Top
Image Alt

أنواع مشكل الحديث

  /  أنواع مشكل الحديث

أنواع مشكل الحديث

الكلام على الأنواع والتقسيمات يجري وفق اعتبارات كثيرة، ولهذا لا بد من البدء أولًا ببيان التقسيم العام لذلك، وهو أن الإشكال والاختلاف قد يكون حقيقيًّا.

وقد يكون لمجرد الظاهر، فالاختلاف الحقيقي: هو التضاد التام بين حجتين متساويتين دلالةً وثبوتًا وعددًا، ومتحدتين زمانًا ومحلًا. وهذا لا يمكن وقوعه في الأحاديث النبوية؛ لأنها وحي من الله تعالى.

قال الله سبحانه: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3، 4] والوحي يستحيل وقوع الاختلاف والتناقض فيه لقوله تعالى: ؤؤ [النساء: 82].

قال الإمام محمد بن جرير الطبري -رحمه الله تعالى- في تفسيره لهذه الآية: “وأن الذي أتيتهم به من التنزيل من عند ربهم لاتساق معانيه، وائتلاف أحكامه، وتأييد بعضه بعضًا بالتصديق، وشهادة بعضه لبعض بالتحقيق، فإن ذلك لو كان من عند غير الله لاختلفت أحكامه وتناقضت معانيه، وأبان بعضه عن فساد بعض”. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله: “لا يجوز أن يوجد في الشرع خبران متعارضان من جميع الوجوه، وليس مع أحدهما ترجيح يقدم به”.

وقال ابن القيم -رحمه الله تعالى: “وأما حديثان صحيحان صريحان متناقضان من كل وجه ليس أحدهما ناسخًا للآخر، فهذا لا يوجد أصلًا، ومعاذ الله أن يوجد في كلام الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم الذي لا يخرج من بين شفتيه إلا الحقُّ”.

والاختلاف الظاهري: وهو وَْهم يكون في ذهن الناظر، ولا وجود له في الواقع. قال إبراهيم بن موسى الشاطبي -رحمه الله: “كل مَن تحقق بأصول الشريعة، فأدلتها عنده لا تكاد تتعارض، كما أن كل من حقق مناط المسائل، فلا يكاد يقف في متشابه؛ لأن الشريعة لا تعارض فيها البتة، فالمتحقق بها متحقق بما في الأمر، فيلزم أن لا يكون عنده تعارض، ولذلك لا تجد البتة دليلين أجمع المسلمون على تعارضهما بحيث وجب عليهم الوقوف، لكن لما كان أفراد المجتهدين غير معصومين من الخطأ، أمكن التعارض بين الأدلة عندهم”.

وفي الجملة: فإنه لا تُعارض آيةٌ آيةً، ولا آيةٌ حديثًا صحيحًا، ولا يعارض حديثٌ صحيح آخر مثله، ولكن التعارض الذي قد يبدو بين النصوص، إنما هو تعارض في الظاهر لا في الحقيقة؛ لأن الجميع من الآيات والأحاديث من عند الله، وما دام الأمر كذلك فإن الشرع لا يتناقض ولا يعارض بعضه بعضًا.

وقد قال الله عز وجل: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا}.

ولهذا قال الإمام أبو بكر بن خزيمة -رحمه الله: “ليس ثَم حديثان متعارضان من كل وجه؛ ومن وجد شيئًا من ذلك فليأت لأؤلف له بينهما”. ولشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- كتاب عظيم في بابه واسمه (درء تعارض العقل والنقل). ومختلف الحديث من أهم أنواع علوم الحديث، ويضطر إلى معرفته جميع العلماء، والذي يعنى بالقيام به الأئمة الجامعون بين صناعتي الحديث والفقه، وهم الغواصون على المعاني الدقيقة.

وينقسم مختلف الحديث إلى قسمين أيضًا:

القسم الأول: ما يمكن الجمع فيه بين الحديثين، حيث يمكن القول بهما معًا، ومثاله حديث: ((لا عدوى ولا طيرةَ)) مع حديث: (( لا يورد ممرض على مصح))، وحديث: ((فِرَّ من المجذوم فرارك من الأسد)).

ووجه الجمع بينهما: أن هذه الأمراض لا تُعدي بطبعها، ولكن الله -تبارك وتعالى- جعل مخالطة المريض بها للصحيح سببًا لإعدائه مرضه.

ثم قد يتخلف ذلك عن سببه كما في سائر الأسباب؛ ففي الحديث الأول نفى صلى الله عليه وسلم ما كان يعتقده الجاهل من أن ذلك يُعدي بطبعه، ولهذا قال: ((فمن أعدى الأول)).

وفي الثاني اعلم بأن الله سبحانه جعل ذلك سببًا لذلك، وحذر من الضرر الذي يغلب وجوده عند وجوده بفعل الله سبحانه وتعالى.

القسم الثاني: أن يتضادا بحيث لا يمكن الجمع بينهما، وذلك على ضربين:

أحدهما: أن يظهر كون أحدهما ناسخًا والآخر منسوخًا، فيعمل بالناسخ ويترك المنسوخ.

الثاني: أن لا تقوم دلالة على أن الناسخ أيهما والمنسوخ أيهما، فيلجأ حينئذٍ إلى الترجيح، ويعمل بالأرجح منهما والأثبت من خلال طرق الترجيح المتعددة. وهذا يجري على الأحكام العملية دون الأحكام الخبرية، وهي المتعلقة بمسائل العقائد.

error: النص محمي !!