن المشتري يشتري من صاحب السلعة، ثم يصبح هذا المشتري بائعًا لشخص آخر ثالث- فيهما ثلاثة أطراف؛ عقد بيع آجل وآخر ناجز، عقد بيع آجل مع صاحب السلعة الأول، وعقد بيع ناجز من المشتري للمشتري الثالث.

يقول ابن القيم في التفريق بينهما: “إن أعاد السلعة إلى بائعها فهي العينة، وإن باعها لغيره فهي التورق”.

وقال الزرعي في حاشيته على ابن القيم: “فإن قيل: فما تقولون إذا لم تعد السلعة إليه، بل رجعت إلى ثالث؛ هل تسمون ذلك عينة؟ قيل: هذه مسألة التورق؛ لأن المقصود الورق” أي: الدراهم.

وجمهور الفقهاء على منع العينة؛ لأنها حيلة إلى القرض بزيادة، وذهب جمهور الفقهاء أيضًا من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى جواز التورق، وذكر أبو منصور الأزهري أنه جائز عند جميع الفقهاء، وخالف في ذلك ابن تيمية فذهب إلى كراهة التورق، وهي رواية عن أحمد وحكي عنه أنه اختار حرمته، وقد ارتضى ابن القيم مذهب شيخه بحظر التورق وأنه منهيّ عنه مذموم.

وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: التورق أخية الربا -أي: أصله- لكن جمهور العلماء على أن التورق جائز، ولا حرج فيه ما دام الأطراف ثلاثة.

error: النص محمي !!